علجية عيش - رمضان 28 .. دور الحركة الفكرية الإصلاحية في مواجهة الفكر الغربي

بين مدرسة الحديث و مدرسة دوسلان

كانت سياسة المستشرقين في المغرب العربي محاربتهم الثقافة العربية، و ذلك بغية تغريب العرب ، فعملوا على التنقيب في ماضيهم و كل مظاهر الفكر و الحضارة الإسلامية منذ ظهور البعثة المحمدية و معتتقدات المسلمين و تعصّبهم للدّين و كرههم للأجنبي و دراسة كل ما له علاقة بالشرق، كانت فرنسا البلد الأوروبي الأول الذي يشتغل على الفكر الإستشراقي، و كان أكبر مفكريها "سلفستر دو ساسي" الذي كان عميد المستشرقين المرافقين لحملة نابليون على مصر في القرن التاسع عشر، و ماسينيون الذي كان مرجع سياسة بلاده الشرقية، وقد زار ماسينيون القدس ثمانية عشر (18) مرة، و كان على خلاف مع ميشال دوفوكو في مهمته التنصيرية في صحراء الجزائر في القرن العشرين.


و قد شهدت الجزائر في أفريل 1905 حدثا ثقافيا هو انعقاد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، بإشراف الفرنسي روني باسيه René Basset و هو من أعضاء المجمع العلمي العربي ، و برعاية الحاكم العام للجزائر شارل جونار الذي كان يرى في الجزائر فرصة لمزيج ثقافي يمكن أن يزدهر، حضرت المؤتمر أكثر من 500 شخصية من مختلف البلدان، و كان دعاية صريحة لرسالة فرنسا الحضارية في الجزائر، على أنها أمة أمية جاهلة متخلفة و وجب نفض عنها الغبار ، لولا مؤرخين كتبوا عن الحركة الثقافية العربية و الإسلامية و أعلامها وكتبوا عن السيرة النبوية وسيرة ابن هشام النبوية و منهم الهولندي دي خويه de Coeje والألماني كارل بروكلمان و هؤلاء أصدروا المئات من المجلات التي تتناول ظاهرة الاستشراق في المغرب العربي و بخاصة في الجزائر، و الرد على مستشرقين كانوا متعصبين للإسلام و المسلمين و منهم السياسي الأمريكي هنري بيريس ( Pérès ) الذي عمل كأستاذ في كلية الآداب بالجزائر و هو معروف بتعصبه ضد الجزائريين .

كانت مدينة تلمسان مركزا للإصلاح في الغرب الجزائري في الفترة بين 1933 -1940 لاحتضانها ثلاث مدارس شرعية و كان جُلّ مديريها مستشرقين ، لكن الحركة الفكرية و الإصلاحية في الجزائر (كمعارض) لم تكن غائبة عما يخطط له الغرب، وقد مثّل مالك بن نبي الحركة الفكرية و الإصلاحية معا ، كانت له خبرة واسعة مع "ماسنيون" الذي وصفه بخبير الصراع الفكري، و قد تحدث عنه مالك بن نبي في مذكراته "شاهد على القرن" أما جانب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كحركة إصلاحية ، مثلها الشيخ البشير الإبراهيمي ، حيث كانت له مواجهة مع ماسينيون ، هذا الأخير في إحدى تصريحاته قال ان الشير الإبراهيمي ألدّ أعدائه و قد أشار إلى ذلك جميل صليبا في مذكراته عن البشير الإبراهيمي ، كما واجه الإبراهيمي المستشرق دوسلان، فقد اختار الإبراهيمي لـ: "مدرسة الحديث" موقعا مقابلا لمدرسة البارون ديسلان (de slane ) ، كان هذا الأخير أكثر اهتماما بتاريخ البربر في شمال افريقيا، وكان يستهدف منابع التراث الثقافي الجزائري حيث كان شغوفا بمكتبات الجزائر و خزائنها، كان ديسلان ( دوسلان) من بين المؤرخين الذين أسسوا الجمعية التاريخية الجزائرية التي جعلت من المجلة الإفريقية لسان حالها، إذ دونت فيها الكثير من المخطوطات المحلية و قامت المدرسة الاستشراقية الفرنسية بتحقيقها و طبعها في كتب.

فمن "مدرسة الحديث" بدأ الإبراهيمي مواجهته مع دوسلان من أجل تأصيل الوعي الديني و الدفاع عن أصالة الإسلام و التجديد الحضاري ، فالحركة الإصلاحية في الجزائر سارت على خطي أقطاب الإصلاح و علاقتهم بالعالم الإسلامي كالمفكر شكيب أرسلان الذي كان يُحَذِّر من مخاطر الإستشراق و المستشرقين و منهم ماسنيون ، الحقيقة كان هناك مستشرقون نزهاء و لو أنهم أقلية نصفوا الإسلام و المسلمين و من بينهم المجري غولدزيهر Goldziher ، بعضهم اعتنقوا الإسلام كـ: رينيه و الراهب الفرنسي شارل دوفوكو، قضي سنوات طويلة من عمره بين قبائل التوارق في الصحراء الكبرى جنوب الجزائر و هكذا أنكر الإصلاحيون كل ما يترتب عنه من انفلات فكري يتماشى مع الثقافة الغربية و مذاهبها، و فقد قدّم الفكر الإستشراقي الذي انبثق من عصر التنوير الأوروبي، صورًا نمطيّة عن الإسلام والعرب، ونظّر للاستعمار و باشكال متعددة ، حيث مثّل ﺣﻠﻘﺔ واسعة ﻓﻲ رﺣﻰ اﻟﺻراع اﻟﻔﻛري .

من كتاب مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية لبشير بلاح

علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...