لم يكن قرارًا. كان انكسارًا بطيئًا، كصوتٍ يتلاشى في بئرٍ بلا قاع.
بدأ حين توقّف صوته عن الخروج، وبقي الكلام حبيس صدره، يصرخ داخله، ويخنقه. حين لم يعد يستطيع البكاء، ولا الكتابة، ولا حتى النظر في عيني أحد دون أن ينهار من الداخل.
حين صار الألم أكبر من جسده، والصمت أوسع من غرفته.
كان يخاف من النهار، ومن الناس، ومن نفسه. يستيقظ مرعوبًا، يصرخ في الظلام ولا يسمعه أحد، يختنق من الهواء، من الضوء، من وجوده ذاته. يتكلم لنفسه، يتوسل إلى المرايا ألا تعكسه، ويكتب "أنا هنا" على الأوراق ثم يمزقها بسرعة كأنه يخشى أن يُفضَح.
منذ الطفولة، بدأ الفقد. فقد أمه أولًا.
كانت الحضنَ الوحيد الذي يفهمه دون سؤال.
رحلت مبكرًا، فصار الليل غريبًا، والحياة أضيق، وكان والده رجلًا قاسيًا، ليس لشرٍّ في قلبه، بل لأن الفقر يجلد الأرواح، والظلم يعميها.
كان يتحمل في صمت،. .
كان صادقًا حدّ السذاجة،، لكن الحياة ضحكت له بسخريةو في وقت قصير فقد عمله، لأنهم لم يحتملوا صدقه.
طُعن بخديعة من أقرب أصدقائه، وخذلته حبيبته وباعته لرجل غني، بلا وداع.
حتى والده مات فجأة، وتركه وحده في العاصفة.
كل شيء تفكّك، وكأن العالم كله قرّر أن يقول له: لا مكان لك بيننا.
في تلك الليلة، كان جالسًا على الأرض، ممزقًا بين الرغبة في الموت، والعجز عن الصراخ. كانت الشقة مظلمة، والريح تعوي، والمطر يسقط داخل صدره لا خارجه. وفجأة، شعر بشيء يتحرك أمامه. من بين ظلال الغرفة.
نسخة أدمية قامت منه .
قامت كما تقوم الأرواح في الحكايات القديمة. مجسدة، مذهلة، تحمل ملامحه دون أن تكونه. تبتسم له كمن يعرفه أكثر مما يعرف نفسه. لم يتكلم.
لم تسأله. فقط وقفت وقالت:
ــ "سأكون أنت حين لا تحتمل أن تكون."
منذ ولادتها، عرفت النسخة طريقها.
لم تكن صورة!!
بل كائنًا خفيًا ينمو من شروخ روحه. صامتة، مطيعة، تؤدي دوره في الحياة وهو غائب في داخله، كما تؤدي المرايا دورها دون أن تسأل عن الحقيقة.
بدأت بخطوة صغيرة، في حفل تعارف بسيط نظمته إحدى الجمعيات. لم يكن أحد يعرفه، لكنه وقف هناك، بجسدها، وابتسم.
كانت تبتسم كأنها تحفظ أسرار الحضور. وحين تحدّث، لم يقل شيئًا عميقًا، فقط قال ما يحبّ الناس سماعه، بصوت واثق ونبرة حنونة، تخلط بين الحكمة والمجاملة.
صُفق له بحرارة.
دعاه أحد رجال الأعمال لحفل آخر.
وهناك، التقى بمرشح بارز، فحادثه ببراعة، واختار كلماته كما تُختار العطور: جذابة، خفيفة، تغوي دون أن تُفصح.
وبسرعة، بدأت الأبواب تُفتح. دعوات، لقاءات، ترشيحات، كلمات في المؤتمرات، ثم مقالات تُنسب إليه، ثم حملة دعم، ثم حشود تهتف باسمه.
لم يكن يعرف شيئًا عن السياسة!!
لكنها كانت تعرف أن الناس لا تحب الصادق، بل تحب من يشبه أحلامها الكاذبة.
قالت النسخة في أحد خطاباتها الجماهيرية:
ــ "أنا واحد منكم، أعرف جوعكم، لكني أحلم بشبعكم."
قالتها والنور ينعكس على جبينها، والناس تبكي.
كان يسهر في البيت، يتأمل صوره وهي تُرفع في الميادين، ويسأل نفسه:
ــ "من هذا؟"
وكانت النسخة ترد من مكانٍ بعيد في رأسه:
ــ "أنا أنت... بعد أن شفيتَ من صدقك."
ارتقى السلم درجة درجة. دعمته جهات لا يعرفها، وتبنّته شخصيات كبرى، حتى وصل إلى أعلى المنصات. أصبح له مكتب، وسكرتير، ومصور خاص، ومستشارون، وحلقات تلفزيونية، وجمهور يسأله عن رأيه في كل شيء، وهو يبتسم بإجابات مصنوعة بعناية، مليئة بما يحب الناس سماعه.
مرّت السنوات، وتكفّلت النسخة بكل شيء. كانت تظهر في الاجتماعات، في الخُطب، في المهرجانات، تبتسم للغرباء، تقف في الصفوف الأمامية وتُلقي الكلمات التي لا تعنيها. ولم تشتكِ. لم تسأله لماذا. فقط كانت هناك، تتنفس باسمه، وتعيش باسمه، وتُدفن كل ليلة في نومه، لتنهض قبله، وتلبس جسده.
وثق بها الناس. أحبّوها، بايعوها، رفعوا صورها على الجدران.
لم يسألوا عن الحزن الذي يسكن عينيها، ولا عن انكسار الصوت في نهايات الجمل. كانوا يرون ما أراد هو أن يُرى.
وفي زوايا وعيه، كان هناك كائنٌ ثالث.
لا يتدخل.
فقط يُراقب.
كان يظهر في الأحلام، يجلس عند حافة السرير، أو خلف النافذة، أو في المرايا حين يظن أنه وحده.
سمّاه لاحقًا: "الشاهد".
الشاهد لم يكن حيًا، ولا ميتًا.
كان أشبه بالضمير ، وأشبه بالوعي إذا تعرّى من التبرير.
. مرآة صامتة تعيد إليه صورته كما هي، دون مجاملة أو تزوير..
، عاد إلى البيت القديم. وجد أمّه هناك، جالسة على كرسيها الخشبي، تطرز شالًا أبيض، وتغني .
اقترب منها مذهولا ، ركع عند قدميها، وقال بصوتٍ مختنق:
ــ "نسيتكِ. لم أعد أراكِ في وجهي."
ابتسمت، وربتت على رأسه، وقالت:
ــ "أنا لم أختفِ، أنت فقط أغلقتَ بابك."
ثم نظر إلى الزاوية، فوجد الشاهد جالسًا في الظل، يدوّن في دفتر أسود صغير.
قال له: ــ "ماذا تكتب؟"
أجابه : ــ "أكتب كل مرة رأيتَ فيها نفسك ولم تعرفها."
استفاق من الحلم وهو مشدوها حائرا.
،،كان وجه أمّه يبتسم في قلبه.
صاح في ألم وهو يبكي لأول مرة منذ سنوات : يستحيل أن يكون هذا حلم، إنها أمي ، بلحمها وشحمها، لقد شعرت بملمس يدها الدافئة، وشممت رائحة أنفاسها الطيبة ، ولا تزال بقاياها في صدري.
، كانت النسخة جالسة في زاويته،
قالت دون أن ترفع عينيها:
ــ "كل ما خجلتَ من قوله، أنا قلته."
ــ "كل ما كتمتَه، بكيتُه."
ــ "وكل ما دفنته، صار حياتي."
ارتبك، كأنه يواجه اعترافاته مُجسّدة في هيئة بشرية.
ــ "لكنك لستِ حقيقية."
رفعت عينيها، وابتسمت بحزن لا يشبهه:
ــ "وهل كنتَ حقيقيًا حين صنعتني؟"
قال وهو يصرخ: ــ "أنتِ خيانة. أنا صنعتك من ضعف، لا من وعي!"
ردّت بصوتٍ عاصف: ــ "بل صنعتني حين لم يعد لك خيار! كنتَ على وشك الانهيار، وأنا من حافظ على ملامحك!"
ــ "أنا لم أعش!"
ــ "بل تهرّبت من الحياة!"
نهض من مكانه، ضرب الجدران، صرخ في وجهها: ــ "أخرجي منّي!"
اقتربت منه، وهمست: ــ "أنا داخلك، أنت مَن فتح لي الباب. لا تصرخ عليّ، اصرخ على نفسك."
الشاهد.كان واقفًا ، دون ظل،
قال: ــ "أيّكما يكذب
"من الذي هرب من الحياة، فاستعار ظلا ؟"
من الذي ارتدي القناع حتى نسي وجهه؟"
لم يردّ أحد.
. و جلس هو أرضًا، كأن الأسئلة أثقل من جسده.
كانت النسخة تقف مكانه في المرآة.
تُحرّك شفتيها بطريقته، تكتب حروفه، وتوقّع أعماله. وكان الشاهد ، يبتسم بشفقة، ويهمس:
ــ من يشاهد من؟
، تساءل إن كان هو من يعيش، أم هي، أم ذاك الآخر
، قالت النسخة : ــ "أنا الوجع الذي هربتَ منه، أنا الحزن الذي لبسته.
قال: ــ "أريد استعادة نفسي."
قالت: ــ أنا نفسك... أنا أنت… حين كنتَ أضعف ما يكون.
أنا بقاياك، أنا ظلّك."
قال الشاهد في جدية : ــ "إن اعترفت بها، ستتلاشى، وإن أنكرتها، ستكبر حتى تُهلكك،!
جلس أمامها. لا دفاع، لا إنكار. كان يدرك الآن، أنه لم يصنعها وحده، بل أخرجها من ذاته كما يُخرج الجرح دمه. وكانت حقيقية بقدر ما خافها.
فقالت بصوت خافت: ــ "دعني أذوب فيك. لا كذكرى، بل كوعي."
مدّ يده. وحين لامسها، سرت فيه قشعريرة. كأنه يلمس نفسه للمرة الأولى، كما يلمس العارف مرآة روحه بعد مقام طويل من التّيه.
وحين ذابت، لم تختفِ. بل بقي الشاهد، واقفًا عند الباب. قال له وهو يبتسم: ــ "الآن يمكنني الرحيل. لقد شاهدتَ نفسك."
اختفى، وظل هو وحده، ولكنه
لم يعد كما كان، بل كما أصبح بعد أن حمل حزنه لا كعبء، بل كمرشد.
وفي أول خطاب له بعد غياب، وقف أمام الجماهير، بلا نسخة.
نظر في عيونهم طويلًا، وقال: ــ "ما كنتُ كما ظننتم. كنتُ صورةً، نسجتها من خوفي، وقد أحببتموها، لكني لم أكن أنا.
وفي مفاجأة مذهلة وعلى غير توقع
دوى صوت آخر من حافة المنصة. كانت هي، النسخة، تقف هناك.
بملابسه، بنبرته، بابتسامته القديمة.
قالت بصوتٍ واضح: ــ أنا من خطبتُ، أنا من وقّعت باسمكم.
سرت همهمة في الصفوف، ارتباك، دهشة، فزع.
نظر الناس، إلى النسخة في رعب ، ثم إلى بعضهم، كأنهم يحاولون أن يصدقوا أعينهم!!
فوضى... ارتباك شديد...
صرخات محملة بالرعب
بعض الناس أغشي عليه من الصدمة، وبعضهم فر هاربا .
الباقون شلت المفاجأة حركتهم تماما فلبثوا في مكانهم وكأن على رؤوسهم الطير
هو حدّق في النسخة ، ثم صاح في قوة : ــ "عودي إلى حيث وُلدتِ."
قالت في تحدي : ــ أنا لم أعد ظلّك، أنا صرت جزءًا منكم.
ثم التفتت إلى الناس، وقالت: أنتم الذين صدّقتموني حين كذبت،. أنا لم أخدعكم وحدي…بل أنتم الذين أردتم أن تُخدعوا!!
في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوي صمتٌ ثقيل.. ثقيل .
بدأ حين توقّف صوته عن الخروج، وبقي الكلام حبيس صدره، يصرخ داخله، ويخنقه. حين لم يعد يستطيع البكاء، ولا الكتابة، ولا حتى النظر في عيني أحد دون أن ينهار من الداخل.
حين صار الألم أكبر من جسده، والصمت أوسع من غرفته.
كان يخاف من النهار، ومن الناس، ومن نفسه. يستيقظ مرعوبًا، يصرخ في الظلام ولا يسمعه أحد، يختنق من الهواء، من الضوء، من وجوده ذاته. يتكلم لنفسه، يتوسل إلى المرايا ألا تعكسه، ويكتب "أنا هنا" على الأوراق ثم يمزقها بسرعة كأنه يخشى أن يُفضَح.
منذ الطفولة، بدأ الفقد. فقد أمه أولًا.
كانت الحضنَ الوحيد الذي يفهمه دون سؤال.
رحلت مبكرًا، فصار الليل غريبًا، والحياة أضيق، وكان والده رجلًا قاسيًا، ليس لشرٍّ في قلبه، بل لأن الفقر يجلد الأرواح، والظلم يعميها.
كان يتحمل في صمت،. .
كان صادقًا حدّ السذاجة،، لكن الحياة ضحكت له بسخريةو في وقت قصير فقد عمله، لأنهم لم يحتملوا صدقه.
طُعن بخديعة من أقرب أصدقائه، وخذلته حبيبته وباعته لرجل غني، بلا وداع.
حتى والده مات فجأة، وتركه وحده في العاصفة.
كل شيء تفكّك، وكأن العالم كله قرّر أن يقول له: لا مكان لك بيننا.
في تلك الليلة، كان جالسًا على الأرض، ممزقًا بين الرغبة في الموت، والعجز عن الصراخ. كانت الشقة مظلمة، والريح تعوي، والمطر يسقط داخل صدره لا خارجه. وفجأة، شعر بشيء يتحرك أمامه. من بين ظلال الغرفة.
نسخة أدمية قامت منه .
قامت كما تقوم الأرواح في الحكايات القديمة. مجسدة، مذهلة، تحمل ملامحه دون أن تكونه. تبتسم له كمن يعرفه أكثر مما يعرف نفسه. لم يتكلم.
لم تسأله. فقط وقفت وقالت:
ــ "سأكون أنت حين لا تحتمل أن تكون."
منذ ولادتها، عرفت النسخة طريقها.
لم تكن صورة!!
بل كائنًا خفيًا ينمو من شروخ روحه. صامتة، مطيعة، تؤدي دوره في الحياة وهو غائب في داخله، كما تؤدي المرايا دورها دون أن تسأل عن الحقيقة.
بدأت بخطوة صغيرة، في حفل تعارف بسيط نظمته إحدى الجمعيات. لم يكن أحد يعرفه، لكنه وقف هناك، بجسدها، وابتسم.
كانت تبتسم كأنها تحفظ أسرار الحضور. وحين تحدّث، لم يقل شيئًا عميقًا، فقط قال ما يحبّ الناس سماعه، بصوت واثق ونبرة حنونة، تخلط بين الحكمة والمجاملة.
صُفق له بحرارة.
دعاه أحد رجال الأعمال لحفل آخر.
وهناك، التقى بمرشح بارز، فحادثه ببراعة، واختار كلماته كما تُختار العطور: جذابة، خفيفة، تغوي دون أن تُفصح.
وبسرعة، بدأت الأبواب تُفتح. دعوات، لقاءات، ترشيحات، كلمات في المؤتمرات، ثم مقالات تُنسب إليه، ثم حملة دعم، ثم حشود تهتف باسمه.
لم يكن يعرف شيئًا عن السياسة!!
لكنها كانت تعرف أن الناس لا تحب الصادق، بل تحب من يشبه أحلامها الكاذبة.
قالت النسخة في أحد خطاباتها الجماهيرية:
ــ "أنا واحد منكم، أعرف جوعكم، لكني أحلم بشبعكم."
قالتها والنور ينعكس على جبينها، والناس تبكي.
كان يسهر في البيت، يتأمل صوره وهي تُرفع في الميادين، ويسأل نفسه:
ــ "من هذا؟"
وكانت النسخة ترد من مكانٍ بعيد في رأسه:
ــ "أنا أنت... بعد أن شفيتَ من صدقك."
ارتقى السلم درجة درجة. دعمته جهات لا يعرفها، وتبنّته شخصيات كبرى، حتى وصل إلى أعلى المنصات. أصبح له مكتب، وسكرتير، ومصور خاص، ومستشارون، وحلقات تلفزيونية، وجمهور يسأله عن رأيه في كل شيء، وهو يبتسم بإجابات مصنوعة بعناية، مليئة بما يحب الناس سماعه.
مرّت السنوات، وتكفّلت النسخة بكل شيء. كانت تظهر في الاجتماعات، في الخُطب، في المهرجانات، تبتسم للغرباء، تقف في الصفوف الأمامية وتُلقي الكلمات التي لا تعنيها. ولم تشتكِ. لم تسأله لماذا. فقط كانت هناك، تتنفس باسمه، وتعيش باسمه، وتُدفن كل ليلة في نومه، لتنهض قبله، وتلبس جسده.
وثق بها الناس. أحبّوها، بايعوها، رفعوا صورها على الجدران.
لم يسألوا عن الحزن الذي يسكن عينيها، ولا عن انكسار الصوت في نهايات الجمل. كانوا يرون ما أراد هو أن يُرى.
وفي زوايا وعيه، كان هناك كائنٌ ثالث.
لا يتدخل.
فقط يُراقب.
كان يظهر في الأحلام، يجلس عند حافة السرير، أو خلف النافذة، أو في المرايا حين يظن أنه وحده.
سمّاه لاحقًا: "الشاهد".
الشاهد لم يكن حيًا، ولا ميتًا.
كان أشبه بالضمير ، وأشبه بالوعي إذا تعرّى من التبرير.
. مرآة صامتة تعيد إليه صورته كما هي، دون مجاملة أو تزوير..
، عاد إلى البيت القديم. وجد أمّه هناك، جالسة على كرسيها الخشبي، تطرز شالًا أبيض، وتغني .
اقترب منها مذهولا ، ركع عند قدميها، وقال بصوتٍ مختنق:
ــ "نسيتكِ. لم أعد أراكِ في وجهي."
ابتسمت، وربتت على رأسه، وقالت:
ــ "أنا لم أختفِ، أنت فقط أغلقتَ بابك."
ثم نظر إلى الزاوية، فوجد الشاهد جالسًا في الظل، يدوّن في دفتر أسود صغير.
قال له: ــ "ماذا تكتب؟"
أجابه : ــ "أكتب كل مرة رأيتَ فيها نفسك ولم تعرفها."
استفاق من الحلم وهو مشدوها حائرا.
،،كان وجه أمّه يبتسم في قلبه.
صاح في ألم وهو يبكي لأول مرة منذ سنوات : يستحيل أن يكون هذا حلم، إنها أمي ، بلحمها وشحمها، لقد شعرت بملمس يدها الدافئة، وشممت رائحة أنفاسها الطيبة ، ولا تزال بقاياها في صدري.
، كانت النسخة جالسة في زاويته،
قالت دون أن ترفع عينيها:
ــ "كل ما خجلتَ من قوله، أنا قلته."
ــ "كل ما كتمتَه، بكيتُه."
ــ "وكل ما دفنته، صار حياتي."
ارتبك، كأنه يواجه اعترافاته مُجسّدة في هيئة بشرية.
ــ "لكنك لستِ حقيقية."
رفعت عينيها، وابتسمت بحزن لا يشبهه:
ــ "وهل كنتَ حقيقيًا حين صنعتني؟"
قال وهو يصرخ: ــ "أنتِ خيانة. أنا صنعتك من ضعف، لا من وعي!"
ردّت بصوتٍ عاصف: ــ "بل صنعتني حين لم يعد لك خيار! كنتَ على وشك الانهيار، وأنا من حافظ على ملامحك!"
ــ "أنا لم أعش!"
ــ "بل تهرّبت من الحياة!"
نهض من مكانه، ضرب الجدران، صرخ في وجهها: ــ "أخرجي منّي!"
اقتربت منه، وهمست: ــ "أنا داخلك، أنت مَن فتح لي الباب. لا تصرخ عليّ، اصرخ على نفسك."
الشاهد.كان واقفًا ، دون ظل،
قال: ــ "أيّكما يكذب
"من الذي هرب من الحياة، فاستعار ظلا ؟"
من الذي ارتدي القناع حتى نسي وجهه؟"
لم يردّ أحد.
. و جلس هو أرضًا، كأن الأسئلة أثقل من جسده.
كانت النسخة تقف مكانه في المرآة.
تُحرّك شفتيها بطريقته، تكتب حروفه، وتوقّع أعماله. وكان الشاهد ، يبتسم بشفقة، ويهمس:
ــ من يشاهد من؟
، تساءل إن كان هو من يعيش، أم هي، أم ذاك الآخر
، قالت النسخة : ــ "أنا الوجع الذي هربتَ منه، أنا الحزن الذي لبسته.
قال: ــ "أريد استعادة نفسي."
قالت: ــ أنا نفسك... أنا أنت… حين كنتَ أضعف ما يكون.
أنا بقاياك، أنا ظلّك."
قال الشاهد في جدية : ــ "إن اعترفت بها، ستتلاشى، وإن أنكرتها، ستكبر حتى تُهلكك،!
جلس أمامها. لا دفاع، لا إنكار. كان يدرك الآن، أنه لم يصنعها وحده، بل أخرجها من ذاته كما يُخرج الجرح دمه. وكانت حقيقية بقدر ما خافها.
فقالت بصوت خافت: ــ "دعني أذوب فيك. لا كذكرى، بل كوعي."
مدّ يده. وحين لامسها، سرت فيه قشعريرة. كأنه يلمس نفسه للمرة الأولى، كما يلمس العارف مرآة روحه بعد مقام طويل من التّيه.
وحين ذابت، لم تختفِ. بل بقي الشاهد، واقفًا عند الباب. قال له وهو يبتسم: ــ "الآن يمكنني الرحيل. لقد شاهدتَ نفسك."
اختفى، وظل هو وحده، ولكنه
لم يعد كما كان، بل كما أصبح بعد أن حمل حزنه لا كعبء، بل كمرشد.
وفي أول خطاب له بعد غياب، وقف أمام الجماهير، بلا نسخة.
نظر في عيونهم طويلًا، وقال: ــ "ما كنتُ كما ظننتم. كنتُ صورةً، نسجتها من خوفي، وقد أحببتموها، لكني لم أكن أنا.
وفي مفاجأة مذهلة وعلى غير توقع
دوى صوت آخر من حافة المنصة. كانت هي، النسخة، تقف هناك.
بملابسه، بنبرته، بابتسامته القديمة.
قالت بصوتٍ واضح: ــ أنا من خطبتُ، أنا من وقّعت باسمكم.
سرت همهمة في الصفوف، ارتباك، دهشة، فزع.
نظر الناس، إلى النسخة في رعب ، ثم إلى بعضهم، كأنهم يحاولون أن يصدقوا أعينهم!!
فوضى... ارتباك شديد...
صرخات محملة بالرعب
بعض الناس أغشي عليه من الصدمة، وبعضهم فر هاربا .
الباقون شلت المفاجأة حركتهم تماما فلبثوا في مكانهم وكأن على رؤوسهم الطير
هو حدّق في النسخة ، ثم صاح في قوة : ــ "عودي إلى حيث وُلدتِ."
قالت في تحدي : ــ أنا لم أعد ظلّك، أنا صرت جزءًا منكم.
ثم التفتت إلى الناس، وقالت: أنتم الذين صدّقتموني حين كذبت،. أنا لم أخدعكم وحدي…بل أنتم الذين أردتم أن تُخدعوا!!
في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوي صمتٌ ثقيل.. ثقيل .