د. علي زين العابدين الحسيني - الذكرى والعبرة: مشاهد من حياة أساتذتي (1)

-1-

في رحاب الذكريات العطرة ومتاهات الأمس البعيد تنبعث الحكايات والمواقف العديدة معطرة بعبق الماضي، حاملةً معها أرواح أساتذةٍ ومشايخ علّمونا فنون الحياة قبل العلم، وأهدونا من معين حكمتهم ما يكفي لننهل منه طوال العمر. تلك الذكريات التي أود اليوم أن أحيك منها ثوباً يدفئنا في ليالي الشتاء الباردة، ويظلل علينا في حر الصيف القائظ. إنها الذكريات التي تعيد للأذهان عظمة ما كان منهم، وتحث الخطى للسير على نهجهم، والتأسي بمواقفهم التي كانت ولا زالت مصابيح تضيء دروبنا المظلمة.
إنني أحاول إعادة روح تلك الأيام إلى الواقع العملي؛ مستلهماً من الماضي دروساً تفيدنا في حاضرنا ومستقبلنا.
هذه الحكايات المروية هي من وحي تجاربي معهم؛ تحمل في طياتها عبراً ترسم لنا خارطة طريق نستطيع بها التنقل بين متاهات الحياة. فكل موقف عايشته، وكل حديث دار بيننا كان بمثابة بذرة زُرعت في أرض خصبة، أسعى اليوم إلى أن أسقيها من جديد بماء الذكرى، علّها تنبت ثماراً؛ تُغذي أجيالاً قادمة.
إنه ليس مجرد رصد للماضي، بل محاولة لاستخلاص الحِكم التي تُعيننا على مواجهة تحديات الحياة المعاصرة، مسترشدين بنور العلم الذي أهدوه إلينا. وإن من واجبي البحث عنها واستخراجها من بين طيات الذكريات، لتكون لنا عوناً وإرشاداً؛ فمن حق هؤلاء العظماء عليّ أن أقف على ذكراهم وقفة الذاكر للجميل، أحيي خلود مجدهم بنثير الورود.
وفي عمق روحي حيث تتشابك خيوط الذكريات بنسيج الواقع تكمن حكايات ليست كأي حكايات، إنها حكاياتٌ عشت أحداثها بنفسي! لم أسمعها من ثغرٍ، ولم أروها عن أحد بواسطة، فكل لحظة منها كنت أنا المشهد، والراوي، والمستمع.
هذه الذكريات التي أحتفظ بها ككنوز ثمينة هي أكثر من مجرد سرد لأحداثٍ؛ إنها رحلة عبر الزمن مع أساتذة ومشايخ، ملهمين وهادين، صلحاء ونجباء، عقلاء وأذكياء، أولئك الذين كانوا بمثابة منارات إرشاد في ليل حياتي المظلم، ومطر غزير في صحراء روحي الجدباء.
لقد عشتُ لحظات مع كلّ واحد منهم لا تُنسى، تلك اللحظات كانت بمثابة دروس حياتية عملية، صُنعت خصيصًا لي لا لغيري، دروسٌ لم تكن لتجد طريقها إلى قلبي لولا العيش والمشاركة المباشرة في كل موقف معهم.
لقد تعلمتُ أن العلم ليس مجرد معلومات تُحفظ، بل هو نور يُعاش، وحكمة تُطبق، وأخلاق تُرسخ في النفس قبل أن تُعلم.
أسعى اليوم من خلال هذه السطور، ليس فقط إحياء تلك الذكريات في قلبي وعقلي، بل نقلها إلى الواقع العملي لكلّ من يقف عليها؛ محاولًا أن أجسد روح تلك المواقف التي عايشتها بكلماتي، وأن أعيد صياغتها بحيث تصبح عبرًا ودروسًا يمكن تطبيقها في حياتنا اليومية، فالعبرة ليست بالحكاية، بل بما نستخلصه منها من معانٍ ودروس؛ تُثري روحنا، وتعيننا على مواجهة تحديات الحياة.
فلكلّ من أولئك الأساتذة والمشايخ أدين بجزء من روحي وعقلي، فمن خلالهم علمت أن كل لحظة قضيتها في رفقتهم كانت بمثابة حجر أساس في بناء شخصيتي، وتشكيل وجداني. وها أنا اليوم أحمل مشعل العلم والحكمة الذي أضاءوه في طريقي؛ محاولًا إضاءة شموع صغيرة في طرق الآخرين، علّنا جميعًا نجد في النهاية طريقنا نحو النور.
(1)
شحاتة سليم بُقَّة (ت1431)
كانت زياراتي لبيته في رحلة طلب العلم طقساً يومياً لا ينقطع طوال سنوات عدّة؛ سعياً وراء الفائدة. هناك، في ذلك المكان المفعم بالحكمة والمعرفة، استقبلني بسخاء الروح وكرم الأخلاق، مانحاً إياي الرحابة في الجلوس والاستماع.
كانت معاملته تُرسم بخطوط من ذهب، حيث يتجلى كرمه في كلّ لحظة، متجلياً في يده الممدودة بالعطاء، وطبعه السمح، ونفسه الزكية.
لم يكن يقبل بمجرد فكرة مغادرتي دون أن أشاركه طعام الغداء، إلى درجة أنني بتّ أظن أن الدرس الذي أجيء لتعلمه لا يكتمل إلا بتلك الجلسة حول المائدة، حيث الطعام لا يُقدم فقط لإشباع الجوع، بل كان درساً في حد ذاته عن العطاء والمشاركة. تلك اللحظات أعطت الطعام طعماً آخر، طعم الكرم والجود الذي لا يقدر بثمن.
هو حقاً الكريم ابن الكرام بكلّ ما تحمل الكلمة من معانٍ، كرم يفوق التصورات، يمتد من يده إلى قلبه وروحه، في كل زاوية من زوايا منزله، وفي كل كلمة ينطقها، كان يُعلّمني درساً جديداً عن الحياة، دروساً لم أجدها في الكتب، بل في تلك اللحظات الثمينة التي قضيتها بحضرته.
مع مرور الوقت تحوّلت تلك الزيارات إلى جزء لا يتجزأ من حياتي، كانت مصدراً للإلهام والتعلم الذي لا ينضب. وبينما أتقدم في سنين العمر أدركت أن العلم الذي كنت أسعى إليه لم يكن مقتصراً فقط على الألفاظ والمعاني، بل كان يشمل أيضاً فنون الحياة الجميلة التي علمني إياها ذلك الكريم، فنون تتجلى في الكرم والعطاء والمحبة، مبادئ أساسية تُشكل اليوم جوهر وجودي.
وفي بيته الصغير الذي بات ملاذاً لروحي خطت أيامي أولى صفحاتها في موسوعة العلم، كنت أغوص هناك في بحور المعرفة، متمسكاً بجذورها العميقة. كان أستاذي شحاتة بقة كبير القلب، واسع الأفق، وكانت ابتسامته تلوح في الأفق، تشبه نسمة صباحية تعانق الروح بدفء، وتبعث في النفس طمأنينة، تلك الابتسامة التي كانت تعكس روحاً كريمة، وأخلاقاً طيبة لا تُضاهى.
وفي يوم من الأيام بلغ به الحديث إلى دروب المواريث التي كانت تبدو لي كمتاهة غامضة، وعندما علم بتعثري في دراستها لم يتوانَ عن تقديم يد العون؛ مدفوعاً بفطرة النبل التي تسكنه، ففي ظلال ذلك البيت نسجتُ رحلة معرفية طويلة، مليئة بالدروس والتحديات؛ كالشمع الذي يضيء لي الطريق، يقود خطواتي بصبر وحكمة، نحو آفاق فهم أرحب وأعمق.
كان يزودني كل يوم بمفاتيح جديدة لأبواب العلم، يُعلّمني كيف أرحب بالصبر كضيف ثقيل، وكيف أصغي لهمسات الحكمة الخفية. لقد تحول الرجل إلى الأستاذ الذي يرشدني، والمرشد الذي يعلمني درس الحياة، والنحات الذي لا يزال ينقش على جدران قلبي وصفحات حياتي أروع القيم وأجمل الذكريات.
هو في نظري ليس مجرد معلم، بل الفنان الذي يرسم على لوحة الزمن بألوان العطاء والمعرفة، ويخلق من الصعاب فرصاً للنمو والتطور، وفي كل لحظة قضيتها تحت ظلال توجيهه كنت أشعر بأنني أزهر في بستان الحياة المتألقة بنور المعرفة والحكمة.
لقد أدركتُ أن كلّ يوم أقضيه في تلقي العلم منه هو يوم أزداد فيه غنىً وقوةً؛ مسلحاً بالأمل، والإيمان بالمستقبل.
(2)
معوض عوض إبراهيم (ت1439)
حدثني أستاذنا المعمر معوض عوض إبراهيم بأحاديث كثيرة عن الأزهر الشريف في زمنه الجميل، حيث كان الأزهر يمتلك مجداً لا يضاهى، فقد كان مزهراً بمعارفه الغنية، ينمو ويزدهر، ويثمر بالعلم والحكمة التي تمتد بين جنباته، وكانت أروقته وكلياته تشهد إشراقاً معرفياً منقطع النظير، تترنح العلوم تحت جناحه الواسع، ويتلقى الدراسون فنوناً عديدة بجد واجتهاد.
ومشايخه في هذه المرحلة الابتدائية أنهارٌ جارية، يسيل علمهم كالماء العذب، يروون أراضي الفكر بالثراء الوفير، فهم حقاً معجزة حية للمعارف، موسوعيون في فنونهم، ما فتئوا يصقلون أفكارهم، وينيرون عقول تلاميذهم بالنور المحمديّ، مما جعلهم قادة مبجلين يستحقون التقدير في كلّ شبر من ربوع الأزهر المباركة.
كان شيخه العلامة الشهير محمد الأودن في قاعة الدرس والإفادة رمزاً للعلم، وكانت دروسه كالنوادر تشع ببريق الحكمة والإيمان، وأحاديثه تعلّم الصحيح والسليم، وعبره تهدي القلوب نحو سبيل الاستقامة والتوجه نحو الله.
وعندما يبدأ الشيخ الأودن درسه كانت لحظة من الخشوع، يخلع نعليه بأدب وتواضع؛ متربعاً على كرسيه، كانت جلسته تغمرها السكينة العميقة، وتنبعث منها روحانية تملأ الأجواء، فتهب الطمأنينة والسلام النفسي على قلوب الحاضرين، ويغمرهم الإلهام والتأمل في مدى عظمة الدين، وجلالة العلم.
ذات صباح طلب شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي الإذن للدخول على الشيخ الأودن أثناء الدرس حيث كان برفقته وزير خارجية العراق والشيخ عبد المجيد اللبان لمقابلته.
خلال زيارتهم استمعوا إلى الشيخ محمد الأودن لفترة قصيرة، ثم طلب الشيخ المراغي من الشيخ اللبان إحضار مقاعد للجلوس. أكمل الشيخ الأودن مجلسه دون أن يظهر اهتمامًا مباشرًا بالحضور، ليس تجاهلاً لهم، بل كان غارقًا في التدريس. وبعد انتهائه اقترب منه الشيخ المراغي ومَن معه لتحيته وهو جالس على كرسيه، ثم غادروا، واستمر الشيخ في تقديم درسه.
هكذا كانت دروسه تملأ الفؤاد بالنور، وتسطع بشعاع الهدى، فتشعل في النفوس شغفاً بالعلم والتقوى، وترتقي بهم إلى أعلى المراتب في رحاب المعرفة.
(3)
محمد رجب البيومي (ت1432)
في خضم تلك الأيام الساحرة التي كانت تعانق جمال كلية اللغة العربية في المنصورة، حيث تمتزج أرواح العلم والأدب في نسيج واحد، كنت أعيش حالة من الشوق العارم للقاء أحد عمالقة الأدب والتاريخ، الأستاذ المؤرخ الراوية محمد رجب البيومي. كانت همساته الرقيقة التي تنبع من عمق تجربته ومعرفته في مقالاته الافتتاحية بــــ"مجلة الأزهر" ترتقي بروحي إلى آفاق أرحب وأعمق.
كان يظهر في كلية اللغة العربية كالبرق الخاطف في مناقشات الرسائل العلمية أو في لحظات غير متوقعة، فكانت عيوني تسعى دومًا لالتقاط نظراته الرفيعة والعميقة. كانت رغبتي تتلخص في لمحة واحدة من وجهه النير، أو في مصافحة تجمع يدي بيده الطاهرة، تمنيتها بكلّ تواضع وشغف في حداثة سني.
ورغم حماسي الكبير أبت الأقدار أن تمنحني لقاءه المباشر بسهولة. غير أن الإصرار كان دافعي، فبحثت عنه بلا كللٍ حتى قادتني الأقدام بفضل صدفة مباركة إلى داره الواقعة بشارع كلية الآداب في مدينة "المنصورة" الساحرة العامرة بالثقافة والفنون.
لقاؤنا الأول كان مسرحًا لنغمات الاحترام والتقدير المتبادل، ولكنّه بكلّ لطفٍ اعتذر عن استقبالي ذلك الوقت بسبب انشغاله بكتابة مقالات وبحوث ملحة. أدركتُ صدق موقفه، فلعله ظن أني طالب غير مجد يضيع أوقات الأساتذة الثمينة. لكنني بروح لا تعرف اليأس، حاولتُ مرارًا وتكرارًا.
وفي صباح مشرق بالأمل هالني إلهام عظيم بأن أرتدي عمامتي الأزهرية؛ معرفةً مني بعشق الأستاذ لها ولحملتها. ولما رآني بها كانت ردة فعله نابعة من احترام عميق، فدعاني إلى شقته بكل حفاوة وترحاب.
بدأ حديثنا كنسيم صباح جديد، حيث طرح عليّ أسئلة بلطف عن دراستي وحياتي الأكاديمية وأساتذتي. وكلما تشاركنا الأسماء والقصص كانت ملامح الحب والتقدير تتضح على وجهه الكريم. وبعد ذلك انتقل لطرح أسئلة ذكية، محاولًا اختبار معرفتي بشكل غير مباشر، كأنه يسبر أغوار روحي بكلّ حنان ودقة.
من هذا اللقاء الفارق نشأت بيننا رابطة المعرفة والتلمذة التي أعتز بها أيما اعتزاز. أفادني الأستاذ بنصائح جليلة حول فن الكتابة، وحثني على توسيع دائرة قراءاتي لتشمل ما هو أبعد من المحيط الأزهري، موجهًا إياي إلى آفاق أرحب في عالم الأدب والكتابة.
كان الأستاذ محمد رجب البيومي يتخذ من مكتبته معبدًا للعلم ومنارة للفكر، حيث كان يعكف على القراءة والكتابة بشغف لا يعرف الكلل أو الملل. وفي هذا الفضاء المقدس لم يكن يعبأ بضجيج الدنيا أو يسعى خلف الأضواء الزائفة التي تتقافز في سماء الشهرة والمدح.
لقد كانت روحه متعلقة بجوهر الحياة الأسمى للكاتب، معتبرًا أن الكلمة هي عطاؤه الأبدي للإنسانية، وبهذا الإخلاص النابع من أعماق قلبه تمكن من خلق إرثٍ لا يُنسى من الأعمال العظيمة.
هو من أعلام العصر المصلحين الذين يوضح الله بهم من قرن إلى قرن الأخلاق العلية وطرق الإنسانية، وخلاصة جيل النهضة الأدبية الحديثة بأسره الجامع بين الجامعتين الجامعة الأزهرية التراثية والجامعة الثقافية المعاصرة، وتطبيق صحيح لمدرسة "الرسالة الزياتية" الممتدة إلى المرصفي والرافعي، والمهتمة بالإنهاض باللغة العربية، والحفاظ على هويتها!
كان أستاذنا البيومي متضلعاً في العلوم الشرعية والعربية كأكثر النابغين المتخرجين من الجامعة الأزهرية إلا أنني كنت أتعجب من سعة ثقافته، واتصاله بالحياة الثقافية العامة وأخذه مباشرة عن أولياء الثقافة بمصر، وتلخص لي أن تميزه عن غيره باعثه: القراءة الممتدة خارج المحيط الأزهري!
ووجّه لي الأستاذ الأكبر نصيحة قيّمة بتوسيع دائرة قراءاتي والتواصل مع أهل العلم وأرباب الفكر المعاصرين؛ ليسهم ذلك في تعميق فهمي للحياة الثقافية، وتطوير رؤيتي نحوها.
وبعيدًا عن الأضواء كان يحيا الأستاذ المرحوم بين طيات الكتب وصفحات المجلات، غير مبالٍ بالظروف التي قد تثني العزائم الأقل تصميمًا. لم يكن يرغب في مدح أو ثناء، لأن همه الأول والأخير كان ينصب على تأدية رسالته كمنارة هداية تنير طريق المعرفة. كان يرى أن الزمن الضائع في سعي الإنسان خلف المناصب والألقاب هو خسارة لا تعوض من رصيد حياته التي يمكن أن تثمر علمًا وأدبًا.
وبفهمه العميق أن الإنسان يخلد بما يخطه قلمه رفض الأستاذ كل عروض المناصب والمكانة الاجتماعية التي قد تشتت تركيزه عن عالم الكتابة الذي اختاره لنفسه، فكان يدرك بحس فطري أن السلطان الحقيقي للإنسان هو ما يسطره من أفكار ومعانٍ، تتجاوز بها الحدود وتتخطى بها الأزمان.
وقد تجلت حكمة موقفه بوضوح بعد رحيله، حيث ظهر الفارق الشاسع بينه وبين أولئك الذين طغت عليهم المناصب والألقاب، فنسوا أو تناسوا أن الحقيقة الأبدية للإنسان تكمن فيما يخلفه من آثار علمية وأدبية. وعبر حياته ومسيرته ترك أستاذي الأكبر البيومي بصمات وآثاراً لا تمحوها رياح النسيان، مؤكدًا على أن العظمة الحقيقية تكمن في الإسهام الفكريّ والروحيّ الذي يتركه الإنسان وراءه.
طيب الله ذكرى أستاذي الأكبر، وأجزل له ثواب المخلصين المصلحين في جنات النعيم!
(4)
السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد (ت 1434)
في يوم لا يمحى من ذاكرتي كان لي شرف الانطلاق نحو منزل شيخنا الجليل، العلامة السيد حامد أحمد مشهور الحداد المعروف بسعة علمه ونبل أخلاقه بمدينة "جدة" بالمملكة العربية السعودية. لقد استقبلني الرجل بحفاوة بالغة، مبدياً ترحيباً لا يوصف، حتى إنني شعرت بأني أحد أفراد أسرته.
أخذ بيدي إلى مجلسه العامر، حيث أوجد لي مكاناً بجواره، فتح على إثره قلبه قبل أن يفتح شفتيه، سارداً لي قصصاً وحكايات عن مشواره الممتد في طلب العلم والدعوة والتوجيه في أرض القارة السمراء أفريقيا، وعن رحلته إلى مصر وأخذه وتلقيه عن أعلامها في القرن الماضي.
وأخص ما تميز به الرجل متانة الخلق، وحدة الذهن، وهمة النفس، وشدة المروءة، ونقاء القلب، وصلابة الرجولة. ورث عن أبيه قوة الحيوية، وأراد منه أن يكون تلميذاً، فيأبى هو إلا أن يكون عالماً مؤثراً ذا آثار، زارعاً مربياً في حقل الدعوة الإسلامية.
وفي تلك الجلسة البهية كان للكتب حظ وافر من العطاء؛ إذ أهداني بعضاً من مؤلفاته الغالية، تلك التي تشكل معالم هامة في الفكر والمعرفة. ومن بين ما ناولنيه "السبحة الثمينة نظم السفينة" لوالده الشيخ الفقيه الداعية أحمد مشهور الحداد، فقرأت عليه أبيات هذه المنظومة في الفقه الشافعي، تلك التي خطها قلم أبيه الحكيم، وأتبعتها بما أضافه هو من نظمه الراقي "خاتمة السبحة الثمينة نظم السفينة"، لتكون متممة لمسيرة العلم في أسرته.
لم ينته سخاؤه معي، بل ازداد جوداً وعطاءً، فلم يكتفِ بما فعله، بل أوصاني بأهمية الاستزادة من علم الشيخ الفقيه محمد علي باعطية الدوعني، الذي يُعَدُّ من رموز العلم والفقه الشافعي بمدينة "جدة" حينذاك. وأشار إلى كتابه "الدرة اليتيمة" الذي شرح فيه منظومة والده "السبحة الثمينة" بأسلوب متقن وعميق، ورتب لي لقاءً معه للاستفادة من تجاربه ومعرفته. وقد قرأتُ عليه بعض كتابه "الدرة اليتيمة"، وكتاب الحج الذي أضافه على متن "سفينة النجاة" لسمير بن سمير الحضرمي.
وهذا الإنجاز الكبير لم يكن بالإمكان تحقيقه إلا ببركة السيد حامد الحداد وجهوده الجليلة.
لم تقتصر المفاجآت على هذا القدر، فقد تكرم علينا أخو الشيخ السيد علي بن أحمد المشهور، بدعوة كريمة لتناول طعام الغداء ذات يوم. وخلال هذه المأدبة تعددت موضوعات الحديث وتشعبت، ولكن ما لفت انتباهي كان ذلك الإعجاب الصامت، والاحترام العميق الذي كان يحمله السيد علي لأخيه. وهذا الإكرام والتقدير ليس إلا انعكاساً للتربية الفاضلة التي زرعها فيهما والدهما منذ الصغر.
في تلك الجلسة الأخوية الدافئة التي ضمتني تحت سقف العلم والمودة، كان هناك شيء متفرد يلوح في الأفق، نور يشع من القلب إلى القلب دون حاجة للكلمات. هذا النور هو الحب الصافي الذي شعرتُ به ينبعث من عيون السيد علي نحو أخيه، حب عميق وصادق يتجلى في كلّ نظرة، وكلّ ابتسامة، وكلّ إيماءة.
لم يكن حباً عادياً، بل كان أشبه بنسيج محبوك بخيوط من ذهب القلوب، نسيجٍ يربط بين الأرواح قبل الأجساد.
كان السيد علي الحداد بكل ما يملك من احترام وتقدير لأخيه يستمع إليه استماعاً يتجاوز الأذن إلى الروح. لكل كلمة تنسكب من لسان الأخ الكبير كان هناك أذن صاغية، قلب متعطش، وروح متلهفة للعلم والمعرفة. ولم يكن هذا الاستماع جافاً، بل كان ممزوجاً برغبة جامحة في التذكر والاستزادة، حيث كان يطلب بلهفة تذكيره بمواقف مضت، تلك التي تحمل دروساً في الأخلاق والسلوك!
ولم تكن أسئلة السيد علي مجرد استفسارات عابرة، بل كانت تنبع من رغبة صادقة في فهم أعمق لقضايا السلوك والآداب العامة، فكان يسأل بتأنٍ واهتمام، يطلب الإيضاح والتوضيح، لا يكتفي بالسطحية، بل يغوص في أعماق الأمور. كانت أسئلته تعكس عطشاً للمعرفة، ورغبة في التزود بالحكمة والأخلاق التي يمثلها أخوه.
هذا الحب العميق، وهذا الاستماع الشغوف، وهذه الرغبة الصادقة في التعلم، كلها كانت تشكل لوحة فنية راقية، تعبر عن جمال العلاقات الإنسانية الحقيقية.
وفي هذا الزمان حيث يبدو أن السطحية قد طغت على الكثير من العلاقات، كان مشهد السيد علي وأخيه كومضة ضوء، تذكرنا بأن الحب الصافي، والاهتمام العميق، والرغبة الصادقة في التعلم هي ما تجعل الحياة أكثر غنى وعمقاً.
لقد كانت هذه الزيارة بمثابة درس حيّ في الأخلاق والعلم وأهمية الرابط الأسري. وعندما غادرت، كانت الفكرة التي ظلت تتردد في ذهني هي الاهتمام البالغ الذي يوليه الأب لتربية أبنائه. هذه التربية الراقية هي بمثابة استثمار طويل الأمد يؤتي ثماره مع الزمن، حيث تصبح الأجيال الجديدة مرآة تعكس أخلاق الآباء وعظمة مسيرتهم. ومن هنا يدرك الناس قيمة الأب في نفسه، من خلال سلوك أبنائه الذين هم عنوانه ودليل على أصالته.
رحمه الله رحمة واسعة وعوضنا من علمه وفضله وأدبه وزهده خير العوض!

يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...