أحمد بلحاج آية وارهام - التصوف هو السير على نهج المحبة

إن معيار الصوفية هو المحبة.. محبة العالم كما أبدعه الخالق، وكما ارتضاه. فمن سار على هذا النهج فهو صوفي، ومن كره العالم أو بعض مكوناته فليس صوفيا ولو تزَيَّا بزي الصوفية وانتحل لغتهم؛ وذلك لأن عندليب الصوفية يُغردُ كأنه أُورْكِسْتْرَا كاملة مليئة بالرموز والإشارات التي تُعلِّمُ المثابةَ والتضحية، ولغة العمق العاطل.

وهذه اللغة تتفَجَّرُ من صدق الذات مع نفسها، ومع زمنها الخاص، فهي ثمرةُ معرفة حدسية مباشرة، وبغير وسائط، وإدراكٌ ذاتي لا يُمكن تعميمهُ، ولا نقلُهُ من إنسان إلى آخر إلا بمعاناة التجربة نفسها، لأنه قائم على الذوق الشهودي؛ فإذا رأيتَ تجربة صوفية تتشابه لغتُها مع تجاربَ وحالات أخرى فاعلمْ أنها زائفة. ومن هنا، كان كثير من الحالات التي تُدرجُ في الحقل الصوفي الإبداعي مُجردَ استنساخ وتمحُّلٍ وادِّعاء في اللغة والسلوك، وفي المواقف والأحوال قصدَ تصيُّد الجاه والمال.

فاللغة عندنا هي بصمة تجربتنا القائمة على الشهود البصائري، والفائرة من معرفة متميزة بأنها:
محتوى اعلاني

أ ـ معرفة مباشرة ولحظية تستعصي على التعبير بغير الترميز والتلميح.

ب ـ معرفة تتوحدُ فيها الذات بالكون.

ج ـ معرفة موسومة بالصدق والاختلاف.

وهذه المعرفة تفتح لنا بُعدًا من العفوية، تنجمُ عنه حرية فكرية واسعة، وحاجةٌ إلى السعي اليومي، وإلى حياة مُغْنِيَةٍ ومنفتحة أكثر فأكثر، ومُيَسِّرَةٍ اللقاءَ بحضرة المطلق.

وبهذا ندْرِكُ أَنَّهُ ما من ذرة في الوجود إلا وعليها اسمٌ من أسماء المعبود، حيث نراه في كل شيء وفي كل مكان، سواء كنا منفردين أم مع أهلينا، أو نائمين أو طاعمين أو منشغلين بأية مهمة كانت. فالحضرةُ موجودة دائما، وإن غابت عنا توقفنا عن الحياة، وهذه هي أعالي لغتنا. الحب والجمال هو شِنْشِنَتُهَا، وذلك لأن علاقة الحب بالجمال توثقت فيها لسببين:

1 ـ أن الحب هو عِلَّةُ وجود العالم.

2 ـ أن الجمال هو الصورة التي ظهر عليها العالم.

وليس هذا التوهجُ العشقي الممتدُّ في اللغة وعلى مساحات الذوق الفردي والتجربة الخاصة انفتالة اعتباطية، ولا فورةً استيهامية، وإنما هو رؤية/ رؤيا بصيرةٌ بالأصل، منشدَّة إليه، محكومة به. فنحن نحاول أن نجْمَعَ السماء والأرض في ثوبٍ واحدٍ هو ثوب اللغة، ونكتبَ الحياة بحبر العشق الأبدي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...