هايدي فاروق - امرأة البدايات...

يتناولان عشاءهما في أحد المطاعم الراقية التي يقدم فيها الطعام مصاحبا لمقطوعات موسيقية تعزف على البيانو.. على الطاولة زجاجة نبيذ فاخرة شربا نصفها. ترتدي فستانا أزرق يعري كتفيها ... شعرها منسدل متحرر ذهبي اللون.. أحمر شفاه داكن يزيد إطلالتها سحرًا وغموضًا.

ويرتدي هو ملابس كلاسيك أنيقة.. شعره أسود حالك.. هو شاب فتى طويل وسيم.. نظراته تخترقها من تحت نظارته الطبية يريد أن يكتشف ما تحت جلدها ولحمها .. وعظامها..... وعلى الرغم من أنه لقاؤهما الأول ؛ فإنها تذاكر عينيه تعرف ماذا سيقول.. تحفظ كلماته عن ظهر قلب.. ترسم ملامح اللقاء.. قبل أن يبدأ تعرف إلى ماذا ينظر ؟ .. ماذا ينتظر؟ كلهم كانوا ذلك الرجل.. الجالس أمامها.

تجيد استخدام أسلحتها ؛ خصوصا في اللقاء الأول.. تشهرها واحدة

تلو الأخرى.. وهو مشدود إليها مغرم بالترسانة التي تزلزل جوانحه.

تعزف على عروقه.. صوتها يأخذه بعيدًا وعيناها الهائمتان تثيران

خيالة.. تستفز ذكورته...


من موضوع لموضوع تتنقل، بخفة، بتلقائية ، بإثارة تتنقل.

نقلاتها تبهره ، تجننه ، تجيد التحدث في كل شيء ، صوتها يأتي ناعما... النبيذ يثقل جفنيها فيزيد نظراتها إثارة. لا يقوى أن يطيل النظر إليهما.. سيفتضح أمره... إنه على وشك أن يزيح كل العوائق ليلتهمها... يتحدث في موضوعات مختلفة.. يهذي ببعض الكلمات.. يحاول أن يرسم شخصيات عديدة له.. فهو الشاب المثقف.. الطبيب الناجح... الرجل المغامر.. الشخص الذي يبحث عن الاستقرار...

فلا تبل ريقه بشربة ماء...

يحاول أن يكتشفها ...

هي أبعد ما يكون عن كل ما قاله عنها.. وهو لا يمت بصلة لأي

شخصية حاول أن يتقمصها...

يستدعيها.. تظل محافظة على هدوئها وعمق عينيها...

يشعر بنفسه ضعيفًا ... صغيرا.

تسقط أحيانًا منه.. تفقد تركيزها .. تهيم مع خيالاتها تملأ كأسها حتى

آخره فيذوب أكثر في المرأة التي ضاعت مع الخيال وذابت مع كأس

النبيذ.. يصر على إعادتها.. فلا تعود...

يحلم بغزوها .. بتحطيم قلوعها والانتصار عليها ورؤية نظرة الحزن

وهي تتبدد على يديه...

يحاول أن يجذبها لموضوع لا تريد الحديث فيه.. تصدمه..

نظرات عينيها ناضجة جريئة قد تكون مخيفة في مرحلة ما .... لكنه لا يمتلك القدرة على الرجوع.. هي التي تقود ولذة القيادة تحمل كثيرا من المفاجآت إلى أين سيذهب ومتى سيعود ؟.... لا يعرف أي شيء.. معصوب العينين وعزفها على عروقه وصل للمنتهى...

لا يعرف السر في عذوبة اللقاء..

وحدها تعرف..

إنها البدايات.. وسحرها يغرق في حزن عينيها .. نظراتها التائهة ، يتوق للاستقرار.. هدوء عقلها يجعله على استعداد أن يضحي بكل ما هو غال ونفيس لمعرفة سر هذا الهدوء.. هذا الاختلاف الذي يميزها عن كل النساء.

هي تعشق البدايات بما فيها من لذة وجنون ورومانسية ومحاولات اكتشاف...... هي كما هي ...... الفرحة لا تمس قلبها.

. جاذبيتها تغري العيون تعدهم بالاقتحام...

إنها امرأة للبدايات.. النهايات ليست من نصيبها...

ذكاء عينيها يخيف من أمامها فيركع قبل أن تقول أي شيء...

مجرد كلمات بسيطة منها تغير حسبات أي رجل أمامها ...

رائحة شخصيتها تسلب عقل من يناقشها ...

ولكن أي سعادة مهما كانت لم تستمر معها سوى أيام...

اكتفت بالبدايات.... النهايات ليست من نصيبها ...

كم من رجال اقتحموا حياتها .. حاولوا تغيير نظرة الحزن وعندما استسلمت

غادروها غدرا ...

ما أجملها البدايات .. إنها لها كلها ملكها ...

أما النهايات السعيدة فستظل دوما تنظر إليها من بعيد ... كبرياؤها يمنعها من أن

تستدعيها ..

ابتسمت بلطف فلمح ابتسامتها تخيل أنها عادت.

تنهدت ... فأطرق بإنصات لصوتها ...

ابتعدت من جديد .. فمنى نفسه بلحظات الوصول ...

اطمأنت؛ فالحكاية لا تزال في ساعاتها الأولى .


---------------
- امرأة البدايات من المجموعة القصصية امرأة البدايات الصادرة عن روز اليوسف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...