بين الأدب والفلسفة، ظهرت منهجية "التفكيك" Deconstruction في أوضح صورها مع الفيلسوف الفرنسي "جاك دريدا" (1930-2004)، ليُطبِّقها الأخير على التاريخ الفلسفي لمفهوم الكذب، لا ليُفكِّك مفهوم الكذب وحده، بل ومفهوم الصدق أيضًا كما سيتضح. ’’يهدُف التفكيك إلى التحليل النصي. والكشف عن معنى مُخالف ومُهرَّب في غضون النص وهوامشه‘‘ (دريدا، 2008) أي أن فلاسفة التفكيك ينظرون إلى الكتابة بوصفها نوعًا من الصراع والتناقض بين الكلمات والجُمل. وعلى هذا الأساس الفكري، قدم "دريدا" مقارنة تفسيرية لمفهوم الكذب، تكشف علاقته بمفاهيم أخرى مثل الخداع، الصدق، وشبه الصدق.
تتوفَّر القواميس على عدد هائل من التعريفات المختلفة لـ "الكذب". ويعني "الكذب"، من حيث هو اسم، وفي أكثر معانيه اتساعا ’’حديثا مُزيفًا يُدلى به شخص ما بـ (قصد) خديعة شخص آخر. وهو مرادف لـ "المراوغة"، وعلى الضد من "الصدق" Truth‘‘ (Mahon, 2008) هذا هو التعريف التقليدي للكذب، الذي يتفق معه "دريدا"، ويُفند شروطه تفنيدًا فلسفيًّا تفكيكيًّا، إذ حُدِّدَ للكذب أربعة شروط ضرورية وهي:
(شرط التصريح). أن يُدلي الشخص بتصريح ما، والتصريح يقتضي استخدام اللغة. ومع ذلك من الممكن لشخص أن يُصرح باستخدام لغة الإشارة، الشفرات، أو إيماءات جسدية محددة. أو أن يرتدي شخص ما شَعرًا مستعارًا، أو خاتم زواج وهو غير متزوج، أو زي شرطة وهو ليس ضابط شرطة، وهذه حالات تستلزم إعادة النظر في الحكم على هذه المواقف بأنها كذب – وفقا لـ "دريدا"
(شرط الكذب). أي اعتقاد الكاذب بأن تصريحه كاذب. ولكن قد تكون التصريحات الصادقة خاطئة. فإذا كان التصريح خاطئًا دون علم قائله، فإنه لا يكذب. ومن ناحية أخرى، قد تكون التصريحات الكاذبة صحيحة، فإذا أدلى شخص بتصريح صادق بقصد خداع شخص آخر، فإننا – وفقا للمفهوم التقليدي للكذب، قد نجزم بأن الشخص لا يكذب.
(شرط المُرسَل إليه). بمعنى أن يكون الكذب مُوجَّهًا لشخص آخر. ولكن هناك حالات يكون الكذب موجَّه للجمهور. ومن الممكن أن يكذب شخص بواسطة نشر تقرير كاذب عن حدث ما، أو تقديم بيان كاذب في إقرار ضريبي، أو نشر بيان كاذب في إعلان مجلة أو إعلان تلفزيوني.
(شرط قصد الخداع). أن يقصد الكاذب أن يعتقد المُرسل إليه بصدق التصريح الكاذب، ’’بمعنى أن الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، حتى إذا كانت أقوالنا حقة‘‘ (دريدا، 2016) فماذا عن الإدلاء بتصريحات ساخرة، أو إلقاء فكاهة، أو كتابة قصة خيالية، أو التمثيل في مسرحية، وما إلى ذلك، دون القصد بأن يُصدق المرسل إليه هذه التصريحات الكاذبة؟
كشف لنا "دريدا" عن الطبيعة المراوغة لمفهوم الكذب بتفنيده لشروط الكذب الضرورية. كما تأمَّل معنى "الخُرافة" التي لا تُعتبر، وفقًا له، حقيقةً ولا كذبة؛ بل نوعا من "المحاكاة" والتلفيق ’’إنها تُشبه الكذب في كونها مجرد احتمالات، لا تُصنف وفقا للوجود أو العدم‘‘ (دريدا، 2016). وعلى هذا، رسم "دريدا" مُخططا للتأريخ المُحتمل لمفهوم الكذب، ’’لكنه لم يُنفِّذه، ولم يذكره إلا كدليل للدراسات المستقبلية حول المفهوم‘‘ (Abdulla, 2023) وقد استهل كتابه باعترافين بارزين: الأول، أن عنوان الكتاب نفسه كاذب، ’’ فتاريخ الكذب يعني مجرد التاريخ الذي افترضنا بمقتضاه أن الكذب كذب. وإثبات الكذب لابد وأن يستند إلى وجود حقيقة صادقة، فما هو الصادق؟‘‘ (دريدا، 2016) يسأل "دريدا" هذا السؤال في ظل اعتقاده الراسخ بأن "الصدق" الذي نعرفه هو صلب "الميتافيزيقا"، تلك التي افترضها "أفلاطون" وبَثَّها في عالمه الثابت المثالي، وصارت المعيار الأمثل الذي نقيس عليه درجات الصدق أو الكذب. وهو بانتقاده لهذه الميتافيزيقا ينتصر للواقع وزخم أحداثه، وما تتصف به هذه الأحداث من عشوائية ونسبية. أما الاعتراف الثاني فلم يُصرِّح به "دريدا"، ’’احتراما لقداسة الصدق، الذي من دونه لا يمكن إدانة الكذب‘‘ (دريدا، 2016) وعلينا ألا نستغرب هذا الكتمان، فعادة ما يقدم "دريدا" تطبيقا عمليا للتفكيك أثناء الكتابة، فتظهر كتابته كصراع وتناقض بين الجمل والعبارات بالفعل.
ذهب "دريدا" إلى أن الكذب الحق يعني ’’التصريح بشيء مخالف لما أفكر بأنني أفكر فيه، ويعقب هذا التصريح إساءة لي وللآخرين‘‘ (دريدا، 2016) ومع ذلك يؤكد أن هناك صعوبة شديدة في البرهنة على أن أحدًا ما قد كَذب، وهذا حتى في حالة إن تمكَّنا من البرهنة على أنه لم يقل الحقيقة. يرجع هذا – من وجهة نظر فيلسوفنا – إلى لجوئنا إلى أنصاف الكذب وأرباعه، وإلى أكاذيب من المستحيل التعاطي معها بثقة، نظرًا للسرعة الفائقة التي تنزلق بها لتستقر في المنطقة المظلمة، حيث من الصعب اتخاذ موقف واضح بين الإرادي واللاإرادي.
كما جادل "دريدا" بأنه لا يمكن إيجاد تاريخ مُستقل للكذب عن التاريخ والسياسة ’’ليظهر الكذب من خلالهما مُكتملًا ونهائيًّا، حيث هناك إمكانية للتلاعب بالوقائع‘‘ (دريدا، 2016) الكذب ضروري لتاريخ الكذب من وجهة نظر "دريدا"، ولن يكون هناك تاريخ بشكل عام، ولا تاريخ سياسي بشكل خاص، دون إمكانية الكذب، أي إمكانية الحرية والفعل. كما ينبغي – من وجهة نظره – ’’اعتبار "الإعلام" أداةً لتحويل الصورة، إذ أنه لا يُمثِّل الأحداث الأصلية، بل إنَّه مجرد محاكاة للمحاكاة‘‘ (Abdulla, 2023)
هكذا قدَّم "دريدا" تفسيرًا زمنيًّا للكذب؛ فقول الصدق يحدث في زمن المضارع أو الماضي، بينما الكذب يهدف إلى المستقبل. ولا يروي "دريدا" التاريخ الكامل للكذب، بل يجب أن نضع في اعتبارنا أنه لا ينقل حتى ما كان يعتقده حقًا بشأنه. ما علينا فهمه أنه أراد معالجة موضوع الكذب بمعنى "خارج عن الأخلاق"، ومن ثم إزالة "الإدانة الأخلاقية" عنه. كما اعتقد أن "الكذب" ’’لا يمكن أن يكون موضوعًا للمعرفة، لأن الكذب في حد ذاته متشابك مع المعرفة‘‘ (Abdulla, 2023) وخَلُص إلى أن تاريخ الكذب غير ممكن لأسباب عديدة، أهمها الجانب العملي فيه.
لعلنا لم نزل في حيرة من أمرنا، فالمنهجية التي فكَّكت مفهوم "الكذب"، وجعلته مُتماهيًا مع مفاهيم أخرى، يُمكنها – على المنوال نفسه - تفكيك مفهوم "الصدق"، فما عساه يكون الحال وقتئذ؟ أنفقد الأمل في العثور على بصيص صادق في هذا العالم المُتجهم – خصوصا - بعد أن عجزنا في بلورة مفهوم متماسك للكذب عند "دريدا"؟... في هذا الطريق المُتشعِّب والمُتعرج، قد يتبين أن كل ما نعرفه خاطئ ولا قيمة له. وأمور مثل الدحض، التزوير، التصحيح، أو المراجعة، تُعيد صياغة كل ما ظنناه سابقًا صحيحًا وواقعيًّا، لذلك تحتاج تصوراتنا عن الكذب والصدق إلى تجديد مستمر، مدفوعون بتوقع اكتساب حقيقة ما كي يكون لحياتنا معنى ولعقولنا فائدة، فما نحن إلا كائنات عقلانية، تحتاج إلى الحكمة لمواصلة مهامها اليومية، ومما لا شك فيه، أن المعنى والفائدة يجعلان الحياة أكثر احتمالًا وسهولة. وحتى لو لم تكن هناك أكاذيب، فهذا لا يعني أننا سندرك الصدق كاملًا، ولكن يُمكننا التحكم فيما نفعله كأفراد. قد لا تكون أفعالنا صادقة في حد ذاتها، لكنها تُعادل ما نُسميه صدقًا، فالأفعال الصادقة، أو حتى شبه الصادقة، تمنحنا شعورًا بالرضا. وقد لا نستطيع إحراز الصدق كاملًا، لكن علينا – على الأقل – ألا نقف في طريقه.
المصادر والمراجع:
- جاك دريدا: تاريخ الكذب. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ترجمة وتقديم رشيد بازي، 2016
- ______ : في علم الكتابة. القاهرة، المركز القومي للترجمة. ترجمة أنور مغيث / منى طلبة. ط 2، 2008.
- Azad Hama Abdulla. ‘‘Deconstructing History of the Lie According to Jacques Derrida’’ Journal of University of Raparin, 2023. =
= URL / Vol. 10 No. 3 (2023): Journal of University of Raparin | Journal of University of Raparin
- James Edwin Mahon. The Definition of Lying and Deception, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2008. =
= URL / The Definition of Lying and Deception (Stanford Encyclopedia of Philosophy)
تتوفَّر القواميس على عدد هائل من التعريفات المختلفة لـ "الكذب". ويعني "الكذب"، من حيث هو اسم، وفي أكثر معانيه اتساعا ’’حديثا مُزيفًا يُدلى به شخص ما بـ (قصد) خديعة شخص آخر. وهو مرادف لـ "المراوغة"، وعلى الضد من "الصدق" Truth‘‘ (Mahon, 2008) هذا هو التعريف التقليدي للكذب، الذي يتفق معه "دريدا"، ويُفند شروطه تفنيدًا فلسفيًّا تفكيكيًّا، إذ حُدِّدَ للكذب أربعة شروط ضرورية وهي:
(شرط التصريح). أن يُدلي الشخص بتصريح ما، والتصريح يقتضي استخدام اللغة. ومع ذلك من الممكن لشخص أن يُصرح باستخدام لغة الإشارة، الشفرات، أو إيماءات جسدية محددة. أو أن يرتدي شخص ما شَعرًا مستعارًا، أو خاتم زواج وهو غير متزوج، أو زي شرطة وهو ليس ضابط شرطة، وهذه حالات تستلزم إعادة النظر في الحكم على هذه المواقف بأنها كذب – وفقا لـ "دريدا"
(شرط الكذب). أي اعتقاد الكاذب بأن تصريحه كاذب. ولكن قد تكون التصريحات الصادقة خاطئة. فإذا كان التصريح خاطئًا دون علم قائله، فإنه لا يكذب. ومن ناحية أخرى، قد تكون التصريحات الكاذبة صحيحة، فإذا أدلى شخص بتصريح صادق بقصد خداع شخص آخر، فإننا – وفقا للمفهوم التقليدي للكذب، قد نجزم بأن الشخص لا يكذب.
(شرط المُرسَل إليه). بمعنى أن يكون الكذب مُوجَّهًا لشخص آخر. ولكن هناك حالات يكون الكذب موجَّه للجمهور. ومن الممكن أن يكذب شخص بواسطة نشر تقرير كاذب عن حدث ما، أو تقديم بيان كاذب في إقرار ضريبي، أو نشر بيان كاذب في إعلان مجلة أو إعلان تلفزيوني.
(شرط قصد الخداع). أن يقصد الكاذب أن يعتقد المُرسل إليه بصدق التصريح الكاذب، ’’بمعنى أن الكذب على الآخرين يتضمن الرغبة في خداعهم، حتى إذا كانت أقوالنا حقة‘‘ (دريدا، 2016) فماذا عن الإدلاء بتصريحات ساخرة، أو إلقاء فكاهة، أو كتابة قصة خيالية، أو التمثيل في مسرحية، وما إلى ذلك، دون القصد بأن يُصدق المرسل إليه هذه التصريحات الكاذبة؟
كشف لنا "دريدا" عن الطبيعة المراوغة لمفهوم الكذب بتفنيده لشروط الكذب الضرورية. كما تأمَّل معنى "الخُرافة" التي لا تُعتبر، وفقًا له، حقيقةً ولا كذبة؛ بل نوعا من "المحاكاة" والتلفيق ’’إنها تُشبه الكذب في كونها مجرد احتمالات، لا تُصنف وفقا للوجود أو العدم‘‘ (دريدا، 2016). وعلى هذا، رسم "دريدا" مُخططا للتأريخ المُحتمل لمفهوم الكذب، ’’لكنه لم يُنفِّذه، ولم يذكره إلا كدليل للدراسات المستقبلية حول المفهوم‘‘ (Abdulla, 2023) وقد استهل كتابه باعترافين بارزين: الأول، أن عنوان الكتاب نفسه كاذب، ’’ فتاريخ الكذب يعني مجرد التاريخ الذي افترضنا بمقتضاه أن الكذب كذب. وإثبات الكذب لابد وأن يستند إلى وجود حقيقة صادقة، فما هو الصادق؟‘‘ (دريدا، 2016) يسأل "دريدا" هذا السؤال في ظل اعتقاده الراسخ بأن "الصدق" الذي نعرفه هو صلب "الميتافيزيقا"، تلك التي افترضها "أفلاطون" وبَثَّها في عالمه الثابت المثالي، وصارت المعيار الأمثل الذي نقيس عليه درجات الصدق أو الكذب. وهو بانتقاده لهذه الميتافيزيقا ينتصر للواقع وزخم أحداثه، وما تتصف به هذه الأحداث من عشوائية ونسبية. أما الاعتراف الثاني فلم يُصرِّح به "دريدا"، ’’احتراما لقداسة الصدق، الذي من دونه لا يمكن إدانة الكذب‘‘ (دريدا، 2016) وعلينا ألا نستغرب هذا الكتمان، فعادة ما يقدم "دريدا" تطبيقا عمليا للتفكيك أثناء الكتابة، فتظهر كتابته كصراع وتناقض بين الجمل والعبارات بالفعل.
ذهب "دريدا" إلى أن الكذب الحق يعني ’’التصريح بشيء مخالف لما أفكر بأنني أفكر فيه، ويعقب هذا التصريح إساءة لي وللآخرين‘‘ (دريدا، 2016) ومع ذلك يؤكد أن هناك صعوبة شديدة في البرهنة على أن أحدًا ما قد كَذب، وهذا حتى في حالة إن تمكَّنا من البرهنة على أنه لم يقل الحقيقة. يرجع هذا – من وجهة نظر فيلسوفنا – إلى لجوئنا إلى أنصاف الكذب وأرباعه، وإلى أكاذيب من المستحيل التعاطي معها بثقة، نظرًا للسرعة الفائقة التي تنزلق بها لتستقر في المنطقة المظلمة، حيث من الصعب اتخاذ موقف واضح بين الإرادي واللاإرادي.
كما جادل "دريدا" بأنه لا يمكن إيجاد تاريخ مُستقل للكذب عن التاريخ والسياسة ’’ليظهر الكذب من خلالهما مُكتملًا ونهائيًّا، حيث هناك إمكانية للتلاعب بالوقائع‘‘ (دريدا، 2016) الكذب ضروري لتاريخ الكذب من وجهة نظر "دريدا"، ولن يكون هناك تاريخ بشكل عام، ولا تاريخ سياسي بشكل خاص، دون إمكانية الكذب، أي إمكانية الحرية والفعل. كما ينبغي – من وجهة نظره – ’’اعتبار "الإعلام" أداةً لتحويل الصورة، إذ أنه لا يُمثِّل الأحداث الأصلية، بل إنَّه مجرد محاكاة للمحاكاة‘‘ (Abdulla, 2023)
هكذا قدَّم "دريدا" تفسيرًا زمنيًّا للكذب؛ فقول الصدق يحدث في زمن المضارع أو الماضي، بينما الكذب يهدف إلى المستقبل. ولا يروي "دريدا" التاريخ الكامل للكذب، بل يجب أن نضع في اعتبارنا أنه لا ينقل حتى ما كان يعتقده حقًا بشأنه. ما علينا فهمه أنه أراد معالجة موضوع الكذب بمعنى "خارج عن الأخلاق"، ومن ثم إزالة "الإدانة الأخلاقية" عنه. كما اعتقد أن "الكذب" ’’لا يمكن أن يكون موضوعًا للمعرفة، لأن الكذب في حد ذاته متشابك مع المعرفة‘‘ (Abdulla, 2023) وخَلُص إلى أن تاريخ الكذب غير ممكن لأسباب عديدة، أهمها الجانب العملي فيه.
لعلنا لم نزل في حيرة من أمرنا، فالمنهجية التي فكَّكت مفهوم "الكذب"، وجعلته مُتماهيًا مع مفاهيم أخرى، يُمكنها – على المنوال نفسه - تفكيك مفهوم "الصدق"، فما عساه يكون الحال وقتئذ؟ أنفقد الأمل في العثور على بصيص صادق في هذا العالم المُتجهم – خصوصا - بعد أن عجزنا في بلورة مفهوم متماسك للكذب عند "دريدا"؟... في هذا الطريق المُتشعِّب والمُتعرج، قد يتبين أن كل ما نعرفه خاطئ ولا قيمة له. وأمور مثل الدحض، التزوير، التصحيح، أو المراجعة، تُعيد صياغة كل ما ظنناه سابقًا صحيحًا وواقعيًّا، لذلك تحتاج تصوراتنا عن الكذب والصدق إلى تجديد مستمر، مدفوعون بتوقع اكتساب حقيقة ما كي يكون لحياتنا معنى ولعقولنا فائدة، فما نحن إلا كائنات عقلانية، تحتاج إلى الحكمة لمواصلة مهامها اليومية، ومما لا شك فيه، أن المعنى والفائدة يجعلان الحياة أكثر احتمالًا وسهولة. وحتى لو لم تكن هناك أكاذيب، فهذا لا يعني أننا سندرك الصدق كاملًا، ولكن يُمكننا التحكم فيما نفعله كأفراد. قد لا تكون أفعالنا صادقة في حد ذاتها، لكنها تُعادل ما نُسميه صدقًا، فالأفعال الصادقة، أو حتى شبه الصادقة، تمنحنا شعورًا بالرضا. وقد لا نستطيع إحراز الصدق كاملًا، لكن علينا – على الأقل – ألا نقف في طريقه.
المصادر والمراجع:
- جاك دريدا: تاريخ الكذب. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ترجمة وتقديم رشيد بازي، 2016
- ______ : في علم الكتابة. القاهرة، المركز القومي للترجمة. ترجمة أنور مغيث / منى طلبة. ط 2، 2008.
- Azad Hama Abdulla. ‘‘Deconstructing History of the Lie According to Jacques Derrida’’ Journal of University of Raparin, 2023. =
= URL / Vol. 10 No. 3 (2023): Journal of University of Raparin | Journal of University of Raparin
- James Edwin Mahon. The Definition of Lying and Deception, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2008. =
= URL / The Definition of Lying and Deception (Stanford Encyclopedia of Philosophy)