بين مدرسة الحديث و مدرسة دوسلان
كانت سياسة المستشرقين في المغرب العربي محاربتهم الثقافة العربية، و ذلك بغية تغريب العرب ، فعملوا على التنقيب في ماضيهم و كل مظاهر الفكر و الحضارة الإسلامية منذ ظهور البعثة المحمدية و معتتقدات المسلمين و تعصّبهم للدّين و كرههم للأجنبي و دراسة كل ما له علاقة بالشرق، كانت فرنسا البلد الأوروبي الأول الذي يشتغل على الفكر الإستشراقي، و كان أكبر مفكريها "سلفستر دو ساسي" الذي كان عميد المستشرقين المرافقين لحملة نابليون على مصر في القرن التاسع عشر، و ماسينيون الذي كان مرجع سياسة بلاده الشرقية، وقد زار ماسينيون القدس ثمانية عشر (18) مرة، و كان على خلاف مع ميشال دوفوكو في مهمته التنصيرية في صحراء الجزائر في القرن العشرين.
و قد شهدت الجزائر في أفريل 1905 حدثا ثقافيا هو انعقاد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، بإشراف الفرنسي روني باسيه René Basset و هو من أعضاء المجمع العلمي العربي ، و برعاية الحاكم العام للجزائر شارل جونار الذي كان يرى في الجزائر فرصة لمزيج ثقافي يمكن أن يزدهر، حضرت المؤتمر أكثر من 500 شخصية من مختلف البلدان، و كان دعاية صريحة لرسالة فرنسا الحضارية في الجزائر، على أنها أمة أمية جاهلة متخلفة و وجب نفض عنها الغبار ، لولا مؤرخين كتبوا عن الحركة الثقافية العربية و الإسلامية و أعلامها وكتبوا عن السيرة النبوية وسيرة ابن هشام النبوية و منهم الهولندي دي خويه de Coeje والألماني كارل بروكلمان و هؤلاء أصدروا المئات من المجلات التي تتناول ظاهرة الاستشراق في المغرب العربي و بخاصة في الجزائر، و الرد على مستشرقين كانوا متعصبين للإسلام و المسلمين و منهم السياسي الأمريكي هنري بيريس ( Pérès ) الذي عمل كأستاذ في كلية الآداب بالجزائر و هو معروف بتعصبه ضد الجزائريين .
كانت مدينة تلمسان مركزا للإصلاح في الغرب الجزائري في الفترة بين 1933 -1940 لاحتضانها ثلاث مدارس شرعية و كان جُلّ مديريها مستشرقين ، لكن الحركة الفكرية و الإصلاحية في الجزائر (كمعارض) لم تكن غائبة عما يخطط له الغرب، وقد مثّل مالك بن نبي الحركة الفكرية و الإصلاحية معا ، كانت له خبرة واسعة مع "ماسنيون" الذي وصفه بخبير الصراع الفكري، و قد تحدث عنه مالك بن نبي في مذكراته "شاهد على القرن" أما جانب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كحركة إصلاحية ، مثلها الشيخ البشير الإبراهيمي ، حيث كانت له مواجهة مع ماسينيون ، هذا الأخير في إحدى تصريحاته قال ان الشير الإبراهيمي ألدّ أعدائه و قد أشار إلى ذلك جميل صليبا في مذكراته عن البشير الإبراهيمي ، كما واجه الإبراهيمي المستشرق دوسلان، فقد اختار الإبراهيمي لـ: "مدرسة الحديث" موقعا مقابلا لمدرسة البارون ديسلان (de slane ) ، كان هذا الأخير أكثر اهتماما بتاريخ البربر في شمال افريقيا، وكان يستهدف منابع التراث الثقافي الجزائري حيث كان شغوفا بمكتبات الجزائر و خزائنها، كان ديسلان ( دوسلان) من بين المؤرخين الذين أسسوا الجمعية التاريخية الجزائرية التي جعلت من المجلة الإفريقية لسان حالها، إذ دونت فيها الكثير من المخطوطات المحلية و قامت المدرسة الاستشراقية الفرنسية بتحقيقها و طبعها في كتب.
فمن "مدرسة الحديث" بدأ الإبراهيمي مواجهته مع دوسلان من أجل تأصيل الوعي الديني و الدفاع عن أصالة الإسلام و التجديد الحضاري ، فالحركة الإصلاحية في الجزائر سارت على خطي أقطاب الإصلاح و علاقتهم بالعالم الإسلامي كالمفكر شكيب أرسلان الذي كان يُحَذِّر من مخاطر الإستشراق و المستشرقين و منهم ماسنيون ، الحقيقة كان هناك مستشرقون نزهاء و لو أنهم أقلية نصفوا الإسلام و المسلمين و من بينهم المجري غولدزيهر Goldziher ، بعضهم اعتنقوا الإسلام كـ: رينيه و الراهب الفرنسي شارل دوفوكو، قضي سنوات طويلة من عمره بين قبائل التوارق في الصحراء الكبرى جنوب الجزائر و هكذا أنكر الإصلاحيون كل ما يترتب عنه من انفلات فكري يتماشى مع الثقافة الغربية و مذاهبها، و فقد قدّم الفكر الإستشراقي الذي انبثق من عصر التنوير الأوروبي، صورًا نمطيّة عن الإسلام والعرب، ونظّر للاستعمار و باشكال متعددة ، حيث مثّل ﺣﻠﻘﺔ واسعة ﻓﻲ رﺣﻰ اﻟﺻراع اﻟﻔﻛري .
من كتاب مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية لبشير بلاح
علجية عيش بتصرف
كانت سياسة المستشرقين في المغرب العربي محاربتهم الثقافة العربية، و ذلك بغية تغريب العرب ، فعملوا على التنقيب في ماضيهم و كل مظاهر الفكر و الحضارة الإسلامية منذ ظهور البعثة المحمدية و معتتقدات المسلمين و تعصّبهم للدّين و كرههم للأجنبي و دراسة كل ما له علاقة بالشرق، كانت فرنسا البلد الأوروبي الأول الذي يشتغل على الفكر الإستشراقي، و كان أكبر مفكريها "سلفستر دو ساسي" الذي كان عميد المستشرقين المرافقين لحملة نابليون على مصر في القرن التاسع عشر، و ماسينيون الذي كان مرجع سياسة بلاده الشرقية، وقد زار ماسينيون القدس ثمانية عشر (18) مرة، و كان على خلاف مع ميشال دوفوكو في مهمته التنصيرية في صحراء الجزائر في القرن العشرين.
و قد شهدت الجزائر في أفريل 1905 حدثا ثقافيا هو انعقاد مؤتمر المستشرقين الرابع عشر، بإشراف الفرنسي روني باسيه René Basset و هو من أعضاء المجمع العلمي العربي ، و برعاية الحاكم العام للجزائر شارل جونار الذي كان يرى في الجزائر فرصة لمزيج ثقافي يمكن أن يزدهر، حضرت المؤتمر أكثر من 500 شخصية من مختلف البلدان، و كان دعاية صريحة لرسالة فرنسا الحضارية في الجزائر، على أنها أمة أمية جاهلة متخلفة و وجب نفض عنها الغبار ، لولا مؤرخين كتبوا عن الحركة الثقافية العربية و الإسلامية و أعلامها وكتبوا عن السيرة النبوية وسيرة ابن هشام النبوية و منهم الهولندي دي خويه de Coeje والألماني كارل بروكلمان و هؤلاء أصدروا المئات من المجلات التي تتناول ظاهرة الاستشراق في المغرب العربي و بخاصة في الجزائر، و الرد على مستشرقين كانوا متعصبين للإسلام و المسلمين و منهم السياسي الأمريكي هنري بيريس ( Pérès ) الذي عمل كأستاذ في كلية الآداب بالجزائر و هو معروف بتعصبه ضد الجزائريين .
كانت مدينة تلمسان مركزا للإصلاح في الغرب الجزائري في الفترة بين 1933 -1940 لاحتضانها ثلاث مدارس شرعية و كان جُلّ مديريها مستشرقين ، لكن الحركة الفكرية و الإصلاحية في الجزائر (كمعارض) لم تكن غائبة عما يخطط له الغرب، وقد مثّل مالك بن نبي الحركة الفكرية و الإصلاحية معا ، كانت له خبرة واسعة مع "ماسنيون" الذي وصفه بخبير الصراع الفكري، و قد تحدث عنه مالك بن نبي في مذكراته "شاهد على القرن" أما جانب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كحركة إصلاحية ، مثلها الشيخ البشير الإبراهيمي ، حيث كانت له مواجهة مع ماسينيون ، هذا الأخير في إحدى تصريحاته قال ان الشير الإبراهيمي ألدّ أعدائه و قد أشار إلى ذلك جميل صليبا في مذكراته عن البشير الإبراهيمي ، كما واجه الإبراهيمي المستشرق دوسلان، فقد اختار الإبراهيمي لـ: "مدرسة الحديث" موقعا مقابلا لمدرسة البارون ديسلان (de slane ) ، كان هذا الأخير أكثر اهتماما بتاريخ البربر في شمال افريقيا، وكان يستهدف منابع التراث الثقافي الجزائري حيث كان شغوفا بمكتبات الجزائر و خزائنها، كان ديسلان ( دوسلان) من بين المؤرخين الذين أسسوا الجمعية التاريخية الجزائرية التي جعلت من المجلة الإفريقية لسان حالها، إذ دونت فيها الكثير من المخطوطات المحلية و قامت المدرسة الاستشراقية الفرنسية بتحقيقها و طبعها في كتب.
فمن "مدرسة الحديث" بدأ الإبراهيمي مواجهته مع دوسلان من أجل تأصيل الوعي الديني و الدفاع عن أصالة الإسلام و التجديد الحضاري ، فالحركة الإصلاحية في الجزائر سارت على خطي أقطاب الإصلاح و علاقتهم بالعالم الإسلامي كالمفكر شكيب أرسلان الذي كان يُحَذِّر من مخاطر الإستشراق و المستشرقين و منهم ماسنيون ، الحقيقة كان هناك مستشرقون نزهاء و لو أنهم أقلية نصفوا الإسلام و المسلمين و من بينهم المجري غولدزيهر Goldziher ، بعضهم اعتنقوا الإسلام كـ: رينيه و الراهب الفرنسي شارل دوفوكو، قضي سنوات طويلة من عمره بين قبائل التوارق في الصحراء الكبرى جنوب الجزائر و هكذا أنكر الإصلاحيون كل ما يترتب عنه من انفلات فكري يتماشى مع الثقافة الغربية و مذاهبها، و فقد قدّم الفكر الإستشراقي الذي انبثق من عصر التنوير الأوروبي، صورًا نمطيّة عن الإسلام والعرب، ونظّر للاستعمار و باشكال متعددة ، حيث مثّل ﺣﻠﻘﺔ واسعة ﻓﻲ رﺣﻰ اﻟﺻراع اﻟﻔﻛري .
من كتاب مواقف الحركة الإصلاحية الجزائرية من الثقافة الفرنسية لبشير بلاح
علجية عيش بتصرف