والآن، بعد أن عاد كلُّ شيءٍ إلى حيثُ كان، الشوارع تعجُّ بالضجيج، الأكواب تصطف على الرفوف، جرس باب المنزل يُدق كأن شيئاً لم ينكسر. عادت الكراسي تُصفُّ كما اعتادت، والمائدة تنوء بحمولتها من الصمت، والساعة تُعلن الوقت بلا اكتراث، مضى كلُّ منّا في دربِه، وكأن الحياةُ قررت أن تنسى… إلّا أنا!!
ما زلتُ أعيش في تلك اللحظة التي لم تطرق فيها الباب، يا أبي!
يا أبي، ما زلتُ أترقّب خُطاك على السُلم، كأن الأرض ستلدك من جديد، كأن الزمن سيتراجع خجِلاً ويعيدك إلينا، أفتح الباب أحياناً دون سبب، سوى وهمٍ كاذب بأنّك خلفه، تحمل بسمتك وشيئاً من الخبز وربما دعاء الأمس... عُدنا نرتب فوضى الحياة اليومية، لعلنا نستطيع الإعتياد، نضحك حين نستطيع، ونتظاهر بالقوة، لكنك لم تعد!، لم تعد… لم تعد، كأن الغياب قرّر أن يسكنك إلى الأبد!
ما زلت أسمع وقع خطواتك في الممر، وأتخيل ظلك على باب الغرفة، لكن الباب ظلَّ صامتاً، كأنك أخذت معه كل الحياة.
صوتك الذي كان يسكن جدران البيت، صار الآن سكوناً ألمه شديد، رائحتك التي كانت تُعطر الهواء، صارت ذكرى تعبر أنفاسنا كغصة، غيابك ليس غياب جسد، بل فراغُ روح، وموعدٌ تأخّرَ للخلود...
هل تفتقدنا كما نفعل نحن؟
أم أن الجنة أنستك ضجيجنا، وخفتَ أن تعود إلينا فتحزن؟
هل الأنهار هناك أعذَب من حديثنا؟
هل رافقك من تحب، فأصبحت وحدتنا صغيرة أمام دفئهم؟
أين أنت الآن؟ أفي الفردوس كما نرجو، ترانا من بعيد ولا تستطيع الاقتراب؟ أما تزال تذكرنا، أم أن نورَ الآخرة أنساكَ ظلالَنا؟ هل ما زلتَ تشتاق؟ أم أن اللقاءَ الأبدي جعل الاشتياق بلا جدوى؟
يا من سكن التراب وما زال يسكن القلب، نحن هنا، لا نزال نحجز لك مكانًا على المائدة، ونصمت حين تُذكَر، لأن الحروف تخوننا...
يا أبي، لو كنت تسمع، لقلت لك إن الحياة بعدك مجرّد ضوضاء… وإننا نعيش، لا لأننا نريد، بل لأنك أردتَ لنا ذلك ذات يوم...فأنت لم تمت يا أبي، فقط ذهبت باكراً إلى حيث لا بريد يصل، لكننا نكتب إليك في الدعاء، في الدموع، في كل تنهيدة بعد منتصف الليل...
ضحى أحمد الباسوسي
ما زلتُ أعيش في تلك اللحظة التي لم تطرق فيها الباب، يا أبي!
يا أبي، ما زلتُ أترقّب خُطاك على السُلم، كأن الأرض ستلدك من جديد، كأن الزمن سيتراجع خجِلاً ويعيدك إلينا، أفتح الباب أحياناً دون سبب، سوى وهمٍ كاذب بأنّك خلفه، تحمل بسمتك وشيئاً من الخبز وربما دعاء الأمس... عُدنا نرتب فوضى الحياة اليومية، لعلنا نستطيع الإعتياد، نضحك حين نستطيع، ونتظاهر بالقوة، لكنك لم تعد!، لم تعد… لم تعد، كأن الغياب قرّر أن يسكنك إلى الأبد!
ما زلت أسمع وقع خطواتك في الممر، وأتخيل ظلك على باب الغرفة، لكن الباب ظلَّ صامتاً، كأنك أخذت معه كل الحياة.
صوتك الذي كان يسكن جدران البيت، صار الآن سكوناً ألمه شديد، رائحتك التي كانت تُعطر الهواء، صارت ذكرى تعبر أنفاسنا كغصة، غيابك ليس غياب جسد، بل فراغُ روح، وموعدٌ تأخّرَ للخلود...
هل تفتقدنا كما نفعل نحن؟
أم أن الجنة أنستك ضجيجنا، وخفتَ أن تعود إلينا فتحزن؟
هل الأنهار هناك أعذَب من حديثنا؟
هل رافقك من تحب، فأصبحت وحدتنا صغيرة أمام دفئهم؟
أين أنت الآن؟ أفي الفردوس كما نرجو، ترانا من بعيد ولا تستطيع الاقتراب؟ أما تزال تذكرنا، أم أن نورَ الآخرة أنساكَ ظلالَنا؟ هل ما زلتَ تشتاق؟ أم أن اللقاءَ الأبدي جعل الاشتياق بلا جدوى؟
يا من سكن التراب وما زال يسكن القلب، نحن هنا، لا نزال نحجز لك مكانًا على المائدة، ونصمت حين تُذكَر، لأن الحروف تخوننا...
يا أبي، لو كنت تسمع، لقلت لك إن الحياة بعدك مجرّد ضوضاء… وإننا نعيش، لا لأننا نريد، بل لأنك أردتَ لنا ذلك ذات يوم...فأنت لم تمت يا أبي، فقط ذهبت باكراً إلى حيث لا بريد يصل، لكننا نكتب إليك في الدعاء، في الدموع، في كل تنهيدة بعد منتصف الليل...
ضحى أحمد الباسوسي