كانت الصاعقة تُمزّق السماء، والضوء الخاطف لا يترك إلا ظلالًا مرتجفة.
المطر ينزل كأن السحاب ينزف، والبرد يقرص العظام.
فتح عينيه على صوت الزجاج المحطم وأنفاسه المتقطعة.
السيارة كانت مقلوبة جزئيًا، جسده مبلل بالدم والطين، لكنه لم يشعر بشيء سوى:
ـ نــــور؟!
التفت بفزع. المقعد المجاور فارغ.
باب السيارة مشرّع.
الضوء الخافت من عمود معطوب بالكاد يلمس الأرض.
خرج مترنّحًا يناديها.
اسمه يرتد عليه بلا صدى.
حتى الأشجار بدت كأنها تهمس بشيء لا يُفهم.
ثم ظهر ذلك البيت…
لم يكن هناك من قبل.
كأنه انبثق من قلب الظلام.
بنيانه يترنّح مع الريح، نوافذه مغطاة بخشب مائل، وواجهته تنزف سوادًا.
اقترب… طرق الباب بعنف.
لا صوت.
ثم سمعه… خطوات بطيئة… احتكاك خشب بالأرض…
الباب يُفتح، ورجل عجوز يُطل.
وجهه خالٍ من الزمن، كأن الزمن مرّ عليه ونسيه.
عيناه لا تعكسان شيئًا.
قال بصوت أجوف:
ـ أضعت شيئًا… أم أضعتك؟
همس الشاب:
ـ كانت معي… نور… الحادث… ثم اختفت…
ضحك العجوز، ضحكة رتيبة لا تحمل أي حياة.
ـ ما تفقده في الخارج، تجده هنا. إن جرؤت على النظر.
أغلق الباب.
حين عاد نحو السيارة، رأى دلوًا من الماء بجانبها… لم يكن هناك قبل لحظات.
على سطح الماء… شيء يطفو.
يده امتدت…
فأمسكت وشاح نور… كان دافئًا… ومبتلًا بالدم.
ثم سمعه…
ـ لا تنقذني… لا تراني…
صوتها… أو نسخة مكسورة منه.
ارتعد، ثم ركض نحو الباب مجددًا… فكان مفتوحًا.
دخل.
البيت كان حيًّا.
جدرانه تنبض.
الأبواب تُغلق وحدها.
أصوات تأتي من الأعلى… أنين، ضحك أطفال… وبكاء مكتوم.
ثم رأى المرآة الطويلة في الردهة، مغطاة بملاءة رمادية.
اقترب…
تردّد، لكنّه سحب الغطاء.
في المرآة، لم يرَ نفسه.
رأى طفلًا… يشبهه تمامًا، لكنه شاحب.
مبتسمًا.
وعيناه دامعتان.
قال الطفل:
ـ أنا الذي تركتَه يموت.
أنا الذي نسيته ليعيش رجل لا يتذكر من يكون.
اقترب الطفل، وبدأت المرايا من حوله تتكاثر… تتشقق…
وفي كل واحدة، رأى نفسه يخنق نور، يصرخ، يحترق، يضحك بجنون.
غطى وجهه بيده.
حين رفعها…
لم يكن في الردهة.
كان في سرير مهجور، تحته أرضية من ماء أسود.
وأصوات أقدام تقترب… لا يرى أصحابها.
صوت العجوز عاد:
ـ أن تعود يعني أن تنسى.
أن تبقى يعني أن تحرس من أحببت… دون أن تراها.
رأى الدلو مرة أخرى.
في داخله الآن قلب… ينبض.
مفتوح كزهرة دامية.
قال له الطفل، من الداخل هذه المرة:
ـ إن سكبتَ، تبقى.
وإن شربت… لن تكون أنت بعد الآن.
سكب.
صرخ البيت.
الأرض اهتزت.
الظلال أطبقت عليه.
ثم…
صمتٌ.
في الصباح، كانت نور تقف عند الطريق، تهمس باسمه.
في يدها وشاح مبلل…
وفي قلبها، رعشة غريبة… كأن شيئًا ما يراقبها…
بحبٍ… وخوف.
المطر ينزل كأن السحاب ينزف، والبرد يقرص العظام.
فتح عينيه على صوت الزجاج المحطم وأنفاسه المتقطعة.
السيارة كانت مقلوبة جزئيًا، جسده مبلل بالدم والطين، لكنه لم يشعر بشيء سوى:
ـ نــــور؟!
التفت بفزع. المقعد المجاور فارغ.
باب السيارة مشرّع.
الضوء الخافت من عمود معطوب بالكاد يلمس الأرض.
خرج مترنّحًا يناديها.
اسمه يرتد عليه بلا صدى.
حتى الأشجار بدت كأنها تهمس بشيء لا يُفهم.
ثم ظهر ذلك البيت…
لم يكن هناك من قبل.
كأنه انبثق من قلب الظلام.
بنيانه يترنّح مع الريح، نوافذه مغطاة بخشب مائل، وواجهته تنزف سوادًا.
اقترب… طرق الباب بعنف.
لا صوت.
ثم سمعه… خطوات بطيئة… احتكاك خشب بالأرض…
الباب يُفتح، ورجل عجوز يُطل.
وجهه خالٍ من الزمن، كأن الزمن مرّ عليه ونسيه.
عيناه لا تعكسان شيئًا.
قال بصوت أجوف:
ـ أضعت شيئًا… أم أضعتك؟
همس الشاب:
ـ كانت معي… نور… الحادث… ثم اختفت…
ضحك العجوز، ضحكة رتيبة لا تحمل أي حياة.
ـ ما تفقده في الخارج، تجده هنا. إن جرؤت على النظر.
أغلق الباب.
حين عاد نحو السيارة، رأى دلوًا من الماء بجانبها… لم يكن هناك قبل لحظات.
على سطح الماء… شيء يطفو.
يده امتدت…
فأمسكت وشاح نور… كان دافئًا… ومبتلًا بالدم.
ثم سمعه…
ـ لا تنقذني… لا تراني…
صوتها… أو نسخة مكسورة منه.
ارتعد، ثم ركض نحو الباب مجددًا… فكان مفتوحًا.
دخل.
البيت كان حيًّا.
جدرانه تنبض.
الأبواب تُغلق وحدها.
أصوات تأتي من الأعلى… أنين، ضحك أطفال… وبكاء مكتوم.
ثم رأى المرآة الطويلة في الردهة، مغطاة بملاءة رمادية.
اقترب…
تردّد، لكنّه سحب الغطاء.
في المرآة، لم يرَ نفسه.
رأى طفلًا… يشبهه تمامًا، لكنه شاحب.
مبتسمًا.
وعيناه دامعتان.
قال الطفل:
ـ أنا الذي تركتَه يموت.
أنا الذي نسيته ليعيش رجل لا يتذكر من يكون.
اقترب الطفل، وبدأت المرايا من حوله تتكاثر… تتشقق…
وفي كل واحدة، رأى نفسه يخنق نور، يصرخ، يحترق، يضحك بجنون.
غطى وجهه بيده.
حين رفعها…
لم يكن في الردهة.
كان في سرير مهجور، تحته أرضية من ماء أسود.
وأصوات أقدام تقترب… لا يرى أصحابها.
صوت العجوز عاد:
ـ أن تعود يعني أن تنسى.
أن تبقى يعني أن تحرس من أحببت… دون أن تراها.
رأى الدلو مرة أخرى.
في داخله الآن قلب… ينبض.
مفتوح كزهرة دامية.
قال له الطفل، من الداخل هذه المرة:
ـ إن سكبتَ، تبقى.
وإن شربت… لن تكون أنت بعد الآن.
سكب.
صرخ البيت.
الأرض اهتزت.
الظلال أطبقت عليه.
ثم…
صمتٌ.
في الصباح، كانت نور تقف عند الطريق، تهمس باسمه.
في يدها وشاح مبلل…
وفي قلبها، رعشة غريبة… كأن شيئًا ما يراقبها…
بحبٍ… وخوف.