إبراهيم محمود - سرديات البطن قراءة في كتاب بيريسيلّا ميري إيشين: مطبخ السلطان: تاريخ المطبخ السلطاني

تجنيس المهضوم



لا أسهل من الحديث عن المطبخ، أو الطبخ، لحظة الإشارة إليه، أو قراءته في مقال أو كتاب، بما أنه موصول بما نشرب ونأكل، بما نتناوله من أطعمة، بما نتغذى عليه، جهة المواد التي نحصل عليها، ونعدّها للطبخ، بطرق مختلفة، فالطعام، بتنوع مكوناته، ومصادره، عنصرٌ حياتي لا غنى عنه، ولكل منا تصوّر معين عنه، من خلال وضعه المادي، وثقافته بالتأكيد. إنما الأهم في الموضوع هنا، هو أن مفردة " الطبخ " غير مستقرة، وغير محصورة في الذي تتضمنه " بطنياً" إن جاز التعبير، حيث لا يعود ما نحصل عليه، خاماً، أو كما هو، بقدّر ما نغيّر فيه، من خلال عملية إعداده للطبخ، بما يتناسب وثقافتنا في الطبخ ونظرتنا إليه، بقدْر ما تمضي بنا إلى جهات شتى في علاقاتنا الاجتماعية، الفكرية، السياسية، النفسية، والثقافية، حتى في سياق عاداتنا وتقاليدنا، وأحاديثنا العادية بالمقابل. أن يكون أحدنا " مهضوماً " أن يكون " ذواقة " ، أن يكون ذا رائحة طيبة، أن يكون عسير الهضم كذلك.. وأكثر من ذلك، وبما لا يقاس، كما في " الطبخة السياسية،الثقافية، الاجتماعية، أو حتى في مفهوم " المطبخ السياسي- الثقافي...ألخ ". أترانا نعيش في مطبخ، مهما كان حجمه، لونه، الجاري فيه طبخياً، نوعه، دون أن ندري؟



إنما كيف يُنظَر إلى المطبخ، حين يسمّي أمة، شعباً، إمبراطورية؟ هنا، كما هو الممكن قوله، لا بد أن على المعنى التجاوب مع المبنى، أن يُنظَر بعيداً، عميقاً، وواسعاً، وبرويَّة أكبر، إلى ما يقال أو تجري تسميته من خلاله، فوراء كل عبارة، ربما تنبض حقيقة ما لأثر رائحة طعام ما، ولطعام ما قد لا يكون هو نفسه باسمه المحمول، أو في نطاق تعريفه أو توصيفه تاريخياً، فيكون للتشويق موقعه، وللحيطة والحذر موقعهما، وبين الحالتين، يكون القول الاحتمالي وارداً، دون إطلاق.



أي حيث ينظَر إلى المشروب والمأكول في المجال الأكثر وساعة ومأثور رغبات غريزية وأبعد، على أنهما يتجليان في سرديات تترى هنا وهناك، سرديات البطن، على وجه التحديد، لكنها في عمقها لا تستبقي على البطن وحدها، كما لو أن أمور أو شئون البلاد والعباد ، تنحصر وتتجذر في البطن دون غيرها حيوياً، ثمة الجسم بطبيعته الحية، ثمة الجسد، بصفته الإنسانية، إنما ما ينير المعمول في هذا المجال الرحب جداً، على صعيد العقل، وكيف تتشكل الروابط بينهما.



ومن خلال هذه العلاقة الثرية بخاصيتها الهضمية ، بمعناها المركَّب، أجدني كقارىء، وباحث إزاء كتاب لا يخفي أثير محتواه بمجراه البحثي" مطبخ السلطان : تاريخ المطبخ السلطاني " للباحثة المتمرسة في حيثيات الطبخ ونطاقه الساخن : المطبخ، على صعيد موسوعي، ومكثف يخص الإمبراطورية العثمانية، إمبراطورية " العلامات الكبرى" إن جاز التعبير: بيريسيلّا ميري إيشين، قارئاً لما سطّر بين دفَّتي غلافه، ومتنقلاً رحالة أثر بين " عباب مائه " وضفافه، إن صح التوصيف، من باب التأكيد على متعة الدخول معه في حوار، ومغامرة الحوار " 1 "



في فضاء العنوان
لكل عنوان ما يحيط به من دلالات. هذا ما يمكن قوله في مبتدأ النظر إليه وتبيّنه ظاهرياً، وكما هي العلاقة معه، جرّاء السائد أو المألوف والمكتسَب ثقافياً، إنما ما ينتظَر القول، تالياً، لتحريك الجاري قوله بداية، هو المسمى داخلاً، وعلان ينبني، أي حضور أعطيَ له، عبر اسمه المعلن.
بين " مطبخ السلطان " و" تاريخ المطبخ العثماني " صلة وصل، لكنها الصلة التي تنير مضمار الأول، بوصفه سلطانياً، كموقع اعتباري، كحاضرة سلطوية تستغرق جغرافية معلومة بتاريخها، كما هو المقرَّر في مستوفى المثار تاريخاً وإعلان اسم: تاريخ المطبخ العثماني. السلطنة حكْم موصوف، والعثمانية رافعة الاسم، هويته السياسية والاجتماعية والثقافية إمبراطورياً.



ثمة بشر يتوزعون في مجتمعات مختلفة تدور في فلك السلطنة ذات التاريخ العريق والمثير، رجال داخلون في نسيج تاريخ يصل بين قارات، لا زال يُبحث فيه، في ضوء الذي شهده من أحداث، وشاكله من أخبار، وعرفه من وقائع، وألِفه من مناسبات حدودية وبين حدودية، لا يعود المطبخ مجرد تسمية محصورة في حيّز البطن لحماً وشحماً وعظماً وتداخل روائح، إنما ما يثير الفضول المعرفي لتتبع أثر هذه الروائح، ومحرّك المطبخ وتنوع مغذياته. رجال الإمبراطورية بموقعهم الكبرى، كما هي الصورة/ اللوحة الفنية الطابع التي تستغرق الغلاف، ذكور يتصدرون الواجهة، ويقودون الناظر والقارىء إلى الداخل العميق، ونساء يتنفسن، أو يقمن بما هو مجاز لهن في القول والفعل، وما يعرَف بهن من خفايا الحالتين، في الحرملك. لنجد أنفسنا إزاء صنافة كبيرة من الرغبات التي يلتقي فيها الشهوي، المعِدِي، والقلبي والعقلي، العادي والنخبوي، وخطوط التواصل والانقطاع بينهما جهة المراتب وحركية المطبوخ وخلفياتها.
ينفتح المطبخ هنا على أمداء واسعة، وهو يسمّي قدراته، مستجداته، ومتغيراته، وما يؤثر في نوعه، في ظروفه المكانية، وحكْم الزمان المفصَح عنه بعلاماته الاجتماعية والسياسية والثقافية، لنجد أنفسنا في مخاض ثقافة هائلة، مركَّبة، وتحفّز على النظر في مكوّنها " نشأة " وتلويناتها.
لكأن المأخوذ بالنظر، والمأخوذ بالشم المقدَّر، والمعزَّز تفكيراً، يشكلّ وحدة متابعة، تتناسب والمعطى عبر العنوان، في كتاب مخرَج بحجمه، ودلالة هذا الإخراج بالمقابل، كما لو أن هناك صدى قول يتكرر بامتداد صفحات الكتاب، ويشير إلى المزيد الممكن تخيله على وقْع القراءة هذه، حيث إن كل قراءة ، ما أن تتقدم بما هو موجود في الظاهر، تشد إلى المجهول في الداخل.
هكذا تقول فصول الكتاب، بعناوينها المتلاحقة صحبة الصور واللوحات الدالة على شراكة المقروء والمنظور، المشموم والمطعوم والمشروب، على التاريخ والجغرافيا معاً.
أليس الوارد في مستهل الكتاب يضعنا في مواجهة حقيقة كهذه؟:
على مدى ستة قرون من وجود الإمبراطورية العثمانية، منذ إنشائها في الأناضول عام 1299 حتى حل السلطنة، ربطت ثقافة الطعام الناس من مختلف الطبقات والخلفيات مع بعضهم، حيث حدَّدت الهوية، وخدمت الوظائف الرمزية في المجالات الاجتماعية والدينية والسياسية والمجالات العسكرية. ص7 .
من باب البداهة القول أن مجرد قراءة هذه الكلمات، حتى سرعان ما يمضي بنا المقروء إلى الرغبة في مكاشفة خاصية هذه المدة الزمنية، وعبر رابط الطعام وقوة مأثوره تاريخياً.
ماالذي صعد من مقام الطعام، ليعطى له مثل هذا الدور شبه الكوكبي، أو يظهر مواقعياً هكذا؟ لعل وارد معناه يكمن في مصدره، قدرته على امتلاك الحقيقة المعبّرة عن الطعام وأدواره، وفي سياق إمبراطورية لا يستخف بقدراتها، يرموزها الكبرى، بشعوبها الداخلة في فلك سلطتها وحكمها طبعاً، بقابلية ما يقال فيها، للمزيد من القراءة، وهذه للمزيد من الحوار ومساراته، لحظة النظر في تاريخ الإمبراطورية هذه، وتجليها مشرقاً ومغرباً، ولعبة القوى المتباينة في بنيتها، وإلى يومنا هذا، كما لو أن الحاضر بما يعرَف به سياسياً، في نطاق " الدولة التركية " يحفّز على طرح سؤال يستغرق عالماً كاملاً،وبلغات شتى. إنه دَيْن السؤال المتجدد في رقبة كل جواب هنا.
ربما هكذا نتلمس مثل هذا التنوع والتوسع والثراء في العلاقات ذات الصلة ماضياً- حاضراً:
الأهمية التي يوليها العثمانيون لثقافة الطعام تعني أن هناك ثروة من المواد الأولية في مصادر متنوعة..ص8



يُستمَد أصل المطبخ العثماني في آسيا الوسطى من التاريخ المبكّر للأتراك كشعب رحل من جبال آلتاي في آسيا الداخلية. ص13 .
كان مطبخ آسيا الوسطى في الأساس نظاماً غذائياً ريفياً معتمداً على الأغنام ذات الذيل الذهبي..ص13.
أحد أكثر المصادر الشاملة للطرق الغذائية التركية في آسيا الوسطى هو قاموس القرن الحادي عشر للهجات التركية للباحث القراخاني محمود الكش، الذي كرَّس العمل للخليفة العباسي المقتدي ( فترة حكمه 1075-1094). ص 14 .
يعكس انتشار اللغات التركية والكلمات الدخيلة اليوم، من شمال غرب الصين إلى مدار ألفي عام ومجال تأثيرهم الثقافي. ص16 .
بين التاريخي والجغرافي، هناك ما يستوقف، ما يمضي إلى الداخل، والداخل يتكفل بتنوير ما هو اجتماعي وسياسي وثقافي ومعتقدي، في مضمار الزمن الذي لا تهدأ وتيرة السرعة فيه .
كيف تشكل هذا المطبخ الكبير، الموسوعي؟ كيف نحصل على اعترافاته، جهة الوارد إليه خاماً، أو نيئاً، والخارج منه مطبوخاً، ومُعداً في أوان وأطباق، وبوجود مهئين ومعَدّين لذلك سلطانياً؟
ثمة ما يعين على إضاءة هذا القول، وما جرى ذكره اقتباساً:
( حتى عام 2000، ظل الاهتمام بالطعام والمطبخ العثماني محدودًا في التأريخ العثماني. لقد كان عمل المؤرخين في التعامل مع موضوع الغذاء يتم من منظور اقتصادي، ولا سيما منذ خمسينيات القرن العشرين، موضوع إمدادات العاصمة العثمانية، وكذلك القصر.
وقد تناول المؤرخ العثماني أنتوني جرينوو هذا الموضوع بالتفصيل في أطروحته للدكتوراه. قام بدراسة معمقة لنظام إمداد الثروة الحيوانية في إسطنبول في القرن السادس عشر.
وقد درس المؤلف أحمد أوزون التغيرات التي طرأت على هذا النظام بين عامي 1783 و1857.
وكان نظام إمداد القصر العثماني في الفترة الكلاسيكية، بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، موضوع أطروحة الدكتوراه للمؤرخ عارف بيلجين، المتخصص في التاريخ الاقتصادي العثماني. لا يحتوي عمل بيلجين، الذي نُشر عام 2004 تحت عنوان مطبخ القصر العثماني، على نظام إمداد القصر العثماني فحسب، بل يحتوي أيضًا على معلومات قيمة عن نظام تنظيم المطابخ والطهاة وأنواع الطعام المختلفة المستهلكة في القصر العثماني بين عامي 1453 و1650. ..) .



وما يعمق هذه العلاقة:
( في ثمانينيات القرن العشرين، بدأت الدراسات الفولكلورية في تركيا بالتركيز على المطبخ التركي. وبحسب ماري هيلين سونر، عالمة الأنثروبولوجيا والمتخصصة في المطبخ التركي المعاصر، فإن الدولة التركية بدأت في تشجيع دراسات المطبخ التركي في ثمانينيات القرن الماضي من أجل استعادة صورة عالمية جيدة بعد التدخل العسكري في 12 أيلول 1980، وفي الوقت نفسه تلبية الطلب السياحي. وفي عام 1980، أطلقت الدولة التركية برنامجاً بحثياً حول هذا الموضوع، من خلال المركز الوطني لأبحاث الفولكلور (MIFAD). بين عامي 1981 و1984، نظمت MIFAD مؤتمرين. وتتعلق بعض الاتصالات التي جرت خلال هذين المؤتمرين بتاريخ المطبخ التركي العثماني ) .
ما يهيب بالتاريخ بأن يقوم بدوره على أكمل وجه، بناء على مخطط معلوم بمنهجه وفكرته طبعاً:
( بدأت الأبحاث التاريخية حول الطعام والمطبخ العثماني باستخدام النهج النوعي حوالي عام 1996. وقد تم تنفيذ العمل في وقت مبكر جدًا من قبل المؤرخ العثماني خليل إينالجيك.) .
طبعاً، إينالجيك، كما ورد اسمه، مؤرخ تركي كبير، ويعرَف بالكثير من أعماله تأريخياً.
ولا أدل على المتوخى من هذا الاهتمام " المطبخي " من المكانة المعطاة له دولياً، ومن قبل الدولة، حيث لا يعود النظر في التاريخ، بسياقات مطبخية مجرد الالتفاتة إلى الوراء، إنما لضبط موشور الرؤية الحسيةح الذهنية، وهويتها المستقبلية، وقيمتها برصيد ماض وقائم، كما في هذه اللائحة التأريخية :
( المؤتمر الدولي الأول للأغذية في تركيا، 25-30 أيلول 1986، نظمه فيزي هاليجي، أنقرة: منشورات وزارة الثقافة والسياحة، دار نشر نورول، 1988. المؤتمر الدولي الثاني للأغذية في تركيا، 3-10 سبتمبر 1988، نظمه فيزي هاليجي، أنقرة: منشورات مؤسسة قونيا للثقافة والسياحة، دار نشر جوفين، 1989. المؤتمر الدولي الثالث للأغذية في تركيا، 7-12 أيلول 1990، نظمه فيزي هاليجي، أنقرة: منشورات مؤسسة قونيا للثقافة والسياحة. المؤتمر الدولي الرابع للأغذية في تركيا، 3-6 أيلول 1992، نظمه فيزي حاليجي، أنقرة: منشورات مؤسسة قونيا للثقافة والسياحة، 1993. المؤتمر الدولي الخامس للأغذية في تركيا، 1-3 أيلول 1994، نظمه فيزي حاليجي، أنقرة: منشورات مركز أتاتورك الثقافي، 1999.
24كوت، جوناي. التركبات في تدليل الحلويات، أنقرة: وزارة الثقافة والسياحة، منشورات إدارة البحوث الفولكلورية الوطنية، 1986...) " 2 "
ذلك يشد القارىء، والباحث عن المعرفة، عما يتكتم عليه الطعام اسماً، ويختزنه من دلالات ومن قيم وعلامات أكثر من كونها " بطنية " مباشرة، مسمىً، جهة علاقة أي منا بالطعام، أو الأكل، وما يجري تسطيره تحت مسمى الطعام، أو الطبخ، وتنوع معانيه كذلك . فهل حقاً، وكما يتردد أننا ( نصبح ما نأكله On devient ce que l’on mange ). ؟ هناك ما يغري بتأكيد قول كهذا، إنما إلى أي درجة يصح القول في ضوء المعيش اليومي للإنسان، وكيفية تأمين الطعام، أو تناول الأكل، ومن هذا الذي يأكل، وأين، ومتى؟ إنها أسئلة تمارس مكاشفة لحقيقة المطبوخ هنا.
إنما في الوقت نفسه، لدينا ما يشرّع للمضي قدماً في ركاب هذا المشموم والمطعوم:
( 40 ألف عام من تاريخ العالم يرويها بالتفصيل جول والكاتب الموهوب في مجال الطهي، أيتور ألفونسو! لقاء مع المؤلفين.
سواء كنا في الخنادق في عامي 1914 و1918 أو في بومبيي، في العصر الذهبي لإسبانيا أو مع الفايكنج، لا يوجد شيء يكشف عن تاريخنا أكثر من ما نأكله في مكان معين وفي وقت معين... يسمح لنا هذا المنظور من فن الطهي بالاقتراب من مصير أسلافنا، وأفكارهم، وعواطفهم من وجهة نظر غير عادية. من أكثر الفترات مأساوية إلى أكثر القرون مجدًا، كل ما نجده على طاولة الجميع يروي قصة مغامرة البشرية بشكل أفضل من أي شخص آخر!
بدأت رواية ثيربانتس على المائدة.
هناك شيء من الغرابة في وجبة الساموراي ووجبة صيد الساحرات التي تدافع عن استخدام الملح كعلاج.
في عصر التنوير، "الشراهة للطعام هي كالفضول للمعرفة".
في جنوب الولايات المتحدة الذي كان يعتمد على العبيد، كان الطعام وسيلة للخضوع.
وللبقاء على قيد الحياة، قام العبيد بزراعة حديقة صغيرة للخضراوات، حيث وجدوا فيها نباتات مثل البامية ووصفات مستوحاة من أفريقيا.) " 3 "
ما يضفي على الطعام، وكل ما يصلنا به، بما هو ملحق به، ويكون داخلاً في نطاق عمله معرفياُ، وما يجعل معرفة كهذه مهمة تصل بالفكري في عميق محتواه، والثقافي في عالي أثره ، لهذا يكون سؤال البحث عن الطعام، أشبه بسيرة ذاتية له، وربطه بالذين كانوا وراءه ولازالوا:
( متى بدأ الإنسان بطبخ طعامه؟ منذ متى أصبح بإمكاننا التحدث عن الطبخ؟ متى ظهرت الأعياد؟ وماذا عن عادة تناول الوجبات بانتظام؟ وطريقتنا في الأكل، الجلوس على الكراسي حول طاولة عالية، كل شخص يقطع لحمه بالسكين في طبقه، مستخدماً شوكة؟ لماذا تختلف اختيارات الأطعمة وقيمتها الغذائية وطريقة إعدادها وطريقة تناولها من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى آخر؟
لا يشير الغذاء فقط إلى إشباع حاجة فيزيولوجية متطابقة لدى جميع البشر، بل يشير أيضًا إلى تنوع الثقافات وكل ما يساهم في تشكيل هوية كل شعب: فهو يعتمد على تقنيات الإنتاج الزراعي لديهم؛ من بنيتهم الاجتماعية؛ من تمثيلاتهم الغذائية والدينية، والوصفات الطبية الناتجة عنها؛ من نظرتهم للعالم ومجموعة من التقاليد التي تم بناؤها ببطء على مر القرون. لقد كانت العلاقات بين هذه الجوانب من الثقافة وطرق تناول الطعام موجودة دائمًا، منذ اكتشاف النار وحتى وصول ماكدونالدز إلى أوروبا. وهذا هو التاريخ الطويل الذي يدعونا هذا الكتاب لاكتشافه. وسوف يناقش المؤتمر الطعام اليومي، ودور الخبز والنبيذ والتوابل، والفنون الطهوية، ولكن أيضًا المجاعات التي ضربت أوروبا القديمة بشكل دوري، والتحولات في استهلاك الغذاء على مدى القرنين الماضيين. وسوف نرى أن أسلافنا كان لديهم بالفعل كتب الطبخ وأن المهن الغذائية كانت أكثر عددا من اليوم. وسوف نرى أيضًا كيف تم تغذية التقاليد الغربية إلى حد ما بالثقافات المجاورة: ثقافات بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، واليونان وروما، والبيزنطيين، واليهود والعرب، وأخيرًا، الثقافة الأمريكية.) " 4 "
قدرة مطبخ السلطان، مطبخ استانبول كحاضرة " متروبول " على مستوى عالمي، تجسيد لتلك القوة الكوكبية في زمنها، وهذا من شأنه التشديد على على ما هو جار ٍ واقعاً، وهو في المتحصّل عن طريق هذه القوة، قانوناً تاريخياً، يشهد سريان فعله في سياقات مختلفة. أي إن ما يجري تناوله من طعام، يترجم مصدر قوته، والمطبخ ، بالطريقة هذه يترجم سره، أو يغري بمعرفة مكوّنه، وكيف أرسيَ أساساً، وتعرض للتغيير والتحوير، لشهوة السؤال، ومتعة الجواب، لحظة الحديث عن أنه في الجاري مشروباً أو مطعوماً ثمة ألسنة تتحاول، ألسنة مهجّنة، وإن برزت لغة واحدة: إمبراطورية تبتلع اللغات التي جعلتها في حوزتها، طي حكْمهاز أي حيث تتكلم القوة ما هو مغذّ، أو محوَّل من أقاص بعيدة، من صفة النيء إلى المطبوخ بمعايير ضابطة سلطانياً، وكما هو المنوَّه إليه في الكتاب، جهة الشراكة الأممية في المطبخ العثماني بمتواليات سلاطينه:
( يعتبر مطبخ ستانبول في القرن التاسع عشر نتاجًا لسلسلة من التقاليد الطهوية من العصور السابقة. كانت إسطنبول عاصمة للدولة العثمانية منذ القرن الخامس عشر، وكانت تتمتع بنفس الامتيازات التي كان يتمتع بها القصر العثماني.
ومن ناحية أخرى، تكشف دراسة الوصفات المدرجة في كتب القرن التاسع عشر عن مطبخ يعبر ويدمج العديد من الثقافات الذواقة.) " 5 "
الباحثة لا تدخر جهداً، في لفت النظر إلى مثل هذه الحقيقة:
من بين الأطباق الإيرانية العديدة التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المطبخ العثماني، الشوربة( حساء)، ترهانة ( خليط حساء مجفف مصنوع من الزبادي والدقيق أو حبوب القمح الكامل، أحياناً مع نكهات إضافية مثل الأعشاب، ياهني( يخنة لحم الضان المسلوقة مع مجموعة متنوعة من المكونات الأخرى مثل الحمص)، البريان..كفتة، كايغانا، ..ص17.
تأثر المطبخ العثماني بشكل كبير بالطرق الغذائية العباسية.ص18 .
استخدم الرومي الطبخ كاستعارة للوصول إلى الوعي بالله، كما عبَّر عنه في أحد أشهر أقواله:" كنت خاماً، طبخت، فاحترقت "..ص20 .
يظهر تأثير الطهي البيزنطي على العثمانيين في التركيز على أطباق الخضار، وخاصة في اسطنبول، إضافة إلى شعبية الأسماك.ص 21.
ففي امتداد هذه المدة الزمنية الهائلة، في قرون خمسة، من الطبيعي أن يتصور أي منا، مدى التنوع في مفهوم الثقافة، ونوعيتها، وفي الطعام، بالذات، وسياسة السلطنة في ربط مختلف المهارات والكفاءات بها مباشرة، وفي حاضرتها، استجابة لتلك المركزية ذات الطابع الشرقي" الدوران في فلكها " وأن تبقى هي المخدومة، ورهان العثمانيين، ولا اسم يعلو اسم السلطان، بمختلف دلالاته، بمفهوم الإسلام، وما يعطي الإسلام تلك الشرعية في حيازات كهذه .
ليس هناك ما ومن يفلت من قاعدة المقاربة الدينية وكيفية تمرير مؤثرات هضمية، في مجتمع مشهود له بالتنوع، في أديانه، ومعتقداته، وفرمانات السلطة، وأبعادها السيادية وعنفها أيضاً"6".
كان هناك ما يخص الاخر دينياً، وكيفية التعامل معه على أرض محكومة بما هو ديني، ومذهب السلطان " الحنفي " وفقهاء عصره، وكيفية التعامل مع الطعام حلالاً وحراماً، كما في:
( نظراً لأن أكل لحم الخنزير محظور في اليهودية والإسلام، فقد اكتسب ارتباطاً بالمسيحية..ص28.
و: أصبح المشروب العثماني الساخن الحلو المذاق المعروف باسم سحلب المصنوع من جذور الأوركيد المطحونة شائعاً في فرنسا وإنجلترا في القرن السابع عشر باسم سالوب. ص 35 .
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، دخل مصطلح ( المكرونة) إلى اللغة التركية..ص36.
جاءت الضربة الحقيقية للمطبخ العثماني أوائل القرن العشرين، في أعقاب حروب البلقان الأولى، التي تلتها الحرب العالمية الأولى، وحرب الاستقلال التركية. ص 38 .
ثمة التاريخي، السياسي، والديني والاجتماعي. في كل اقتباس، أي الدخول في حكم التاريخ غير المتحرك بسرعة محددة، أو بلون واحد، ومدى تأثر المطبخ في مغذياته ومستخرجاته كذلك.
ربما جاز القول هنا، وهو أن الحديث عن مطبخ السلطان، يعني الحديث عن السلطان نفسه، لأن ما يردُ إلى المطبخ، وما يُطبَخ فيه، يسمّي فيه نوعية ذوقه، نشاطه المختلف داخل قصره وخارجه إلى جانب ميوله، ونظرته إلى العالم الخارجي، ليكون المطبخ دليلاً كبيراً لهذه المكاشفة القائمة .
صحيح أن الكتاب ينفتح على أطعمة مختلفة، بمصادرها، وكذلك أشربة باختلاف أصنافها، وما يصحب معها من متع طربية وغيرها، بالنسبة للإمبراطورية الشرقية هذه، بتاريخها الجامع بين البرّية الواسع" بداوتها في الأصل " والمدينية" نسبة إلى المدينة " وفولكلوريات المقيمين فيها، سوى أنه، كما يعرَف السلطان بموقعه الاعتباري في الهرم الأعلى في السلطنة، هكذا يكون نوع طعامه، ومن يعنون به، بتنوع وظائفهم، ومراتبهم وخبراتهم، وطرق التعامل معهم.
كأن نقرأ في الكتاب التالي:
من سجلات مطبخ القصر التي يعود تاريخها إلى عهد محمد الثاني، نعلم أن طعامه كان الأفضل بالفعل..ص73.
كان أحد المطابخ الرئيسة التسعة في قصر توكابي مخصصاً للسلطان، لكن منذ القرن السادس عشر، كان طعامه يُعد بشكل أساسي في مطبخ صغير في الفناء الثالث يُسمى كوشان، يعمل به اثنا عشر من أكثر الطهارة خبرة في القصر، إضافة إلى طباخ كباب وخبّاز..ص76.
كان الاستماع إلى الموسيقا في أثناء الأكل تقليداً قديماً بين السلاطين استمر حتى نهاية الإمبراطورية..ص80 .
تعامل خاص مع الحرملك( كانت والدة السلطان الحاكم تدير الحريم مثل البلاط، وتتلقى راتباً كبيراً لدفع نفقاتها..ص81.) .
إنها إحداثيات يلتقي فيها السياسي والاجتماعي والديني، وتبعاً لإرادة سلطانية مقدسة طبعاً .
وهو ما يمكننا معاينته عن قرب وعن بعد، عندما نتحرى حقيقة أي سلعة في هذا الباب.

مداخل حية
رائحة الطعام تقودنا إلى طريقة صنعه أو إعداده. والطعام يقودنا إلى طباخه وسيد طباخه، وهنا تعرّف الحاضرة الإمبراطورية بهويتها الاعتبارية، والسلطنة بموازين قواها ومتغيراتها.
لحظة الحديث عن وجبات وكذلك آداب المائدة، وكيف يتشكل عالم كامل في ذلك" داخلي وخارجي، سلطاني وما دونه، علاقات ذات مراتب مقرَّرة ومرسومة وتتم مراعاتها بدقة:
نظمت الإيقاعات الموسمية لضوء النهار والظلام الحياة اليومية العثمانية ، إذ استيقظ الناس من كل الطبقات عند الفجر، وخلدوا إلى الفراش باكراً. ص 40 .
تكوَّنت الوجبات الرئيسية التي تناولها العثمانيون الأثرياء من العديد من الأطباق الساخنة التي تُقدَّم في وقت واحد، وهي ممارسة نشأت في بلاد فارس، لم يعتمدها العثمانيون فحسب، بل اعتمدها الأمويون أيضاً. ص41.
أحياناً استأجر المضيفون الأثرياء موسيقيين وراقصين ومقلدين وممثلين كوميديين للترفيه عن ضيوفهم، وقدَّموا وجبات كبيرة بدلاً من المرطبات الخفيفة. ص 51.
وما يخص الإتيكيت " آداب الطعام "
كانت طقوس الضيافة معقدة ودقيقة..ص53.
لا يجلس أحد على الطاولة أبداً دون أن يغسل يديه، ولا يخرج دون غسل لحيته وشاربه برغوة الصابون. ص 55 .
قل ماذا تأكل، أقل لك من أنت. قل من تجالس أقل لك من أنت. تلك توصيفات وتشخيصات تأرشفت في التاريخ، والتاريخ ليس كاتم سر ما يسجَّل باسمه، إنما مفتوح لمن يمتلك المقدرة على إقامة علاقة مرنة، ومتفهمة له كمفهوم، وكمعطى ثقافي، وباعث على المتعة عند تبيّن الخفي فيه.
كيف يمكن لعالم كامل أن يتشخص في مثل هذا المضمار، مطبخياً؟ إنه المطبخ، لكنه يتعدى حدود اسمه، وهو يسمي الأيدي ذات الصلة، من الحاملة لأصناف الطعام، إلى المراقبة عن قرب وعن بعد، إلى المستهلكة بالمقابل، وفي أوقات تكون منضبطة وبدقة كذلك . ثمة ثقافة كاملة، محفوظة عن ظهر قلب، ومدَّرب عليها، وداخل في نطاق الحالات الخاصة والعامة، كما في تناول الطعام العائلي: السلطاني، وتناول الطعام مع أجانب، ومن يكونون رتبة وجنسية .
لا شيء يفلت من التدقيق والتقويم، ويكون للنافع أو الضار طبياً مقامه الأول، ولنا أن نتصور ذلك الجهد المبذول من جهة العاملين في هذا الجانب، بالنسبة لدور الطب وموقع الطعام، والمطبوخ منه في اعتباراته ذات الصلة المباشرة بالصحة، وقوام البدن والنفس والذوق.
حسبي أن أورد بعضاً مما يضيء هذه النقطة في " تشكيل المطبخ الراقي في اسطنبول " المذكور سابقاً " وهو بحث مستفيض، مكثف، ومشرق بأبعادة الكشفية :
وفقًا لمخطوطة الوصفات التي كتبها شيرواني، كانت الزبدة المصفاة ودهن ذيل الغنم وزيت السمسم هي أنواع الدهون المستخدمة في تحضير الطعام في القرن الخامس عشر.
تم استخدام مجموعة متنوعة من التوابل والبهارات في المطبخ العثماني الرفيع لتتبيل الأطباق ولكن أيضًا لخصائصها الغذائية. فوفقًا للطب العثماني التقليدي، كان الطبخ أيضًا وسيلة للعلاج وكانت التوابل من مكونات هذا المطبخ العلاجي. تجدر الإشارة إلى أن النخبة كانت تتمتع بامتياز تتبيل أطباقها بالبهارات لأن هذه الأخيرة كانت باهظة الثمن. تم تزويد المطابخ الإمبراطورية بمجموعة متنوعة من التوابل المستخدمة بشكل خاص في تحضير المنتجات العلاجية مثل المعاجين ، والإكسير أو الترياق . بالإضافة إلى التوابل، تم استخدام العديد من التوابل مثل الخل وعصير الرمان الحامض وماء الورد في المطبخ الرفيع.
كان المسك والعنبر والزعفران والمستكة والفلفل والزنجبيل والقرفة والكمون والسماق من بين التوابل المستخدمة في مطبخ القصر العثماني في القرن الخامس عشر.
و: تبين أن مخطوطة شيرواني توضح الاهتمام بالطب التقليدي في الثقافة الطهوية العثمانية في القرن الخامس عشر. فسيرواني، وهو طبيب، شرح كل طبق حسب خصائصه الغذائية، في حين لم يذكر بغدادي أيًا منها. ومن الضروري أن نلاحظ أيضًا أن الطب التقليدي، الذي يعد امتدادًا لطب أبقراط، أملى ممارسات الطبخ الغربية والشرقية خلال العصور القديمة والعصور الوسطى. بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، كانت توجد في الإمبراطورية العثمانية سلسلة من المخطوطات المخصصة للطب الكلاسيكي وعلم التغذية. وقد تم ترجمة العديد منها من اللغة العربية، التي كانت اللغة الأساسية للطب العثماني القديم؛ والبعض الآخر كتب مباشرة باللغة التركية.
ونلاحظ أن هناك علاقة مباشرة بين الطبخ والطب في الثقافة المطبخية العثمانية في الفترة التي سبقت القرن التاسع عشر. وتشهد الوصفات التي كتبها الشيرواني في القرن الخامس عشر والمخطوطات الطبية العثمانية من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع عشر على الاهتمامات الغذائية للمطبخ العثماني الرفيع....إلخ
من المؤكد، على جرْي المأثور سلطوياً، أن صحة السلطان تكون في الاعتبار الأول، حتى في أصغر الأمور، الصحة حيث تكون شاملة لكامل جسمه وبدنه، وصفاء ذهنه، وفي أوقات يراعى فيها تأثير كل نوع من أنواع الطعام، وكيف وأين يكون، مع نسائه، أم مع سواهن، مع الآخرين، ومن يكونون هؤلاء، بمفرده، متى وأين، وأي طعام يفيده في الترويح عن نفسه وتنشيطها كذلك.
السلطة لها مكانتها، ومن له صلة بالسلطة له محله من الإعراب جهة الجلوس حول طاولة الطعام، ومن يكون الموجود كأعلى رتبة سلطانية. القوة ترسم حدودها وحرّاسها هنا بالمقابل.
بالطريقة هذه، يمكن تناول السلطة، في مواقعها، وتنوع ظلالها، ومهامها الموزعة والتي تستغرق مناحي الحياة المختلفة، وفي الوقت نفسه، ما يخص اللغة المعتمَدة من خلالها، أو باسمها، لحظة التذكير بالوجبات وآدابها، والذين يعنيهم الكلام، في تباين سلطاتهم العائلية والاجتماعية، وذلك في دولة تعتبر نفسها مسئولة عن كل من الحياة والموت، وهي تمثّل مصير الأفراد ومؤثراته.
هناك الكثير الذي يسهم في تنوير الكتاب الذي نحن بصدده، كما هو الوارد في " مطبخ ستانبول " المقدَّر بمعلوماته التي تتقاسمها فصولها التي تغطي حياة إمبراطورية بالكامل .
لحظة الحديث عن الطعام في فصله الأول:
( لقد كان إنتاج وتوريد المواد الغذائية في إسطنبول دائمًا تحت سيطرة الدولة العثمانية، وكان تزويد العاصمة من أولويات النظام. وقد تجلى نفوذ الدولة على الاقتصاد في أشكال عديدة: تنظيم الإنتاج، وتحديد الأسعار، والاستيلاء على العمالة والسلع وحتى رأس المال، والتوجيه الاستبدادي لجزء من التدفقات التجارية، وحظر الصادرات..).
و" آداب المائدة " في فصله السادس، كما في :
( في المجتمع العثماني، كان الناس يتناولون طعامهم تقليدياً حول طاولة منخفضة، على صينية مستديرة كبيرة تسمى سيني. كان الضيوف يجلسون متربعين على الأرض أو على الوسائد ويأكلون من الطبق نفسه. استخدموا ثلاث أصابع من يدهم اليمنى، دون استخدام الشوك أو السكاكين أو أدوات المائدة الفردية. كانت الملاعق فقط تُستخدم للطعام مثل الأرز أو السوائل مثل الحساء أو الفاكهة في الشراب.
إذا نظرنا إلى آداب المائدة في المجتمع العثماني الراقي قبل القرن التاسع عشر، فإن الوجبة كانت تبدأ وتنتهي دائمًا بغسل اليدين.
تحتوي مجموعة قصر توبكابي على 400 قطعة من أدوات المائدة المصنوعة من خشب التمباك والتي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر.
كانت آداب المائدة العثمانية مشابهة إلى حد ما لآداب المائدة الغربية في العصور الوسطى.... على الطاولات، لم يكن من المعتاد رؤية أطباق فردية أو شوك؛ كانت الملاعق قليلة العدد، وحتى لو كانت السكاكين موجودة، فإنها لم تكن كافية لكل ضيف ونادراً ما يتم العثور على واحدة منها. كطبق مسطح، كانت تستخدم شرائح كبيرة من الخبز، والتي كانت توضع في كثير من الأحيان على ألواح تقطيع صغيرة من المعدن أو الخشب...)
وما يخص طبيعة علاقات الإمبراطورية العثمانية بالغرب ومستجداته، من خلال المطبخ:
( أدى تبني النخب العثمانية لآداب المائدة الجديدة إلى خلق ازدواجية في الثقافة المطبخية العثمانية. هناك تعبيران دخلا اللغة العثمانية في هذا الوقت يدلان بوضوح على هذه الثنائية: الأفرنجه والأتوركا alafranga et alaturka.
انتشرت قواعد آداب المائدة الجديدة في المجتمع من خلال المقالات المنشورة في المجلات النسائية، وكتب الطبخ، والرسائل الأخلاقية المترجمة من اللغات الأجنبية. ومن الجدير بالذكر أن المدارس الحديثة التي افتتحت في إسطنبول بعد خمسينيات القرن التاسع عشر لعبت أيضًا دورًا مهمًا في تبني آداب المائدة الجديدة من قبل الطلاب، وخاصة الطلاب الداخليين.
ومن خلال هذه الأوصاف والنصائح، يمكننا أن نستنتج أن طرق الأكل الجديدة التي تم تبنيها كان لها حدودها في حياة النخبة العثمانية. على سبيل المثال، لم يكن الرجال والنساء يجلسون على الطاولة نفسها. تم إدخال الطاولة المرتفعة إلى منازل النخبة العثمانية، لكن الشكل بقي تقليديًا: دائريًا...) .
إنه الانفتاح الذي يثير خيالات سلاطين الإمبراطورية وساستهم وولاتهم ومستشاريهم ومترجميهم ورجالاتهم الذين يتسقطون الأخبار ذات الصلة بكل جديد، وفي جغرافيا واسعة لعبت دوراً مهماً في توفير أنواع مختلفة من الأطعمة، إلى جانب المقيمين المنتمين إلى أديان ومذاهب مختلفة، وما للثقافة التي تفاعلت فيها ألسنة شتى، في طحن مؤثرات متنوعة في مؤثر واحد وهضمه، كما يقول أحد الباحثين المختصين في هذا الجانب:
( وتشكل المنطقة العثمانية الشاسعة، التي تمتد على طول شرق البحر الأبيض المتوسط بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأحمر، مثالاً جيداً على ذلك. من يستطيع أن يتخيل البلقان بدون الفلفل، والشرق الأوسط بدون الطماطم؟
كانت منطقة البحر الأبيض المتوسط القديمة أرض القمح والكروم وزيت الزيتون. الأسماك، بسبب وفرتها، هي غذاء الفقراء، في حين أن اللحوم والدهون الحيوانية المرافقة لها، والتي يتم تقديمها للآلهة، تظل مخصصة للأرستقراطيين. ) "7 "
ثمة الكثير تعلمنا به الباحثة حول المطبخ العثماني، وما يخص السلطان بالذات، ومن خلال اللوحات التي تنير خلفية المسطور، يلتقي الضبط والانضباط، والكرم المتعلق بسعي الإمبراطورية إلى أن تعطي أفضل صورة عما هو أخلاقي أو قيمي فيها على صعيد الطعام:
قبل انتشار العرف الإيطالي المتمثل في استخدام الشوك تدريجياً إلى الشمال، الأوروبيون أيضاً تناولوا الطعام بأصابعهم..ص56.
بدأت النخبة العثمانية استخدام الشوك في القرن التاسع عشر، لكن هذا التبني الخجِل للأعراف الأوروبية لم يكن سهلاً..ص57.
كان إرسال الفواكه والحلوى وأزهار الحدائق وسيلة للتعبير عن التهاني في المناسبات الخاصة مثل الولادات والأعراس والأعياد الدينية. ص 61.
وجهة كرم الضيافة
مشاركة الطعام من المبادىء الأساسية للثقافة الإسلامية..بالمثل، في الثقافة العثمانية، كان من المهم ترْك جزء من كل طبق للخدم وتقديم الطعام للجيران أو المارة الذين قد يكونون جياعاً، وغالباً ما يوزَّع ما تبقَّى من الطعام على الفقراء. ص61.
عندما زارت الإمبراطورة أوجيني أسطنبول بشكل رسمي في أكتوبر عام 1869، كان من غير المناسب تقديم الطعام لها على الطريقة التركية، أو حتى احتواء الكثير من الطعام التركي في المآدب الثلاث التي أقيمت على شرفها. ص88 .
نقرأ في اقتباسات من هذا النوع، ما كان يطرأ من جديد، ينتسب إلى دائرة الطعام، وأدواته، سواء جهة إدخال أطعمة جديدة، أو سلع غذائية، أو أدوات تخص الطبخ وتأثيراتها الاجتماعية، وكيفية التعامل معها، من قبل الذي اعتادوا الجلوس طويلاً، والأكل طويلاً، النظر إلى الطعام المطبوخ، أو مع الآخرين، بطرق تقليدية التقى فيها الأبناء بالأجداد، ومع الزمن تباعدة الهوة.
تحضر أدوات الأكل، كما في حال الملعقة، أو الشوكة، والأخيرة أكثر، نظراً لأنها أكثر من كونها ملعقة، جهة الاستعمال ودقة الأداة هذه، والنظرة إليها بعين الريب بداية، وهي غربية الصنع، كما رأينا، حيث نقرأ المسطور، بالنظرة والسرعة نفسهما، لكن التاريخ يعلّمنا بتلك التجاذبات، ونوعية السجالات والتحفظات والزمن المحتسب لتأهيل مادة أو أداة أو طريقة تنصهر مكانياً.
حال الشوكة، مثلاً، والتي ربما لا تلفت نظر أياً كان، حين ينظر إلى الطعام بنوع من الخفة.
من باب الطرافة، وبغية التوضيح، أورد معلومات ذات صلة بهذه الأداة، وكيف أنها شكلت ثورة اجتماعية، أظهرت مدى تأثير البطن وتنوع حاجاتها في ذلك، كما يعلمنا باحث حول ذلك:
( لقد أدى إدخال الشوكة عبر التاريخ إلى تغيير جذري في طريقة تناولنا للطعام وكان مصدرًا للانقسام على المائدة.
على مدى معظم تاريخنا، كانت الأصابع هي الأدوات الوحيدة التي منحتها لنا الطبيعة. كانت السكاكين تقطع اللحوم، وكانت الملاعق تشرب الحساء، أما الأيدي فكانت تكمل عملية الأكل. أما بالنسبة للشوكة، فقد كانت قصة مختلفة. "إن إدخال الشوكة يعكس، وفي الوقت نفسه، يسرع من سلسلة من التغييرات العميقة في ثقافة الطعام وعادات المائدة"، كما توضح لوسيا جالاسو، وهي عالمة أنثروبولوجيا متخصصة في الغذاء ومقرها روما. قدمت الأداة عملية تغذية أكثر تعقيدًا ودقة. تغيير لم يكن دائما موضع ترحيب.
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن الأدوات التي تشبه الشوكة كانت موجودة في مصر القديمة، وكذلك في اليونان وروما. ومع ذلك، كانت هذه الأدوات تستخدم في المقام الأول للتقديم والطبخ، وليس للأكل. على سبيل المثال، كانت الولائم الرومانية تتميز غالبًا باستخدام أدوات مائدة فضية معقدة، لكن المضيفين كانوا يتناولون الطعام بأيديهم، وفي بعض الأحيان باستخدام السكاكين أو الملاعق.
وفي نظر رجال الدين، لم تكن الشوكة عديمة الفائدة فحسب، بل كانت تمثل إهانة للنظام الإلهي. كان استخدام اليدين هو الطريقة لإطعام النفس، تمامًا كما أطعم المسيح وتلاميذه أنفسهم في العشاء الأخير. إن وضع جسم من صنع الإنسان بين اليد والفم كان بمثابة تعطيل لفعل طبيعي ومقدس.
لقد ترك صعود الشوكة بين الطبقات العليا خلال القرن الحادي عشر طعمًا مريرًا في أفواه الزعماء الدينيين والمتشددين. كان رجال الدين يخشون أن يرمز هذا إلى اضطراب خطير في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بالتوازن بين الغذاء والسلطة والعادات.
تغيرت عادات الأكل بسرعة خلال القرن السابع عشر. دخل استخدام الشوك إلى فرنسا خلال النصف الأول من القرن العشرين. لم يظهر مفهوم الشوكة والملعقة وأدوات المائدة المتطابقة إلا في النصف الثاني من القرن السابع عشر.
مع دخول الشوكة إلى الاستخدام اليومي، استمرت الطقوس المحيطة بالتعامل معها في التأثير على فن الطهي. على سبيل المثال، كان تناول الطعام في العصر الفيكتوري صارمًا للغاية فيما يتعلق بآداب استخدام السكين والشوكة، مما ألهم ظهور أدلة مفصلة حول آداب التعامل.
ربما تكون الشوكة قد تفوقت على غرائزنا الحيوانية، لكن شهيتنا التي لا تشبع لهذا الاتصال تظل قوية. وبعد كل شيء، فإن فعل الأكل كان دائما لغة عالمية لم تتمكن أي أداة من التحكم فيها حقاً ) " 8 " .
لهذا، لنا أن نتصور نوعية المهام الجسام الملقاة على عاتق الطهاة، وحساسية أعمالهم، والباحثة أفصحت عن ذلك بوضوح، وتأثير حركية الاقتصاد في كل ذلك، أي بالنسبة للطعام ونوعه:
من بين أولئك الذين يخدمون الرجال العظماء، فإن الطهاة هم الأكثر صبراً وتحملاً سواء كانوا في المنزل أو خارجه، يجب عليهم القيام بمهمة الطهي الصعبة بينما يسترخي ويرتاح الآخرون. ص 92.
أدى التدهور الاقتصادي في منتصف القرن التاسع عشر إلى تناقص وظائف الطهي المتاحة لدى الأسر الثرية، وانهيارالنظام. ص96 .
طبعاً، في وضع كهذا، علينا أن نتذكر إمدادات الجيش، والحروب العثمانية المستمرة على جبهات مختلفة واسعة، وتلك الكميات الهائلة من الأغذية المطلوبة، فالمحارب الجائع مؤشر هزيمة.
ولنا أن نتصور بالمقابل، ذلك الكم الهائل من الموظفين المدنيين والعسكر، والعمال العاديين الذين يقومون بأعمال مباشرة خاصة بتأمين الذخيرة " البطنية " أو الطعام المطلوب كذلك.
ودون أن ننسى ما كان له من صلة بما هو ديني، وتحليل أو تحريم مشروبات أو أطعمة معينة، وكيفية الالتفاف على ما هو ديني، وتناول مشروبات أو أطعمة محظورة بنسبة ما، ولكنها كانت تثير شهية من عرِفوا بنفوذهم وثرائهم بالمقابل، وفي إمبراطورية شملت قارات عدة بحكمها.
لنا أن نربط كل صنف غذاء أو طعام بمردوده الصحي والنفسي، والمتعي ضمناً، ووصْله بالمكانة الاجتماعية والوجاهية للشخص بالمقابل، وفي مناخات واسعة جغرافياً واجتماعياً..
كل صنف من الطعام له سجله، وكذلك المشروب، كما في الكحول، أي ناحية " مسقط الرأس " وعملية التحويل والتغيير والتطوير بالمقابل. حال الكباب الأشهر من أن يعرَّف، والشاورما " الدونر " والنبيذ، والقهوة...إلخ .
نقرأ عن القهوة مثلاً:
أدخل الحجاج العثمانيون، الدروايش والتجار الجوالون الذين اعتادوا شرب القهوة في شبه الجزيرة العربية أو مصر، القهوة إلى إسطنبول في النصف الأول من القرن السادس عشر، وسرعان ما بدأ الناس يحتسونها على مدار اليوم. ص176.
قدّمت المقاهي بديلاً علمانياً للمساجد كأماكن للتجمعات المشتركة..ص176.
كلمة ( قهوة) المشتقة من كلمة ( القهوة) العربية، والتي تعني النبيذ في الأصل، وفي الواقع، بالنسبة للمسلمين، أخذت القهوة دور النبيذ في الملتقيات الاجتماعية إلى حد كبير، تماماً، كما أصبحت المقاهي بديلاً عن الحانات..ص179 .
كانت قدرة القهوة على إبعاد النوم هي السبب الأساسي الذي دفع الصوفيين في اليمن إلى بدء شربها في حوالي القرن الثالث عشر، واستمر هذا الارتباط مع الأوامر الصوفية في العصر العثماني..ص184.
أكدن جميع الروايات الأوروبية عن القهوة، أنها كانت ( حارة جداً) أو " ساخنة بقدر ما استطاعوا تحمّلها ". ص 186 .
والمشروبات الكحولية:
المشروبات الكحولية
دان المسلمون العثمانيون المتقشفون النبيذ باعتباره ( أصل الشرور) و( موقظ الشهوة ومقبرة العقل) . مع ذلك شرب الكثير من الناس، وخاصة من طبقة النخبة بتكتم في منازلهم، بحجة أن التحريم الديني ضد النبيذ لم يكن موجهاً لمن يعرف كيف يشربه باعتدال. ص 189.
عارض الشعراء صراحة محاولاات منع الكحول..كأوليا جلبي..ص 191.
سمح للمسيحيين واليهود بإدارة الحانات وصنع النبيذ والراكي..ص 193.
كان راكي يُشرَب عادة قبل الوجبات مصحوباً بأطباق صغيرة من المقبلات..ص198 .
زادت الواردات من النبيذ والمشروبات الروحية الأجنبية، بما في ذلك الشمبانيا ، ونبيذ ماديرا، وبوردو، والكونياك، والرمّ والأبسنت، والويسكي، والبيرة، والمشروبات الكحولية الألمانية بشكل مرتفع جداً في القرن التاسع عشر نتيجة لاتفاقيات التجارة الحرة..ص199...إلخ
المتعة تبحث عن منافذ لها، عن علاقة ثنائية، في إطار صلات قربى من نوع مختلف، بمقدار ما تبذل حيلها في إيجاد أمكنة، أو طرق للتعبير عما ترغب فيه، وتحقيقه، في وضع مراقَب.
في كتاب له يتمحور حول الطعام في الإمبراطورية العثمانية وامتداداتها إلى الآن، واضعه فرانسوا جوزرجيون، وفي الفصل الأول من " مطبخ استانبول " ثمة الكثير مما يفيد هنا:
( وفقا لفرانسوا جورجيون، كانت القهوة مهمة جدًا في الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر. حوالي عام 1900، أصبحت الإمبراطورية العثمانية تاسع أكبر دولة مستهلكة للقهوة. تستورد إسطنبول ما بين 3000 إلى 4000 طن من القهوة سنويًا. كان يتم نقل القهوة في أكياس إلى الطاهمشان، وهو عبارة عن خان حيث يتم تخزين حبوب البن، ثم تحميصها وطحنها، قبل إعادة بيعها بالجملة إلى البقالين وأصحاب المؤسسات.
إلى جانب القهوة، هناك مشروب ساخن آخر يتم استهلاكه في العاصمة وهو السحلب. كان هذا المشروب، الذي يتم تحضيره عن طريق خلط الحليب الساخن مع مسحوق مستخرج من جذور السحلب (ويسمى أيضًا السحلب) والسكر أو العسل، شائعًا بشكل خاص في فصل الشتاء.
استمر إنتاج النبيذ في الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر. كان يتم إنتاج وبيع النبيذ والراكي في الإمبراطورية العثمانية من قبل غير المسلمين، حيث كان تصنيع النبيذ محظورًا على المسلمين. ويكتب دوهسون في كتابه "اللوحة العامة للإمبراطورية العثمانية" أن المسلمين كانوا يشربون الخمر، ولكنهم لم يجرؤوا على صنعه بأنفسهم. كان المسلمون يمتلكون كروم العنب ويزرعونها، ولكنهم كانوا يبيعون ثمارها للمسيحيين، الذين كانوا بدورهم يحولون الحصاد إلى نبيذ.310 وكان اليونانيون يبيعون النبيذ من جزر الأرخبيل وقبرص وكانديا وتينيدوس علناً بالجملة والتجزئة، مع دفع الرسوم للحكومة.
كان المشروب الآخر الذي تم إدخاله إلى المدن العثمانية الكبرى في تسعينيات القرن التاسع عشر هو الكونياك. وتم بيعه أيضًا في الصيدليات كدواء. تم استهلاك ثلاث فئات في إسطنبول: الكونياك الفاخر المستورد من فرنسا، والكونياك المتوسط الجودة، والكونياك اليوناني منخفض الجودة. كما تم استيراد الروم إلى إسطنبول أيضًا.
تم إدخال البيرة إلى الإمبراطورية العثمانية مؤخرًا في القرن التاسع عشر.325 في عام 1854، أثناء حرب القرم، تم استيراد البيرة من أوروبا بواسطة جيوش الحلفاء...) " 9 " .
في مناخات " مطبخية " كما هو ملاحظ، يمكننا أن نشخص بنية الدولة بأهلها ومجتمعها، ومكونات هذا المجتمع، والثقافة التي تشكلت نسيج حقيقتها التي تقاسمتها عملياً ثقافات متجاورة، متقاربة ومتباعدة عن بعضها بعضاً، لكن الغزوات وتبعاتها، لعبت أدوارها في عملية الصهر.
كل ذلك، يشكل مادة مضمخة بما هو تاريخي وجغرافي، تثير شهية الدراسات المختلفة، وفي نطاق الاستشراق ما يلفت النظر، حيث تتداخل عوالم الرجال والنساء وتتباين، وما يجري تناوله من أطعمة ومشروبات، وفي مخادع اللاطين وأفراد حاشيتهم وقادته طبعاً، وللطعام أكثر من خط توصيل المؤثر وعلامة التأثير، والنتيجة المسماة في ضوء المقروء هضمياً، من الطبيعي أن تركز الدراسات الاستشراقية على عالم له مثل هذه الرائحة التي يلتقي فيها الغريزي والثقافي، الجسدي والنفسي، وأن تهتز السلطنة كذلك تحت تأثير لولبيات دخان مطابخ السلطان وروائح منبعثة من غرفهم الخاصة، والحياة التي يعيشونها في ضوء أهوائهم الخاصة...
أن يقول أحدهم: ليس هناك مطبخ عثماني، إنما مطابخ تم استقدامها، والتغيير فيها، تخص ثقافات أمم وشعوب أخرى، لا يمكن تجاهلها. ذلك صحيح .
أن يقول أحدهم: المطبخ العثماني، كلمة مضللة وضالة، لأنها تسمية تقابل عملية الغزو والاحتواء لثروات شعوب أخرى ومواردها البشرية، وأغذيها، وأفانين الطبخ في الواجهة، ورفعها باسمها. ذلك صحيح أيضاً.
أن يقول أحدهم: المطبخ العثماني، حقيقة تاريخية وموجودة، لأنه" المطبخ " لا ينفصل عن أي مطبخ في الجهات الجغرافية الأخرى، وعلى أساس القوة بالمقابل، وهو بذلك لا يخفي مأثرته، وقدرته الإمبراطورية على أرشفة وإبراز وحفظ هذه الصنافة الهائلة والمذهلة من الأنواع، وتلك الخبرات التي تنتمي إلى أيد ماهرة، وأذواق ماهرة، تسجّل عثمانياً وتركياً. ذلك صحيح .
أن يقول أحدهم: المطبخ العثماني تركي، من خلال ما يتوفر فيه من أطعمة شهية بمذاقات مختلفة، من اللحوم إلى الفواكه وعصائرها، والنباتات، والحلويات والمشروبات، المقدمة للزوار والسياح وفي مناسبات مختلفة، ذلك وارد كذلك، في ضوء ما هو مقروء في التاريخ، وبأسماء دالة عليه.
ربما بالصيغة هذه تكون سرديات البطن معززة بجهاتها الجغرافية، واعتباراتها الثقافية، وقوتها السياسية، وما الذوق إلا الهجين الهائل والمؤثر بصداه ومداه الإمبراطوريين طبعاً، حال مطبخ السلطان. ربما لدي تحفظات كثيرة على العنوان، لكنني لا أستطيع نفي روعته ونفاذ مذاقه..!


مصادر وإشارات
1-بيريسيلّا ميري إيشين: مطبخ السلطان " تاريخ المطبخ السلطاني "ترجمة: أماني صالح، دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024 ، في " 214 " صفحة، ومن القطع الكبير والعريض، وتجليد فني أنيق، وصورة ولوحات ملونة في الداخل/ والإرام الواردة في المتن، تخص هذه الطبعة .
2-المعلومات مستقاة من مقدمة ملف ضخم وغني: مطبخ استنبول
Özge Samanci: La cuisine d’Istanbul Au xixe siècle
-3La Faim de l’Histoire, une Histoire du Monde par la gastronomie !
جوع التاريخ، تاريخ العالم من خلال فن الطهي!
-4 Histoire de l’Alimentation – Quand l’Homme a-t-il commencé à cuire ses aliments? Depuis quand peut-on parler de cuisine? – Jean-Louis Flandrin, Massimo Montanari – Cuisine
تاريخ الطعام – متى بدأ الإنسان في طهي طعامه؟ منذ متى أصبح بإمكاننا التحدث عن الطبخ؟ - جان لويس فلاندرين، ماسيمو مونتاناري – المطبخ
-5 La formation de la haute cuisine d’Istanbul
تشكيل المطبخ الراقي في اسطنبول
6-كإضاءة تاريخية ومكثفة، ينظر حول ذلك، بتوسع، في كتاب الباحث والمفكر اللبناني جورج قرم: تعدد الأديان وأنظمة الحكم " دراسة سوسيولوجيا وقانونية مقارنة "، دار الفارابي، بيروت،ط4، 2011، بدءاً من مقدمة المؤلف للطبعة العربية الأولى، ص 31، وما بعد .
-7Stéphane Yerasimos: Stéphane Yerasimos: Les Ottomans à table
ستيفان يراسيموس: العثمانيون على المائدة
-8 Lauren Paige Richeson: Invention de la fourchette : histoire d’une révolution sociale
لورين بايج ريتشيسون: اختراع الشوكة: قصة ثورة اجتماعية
9-من المؤكد، أن المعلومات المكثفة التي جاءت في الكتاب، لا تعني أخذها كما هي، إنها مثيرة، وتحفز على البحث، عن الثغور القائمة أو الخفية، خاصة في موضوعات تتوزع بين ثقافات، وشهدت تحولات ومتغيرات تاريخية، وانقطاعات حياتية، كما في القهوة، النبيذ وغيرهما. ينظر مثلاً، ما ورد عن طل من النبيذ والقهوة والشاي، في كتاب توم ستانداج: تاريخ العالم في ست كؤوس، ترجمة: خالد الجبيلي، دار المحيط، الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، ط1، 2024 ، والذي ربما سأتوقف عنده هو الآخر لاحقاً.
أما ملف " مطبخ ستانبول " وهو مشهود له بغنى معلوماته ، ففيه الكثير من الإضاءات حول ذلك وبتوسع كذلك.
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...