نص الشهادة:
دونـك العلـم، أبا علَـم
ولد في غابة الشعراء، بالجهة الشرقية للمغرب، من نبعة الشعر، وبعض الشعراء ليسوا بنبع إذا عدوا ولا غرب.
فاجأ الساحة الشعرية بوابل من الأشعار التي توالت وتدلت كعناقيد العنب، فكأنها الوابل الصيب، فهو يسارع إلى وضعها على خوان القراء وكأنه يخشى نفادها قبل الأوان.
وهذه الكواكب السيارة صارت وكأنها شهب السماء التي يستبشر بها بعض، ويتوجس منها بعض حتى لقد منع الشاعر من أن يوصل صوته إلى جمهوره أكثر من مرة.
يا أبا علم.
لا يفزعنك ما تلقى من الحصار، فتحت الحصار والنفي والغربة، والعذاب، ولد أعذب الشعر. أنى لشوقي بالخرد الحسان من القصائد لو أنه لم يذق المنفى وبقي حبيس قصر عزيز مصر؟ من أين كان له أن يزاحم بمنكبه ابن زيدون والبحتري والبوصيري، والحصري، حتى تمنت كل مقطعة يدها لو تبعث تشهده لولا التحديق في بهاء الشمس رغم الحصار؟ كأن الشعراء الشعراء لا يملون من معاودة تجربة إيكار، رغم أن الشمس التي يعشقونها، لها أشعة من شأنها تذويب الشمع الذي يمسك الأجنحة. وهكذا، فعندما فرضت الإقامة الجبرية على سالم جبران ترقرقت من بين أصابعه (قصائد خارج الإقامة الجبرية). والصبر على البلاء والتشبث بالوطن هو الذي منح سميح القاسم هويته، دون أن يحتاج إلى البحث عنها في موانئ العالم، ومواجهة عبادة الذات هي ما بعث الروح في كلمات الشهيد، بعدما كانت عرائس من شمع.
على أن كل أولئك لم ينسوا أن يهتدوا ويقتدوا بالسابقين الأولين من أولي البيان، وامرؤ القيس الذي خسف للشعراء عين الشعر، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه، كان يهذب شعره، وقد قال في ما قال من ذلك:
أَذودُ القوافيَ عنّي ذِيادا
ذيادَ غلامٍ جَرِيٍّ جَوادا (...)
فلمّا كثُرْنَ وعنَّيْنَهُ
تَخَيَّرَ منهُنّ سِتًّا جِيادا
فهو إذن كان يتخير ما يحس به قادرا على مقاومة تطاول العصور.
وقال سيدنا كعب بن زهير :
فمَنْ للقوافي شانَها مَنْ يَحُوكُها
إذا ما ثوى كَعْبٌ، وفَوَّزَ جَرْوَلُ
أليست الكتابة حياكة؟ بلى، والحياكة بحاجة إلى تعهد السداة، ومراجعة اللحمة. ولم يترك عدي بن الرقاع الشعراء ليرقعوا قصائدهم، بل دلهم على طريق الكمال فقال:
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمَعُ بينها
حتّى أُقَوِّمَ مَيْلَها وسِنادَها
وهذا المنهج هو الذي أذن لأبي الطيب أن ينام ملء جفونه عن شوارد القوافي، ويسهر الخلق جراها ويختصم.
يا أبا علم
لئن صبرت وصابرت وكابدت، ليوشكن أن تأتيك خرائد الشعر حبوا. ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
حرر في العاشر من رمضان 1444
حسن الأمراني
دونـك العلـم، أبا علَـم
ولد في غابة الشعراء، بالجهة الشرقية للمغرب، من نبعة الشعر، وبعض الشعراء ليسوا بنبع إذا عدوا ولا غرب.
فاجأ الساحة الشعرية بوابل من الأشعار التي توالت وتدلت كعناقيد العنب، فكأنها الوابل الصيب، فهو يسارع إلى وضعها على خوان القراء وكأنه يخشى نفادها قبل الأوان.
وهذه الكواكب السيارة صارت وكأنها شهب السماء التي يستبشر بها بعض، ويتوجس منها بعض حتى لقد منع الشاعر من أن يوصل صوته إلى جمهوره أكثر من مرة.
يا أبا علم.
لا يفزعنك ما تلقى من الحصار، فتحت الحصار والنفي والغربة، والعذاب، ولد أعذب الشعر. أنى لشوقي بالخرد الحسان من القصائد لو أنه لم يذق المنفى وبقي حبيس قصر عزيز مصر؟ من أين كان له أن يزاحم بمنكبه ابن زيدون والبحتري والبوصيري، والحصري، حتى تمنت كل مقطعة يدها لو تبعث تشهده لولا التحديق في بهاء الشمس رغم الحصار؟ كأن الشعراء الشعراء لا يملون من معاودة تجربة إيكار، رغم أن الشمس التي يعشقونها، لها أشعة من شأنها تذويب الشمع الذي يمسك الأجنحة. وهكذا، فعندما فرضت الإقامة الجبرية على سالم جبران ترقرقت من بين أصابعه (قصائد خارج الإقامة الجبرية). والصبر على البلاء والتشبث بالوطن هو الذي منح سميح القاسم هويته، دون أن يحتاج إلى البحث عنها في موانئ العالم، ومواجهة عبادة الذات هي ما بعث الروح في كلمات الشهيد، بعدما كانت عرائس من شمع.
على أن كل أولئك لم ينسوا أن يهتدوا ويقتدوا بالسابقين الأولين من أولي البيان، وامرؤ القيس الذي خسف للشعراء عين الشعر، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه، كان يهذب شعره، وقد قال في ما قال من ذلك:
أَذودُ القوافيَ عنّي ذِيادا
ذيادَ غلامٍ جَرِيٍّ جَوادا (...)
فلمّا كثُرْنَ وعنَّيْنَهُ
تَخَيَّرَ منهُنّ سِتًّا جِيادا
فهو إذن كان يتخير ما يحس به قادرا على مقاومة تطاول العصور.
وقال سيدنا كعب بن زهير :
فمَنْ للقوافي شانَها مَنْ يَحُوكُها
إذا ما ثوى كَعْبٌ، وفَوَّزَ جَرْوَلُ
أليست الكتابة حياكة؟ بلى، والحياكة بحاجة إلى تعهد السداة، ومراجعة اللحمة. ولم يترك عدي بن الرقاع الشعراء ليرقعوا قصائدهم، بل دلهم على طريق الكمال فقال:
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمَعُ بينها
حتّى أُقَوِّمَ مَيْلَها وسِنادَها
وهذا المنهج هو الذي أذن لأبي الطيب أن ينام ملء جفونه عن شوارد القوافي، ويسهر الخلق جراها ويختصم.
يا أبا علم
لئن صبرت وصابرت وكابدت، ليوشكن أن تأتيك خرائد الشعر حبوا. ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
حرر في العاشر من رمضان 1444
حسن الأمراني