شهادات خاصة مـن النظـم إلـى الشعـر... شهادة للشاعر محمد علي الرباوي في الشاعر بوعلام دحيسي

كنا في سنوات السبعين خاصة، نَحتفل بميلاد الشاعرِ من خلال ما ينشره في المنابر الإعلامية أولا، وثانيا من خلال حضوره في الملتقيات الثقافية التي تحتضنه اعتمادا على حضوره الوازن في تلك المنابر. وكان الانتماء السياسيّ هو جواز سفره للعبور إلى قلب القارئ لكن الأمر تغير، منذ ظهور منابر جديدة في المواقع الثقافية التي انتشرت في الفضاء الأزرق قبل أن يبتلعها الفايس بوك أخيرا.
تَعرفتُ إلى شاعرٍ شاب، اسمُه بوعلام دخيسي، من خلال أول نص له عبر موقع أدباء الشام. كان النظمُ هو الغالبَ عليه، وهو نَظْمٌ لا يوحي بأن وراءه شاعرا سيكون له صوتُه المتفرد. ومع ذلك تَتبعتُ ما كان ينشره في تلك المواقع خاصةً حين علمتُ بأنه من وجدة الفيحاء. ومع توالي نصوصه بدأتُ أكتشف بعضَ ملامح وجهه، مما جعلني أشعر بأن بوعلام دخيسي قادرٌ على أن يُطور ممارستَه الشعرية. وتَعَزَّز هذا الإحساسُ منذ أن تعرفت إليه مباشرةً من خلال حضوره المتميز في اللقاءات الشعرية التي كانت تُنَظِّمُها جمعياتٌ ثقافية بوجدة أولا، وبباقي مدن الجهة الشرقية الثقافية ثانيا. من خلال هذه اللقاءات اكتشفتُ في الشاعر رغبتَه الشديدةَ في تجويد كتاباته الشعرية، والسير بها في خط تصاعدي، ولهذا كان، وما يزال، يُحسن الإصغاء لما يقوله عن شعره، أصدقاؤه الشعراءُ سواءٌ من مجايليه، أم من الشعراء الذين سبقوه إلى جنون الشعر وجمره. كان يُحسن الإصغاء إليهم جميعا، لكنه في الوقت ذاته كان يُغربل ما يصل إلى سمعه. وهذه ميزة تُحسب له. ولعلها هي التي جعلته، في مرحلة نضجه، لا يكون صدى لغيره خاصةً بعد صدور عمليه الشعريين في بداية ظهور دواوينه العديدة. أذكر أنني مرة كنتُ أحدثه، وكان صحبة مجموعة من الشعراء المجايلين له، قائلا ما خلاصته: "إن الشاعرَ الناجح هو من استطاع أن يكون متميزا عن غيره". فكان الوحيدَ الذي رَدَّ عليّ بما معناه: "يمكن أن يَحْدُثَ هذا حين يمارس الشاعرُ القصيدةَ الحرة، وكان قد بدأ في ممارستها باحتشام، أما أن يتحقق له التميز من خلال ممارسته القصيدةَ فأمر عزيزٌ". فأعطيته أمثلة بأشعار سعيد عقل، وأشعار نزار قباني وأضرابهما.
مع توالي إصداراته تشكلت أمامي، بوضوح ملامحُ الشاعر بوعلام سواء أفي قصائده، أم في قصائده الحرة، ويرجع هذا التحولُ، إلى تحرره من سلطة المناسبات الاجتماعية، والسياسية؛ إذ سمح لذاته بأن تفشي للقارئ أسرارَها، ومعاناتها، بلغة شعرية متوهجة مرتبطة بهذه الذات في علاقتها بما يحيط بها من هموم.
في هذه المرحلة تميزت نصوصُ الشاعر بوعلام دخيسي بلغة تُوهم المتلقي بأنها تتشكل خارجَ الشعر؛ إذ لا تجد فيها اهتماما بالمكونات البلاغية التي تزدحم في كتابات أغلب شعراء جيله خاصة، دون أن يكون لهذا الازدحام مسوغ شعري. ولا ينجح في هذا الاختيار سوى الشعراء الحقيقيين، وهذا ما جعل شعر بوعلام يشد قارئه إليه، ويجعلهُ يحترق بما فيه من توهج صادق. وأغلب القصائد العظيمة في تراثنا القديم، والحديث على هذا النمط وخير من يمثله في شعرنا المعاصر الشاعر صلاح عبد الصبور. وأرى أن السر في اختياره هذه اللغةَ يعود إلى الطريقة التي يبني بها نصه الشعري. فأغلب نصوصه الناجحة تقوم على فكرةٍ تغمر النصَّ بكامله، حيث تُبنى هذه الفكرة لبنةً لبنةً، وتنتهي بخاتمة مشعة، ولعل هذا ما جعل نصوصه ذات طول متوسط.
هكذا عرفت الشاعر بوعلام. عرفته ناظما في بداية مسيرته الشعرية، ثم عرفته شاعرا سريع التطور، ومن خلال هذه المرحلة الثانية نجح في أن يملك أسلوبَه الخاص سواء أمن خلال القصيدة، أم من خلال القصيدة الحرة. وهذا ما جعله صوتا شعريا بارزا في حركة الشعر المغربي الحديث. أدعو الله أن يكون له السند، وأن يوفقه.

محمد علي الرباوي


------------------------------------
"تجربة بوعلام دخيسي الشعرية، دراسات وشهادات".
الصورة من حفل تكريمه من طرف المقهى الادبي وجدة (لاميرابيل) في 15 يوليو 2013م الموافق للسابع من رمضان 1434هـ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...