شريف محيي الدين إبراهيم - هل الأرقام لا تكذب؟!

يرتدي بدلة رمادية كوجهه، ويحمل حقيبة جلدية كأنها تابوت صغير، يفتحها كل صباح على مكتبه كما يفتح القبر على ساكنه.
الآلة الحاسبة أمامه… يضغط على أزرارها بقوة ، وهي تضغط على قلبه في المقابل، دون أن تصدر صفيرًا أو ألمًا يُرى.

قالوا له: الرقم لا يكذب.
لكنه كذب، حين كتب في تقريره الأخير أن الشركة لم تخسر شيئًا، رغم أنها فقدت إنسانًا كان يضحك في الممرات، ويصنع القهوة للجميع، ويضع النكت على الجدران

في الليل… كان يكتب.
لا ميزانيات، لا معادلات.
بل عن امرأة غابت قبل الربيع، وتركت في خزانة قلبه وشاحًا برائحة المطر.

وعن ابنه… الذي لا يحفظ جدول الضرب، لكنه يحفظ دموعه جيدًا، ويخبئها في يده الصغيرة، حين لا يفهم لماذا لا يعود أبوه مبكرًا.

الأرقام لا تكتب الرائحة.
لا تحصي عدد المرات التي عاد فيها خائبًا ولم يسأله أحد،
ولا تُدرج ضمن مصاريفها شعور الفقد أو قسوة السكوت أو الليالي التي نام فيها دون عشاء ولا صوت.

في دفتره السري، لم تكن هناك أعمدة ولا خلايا،
بل سطور طويلة…
من وجع، وندم، وحب لم يُقل،
ومواعيد تم تأجيلها إلى الأبد.

كل صفحة كانت تسأل:
هل الحياة ميزانية يمكن موازنتها؟
هل يمكن ترحيل الذكرى إلى العام القادم دون أن تُخصم من الروح؟
هل هناك خانة مخصصة للخسارة الفادحة… حين ننسى أنفسنا؟

وفي النهاية، جلس أمام الآلة الحاسبة، نظر في عينيها الزجاجيتين،
وقال لها بهدوء:
لقد انتهى الحساب.
ثم أغلقها،
كما يُغلق بابًا أخيرًا على ضجيج العمر،
واكتشف أن الحساب الوحيد الذي كان عليه أن يُغلقه…
هو بينه وبين نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...