محمد الدويمي - المنجم ورمضان..

خلال كل شهر رمضان، تلقى على كاهلي مهمة نبيلة كنت أنتظر أداءها بفارغ صبر، خاصة عندما يزاول أبي عمله بالفوج الثاني الذي يبدأ من الواحدة بعد الظهر إلى التاسعة ليلا.
يصبح لزاما علي أن أنقل إليه، كل يوم عمل، حصة فطوره خلال هذا الشهر الفضيل.
قبيل موعد أذان المغرب بحوالي ساعة تقريبا، تضع أمي في "موزيطْ" قطعة خبز أو شيئا من الفطائر التي تحضر في هذه المناسبة، أما "الحَريرَة" فتضعها في حسائية تحكم إغلاقها جيدا، إضافة إلى قنينة زجاجية تملأها بالشاي أو القهوة مصحوبة بحبات من التمر...
في بعض المرات أجلب له من "الكونوما" المجاورة للمنجم، قنينة زجاجية من الحليب و"كوميرا".
حين تنادي علي أمي، آخذ "الموزيطْ" بعد أن أحشو داخله ورقة كتبت عليها رقم أبي في العمل كي لا يضل "الموزيطْ" الطريق. لم أكن أذهب وحدي طبعا. كنا مجموعة من أطفال الحي نقوم بنفس المهمة.
على مشارف المنجم، كان وقع أقدامنا الصغيرة يتلاشى تحت أصوات محركات الآلات العملاقة التي تنقل الفحم والخشب بعيدا نحو عمق الأرض حيث يعمل آباؤنا.
غبار أسود يتطاير عن يميننا وعن يسارنا عند كل نسمة ريح أو مرور شاحنة...
نقصد أولا بوابة "لاكاجْ".
بسرور طفولي بريء، نسلم ما تحمله أيدينا الصغيرة ل"السينْيالورْ" المشرف على صعود المركبة وهبوطها ووقوفها...
ريح دافئة تنبعث من الباطن. تلسع وجوهنا برفق حين ندنو أكثر من بوابة البئر العمودية التي يقترب عمقها من خمس مئة متر.
نختلس النظر إلى تلك اللوحة الإلكترونية المليئة بالأزرار الصفراء والحمراء والخضراء والكثير من الرموز والإشارات التي تومض عند كل حركة أو وقوف للمركبة...
فجأة يطرق مسامعنا هدير قوي.
نرجع مذعورين إلى الوراء.
تطل علينا المركبة قادمة من العمق.
عندما ترسو على السطح، يضع "السينْيالورْ" حمولتنا داخلها، ثم يعطي إشارة الهبوط.
تغادر المركبة السطح بسرعة البرق يصحبها هديرها الذي يتلاشى كلما غارت في العمق.
تغيب عن أعيننا المتطفلة البريئة وجبات فطور آبائنا.
أخبرني الوالد بأن العمال يجتمعون وقت الإفطار. يفترشون الأرض ويتشاركون وجبة الفطور ممزوجة بالغبار والعرق...
نغادر محيط "لاكاجْ".
نقصد "لافْوارْ" حيث يسلم أحد الأطفال مباشرة وجبة الفطور لأبيه الذي يعمل بهذه المصلحة.
نستغل الفرصة ونتّبع المراحل التي يقطعها الفحم الذي يصعد من الباطن حتى يصبح جاهزا للاستهلاك:
تنقله العربات المخصصة من الباطن.
تفرغه أوتوماتيكيا في حزام مغطى مثبت فوق سطح الأرض ينقله إلى "لافْوارْ" حيث يمر عبر مراحل الغربلة والغسل والفرز...
حين يسكن هدير المحركات ويقف الحزام الناقل عن الدوران، ندرك أن موعد الفطور قد أزف.
نغادر المكان مسرعين بعد هذه الرحلة الميدانية الاستكشافية.
نتسابق نحو بيوتنا قبل أن يدركنا الأذان.

محمد الدويمي
من رواية: جرادة.. بقايا أيام متمردة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...