ظافر الجبيري - نداءُ الفراشة...

للنائم أن تقلقه الأصوات المفاجئة .

تحرك وهو يحاول التأكد مما سمع، فيما لا يزال بين نوم وصحو، وضع النظارة على عينيه .. أضاء الغرفة، جال ببصره، فرك أذنيه، أغمض عينيه وفتحهما ليدخل الصحو من أوسع أجفانه !

كان صوتًا لشيء يتحرك، ينحشر بين أوراقٍ وكتبٍ قرب الزاوية، لام نفسه، إذ كيف سيعثر على مصدر الصوت بين الفوضى التي تملأ أرجاء الغرفة.. دون شك، ستنتصر الفوضى لو دخل في مطاردة مع أي زائر!

أعاد القلقَ والزمنَ إلى الوراء، أطفأ الضوء، خلع النظارة، تركها قريبا منه ، أغلق عينيه، عاود البحث عن دفءٍ في شتائه وحيدًا، استعاد بعضًا من مطارداته للهوامّ التي تسير على ظهر الأرض، وتتسلّق الجدران، قلّب العلاقة بين مشاعر الوحدة وذكرى من رحلوا! ثم عاود النوم الصباحي .

استيقظ بعد ساعتين.. ونسي !

قبل أن ينتصف الليلُ ما زال مستيقظًا، وكان الضوء يملأ الغرفة .. فجأة ،وبلا مقدمات، يلمح في هامش نظره شيئًا يسقطُ من فوق خزانة الملابس ويهمد، حرّك بعض الأثاث ليستطلع الأمر..لعبة الصوت والحركة تغريه أحيانًا .. هذا الشيء لم يصدر صوتًا و لم يحشر جسده مجدّدا !

بورقة تقويم مهملة، حرّك شيئًا غريبًا صغيرًا وخفيفًا، سحبه إلى مكان واضح.. كاااانت فراشة!

سيقبض عليها!

حاول الإمساك بها ، ظلتْ تتحرك قليلًا وتهمد، خشى أن تتفتّت بين أصابعه إلى رفات، وتذكر وصيّة الأم :

- لا تؤذوا الفراشات !

- لماذا يا أمي ؟

- لأنها جاءت من عند أرواح الموتى!


شعر بدفء يسكن روحه ، فيما تحاول الفراشة مغادرة المكان، و أحس بروحه تتوق إلى مرافقتها في رحلة العودة هربًا من برد الدنيا، وصَعَدَت زفرتُه :

" آهٍ.. كم دنيانا باردةٌ بعدَك يا أمّي"

تسلل إليه نوم غريب، وشعر معه بدفء لذيذ، دفءٍ بطعم الذكرى يملأ المكان في حضور الفراشة الزائرة!

راح يحملها برفق إلى مكان آمن، وكان جناحاها يرتعشان برفق كحركة نائم!


11/2016م




* (نداء الفراشة) من مجموعة (رجفة العناوين) الصادرة عام 2017م الصادرة عن دار الانتشار العربي، وفي عام 2018م اختارت وزارة التعليم هذه القصة القصيرة ضمن مقرر اللغة العربية في المرحلة الثانوية، كتاب (الكفايات اللغوية 2)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...