شرف حكيم الجبل

عندما دقّوا بابنا عند الفجر، لم يكن في صوتهم ارتباك. قالوا إنهم رأوا أمي سلمى في الحقول عند منتصف الليل، تتمتم بكلام غير مفهوم، وتُذرّ شيئًا في الهواء، ثم تختفي بين أشجار الصفصاف. اتهموها بالسحر. قال أحدهم إنها عقدت لسان طفلٍ ظلّ يبكي ثلاثة أيام دون أن ينطق، وقالت زينب جارتنا إنها شاهدت قطة سوداء تخرج من نافذتها كلّ فجر، ثم تختفي تحت الأرض.

وكان العمدة، بوجهه الغليظ وصوته الأجش، يقودهم. هو من أشاع عنها الشك، هو من قال إن النساء الطاهرات لا يسرن ليلاً، وإن من تتحدث مع الريح لا بد أن تسكنها الشياطين.

لم يدافع أبي نعيم، لم يهدد.
فقط شدّني من يدي، وقال: "هيّا، سنذهب إلى شرف حكيم الجبل."
لم أسأله من هو شرف، ولماذا نذهب إليه. كنت أعلم أن في عينيه شيئًا يشبه الإيمان حينما يبزغ من فرط الألم.

سرنا طويلًا. عبرنا الحقول التي تعرت من الندى، مررنا بكوخ مهجور، قال أبي:
إن ثمة امرأة عمياء تسكن فيه، تحفظ أسرار الزمان.
كانت تجلس عند الباب، تحدّق في العدم، لكنها حين اقتربنا، قالت دون أن ترفع رأسها:
"سترون النور إن بقي فيكم صبر."
التفت إليها أبي كأنّه يعرفها، وهمس لي:
"كانت أول من آمنت بأمك حين كذّبها الجميع. قالوا إنها عمياء، لكنها كانت تبصر ما لا يراه أحد."
ثم مال برأسه وقال لها بصوت خفيض:
"هل ما زلتِ تحفظين الطريق؟"
فردّت المرأة دون تردّد:
"الطريق لا يضيع، بل القلوب التي تنكر النور."

ثم تسلّقنا دربًا ضيّقًا تتناثر على جانبيه عظام طيور قديمة، كأنها تروي حكايات منسية.

قال أبي:
"شرف لا يسكن الجبل، بل الجبل يسكنه."
حين وُلِد، انهمر المطر... وحين غضب، توقفت الطيور عن الغناء، وانحنت الأشجار كأنها تطلب الصفح."

كان صوته مثل الحكايات القديمة، لا يُكذّب، ولا يُصدّق.

عند قمة الجبل، رأيناه. رجل بلحية بيضاء تصل إلى صدره، وعباءة رمادية كأنها من غيم قديم. جلس تحت شجرة مائلة، يطعم طائرًا صغيرًا بيده. لم ينظر إلينا، لكنه قال:
"جئتما من أجلها؟"

لم يندهش أبي، ولم أندهش أنا.
كأننا نعرف أن في حضرته، لا وجود للزمن.

جلسنا صامتين، والريح تهدهدنا، قال شرف:
"المرأة التي تتحدث مع الريح لا تُحاكم، بل يُفهم حزنها."

سأل أبي بصوت مرتجف:
"هل يمكن للبراءة أن تُثبت؟"
أجابه شرف:
"ما لا يُرى هو الأوضح أحيانًا."
بكيت، ولا أعرف لماذا.
لكن شرف نظر إليّ وقال:
"أنت ستكتب هذه الحكاية. لا تنسَ دموعك."

ثم نهض. مدّ يده إلى أبي، ووضع شيئًا في كفّه. حجرًا صغيرًا، أزرقَ!!
قال:
"خذه إليها. إن بكت حين تراه، فهي طاهرة. وإن ضحكت، فهي أشدُّ نقاءً مما ظننّا."
ثم غاب في الضباب.

في طريق العودة، لم نتكلم. كنت أشعر أن الجبل لا يزال يمشي معنا، وأن صوته سيظلّ في رأسي طويلًا.

وعندما عدنا، كانت أمي واقفة في فناء البيت، عيناها مثل غيمٍ ثقيلٍ على وشك الانفجار. ناولها أبي الحجر.

نظرت إليه، ثم إلى السماء، قالت:

كنتُ أسمعهم يتهامسون كلّما مررتُ في السوق، كأن أنفاسي دخان، وكأن خطايَ رياح غريبة لا تنتمي للأرض.
أنا لا أسحر أحدًا.
لكنّي أتكلم مع الأشياء حين يصمت البشر.
أربّت على جذوع الشجر لأن فيها نبضًا خفيًّا، وأتبادل الأسرار مع مياه الغدير.
حين خرجتُ ليلًا.
كنتُ أبحث عن ريشة عصفور سقطت قرب النافذة. قالت لي امرأة عجوز منذ سنين:
"إذا ضيّعتِ الحزن في الريشة، طار عنكِ."
فجعلتُ الريشة بيتًا لحزني، ونفختُها في الريح.
هل هذا سحر؟
لا أدري. لكنّي عدت مرتاحة.

وعندما رأت أمي الحجر في يد أبي، عرفتُ أن الجبل تكلّم، وأن الريح أوصلت حكايتها.
نظرتُ إلى الحجر، ولم تبك... قالت:
ذكرني أن هناك من صدّق قلبي دون أن أتكلم، من رأى ألمى دون أن أصرخ.
ولدي...
اكتب هذه الحكاية، لكن لا تجعلني بطلة ولا ضحيّة.
اكتبني كما أنا:
امرأة تحدّثت مع الريح، ووجدت في قلب جبل... حكيمًا يُصغي.

ثم جلست في زاوية الفناء، وضعت الحجر في حضنها، وأغمضت عينيها.
ظلّت هكذا حتى غابت الشمس، والريح تعزف من حولها لحناً خفيفًا.
وحين اقتربتُ منها، كانت ساكنة تمامًا...
كأنها نامت أخيرًا، بلا خوف، بلا انتظار.

رحلت سلمى،،
لكن في عينيها بقيت الريشة، والحجر، والريح...
وكلّ من رآها، تذكّر أن الخير قد يموت جسدًا، لكنه لا يُدفن أبدًا.

حين خرجنا بها إلى الساحة، لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
حتى زينب، التي كانت تقود الهجمة ضدها، وقفت على العتبة ترتجف.
قالت بصوت مبحوح:
"كأنها تنظر إليّ... حتى وهي ميتة!"
ثم نظرت إلى الحجر في يدها، وقالت امرأة خلفها:
"ألم تقولي إن الحجر يُطفئ اللعنة؟"
فأجابت زينب:
"بل يُشعلها، إن كان في القلب نار خبيئة."

ساد الصمت.
النساء طأطأن رؤوسهن، والرجال رموا أعينهم إلى الأرض.

أما أبي، نعيم، فقد تغيّر صوته منذ تلك اللحظة.
لم يعد يحمل الحزن، بل شيئًا آخر يشبه النبوءة..

و هبت ريح خفيفة...
وظهر شرف عند مدخل البيت.
كان يشبه طيفًا من نور، صوته ينساب كأنّه ندى:
، لم يره أحد يدخل، ولم يسمع أحد وقع خطاه. كان واقفًا، بثوبه الرمادي، ولحيته البيضاء، وعينيه مثل غيمين يحتضنان الشمس. أشار بعصاه نحو الجموع، وقال بصوت لا يشبه أصوات البشر:
"من يطرد الطهر، يسكنه الخراب.
ومن يتهم النور، ينام في العتمة.
امرأة الريح لا تموت، بل تعود كلما خفّ النبض في الأرض.

ثم هبّت نسمة،
وارتفعت ريشة صغيرة في الهواء،
دارت فوق الجسد المسجّى،
ثم هبطت على صدرها،
كأن الحكاية بدأت من جديد...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...