شهادات خاصة سامح درويش - شاعـر يكثّـف الكـون فـي مفـردة واحـدة

"تجربة بوعلام دخيسي الشعرية، دراسات وشهادات".

نص الشهادة:


أحبّـك

لا أذكر بالضبط متى وكيف تعرفت على الشاعر بوعلام دخيسي، لكنني أذكر أن اسمه قد بدأ يتردد على مسامعي منذ منتصف العشرية الأولى من القرن الجاري بفعل نشاطه ضمن مجموعة الشعراء الشباب ودورانه في فلك برامج مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية حديث النشأة بوجدة، ومواظبته على الحضور في فعاليات المشهد الثقافي بمدينة وجدة كمن يبحث عن جمهور لتمرير رسالة، أذكره بلحيته المشذبة بعناية مثل قصيدة عمودية من ديوانه الأول (هديل السحر)، أذكره بحركاته الموزونة المقفاة كمن يخرج لتوه من كتاب "ميزان الذهب"، أذكره بهندامه المرشوش بالمجاز وإنشاده المغلول بالمعنى كأي شاعر شاب يحضّر نفسه للالتحاق بـ "رابطة الأدب الإسلامي"، التي كنت أنظر إليها - آنئذ - مثل بيت عنكبوت يلتهم الشعراء الشباب قبل أن تشتدّ قصائدهم، ليخنق حريتهم ويدخلهم في تابوت الشعر إلى الأبد، بالرغم من أن جل أعضاء الرابطة بوجدة كانوا وما زالوا أساتذتي وأصدقائي، نتبادل الاحترام ويتفهم كلّ منا تموقع الآخر... سوى أن جغرافيا الشعر كانت واسعة.
هكذا، تشكلت في ذهني - وقتها - صورة نمطية للشاعر بوعلام دخيسي، واعتقدت أن لا منجاة لتجربته الشعرية من التقوقع وهو يقع في بيت العنكبوت، وكاد هذا الاعتقاد أن يتأكد لديّ حين قرأت باكورته (هديل السحر)، لولا أنني أحسست وأنا أقرأ هذا الهديل أن ثمة بين السطور شاعرا يتخبط لتمزيق خيوط بيت العنكبوت من حوله، شاعرا يتنفس الشعر بعمق، شاعرا يحتمي بغلالة من الجمال وهو يقتات من عسل كلماته في اتجاه ضوء الحرية ومروج الشعر الفسيحة، فقلت مع نفسي: لا بأس... فلأنزلْه المكانة اللائقة التي أنزل فيها الشاعر الرائد أستاذي محمد علي الرباوي، فكلاهما ينتميان إلى مجرة شعرية واحدة غير مجرّتي، فهما بمثابة فرقدين يضيئان لي - على الأقل - ما يحدث وما يمكن أن يحدث من تحولات وتراكمات في مجرتهما الشعرية، ولنبق هكذا أحبّة كلٌّ في فلك شعري يسبحون.
غير أنه قد كان للأيام مفعول آخر وزوايا مناورة أخرى، فمع مرور الشهور والسنوات جرت تحت الجسر الذي كان بيني وبين الشاعر بوعلام دخيسي تفاصيل كثيرة، ونحن نتقاسم هذا المنبر أو ذاك، نرتاد هذا الفضاء الثقافي أو ذاك، نسافر معا إلى هذا الملتقى أو ذاك، نتنادى إلى هذا المشوار أو ذاك، نتبادل الرأي في هذا الأمر أو ذاك، حتى لم يعد لبعضنا من بعض فكاك، ولم يعد ثمة شأن ثقافي بمدينة وجدة وأحيانا خارجها إلا تداولنا فيه، وقد ازدادت هذه الألفة قوة حين اختبر كل واحد منا الآخر في هذا الموقف أو ذاك، لأكتشف أن الرجل هو إنسان مبادئ وأخلاق، وحين تتبعت منشوراته في الفضاء الأزرق لأكتشف أن بوعلام لا يسابق أحدا بقدر ما يسابق نفسه من أجل تجويد أدواته الجمالية وتطوير تجربته الفنية وتقويض قيوده في تركيب الصورة وبناء العبارة الشعرية من قصيدة لأخرى، وحين توالت إصدارات الشاعر بمعدل ديوان في كل سنتين ليستوي على الشعر في ستة دواوين، لأتأكد من صدق صاحب (الصدى والنون) شعرا وسلوكا، وأقتنع أن تلك الصورة النمطية التي تشكلت لديّ عن الشاعر بوعلام دخيسي في بداياته قد أصبحت مجرد ذكرى، لتحل محلها صورة شاعر يمسك ناصية تجربته الشعرية بيده، شاعر يبني كينونته بنياط الشعر الشفيفة، شاعر يتغنى بالحب والحرية، شاعر يكتب ليحيا... حتى إنني أصبحت أشعر بين الفينة والأخرى أن مجرّته الشعرية تلامس مجرتي ليلوح لي ذلك البرق النوراني الفتّان، وأصبح بوعلام دخيسي أقرب إليّ من كثير من شعراء مجرتي، وأمسينا على طريق الشعر رفيقين.
ففي خضم صحبة الطريق منحني الشاعر بوعلام دخيسي امتياز الاطلاع وقراءة مسودة عمله الشعري الخامس (وحده قلبك في المرآة) قبل نشره، فكانت فرصة بل دعوة لي لأعيد قراءة كل دواوين الشاعر في نفس واحد، لأستمتع أولا، وأتوقف ثانيا عند أهم الملامح والاختيارات الجمالية التي تميّز هذه التجربة الشعرية الحافلة بالتوثبات الإبداعية، هذه التجربة التي أستطيع أن أقول إنني أعرف نبضها الفني عن قرب منذ (هديل السحر)، مرورا ب(الحرف الثامن) و(كي أشبه ظلي) و(عطفا على خصر الكمان)، وصولا إلى (وحده قلبك في المرآة) و(الصدى والنون)، حيث استطاع بوعلام دخيسي خلال هذا المسار الشعري أن يتأنّق في نمنمة سكنه الإبداعي ونحت صوته المميز وسط غابة من الأصوات عبر الاشتغال الهادئ على تشذيب التجربة والارتقاء بالأداء الفني وتجويد الممكنات الشعرية من عمل لآخر بل أحيانا من نص لآخر. فها هو الشاعر - الآن - يبدو وكأنه يسابق نفسه نحو تطريب الكون في مجرة شعرية آهلة بالارتطامات الجمالية التي تقود المجاز إلى التجلي كما لو كان المجاز هو الحقيقة الوحيدة... ها هو يفشي انزياحاته وكأنها أسرار تبوح بها الكلمات وهي تهجر معانيها نحو معان جديدة ليتشكل ذلك القاموس الذي يصهر في مُفاعل القصيدة بين الشاعر العاشق والشاعر المتصوف، فنتورط - نحن القراء - مع الشاعر في تلك الحيرة اللذيذة التي تتولد من تماهي المرأة والمرآة والقصيدة واللغة والحرية حتى تكاد لحظة العشق / الشعر أن تعلو عن المعنى الواحد حين يتعدد، وتصبح المعشوقة حقيقة لا يُطاق لها مجاز، ليدرك الشاعر لحظة التجلي في تلك المساحة الساحرة بين الصاد والسين فتنزل الصورة بمزاج سورة ويتكثّف الكون في مفردة واحدة: أحبّك!.
بوعلام دخيسي شاعر اختار في بداياته أن يهدل ساعة السحر، وكـأني به وهو يفتتح دخوله حدائق الشعر يتيمّن بالشاعر المجدد بدر شاكر السياب، صاحب: "عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر" ليفتح لنفسه أفقا إبداعيا قائما على مبدأ التجاوز... شاعر يحتفي بالحرف الثامن وكأني به يريد أن يجعل من حرف الكاف مناطا لتجربة شعرية تتوق إلى الفرادة واستقصاء التواءات الذات الإنسانية في عصر متسارع التحولات... شاعر يثابر كي يشبه ظله كما لو أنه يتوق إلى جعل المجاز رديفا للحقيقة وجعل الشعر رديفا للحياة... شاعر يعزف على خصر الكمان، وكأني به يفصح عن صيرورته الشعريه بالبحث عن إيقاع خاص يصعد من بين الصلب والترائب... شاعر لم يعد يرى سوى قلب معشوقته في المرآة... شاعر لم يعد يكتفي باستنشاق الأصوات في ركوب خببه، بل أضحى يلاحق الصدى في حرف النون بما في حرف النون من أسرار، وكأني به يريد أن يضيف سببا أو وتدا أو فاصلة لإيقاع هذا الكون.
وبوعلام دخيسي عبر هذه الرحلة الشعرية هو شاعر حواس بامتياز، الأمر الذي يجعل مجرته الشعرية تلامس مجرتي أكثر فأكثر، من الهديل الذي يتم التقاطه بواسطة حاسة السمع إلى المرآة التي يتم استجلاء ما تعكس بواسطة حاسة النظر... من الكاف إلى النون (كن) تتجلى جملة التكوين... أي أن الشاعر يسير في اتجاه أن يصبح رائيا.

Sameh Derouich

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...