لغةُـ لغاتُ الكتّاب... (الجزء الأوّل) ترجمة: إسماعيل أزيات

مائدة نقاش شارك فيها الروائي اليوناني فاسيليس أليكساكيس، والروائي التركي نديم غورسيل، والروائي المغربي عبد الفتاح كيليطو، والناقد والمترجم العراقي كاظم جهاد (جامعة ستراسبورغ، أكتوبر 2009).


الجزء الأوّل


نعوم أبي راشد: ما يثير اهتمامي دائمًا هو علاقة الكاتب باللغة. الشائع أنّ جميع اللغات يمكنها بالفعل أن توصل الرسالة التي تريد إيصالها. سؤالي بسيط: ما الذي يدفع المؤلف – بما أنّ رسالته وصلت – ما الذي يدفعه إلى أن يتولّى الترجمة بنفسه؟ ما الجديد الذي سيتمّ إضافته؟
ﭭاسيليس أليكساكيس: بالنسبة لي، المسألة مسألة أسلوب. هما لغتان أعرفهما وأكتب بهما. لديّ طريقة في الكتابة باللغة الفرنسية وطريقة في الكتابة باللغة اليونانية. حدث مرّة أن تمّت ترجمتي من قبل مترجمة. كانت ترجمة جيّدة، لكنّها لم تكن طريقتي في كتابة اللغة اليونانية، لم يكن أسلوبي. لذا، قمت بسحب هذا الكتاب، وسأقوم، يومًا ما، عندما يتّسع لي الوقت، بإعادة ترجمته؛ لأنّ النسخة اليونانية يجب أن تكون مكتوبة كما أكتب باللغة اليونانية، أليس كذلك؟ كتاب مترجم، حتى من قبل مترجمة ذات كفاءة... أقرّ أنّ الكتاب تُرجم بصورة جيّدة، لكن هناك شيء طفيف غير موجود، مفقود باستمرار. لا أستطيع التعرّف على طريقتي في الكتابة في الترجمة. لهذا السبب أقوم بنفسي بهذا العمل، والأمر نفسه سيحصل في اللغة الفرنسية.
نعوم أبي راشد: أنت تقول أنّنا، في كلتا اللغتين، نصل تماما إلى الشيء نفسه.
ﭭاسيليس أليكساكيس: بالنسبة إليّ، نفس الكتاب بالضبط. باستثناء بعض التفاصيل الفنية أو التقنية التي يلزم تقديم توضيحات بصددها.
نعوم أبي راشد: لقد قلت شيئًا مثيرًا للاهتمام. الآن، بعد خمسة وعشرين عامًا أو ثلاثين عامًا، أي منذ عام 1967، لديك علاقة أخرى باللغة الفرنسية، ولديك ذاكرة أخرى. وقصة الذاكرة هذه مهمّة جدًا. ألا تعتقد أنّنا عندما نكتب، فإنّنا نخاطب بالأولى ذاكرة ما؟ وهل ذاكرة الشعوب متشابهة؟
ﭭاسيليس أليكساكيس: أستطيع أن أكتب بشكل جيّد للغاية باللغة اليونانية مع تجاهل للذاكرة اليونانية كليّا، أعني بالذاكرة اليونانية العصور القديمة، والكنيسة البيزنطية، وما إلى ذلك. أنت تتبنّى فكرة أنّ اللغات هي التي تكتب الكتب، وأنّ هناك رسالة يونانية تحملها اللغة اليونانية، وأنّنا مثل نوع من أمناء القاموس، نكتب ما يقوله القاموس. لا، القواميس هي آثار عبقرية، ولكنّها كتب بلهاء، غير قادرة على سرد ولو أدنى قصة. الكلمات ليست ضمن الترتيب الصحيح، هل تفهم؟ هذا هو دور الكاتب، وهنا تكمن الحرية. ليس للغة الفرنسية رسالة. لا، الفرنسية، اللغات هي حريات وليست قيودا وإرغامات. ودورها هو تسهيل عمل الكاتب في التعبير عما يريد التعبير عنه، وليس فرض شيء عليه، هذه رؤيتي.
نديم غورسيل: أودّ أن أذهب قليلاً... ليس في نفس اتجاه ﭭاسيليس. أوّلا، أنا معجب به، لأنّه قادر أن يتولّى الترجمة بنفسه، وهذه ليست حالتي. أكتب رواياتي باللغة التركية، وتُترجم إلى الفرنسية ولغات أخرى. أنا غير قادر على الترجمة؛ لأنّني أميل إلى الكتابة مباشرة باللغة الفرنسية، ولن يكون النص نفسه. البارحة مساء، جاءت سيدة لرؤيتي في المكتبة، لتسألني عن بنات الله، الرواية الأصلية، النص الأصلي المكتوب باللغة التركية. وكانت على صواب، أرادت قراءتها باللغة التركية. أخبرتها أنّني لا أملك الكتاب التركي معي، ولكن هناك الترجمة. ثم سألت نفسي هذا السؤال: لو كتبتُ هذه الرواية مباشرة باللغة الفرنسية، هل كانت ستكون نفس الرواية؟ نفس البيئة؟ حسنا، لا. لم يكن في إمكاني كتابة بنات الله باللغة الفرنسية لسبب بسيط: لأنّني عدت إلى طفولتي الإسلامية. وهناك شخصية الجدّ، شخصية جدّي لأمّي، المحامي والمسلم في نفس الآن، الذي كان يأخذني إلى المسجد لأداء الصّلوات باللغة العربية وغيرها. لذلك أردت أن أعكس هذا الجوّ الإسلامي والتركي معا. وكان في إمكاني، ربّما، أن أكتب هذه الرواية باللغة الفرنسية، لكنّها لن تكون نفس الرواية. لهذا السبب، لا أستطيع، في ممارستي للكتابة مع ذلك، أن أتجاهل الذاكرة. ولو أنّ أحد الأتراك، خلال مناظرة جرت في فرنسا قبل بضع سنوات، قال: "قرأت كتب غورسيل باللغة التركية، لكنّي قرأت بعضها باللغة الفرنسية. إنّها أفضل باللغة الفرنسية". ليس في الأمر مجاملة على أيّ حال، وقدّم تفسيرا، إنّه أراد تكريم المترجم. لقد كنت محظوظًا جدًا بمن تولّوا ترجمتي.
ﭭاسيليس أليكساكيس: لا، لا، معذرةً: أنا أتّفق معك تمامًا. عندما يكون الموضوع يونانيًا، عندما تكون أمّي حاضرة، عندما أحتاج إلى سرد القصص لتصوير الشخصيات اليونانية، لا أستطيع الكتابة إلاّ باللغة اليونانية. فقط بعد ذلك أقوم بعمل الترجمة مثل أيّ مترجم، ولكن مع إعطاء الكتاب الأسلوب والنبرة اللتين أستخدمهما في اللغة الفرنسية.
كاظم جهاد: لحسن الحظّ أنّك توافق على هذه النقطة. وأعتقد أنّ صديقنا نديم غورسيل قد وضع المناقشة في نطاقها الصحيح. لا أعتقد أنّه يمكننا القول إنّنا نستطيع أن نقول كلّ شيء بلغة ما، ولا أنّنا نحن من نكتب اللغات. على العكس من ذلك، نحن نكتب باللغات (أشدّد على الحرف بـ)، واللغات هي التي تكتبنا. كان هايدغريقول إنّ اللغات تعرف دائمًا أكثر ممّا نعرف. بالإضافة إلى ذاكرة الشعوب التي يستحضرها صديقنا أبي راشد والتي يدّعي ﭭاسيليس أليكساكيس أنّه قادر على تجاهلها، هناك ذاكرة الكلمات، وهذه الذاكرة، في رأيي، تطفو على السطح من خلال ما هو ضمني أو مضمر في الكلمات، من خلال ما لا يقال، وما هو مسكوت عنه في لغاتنا، والذي تتمكّن اللغة من نقله بطريقة أو بأخرى. في تجربتي المتواضعة، وبفضل إقامتي الطويلة في فرنسا (وصلت إليها عام 1976)، لا أواجه الكثير من الصعوبات في كتابة المقالات النقدية باللغة الفرنسية. في الواقع، كتبت ونشرت العديد من الأعمال الدراسية الأدبية بهذه اللغة. ولكن لم يخطر ببالي من قبل أن أقوم بتأليف الأشعار بهذه اللغة. أكتب كلّ قصائدي باللغة العربية، ثمّ أترجمها بنفسي. لذا فإنّ الأمر يتعلّق بالترجمة الذاتية وليس بالكتابة. الترجمة الذاتية ليست كتابة، لمّا يكون النص الأصلي مؤلّفا في لغة الشاعر أو الكاتب، اللغة التي يجد فيها إيقاعه، التي تظلّ متّصلة بطفولته، في علاقة مع لغته الأمّ. بينما حتى لو كان هناك قسط من الإبداع في الترجمة، حين نترجم يمكننا دائمًا أن نبحث عن كلمات، نجتهد في إعادة إنتاج إيقاع النص الأصلي، وأحيانًا نخطئه؛ فإنّها، في مكان ما، تظلّ عمليّة عقلية، إلى حدّ ما، مفكّرا فيها، واعية، ومقصودة. يمكننا البحث عن الكلمات، طالما أنّ النص المراد ترجمته موجود. ولكن في الكتابة لا تأتي الكلمات عندما نستدعيها أو نستثيرها، وخاصة في الشعر. يزعم معظم الشّعراء أنّ القصيدة لا تبدأ بفكرة، ولا بصورة، القصيدة تبدأ بموسيقى. هذه الموسيقى هي أصعب شيء يمكن الحصول عليه، استثارته أو خلقه في لغة مستعارة، حتى لو أتقناها تقريبًا مثل السكان الأصليين. لقد قمت بترجمة القصائد الكاملة لراينر ماريا ريلكه، وبما أنّني أتحدّث الفرنسية أكثر من الألمانية، فقد بدأت بقصائده الفرنسية. كما تعلمون، بدأ ريلكه في السنوات الأخيرة من حياته بتأليف عدد من القصائد والدورات الشعرية باللغة الفرنسية، وأشهرها قصيدة بعنوان "Vergers". اتضح أنّ النقاد الأكثر إعجابًا بالشاعر يضعون هذه القصائد الفرنسية في مرتبة ثانوية مقارنة بقصائده المكتوبة باللغة الألمانية، لغته الأولى. وادّعى، هو نفسه، أنّه أراد أن يمنح هذه القصائد إلى فرنسا وسويسرا الناطقة بالفرنسية حيث عاش سنواته الأخيرة. بدأت بترجمة هذه القصائد، وفي وقت لاحق وصلت إلى ترجمة العمل الألماني، وقمت بذلك تحت إشراف البروفيسور Gerald Stieg، المتخصص الشهير في الأدب النمساوي ومدير طبعة أعمال ريلكه الشعرية في لابلياد. في مقدّماته وملاحظاته على الأعمال المختلفة، يُظهر، هو نفسه، اختلافات مهمّة بين شعر ريلكه الألماني وشعره الفرنسي. هذا الأخير لازال يلجأ إلى العروض والقوافي والعديد من الزّخارف وضروب الصّنعة المطلوبة في نظم الشعر، في حين أنّ كلّ هذا غائب عن قصائده الألمانية الأخيرة، ولا سيما مراثي دوينو. ولا شكّ أنّ هذه العمليات تشكّل وسيلة للتّعويض، لأنّ اللغة الأخرى، حتى لو تعامل معها بشكل جيّد للغاية، فهي تقاومه. ويمكننا أن نلاحظ أيضًا في هذه القصائد الفرنسية خفوتا في عمقها الفلسفي المعتاد، لصالح شعر مرح، مبهج، احتفالي في أغلب الأحيان. طرحت مثال هذا الشاعر العظيم لأقول إنّه، فيما يخصّ الشعر، فإنّ مسألة اللغة أو اللغات خطيرة للغاية. النّغمة، المضمر، تعدّد المعاني لها اعتبار، لهذا السبب لا أعتقد أنّنا نستطيع أن نقول إنّنا نستطيع أن نفعل ما نريد باللغات.
عبد الفتاح كيليطو: أودّ العودة إلى السؤال الذي عرضه ﭭاسيليس أليكساكيس حول الكلمة الأولى التي تلفّظها الإنسان الأوّل.هذا السّؤال طرحه شاعر عربي من القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد يدعى المعرّي في كتابه رسالة الغفران. يتخيّل المعرّي نهاية العالم، نهاية الزمان، وها إنّ شخصيته (ابن القارح) تلتقي بآدم وتسأله هذا السّؤال بالذّات: "ما الذي قلت؟ ما هي كلماتك الأولى؟". لوضع كلّ هذا في سياقه، يجب أن نعلم أنّه، بالنّسبة لبعض المؤلّفين العرب، كان آدم يتحدّث العربية عندما كان في الجنّة. إنّها اللغة الأولى، لا شكّ في ذلك. فقط آدم ارتكب معصية، أكل، تناول الثّمرة المحرّمة. إذن ما هي عقوبته؟ نسي اللغة العربية، وبدأ يتكلّم السريانية. طُرد إذن من جنة عدن، أي طُرد من العربية، من لغة الجنّة. اكتساب لغة ثانية ونسيان اللغة الأولى هو عقاب آدم. لذلك تسأل الشخصية آدم، في الجنّة، عمّا قاله باللغة العربية، لغته الأولى، ولا سيّما القصيدة التي قد يكون نظمها الإنسان الأوّل. عن ماذا تتحدّث هذه القصيدة؟ إنّها مرثية، رثاء جنائزي لموت هابيل. بعد مقتل هابيل على يد قابيل، قال آدم مرثيته هذه. وبماذا أجاب آدم؟ "لم أنطق بهذه القصيدة. والدليل أنّ هذا حدث عندما لم أعد أتكلّم العربية، عندما كنت أتكلّم السريانية، ولكن هذه القصيدة باللغة العربية. إذن هذه القصيدة مزيّفة، ولم أستطع نظمها." فقالت له الشخصية التي سألته: "ربّما قمت بتأليفها باللغة السريانية، وترجمت إلى العربية؟ " وآدم ينكر ذلك. آدم لا يريد أن يكون شاعراً، فهو ينفي ذلك. ثمّ في النّهاية تقول له الشخصية: "لا بدّ أنّك نسيت كلّ ذلك. لا بدّ أنّك نسيت كلّ ذلك، لأنّ الكلمة العربية التي تعني "نسيان" هي الكلمة العربية التي تعني "إنسان". إذن أنت إنسان لأنّك كائن ينسى، أنت شخص ينسى". أتمنّى أن أكون قد أجبت قليلا.
ﭭاسيليس أليكساكيس: ما أردت قوله هو أنّ اللغات هي عمل الكتّاب. اللغة اليونانية القديمة هي لغة فقيرة، لولا أفلاطون وهوميروس وجميع الآخرين، لكانت لغة رديئة. الكتّاب هم الذين يصنعون اللغات. لقد كان الكتّاب الفرنسيون هم من خلقوا اللغة الفرنسية. اللغة الفرنسية ليست كميّة مجرّدة أو ميتافيزيقية موجودة بذاتها. إنّها لغة تمّ الاشتغال عليها، إنّها عمل الكتّاب.
كاظم جهاد: يعتمد الأمر على ما إذا كنّا نقول إنّ الكاتب يستطيع أن يجعل اللغة تقول كلّ شيء، وهو أمر مبالغ فيه في رأيي، أو أنّ الكتّاب هم الذين يصنعون اللغة بشكل مستمر، وبالتالي يخلقون ما نسمّيه ميراثا.
ﭭاسيليس أليكساكيس: نعم، لكن كلّ واحد يقوم بشيْ ما.
كاظم جهاد: أنا آسف مرّة أخرى، ليس الأمر نفسه أن نقول إنّ الكاتب يمكنه أن يجعل اللغة تقول كلّ شيء وأن نؤكد أنّ الكتّاب يجعلون اللغة تتطوّر من خلال الاشتغال عليها.
ﭭاسيليس أليكساكيس: لا، إنّه حوار بين الكاتب واللغة، لكنّ الكاتب يقدّم مساهمة أساسيّة وغير مقيّدة. هذا ما أعتقده.
ليوبوﭭ ساﭭوﭭا: السؤال الذي يمكن أن نطرحه على أنفسنا، استنادا إلى ريلكه وقصائده باللغة الفرنسية، هو: ما الذي أنجزه، في ذلك الوقت، في اللغة الفرنسية والذي، ربّما، لم ينجزه في اللغة الألمانية؟ سيكون من الجيّد معرفة ذلك، حتى لو كنّا نقدّر كلّ شعره...
كاظم جهاد: بما أنّ فكرة المقارنة قد تمّت إثارتها، ثمّة بالفعل خفّة لطيفة في قصائد ريلكه الفرنسية. لكن هذه الخفّة ليست حاسمة مثل العمق الميتافيزيقي والوضوح الشكلي لـمراثي دوينو أو سوناتات إلى أورفيوس. هناك، إذا شئت، نوع من التسلسل الهرمي، واختلاف في الكثافة بين شعر ريلكه الألماني وشعره الفرنسي.
نديم غورسيل: يمكن للبيئة اللغوية الأخرى في بعض الأحيان أن تثير لدى الكاتب الرغبة في لغته. أعتقد أن هذا كان هو حال ريلكه. عندما عاش في باريس، منعزلاً، وكتب Cahiers de Malte Laurids Brigge، يمكن تفسير ذلك أيضًا بهذه البيئة اللغوية المختلفة، التي دفعته إلى إعادة التواصل مع طفولته، مع الذاكرة. وكأنّ هذه البيئة دعّمت، في نهاية المطاف، انفجار لغة أخرى. أعتقد أن قضية ريلكه، على هذا المستوى، مثيرة للاهتمام. كما أعتقد أننا لم نتناول جانبًا من السؤال، يبدو لي، بالغ القيمة ... أقصد الوجود الضمني للغة في النص المكتوب بلغة أخرى. أنا لست مترجما. لكن حدث أن قمت بترجمة رواية. الرواية الوحيدة التي ترجمتها في حياتي هي الرحلة الكبرى لخورخي سيمبرونJorge Semprun . قمت بترجمتها إلى اللغة التركية، لأنّني احتجت، في ذلك الوقت،إلى بعض المال. إنّها رواية جيّدة تتعلّق بالترحيل. هناك، ربّما، أشخاص بينكم قرؤوها. في هذه الرواية توجد شخصية تقول دائمًا إنّها لا تستطيع الذهاب حتى نهاية البحث عن الزمن المفقود، في رواية بروست. إنّ رواية خورخي هي رواية عن الذاكرة، حيث يتردّد اسم بروست. والجمل هي جمل بروستية. لقد واجهت الكثير من المتاعب في ترجمتها إلى اللغة التركية. وآمل أن أكون وفّقت في ذلك. عندما التقيت خورخي سيمبرون، سألته السؤال – لأنّه، كما تعلمون، إسباني، ومع ذلك كتب جميع أعماله تقريبًا باللغة الفرنسية، باستثناء سيرته الذاتية، السيرة الذاتية لفيديريكو سانشيز، المكتوبة باللغة الإسبانية. قلت له: "انظر، هذه في الحقيقة جمل بروستية إلى حدّ ما، في حين أنّ شخصيتك – التي هي نظير شخصية المؤلف بقدر ما– تقول إنّه لم يقرأ البحث عن الزمن المفقود حتى النهاية أبدًا". قال لي: "هذا صحيح، أنا لا أحبّ بروست، وهذه الجمل، وبنية هذه الرواية، لا علاقة لها بما تقول". فقلت: "إذن، من أين أتت؟" فقال لي: "كانت عمّاتي هنّ من يتكلّمن هكذا. كنّ يتحدّثن باللغة القشتالية مع الكثير من الاستطرادات، وهذا، في الأساس، هو هيكل الجمل في هذه الرواية، فهو مرتبط باللغة القشتالية كما تحدثت بها عمّاتي، وفي طفولتي، سمعتهنّ يتحدثن بهذه الطريقة".


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المحلق الثقافي لصحيفة "العلم" ـ الخميس 17 أبريل 2025.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...