في زاويةٍ ساكنة من المساء، حين بدأ الضوء يتوارى بكل خجل وببطءٍ شديد خلف ستار الغروب، كمن يعتذر للسماء عن كل ما حمله النهار من ألم ووجع... جلستُ أنا بقربك، لا صوت، لا حراك، فقط أنفاسي المرتعشة وصمتك الأبدي...
كنتُ أتأملك، وأقرأ فوق ملامح وجهك المُنهك تاريخاً من الألم، وشهوراً من التعبٍ لا تنتهي، وجهك يا أبي... كم أوجعني، كأن الزمن قد تواطأ مع الألم لينقش فوقه ألف ندبةٍ وألف حكاية عن صبرٍ لا يُحتمل...
كأن الخريف لم يكن فصلاً بل مرّ بك عمراً كاملاً، انتزع منك الحياة ورمى بأوراقها اليابسة فوق ملامحك، حتى صرت تشبه الغياب مع أن جسدك مازال هنا... ولكن روحك...؟!
كنت هناك مستلقياً بين الحياة والحلم والنسيان، بين الرحيل والوعد باللقاء، وأنا أُمسك بيدك، أضمّها إلى قلبي كما كنتَ تفعل معي في طفولتي، حين كنتَ تُبعد عني وحوش الظلام وتهمس لي أن لا شيء يُخيفني ما دمتَ قريباً منكِ...
كنتَ هنا بين الحياة و الحياة الأبدية الأخرى، تقول لي دوماً مؤكداً أنك ستُصبح بخير وان كل شيء سيكون على ما يرام، فلا تجزعي أنا دائماً هنا بالجوار...
أمسكت يدك التي كانت يوماً تحميني من كل ما يُخيف، تلك اليد ذاتها التي لم تخذلني يوماً، أمسكتُها بقوة، علّك تسمع نبضي، علّك تشعر أني هنا، كما كنتَ أنت دائماً...
يا أبي اليوم انقلبت الأدوار...
سأكون أنا اليد التي تُطمئنك، والصوت الذي يُهدهد قلبك، والضوء الذي أبقيته لي دائماً في الممرات حين كنتُ صغيرة، خائفة من كل شيء إلا عدم وجودك، سأكون ذلك النور الذي يتسلل إلى عتمتك الأخيرة، وذلك الدفءَ ل ليلك البارد...
سأكون هنا، أحرس نومك الأخير العميق كما كنتَ تحرس قلبي من الكوابيس، الآن أنا من يهمس لك أن لا تخف، وأن الظلام لن يؤذيك، ف أنت لست وحدك في الرحيل...
لا تخف يا أبي... لقد علمتني أن الرحيل لا يحتاج دموعاً، بل يحتاج شجاعة، علمتني أن الحب لا يُقاس بالبقاء، بل بما يتركه فينا حين نغيب، وأنا أحببتك بما يكفي ليكسرني غيابك، وليجعلني أقف الآن على حافة الحياة، لا أملك سوى يدك الساكنة وذاكرةٌ تغصُّ بك...
لم أعد تلك الطفلة يا أبي، التي ترفعها فوق كتفيك لترى العالم، ولم أعد تلك التي تُخبئ حزنها بين راحتيك، صرتُ الآن امرأةً كبيره تحمل وجعك، كما حملتني يوماً...
نحن الآن وفقط إنسانان، روحان التقيا على مفترق الرحيل، لا حاجة للكلمات، لا حاجة للوداع، كلانا يعرف أن ما بيننا أعمق بكثير من اي كلمة او نقاش، ف الذي بيننا كان أصدق من كل تفسير...
أنت تعرفني... تعرف ضعفي حين كنت أقاوم، وخطاياي حين كنت أتعثر، وأنا أعرفك... أعرفك كما لم يعرفك أحد، أعرف طيبتك التي كانت تؤلمك أكثر من الناس، أحببتك رغم كل شيء ورغم كل ما كان بيننا من اختلاف وتوجهات، أحببتك كما لم يُحبك أحد من هؤلاء...
أغمض عينيك الآن يا أبي واسترح، دع الحلم يأخذك إلى حيث لا وجع، لا خيبة، لا ندم، ولا رحيل، هناك حيث الأبدية والراحة التي تستحقها بعد كل هذا التعب...
صحيح ف أنا لم أنسَ، تركت لك نوراً صغيراً، تماماً كما كنت تفعل لي كل مساء!
والآن... آن الأوان، آن أوان التحرر من هذا الجسد المتعب والمرهق، من هذا الألم الذي استوطن كل ذرة بك، من هذا الانتظار الثقيل الذي أكل أيامك...
نم بسلام يا أبي... نم كما لم تنم من قبل!
ارتح الآن... فقط ارتح ودعنا نحن؛ أمي وأخواتي ومعهم أنا، سنحاول إستكمال المسير من بعدك مُرغمين!
ضحى أحمد الباسوسي
كنتُ أتأملك، وأقرأ فوق ملامح وجهك المُنهك تاريخاً من الألم، وشهوراً من التعبٍ لا تنتهي، وجهك يا أبي... كم أوجعني، كأن الزمن قد تواطأ مع الألم لينقش فوقه ألف ندبةٍ وألف حكاية عن صبرٍ لا يُحتمل...
كأن الخريف لم يكن فصلاً بل مرّ بك عمراً كاملاً، انتزع منك الحياة ورمى بأوراقها اليابسة فوق ملامحك، حتى صرت تشبه الغياب مع أن جسدك مازال هنا... ولكن روحك...؟!
كنت هناك مستلقياً بين الحياة والحلم والنسيان، بين الرحيل والوعد باللقاء، وأنا أُمسك بيدك، أضمّها إلى قلبي كما كنتَ تفعل معي في طفولتي، حين كنتَ تُبعد عني وحوش الظلام وتهمس لي أن لا شيء يُخيفني ما دمتَ قريباً منكِ...
كنتَ هنا بين الحياة و الحياة الأبدية الأخرى، تقول لي دوماً مؤكداً أنك ستُصبح بخير وان كل شيء سيكون على ما يرام، فلا تجزعي أنا دائماً هنا بالجوار...
أمسكت يدك التي كانت يوماً تحميني من كل ما يُخيف، تلك اليد ذاتها التي لم تخذلني يوماً، أمسكتُها بقوة، علّك تسمع نبضي، علّك تشعر أني هنا، كما كنتَ أنت دائماً...
يا أبي اليوم انقلبت الأدوار...
سأكون أنا اليد التي تُطمئنك، والصوت الذي يُهدهد قلبك، والضوء الذي أبقيته لي دائماً في الممرات حين كنتُ صغيرة، خائفة من كل شيء إلا عدم وجودك، سأكون ذلك النور الذي يتسلل إلى عتمتك الأخيرة، وذلك الدفءَ ل ليلك البارد...
سأكون هنا، أحرس نومك الأخير العميق كما كنتَ تحرس قلبي من الكوابيس، الآن أنا من يهمس لك أن لا تخف، وأن الظلام لن يؤذيك، ف أنت لست وحدك في الرحيل...
لا تخف يا أبي... لقد علمتني أن الرحيل لا يحتاج دموعاً، بل يحتاج شجاعة، علمتني أن الحب لا يُقاس بالبقاء، بل بما يتركه فينا حين نغيب، وأنا أحببتك بما يكفي ليكسرني غيابك، وليجعلني أقف الآن على حافة الحياة، لا أملك سوى يدك الساكنة وذاكرةٌ تغصُّ بك...
لم أعد تلك الطفلة يا أبي، التي ترفعها فوق كتفيك لترى العالم، ولم أعد تلك التي تُخبئ حزنها بين راحتيك، صرتُ الآن امرأةً كبيره تحمل وجعك، كما حملتني يوماً...
نحن الآن وفقط إنسانان، روحان التقيا على مفترق الرحيل، لا حاجة للكلمات، لا حاجة للوداع، كلانا يعرف أن ما بيننا أعمق بكثير من اي كلمة او نقاش، ف الذي بيننا كان أصدق من كل تفسير...
أنت تعرفني... تعرف ضعفي حين كنت أقاوم، وخطاياي حين كنت أتعثر، وأنا أعرفك... أعرفك كما لم يعرفك أحد، أعرف طيبتك التي كانت تؤلمك أكثر من الناس، أحببتك رغم كل شيء ورغم كل ما كان بيننا من اختلاف وتوجهات، أحببتك كما لم يُحبك أحد من هؤلاء...
أغمض عينيك الآن يا أبي واسترح، دع الحلم يأخذك إلى حيث لا وجع، لا خيبة، لا ندم، ولا رحيل، هناك حيث الأبدية والراحة التي تستحقها بعد كل هذا التعب...
صحيح ف أنا لم أنسَ، تركت لك نوراً صغيراً، تماماً كما كنت تفعل لي كل مساء!
والآن... آن الأوان، آن أوان التحرر من هذا الجسد المتعب والمرهق، من هذا الألم الذي استوطن كل ذرة بك، من هذا الانتظار الثقيل الذي أكل أيامك...
نم بسلام يا أبي... نم كما لم تنم من قبل!
ارتح الآن... فقط ارتح ودعنا نحن؛ أمي وأخواتي ومعهم أنا، سنحاول إستكمال المسير من بعدك مُرغمين!
ضحى أحمد الباسوسي