رجاء عبدالحكيم الفولى - مجرى صغير...

في ندى الصبح، في غبشه الذي يسبق شروق الشمس، ألصِق ظهري بالمبنى الطيني للطاحونة القديمة المتوقفة عن العمل منذ زمنٍ بعيد. يتمدد ظلها ويغمرني في تلك الدروب المتربة. أقلّب كل الجهات بنظري قلقًا؛ كنت كمنْ يفر بسرقةٍ يخشى افتضاح أمرِه.الطريق غير المستوي يقذف أحجاره فيقلبي. وصلت إلى هنا..إلى تلك الزارعات التي تلف البلدة. أمشي في الممر الذي يفصل أحواض البرسيم الطرية والتي مازالت وليدة ندية وناعمة كأطفالٍ حديثي الولادة. القصب بأعواده شِبه الخضراء وسيقانه اليابسة التي تتهيأ للحصاد تحيط بهم. جذبني صوت اخترق مسام قلبي، توجهت إلى المكان متّبعة الصوت كدليلٍ لي، وجدت نفسي محاطة بأعواد القصب التي كانت تقف هناك كحرّاس.أفرِد كفّي على اتساعهما وأبعِدها لكيأتقدم، تترك علاماتِها الغاضبة على كفّي، تلك الجروح الهشّة ربما كانت غاضبة مني لاستباحة حرمتِها في هذا الصباح الغامض.أتقدم في تحدٍ بينما الصوت يقترب ويقترب. وحينما باعدت بين أعواد القصب وفرّقت هذا الفرق المتسع وقعت عيناي على النعيم.. طفل ناعم مثل عيدان البرسيم الوليدة، طفل في لفائفه كان يبكي ثم يتوقف ويعاود البكاء. ثمة بقايا مرح كانت تلوح على محياه في مقدوريأن أدفع عمري كله لا أفعل شيئًا غير النظر إليه، وحينما انحنيت لالتقاطه انقضّت عليه أمّه كنمِرة. ابتسمتُفي حرج وأنا أقول"كان يبكي". لم أتبين تعبيراتٍ مختلفة لوجهها؛ لأنها كانت غير مهتمة بكلماتي، كان وجدانها مع الطفل، أخرجت ثديها المكتنز بالحليب وألقمته فمَه، خِلته انتابَه المرح؛ فقد كان يضرب برِجليه يوزعهما في كل الاتجاهات. لم تمهِلني.. كنت أريد أن أحمله، أضمه إلى صدري. صوته فجّر اللبن بداخلي، انظروا..
وانحنت على أحواض البرسيم تسقيها من لبنِها الذي انهال كنهرٍ جارف. زوجي يجهز مطرحًا جديدًا، سيتزوج ويبدأ حياة جديدة، تقفز إلى قلبها بصورتها وعينيها الباكيتين صديقتها صباح، لا تدري لِم تطرق ذاكرتَها الآن بعنف! هي حقًا لم تنسها أبدًا ولكنها تشعر في هذا الوقت الذي استنزفتها فيه الوحدة والاضطراب الداخلي أنها تناديها، تبتسم لها، تغويها باللحاق بها ربما تشتاق إليها كما تشتاق هي إليها؛ لقد كانت كل منهما سندًا للآخر ومستودعًا للأسرار والبوح، الأمل، اليأس، الضحك، والبكاء. كانتا تمارسانه معًا. فيأحد لقاءاتهما قالت لها ملاطِفةً: لقد مرت السبع سنوات العجاف، وبعدها سيأتي الفرج والسعادة
سألتها صباح باسمة: وأنتِ كم مَر عليكِ من سنواتٍ عجاف؟
لم ترَ وقْع كلماتها عليها؛ كانت تخبئ مشاعرها في ذلك القناع المصطنع، ربما من البلادة، تابعت صباح وقالت: إن الرجل الغريب الذي يقيم في كوخه على أطراف القرية والذي يتناثر دخان بخوره في الأجواء حوله، يخبرني أنه سيذهب بي للبحيرة المسحورة، ويعود بي قبل مغيب الشمس. قال عندما أعبرها وأغتسل بها سأتخلص هناك من متاعبي وسأحصل بعدها على طفل، على الحياة.. أنا أموت يا صديقتي في كل وقت، لا قيمة لحياةٍ بدون طفل. قلت إنهم يقولون إنّ ذلك المجرى الصغير بعيد جدًا وربما تضيعين، وكأنني هنا لا أكون ضائعة! سيّان سأذهب إلى هناك، سِرّي لم أقله إلا لكِ، أعرف أنها لم تقل سِرها إلا لي؛ مثل تلك الأسرار لا تقال هنا أبدًا. مَر على غيابها غروب كثير للشمس ولم تأتِ، كانت عينا الرجل الغريب تنفذان إلى أعماقى فتربكها، كانتا تحملان تهديدًا وترغيبًا؛ فقدْ تَكرر اختفاء النسوة، كل عام تختفي واحدة، يسود القلق في القرية، وتضرب أخماسًا في أسداس، وفي النهاية يصلون لتلك النتيجة التي تريح الجميع،أنّ الجنّى الذي يسكن تحت الأرض شق لهن أنفاقه فخضعن لغوايته. ورغم الاستعانة بالمنجّمين والدجالين يعلن الجميع أنهم الآن في حماية ملِك الجان، وانهن وجدن سعادتهن هناك ونحن لا نستطيع إعادتهن. يطمئن الجميع لتلك النهاية ثم ينسون، ولكنيأنا وحديالتي تعرف الحقيقة، مايعنيني من هذا أنه لم تعُد واحدة منهن حتى تحكي عمّا عاشته، وإن كنّ تعيساتفلماذا لم تهرب ولو واحدة منهن وتعود؟! لابدّ أنهن سعيدات. اتخذت قراري.. وجدت قدمَي تتبعانه، أمرّ متعمدة من مكان إقامته، كانت عيناه تجرفانني وتجذبانني، في الوقت نفسه كان صوت أقدامه يصنع رجفة تهز روحي. ظللت في مثل هذا اليوم أتعمد انتظاره حتى اختفت الشمس من أمامي. قدرٌ غامض يربطنى به مصدره الأسرار التيأعرفها عنه. فر طائر مذعور من غيطان القصب حولي، خرج هو فيإثره، اقترب مني، قاومت،رجفة قوية كادت تحملني في غيبوبة، تطِل هيئته في روحي حتى وأنا في بيتي وقد أحكمت ترابيسَه، بالتأكيد مروري في طريقه بشكلٍ متعمد أكّد له محاولتي التواصل معه، كان يعرف قصتي، فهو كان يصطاد العاقرات. استوقفني كانت عيناه سحريتين تسكنهما المتاهة، قال هي مسافة النهار فقط تعبرين البحيرة السحرية، وبعدها ستجدين السعادة، قبل أن تغيب الشمس ستكونين هنا. ضحكتُ بمرح.. كنت سعيدة، لأول مرة أكون سعيدة. الصبر بلا طائل، بلا أمل حقيقي وجع لا يعرفه غير مَن جرّبه مثلي، نار تلتهم جسدي، ثمّة أدخنة تتقاذف منه، لقد احترقت تمامًا، صِرت رمادًا غير صالحٍ للاشتعالـ، أنا طير غريب هنا، هل يعثر على سربِه؟على موطنه الأصلي؟ خلّفتني السنوات وحيدة، صدري الذي يهطل منه اللبن دون إرادتي يبحث عن فمٍ ناعم طري يلتقطه ويشبِع ظمأه، ظمأنا معًا، ما معنى حياتي وأنا شجرة ضربها الخريف، لاثمار ولا أوراق ولا ظِل يتفيأ به الهاربون من الهجير!أنا خرابة يسكنها البوم وينوح فيها، جربت كل شيء.أعد نويات البلح، فردية وزوجية،ألقي لعبتي على الأشياء، أجرّب عليها طالعي، سيكون لى ولد.. لن يكون..أتعطر بدخان المنجّمين، أجرّب وصفاتِ النسوة العجائز، أطحن الخردل والحنظل وحبّة البَركة أتجرعها هكذا دفعةً واحدة، مستعذبةً النار التي تشتعل بداخلي. قالت لي المرأة الغجرية التي تضرب الرمل ستسلكين الطريق المجهول الذي سيفتح لك بابه، ستعبرين أحجاره ورماله في حيرةٍ وألم. الآن لم يعد أمامي إلا هو ورحلتى إلى المجرى السحري. من وقتٍ ليس بقريب أسمع أصواتًا تنادي عليه، تحملها الريح في حنجرتها القوية، أحمله في كل مكان أذهب إليه، لا يمر يوم دون أن أحلم بذلك الجدول السحري الصغير، أستيقظ في الليل وجسدى ينز عرقًا، أفكر فيه كما لو كان إنسانًا، وفي الظلام تكون حواسي يقِظة لكي أسمعه جيدًا. كان ينادي عليه.. عندما كان القمر مكتملاً يتدحرج إلى السماء.في شِبه زاوية انزلقت خارج الفراش دون أن أحدِث صوتًا، أمسكت بحذائي البلاستك ووضعته تحت إبطي حتى لا ينتبه زوجي، مشيت نحو الباب ورفعت مزلاجه الخشبي،أصبحتفي الخارج في بقايا الليل وضوء القمر الذى ستبدّده الشمس في أى لحظة. ترتفع دقات قلبي،أسير عبر مدقات الطريق الزراعي، غيطان القصب، وأحواض البرسيم، أبتعد قليلاً عن البيت الكبير الذي يسكر ظله ضياء القمر فيموج ويرقص. شعرت بالرعب وأنا أسير وحدي، ومع هذا لا أفكر في العودة، يجب أن أعبر حقول القصب المرتفعة بشكلٍ مخيف، أهرب مِن عينَي زوجي القاتمتين اللتين توجّهان لي دائمًا تهمة أني لم أنجب له إلى الآن طفلاً. ضائعةٌفي غيطان القصب، تاركة خلفي عصارة القصب. التفتُّ ورائي في قلق، ورأيت القرية سابحةفي دخان هادئ.
هاهو الغريب قادم مِن الطرف الآخر من الحقل،أرى ظِله الضخم يتأرجح سابقًا خطواته، يتلاحم ظِلّانا، نهبط معًا ونسير تحسسًا بين غيطان القصب، نتجه نحو الشمال، هكذا مبكرًا في الصباح لا يظهر من الأشياء غير ظلها،سرتعلى الترعة الكبيرة منزوٍ كنت صغيرة أجيءإلى هنا حيث الأسماك، عندما تكون الشمس مرتفعة في السماء يصبح لون الماء أزرق مثل لون السماء، لماذا مجرى الماء الصغير مقدس؟ تلك الترعة تسقى زراعات كثيرة، الحيوانات والطيور تشرب منها، وكثير من الناس. لماذا لا تكون الأشياء الكبيرة التي تعطى بلا حساب هي السحرية المقدسة؟ لماذا هذا الجدول النائي؟ قال لي ليس كل إنسان يستطيع الوصول إليه، قد يمر عليه الأشخاص العاديون والمطفَأة أرواحهم بملذات الدنيا فلا يرونه، الروح عندما تشف وتفارق ما يربطها بكل ما هو ماديّ هي فقط تستطيع أن ترى، تستطيع الوصول.
وجهه مراوِغ، ولا يمكن فهمه، كلماته ضرب من الألغاز. ابتعدت كثيرًا على ما أعتقد مِن البيت الكبير، الشمس في وسط السماء الآن حتمًا هي تعرّيه، كما أن حرارتها تلسعني، لم أذهب أبدًا بعيدًا إلى هذا الحد، اختفت البيوت الطينية، صارت أقزامًا، ومِن مكانى هنا وأنا ألتفِتُّ ورائي بقلق لم أستطع إلا أن أرى رقبة المَدخنة الطويلة لعصّارة القصب وهي تقذف بدخانها الكثيف، والمسلّة الفرعونية. كان يسير أمامي وأنا أسير خلفه، لا أعرف هل أبكي أم أضحك، وأسأل نفسي هل وأنا أتبعه أتبع الموت أم الحياة؟ الغيطان مليئة بالرجال والنساء الذين يعملون، وكل واحد مشغول بذاته أو بما يعمل، فلم يسألني أحد ممن يعرفونني إلى أين أنتِ ذاهبة. كانت الدنيا كلها قد نفضت يديها مني، كنت أتمنى مثل هذا السؤال لكي أسأله لنفسي. فقط أنا أسير بين الوهم والحقيقة. يسود ضجيج شديد لنسوةٍ كثيرات يدير رأسي،أغترِف من الماء المقدس، أغسل وجهي وشَعري وأستحِم. وأنا أرتدي ملابسي أسمع زقزقة عصافير العصاري العذبة، أشم رائحة أدخنةٍ لبخور طيّب، وثمّة أجواء غائمة تهبط على المكان كما لو كانت تعلن عن قدوم الليل.

رجاء عبد الحكيم الفولى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...