محمد شعير - بمناسبة يومه العالمي المصريون والضحك.. تاريخ وحياة... «المضحكخانة» أول نادٍ من نوعه في المحروسة

الحياة صعبة، معقدة، مقلقة، ولولا الضحك لمات الإنسان كمدًا. هذه حقيقة مؤكدة، تبارى علماءٌ كثر في إثباتها بوسائل متنوعة، حتى وصل الحال إلى إقامة نوادٍ للضحك!.
في يوم الأحد الأول من شهر مايو كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للضحك، منذ أن انطلقت عام 1998 حركةٌ تعرف باسم «يوجا الضحك» على يد الطبيب الهندي مادان كاتاريا، بهدف نشر السعادة والتأثير الإيجابي في عواطف البشر وتعزيز السلام العالمي، عبر تنظيم جلسات للضحك الجماعي مما يؤدي إلى إفراز الجسم بعض هرمونات السعادة، ويقود إلى تغير الإنسان، وتغيير العالم بالتالي.
وبينما انتشرت منذ ذلك الحين نوادي الضحك في أكثر من 115 دولة حول العالم، فإن لدينا ما يثبت أن أول نادِ للضحك تم إنشاؤه في مصر أواخر القرن التاسع عشر في مقهى باسم «المضحكخانة الكبرى».
يشير محمد غنيمة الباحث في مكتبة الإسكندرية في كتابه الصادر حديثا بعنوان «#المضحكخانة.. سياحة في تاريخ مصر الفكاهي» إلى أن روح الفكاهة وخفة الظل والسخرية والمرح تأصلت في نفس الشعب المصري منذ التاريخ القديم، حتى صارت سمات متجذرة في طبيعة الشخصية المصرية وتركيبتها، ولا عجب في أن يُنعت هذا الشعب بأنه «ابن نكتة»، فالضحك يجري في دم المصري كجريان النيل في أرضه، كما يقول.
وسجل أجدادنا المصريون الأوائل ضحكاتهم وفكاهاتهم على أوراق البردي، وعلى جدران معابدهم، وحتى على قبورهم أيضًا، كأن الضحك قدس من أقداس الحياة في أرض مصر، بل إن المصري القديم صنع لنفسه إلها للضحك والمرح سماه «بِس»، تم تجسيده على هيئة قزم، تجمع ملامحه بين شكل الإنسان وهيئة القرد، فهو منتفخ الوجنتين والعضلات، مترهل الثديين، واسع العينين، يبتسم وهو يخرج لنا لسانه.
ويوضح غنيمة أن الفنان عادل إمام تحدث عن الإله «بِس» في فيلمه «عريس من جهة أمنية» قائلا عنه إنه «إله المسخرة»، والفارق كبير بالطبع بين السخرية والمسخرة، مشيرًا إلى أن البعض اعتقد عند مشاهدة الفيلم أن هذا اسم خيالي، لكنه حقيقة وواقع، فهو يقف شامخًا مبتسمًا بين جنبات معبد دندرة بمحافظة قنا، وتنتشر قطعه الأثرية في أرجاء العالم ومتاحفه.‬
أما «قهوة المضحكخانة الكبرى» التي تعد أول نادٍ للضحك، فينقل الباحث قصتها عن العلَّامة الدكتور شوقي ضيف وكتابه المرجع المهم «الفكاهة في مصر». بطل القصة هو «الشيخ حسن الآلاتي» أحد أهم الفكاهيين في أواخر القرن التاسع عشر، الذي بدأ حياته طالبا أزهريا فلُقب بالشيخ، ثم تاقت نفسه للغناء، فشُغِل واشتغل به لفترة حتى لُقب بالآلاتي، ثم أصابه العمى في مرحلة متأخرة من حياته.
جمع حسن الآلاتي أصدقاءه الظرفاء والفكاهيين، واستقروا في «قهوة» بشارع الخليفة بالقاهرة لتكون مقرًا لهم لمزاولة فنون الضحك والتنكيت، والتندر على أحوال الناس، وسموها «المضحكخانة الكبرى»، ثم انتخبوه ليكون رئيسًا لهذه الجماعة، فراح يكتب بظُرف ميثاق تأسيسها.
كتب الآلاتي مما نقله في كتابه «ترويح النفوس ومضحك العبوس»: «ولما زاد عددنا، وكثر مددنا، وضاقت علينا البيوت، وكدنا من كثرتنا أن نموت، اتخذنا مركزًا أمينًا، وحصنًا حصينًا، وهي قهوة في شارع الخليفة. ولما تم الانتظام، ورضينا بهذا المقام سمينا هذه الجلسة الغرا بالمضحكخانة الكبرى».
وأضاف في أمر اختياره للرئاسة قائلا: «وتداولوا في أمر من يولونه الرياسة ليسوسهم أحسن سياسة، فما رأوا غيري أهلًا، ولا يصلح سواي بعلًا، فقالوا لي يا أيها الشيخ العنيد، يا ذا الفهم البليد والرأي السديد؛ قد اخترناك لهذه الإمرة، ورضيناك رئيسًا على هذه الزمرة».
سن مجلس «المضحكخانة الكبرى» قانونًا خاصًا لدخول المقهى، هو أن يضع الداخل رسالة في التنكيت والظُرف، أي نكتة؛ فإذا حازت إعجاب المجلس كانت جواز عبوره لهذا العالم الضاحك. واشتهرت «القهوة»، وذاع صيت الجماعة حتى طلب مجالستهم الكثير من العوام والساسة، بل إن بعض الساسة والأمراء كانوا يذهبون متخفين لسماع آخر النكات والقفشات والسخرية حتى إن كانت سخرية منهم أنفسهم.
ويستعرض محمد غنيمة تأثير تغير الزمن على شكل الفكاهة، ووسائل إطلاقها، فبدأت تظهر عبر الصحافة في شكل نثري أو شعري فكاهي «حلمنتيشي» أو كاريكاتيري، وتخصص بعض الصحف في الفكاهة والضحك، ومنها «التنكيت والتبكيت» التي ترأس تحريرها عبد الله النديم، و«أبو نظارة زرقا» ليعقوب صنوع، و«الراديو البعكوكة» لمحمود عزت المفتي، و«المسلة والخازوق» لبيرم التونسي وغيرها الكثير.
وجاء عصر السينما لتطل الفكاهة على الناس من خلال شاشتها، بأفلام علي الكسار وإسماعيل يس ونجيب الريحاني، ثم التليفزيون ببرامجه الفكاهية، وعبر الإذاعة ببرامج ومسلسلات شهيرة منها برنامج «ساعة لقلبك» الذي كان يقدم حلقاته نجوم الكوميديا آنذاك، ومن أهمهم فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وعبد المنعم إبراهيم وغيرهم.
ويختم الباحث قائلا: «أما الآن، ونحن في عصر الأزرار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي، قد تكون أنت المضحك أو الساخر أو الفكاهي، فلن تعدم الوسيلة أبدًا».
وقد نضيف نحن أيضًا أننا ربما نكون عبر هذه الوسائل الحديثة نحن من يتم السخرية منا وليس العكس، لكن المهم في كل الأحوال أن نظل متمسكين بالمرح، كي نبقى على قيد الحياة، فهذه دعوة نقدمها اليوم للضحك، وقد سبقْنا العالم فيه بسنين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...