د. هناء البياتي - منزل الرعب...

كلما حل الغروب، والشمس تؤوب صوب منامها، تطير على جناح السرعة الى سطح المنزل لتسبق عقارب الساعة كي لا يفوتها سحر مشهد الغروب. تقف مذهولة عند منتصف السطح. عيناها مسمرتان على لوحات الغيوم التشكيلية الملونة بخيوط الشمس الذهبية الخجولة وهي تودع آخر خيط مضيء للنهار. تتأمل تفاصيل اللوحات الفنية التي موتشكلها الغيوم. تلتف يمينا لتبصر مشهدا يخطف الأنفاس.

ليتني أفهم لغة الغيوم ورموزها الغامضة وصورها المشرقة والأقل إشراقا. كم يذهلني التنوع في التضاريس المرسومة على لوحات الغيوم: هنا قصور وخيام تجري من تحتها الأنهار. هنا بساتين كثيرة الأشجار والثمار، هنا أشجار سيقانها من ذهب وأغصانها من زمرد. هنا بهائم وأطيار ودواب. هنا جموع من البشر لباسهم من السندس والاستبرق والحرير، يتزينون بالذهب والفضة واللؤلؤ، وعلى رؤوسهم تيجان من الياقوت تضفي عليهم جلالا وبهاء وجمالا سرمديا. هنا بحر بلا لون وبحار مختلفة الألوان: بحر الماء، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر العسل، وأنهار تنشق من هذه البحار، هنا عيون كثيرة، تشرب الجموع منها بلا ارتواء، لكل جمع قصص ومواقف: هنا جمع يلهو على الساحل، يراقب عن كثب حوريات البحر وهن يستعرضن مهاراتهن في ركوب الأمواج، وهنا عرس جماعي وأسرة من زبرجد أحمر وعليه قباب من نور. هنا طعام للجموع يطاف عليهم بأوان من ذهب وقوارير من فضة.

-- يا إلهي! هل هذه الجنة التي أعدت للمؤمنين؟
تلتف يسارا لتبصر مشهدا يرعب النظر حد الفزع. لوحات باهتة الألوان من الغيوم المزنة وهي ترتدي ثوبها الأسود شديد العتمة مع بقع رمادية تميل للبياض تارة وللسواد تارة أخرى، وكأنه مخاض لقدوم ليل بمخلوقات غريبة الأطوار من حفرة بركان هامد.

-- من رسم كل هذه المخلوقات المرعبة على لوحة الغيوم المزنة؟!
لم تزل في الذاكرة المتواضعة قصص هذه المخلوقات، فقد كانت جدتي ترويها لي قبل موعد النوم ظنا منها أنها تساعد على التسريع في النوم العميق، ليتها علمت مدى الرعب الذي كنت أعيشه آنذاك والذي ظل يرافقني العمر كله. مسميات عدة أطلقت عليها جدتي (الطنطل والعفريت والجني و الجيثوم) وسواها مما لفظته الذاكرة المرهقة، ومما عرفته لاحقا في الأساطير وفي حكايات ألف ليلة وليلة: هذا مشهد لطائر الرُخّ حاملا وحيد القرن، وهذا طائر العنقاء العملاق عند غروب الشمس، وهذا الغول وهو يرافق المسافرين التائهين في الأحراش والبراري، وهاتان صورتان لحصان اليونيكورن وهو يهاجم بشراسة صيادا يقترب منه في غابة كثيفة، وصورة أخرى له وهو يضع رأسه في حضن فتاة جميلة لينام بسلام، وهذه صورة الحصان المجنح، بجاسوس يولد من دم رأس ميدوزا المغطى بالثعابين بعد أن قطعه بيرسيوس ليهديه لأثينا، الهة الحرب في الاساطير اليونانية. هذه آرشيغال، الهة العالم السفلي عند السومريين، وهذا هايدس، ملك العالم السفلي، عالم الموتى، وهذا نهر ليثي الذي يحمل مياه التوبة والغفران كما عرفناه في الميثولوجيا الإغريقية واليونانية، وصور أخرى متداخلة مع بعضها تتوارى عن ناظري كلما اقترب الليل من سطح المنزل.
-- يا إلهي هل هذا مشهد الجحيم الأبدي؟
تستتر خيوط الشمس الذهبية الخجولة خلف الغيوم لتحل محلها خيوط النجوم الفضية الباهتة لتطرز عتمة ثوب الليل الداكن. تدير رأسها فلا ترى غير الظلام الدامس وسعلاة تهبط من الغيم لترافقها كما الظل وهي تتجه مرعوبة نحو باحة المنزل لترى أمها تهم بالخروج للقاء جاراتها اللواتي يفترشن الأرض على عتبة دار قريب من دارها. تحاول اللحاق بها دون جدوى. تترك الأم الباب الرئيسي للمنزل شبه موصد دون أي شعور بالقلق على ابنتها. لم القلق وهي تجلس مع صديقاتها على مسافة قريبة من المنزل؟ تهرع الفتاة الى غرفة النوم لتوصد بابها بإحكام كي لا تدخل معها السعلاة التي نزلت من الغيمة المزنة لترافقها الى غرفة نومها.

تراقب السعلاة عن كثب من ثقب مفتاح الباب وهي تتجه الى الغرفة المهجورة المقابلة لغرفتها والتي طالما حذرتها جدتها من دخولها ليلا لكونها مسكونة بالطناطل. ترفع الفتاة صوت المذياع بأعلى مستوى كي تشغل ذهنها المشوش بالرعب. تهرع الى سريرها القريب من النافذة الصغيرة. تفتح باب النافذة، علها تجد أحد المارة كي تطلب منه أن يخبر والدتها بالعودة الفورية الى المنزل. يسترق سمعها صوت ريح هادئة قادمة من مكان بعيد. فجأة يصير صوت الريح الهادئ زئيرا لعاصفة ترابية هوجاء تقترب بسرعة جنونية الى النافذة. تدخل غرفتها. تنعدم الرؤيا. تحاول العثور على باب النافذة لتوصده دون جدوى، فشدة العاصفة الترابية تقلب اثاث الغرفة رأسا على عقب. يا لهول المشهد! تسقط الفتاة أرضا. تغيب عن الوعي هنيهة. يهدأ صوت العاصفة لتحل محله أصوات ممزوجة بطنين الذباب وحفيف الخنافس وصرير الجراد تخترق طبلة اذنها لتوقظها من غيبوبتها. تفتح عينيها لترى مشهدا رهيبا، مشهد المخلوقات الأسطورية المرسومة في لوحة الغيوم المزنة تهبط جميعا الى غرفتها لتملئ الغرفة بالصراخ الهادئ والعويل المتقطع. تعود الى غيبوبتها ثانية. تصرخ دون صوت. تطلب النجدة للخلاص من مخلوق طويل القامة يرتدي العباءة السوداء لمصاص الدماء، دراكلا. يمد أصبعه على حنجرتها. يضغط عليها بقوة ليخفي صوتها كي لا يسمع المارة صراخها. تفز من نومها مرعوبة على وقع أقدام تتماهى ووقع أقدام السعلاة التي كانت تتبعها حتى باب الغرفة. يتضاعف رعبها. تصرخ بصوت مسموع:
-- النجدة! ... النجدة! ... أماه أين أنت؟ عودي بسرعة لا تتركيني في منزل الرعب وحيدة مرة أخرى!
تسمع صوت طرق قوي للباب وصوتا يشبه صوت أمها وهي تطلب منها أن تفتح الباب. تترك سريرها بأعجوبة، مثقلة الخطى، لا تقوى على الوصول الى باب الغرفة. تمد يدها المرتعشة لتفتح الباب دون جدوى، تسقط أرضا. تخطفها المخلوقات الأسطورية وتفر معها من نافذة الغرفة الصغيرة. تطير بها الى أعالي الغيوم، لتضيف لونا ذهبيا الى لوحة الغيوم المزنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...