شريف محيي الدين إبراهيم - القطار...

اليومُ عاصفٌ ممطر.
الشمس تنسحب في صمت، غارقةً في بحرٍ من ضباب.
عربةُ القطار تموج بالحياة،
الركاب يتوزعون على المقاعد،
الأرضية اللامعة تئنُّ من ثقل النعال والوجوه.
أجلس في آخر العربة.
إلى جواري رجلٌ نحيل ، نظّارته سوداء لا تُخفي نظراته الفضولية التي تتسلل إليّ كل بضع دقائق.
نظراته تُزعجني... تُربكني... كأنه يرى ما لا أراه.
أمامه مباشرةً، تجلس سيدةٌ سمينةٌ ، يجاورها طفلها الأكول، ممتلئُ الوجه، يلتهم السندويتشات التي تخرجها له من حقيبةٍ بنية اللون.
المقعد المقابل يشغله كهلٌ هادئ، إلى جانبه فتاةٌ جميلة.
يمرّ عاملُ البوفيه بيننا بنشاطٍ مفرط، كأنه وحده لا ينتمي لهذه الرحلة، بل يؤدي مشهدًا مكررًا في مسرحيةٍ عبثية.
أخرجتُ كتابًا عتيقًا، اشتريتُه على عجل من على رصيف المحطة.
فتحته، فانبثقت منه رائحةٌ غريبة... رائحة أوراقٍ نامت طويلًا في العتمة.
السطور الأولى مبهمة:
كلماتٌ عن قطار، وعن رجلٍ بلا اسم، وعن امرأةٍ كانت تبتسم دائمًا، ولكن لا أحد يعرف لماذا.
شعرتُ أنني أقرأ عن نفسي، عن هذه اللحظة، عن هذا القطار ذاته...
كأنّ الكتاب سبقني إليها.
يهتز القطار فجأةً. نتحرّك.
الخارج ينسحب بسرعة: مصانع، حقول، شوارع موحلة...
كأنّ العالم كله يفرُّ منا.
الأمطار تنهمر على النوافذ، وتنساب على الزجاج بخطوطٍ متعرجة، أشبه بخريطةٍ لا يعرف أحد كيف يقرؤها.
جاري النحيل ما زال يختلس النظرات من خلف نظّارته السوداء، لكن عينيه أصبحتا أكثر وضوحًا.
هل كان يحدق في وجهي؟
أم في ما خلفي؟
سألني بصوتٍ خافت، دون أن يتحرك:
ــ عما تبحث ؟
لم أُجب.
ارتجّ جسدي للحظة، كأنني بالفعل أبحث عن أحد... ولم أكن أعلم.
الخارج تحوّل إلى شريطٍ باهت، الأمطار تلطم الزجاج، والحقول تمتد كصفحاتٍ ممحية.
الركاب حولي صاروا أكثر صمتًا، كأنّ الضجيج قد وُئد فجأة.
الصبيُّ النهم غفا، وفمه مفتوح، والسيدة تغطيه بحنان، ثم تطالعني بنظرةٍ سريعة، فيها شيءٌ يشبه الحزن القديم.
الفتاة الجميلة تتابع المشهد عبر النافذة، كأنها تراه لأول مرة.
الكهل بجانبها ، رأسه يتمايل مع إيقاع القطار.
التفتُّ إلى جاري النحيل
صوته خشن، عينه لا تزال مخفيةً خلف السواد.
سألني: هل أنت مستعد؟
شعرتُ بانقباضٍ في صدري،
تظاهرتُ بعدم السماع. لم أجب.
قالت السيدة السمينة، كأنها تقطع التوتر:
ــ تفضّل... واحدة بالجبنة.
ناولَتني شطيرة. شكرتُها.
ابتسمتْ، ثم التفتت إلى طفلها من جديد، كأنها لم تفعل شيئًا.
الصبية الجميلة نظرت إليّ للحظة، وفي عينيها سؤالٌ لم يُنطق.
الرجل الكهل أخرج من جيبه صورةً مهترئة، ظل يتأملها طويلًا.
فجأة، التفت إليّ الرجل النحيل ، وقال بصوتٍ مرتفع :
ــ كلنا رايحين نفس المكان، بس كل واحد شايل مكانه جواه.
ارتجفت الكلمات داخلي.
فكرت:
هل كان يعني
الذكرى؟
أم الندم؟
أم لعله يقصد الحقيقة التي نهرب منها جميعا، ونغلق أعيننا دونها ؟!
ثم ابتسم، وكأنه سمع ما دار في رأسي.
عامل البوفيه مرّ من جديد، لكن خطواته بدت أبطأ، حركته مكرّرة...
!!! كأنه لا يتحرك، بل يُعاد تكراره.
وضعتُ الكتاب على ركبتي، وتساءلتُ:
هل نحن حقًا نتحرك؟
أم أن القطار مجرّد قاعة تمرّ من أمامها مشاهد وهمية؟
هل ما زلنا في الطريق؟
أم أننا وصلنا دون أن ندري؟
أين ينتهي هذا الخط؟
ومن ينتظر في المحطة الأخيرة؟
عاد صوت الرجل النحيل
ــ لما تحب السفر ؟
لم أنبس بكلمة.
قال: مما تهرب؟
أم أنك تهرب من نفسك؟
ضحك، ضحكةً جافة.
قال:
ــ السفر لن يغيرك... لكنه سيعريك.
أحسستُ بشيء داخلي ينكسر، يتهشم كالزجاج.
المطر لا يزال يتساقط.
الخارج يتلاشى، الداخل يعلو.
تُخفَت الأضواء فجأة.
يسود صمتٌ لحظي، ثم يعود كل شيء كما كان.
الصبية تنظر من النافذة، تهمس:
ــ متى سنصل؟
الكهل بجيبها
ــ لا أحد سيصل.
القطار لا يتوقف، فقط يُبدّل الركاب.
عدتُ إلى الكتاب.
كان ما زال مفتوحًا على الصفحة ذاتها!!
السطور تتحرّك، أو تتهيأ للحركة، كأنّ الحبر نفسه يريد أن يهرب.
قرأت:
"القطار الذي لا يتوقف، ليس به نافذةٌ للخروج.
من صعد، اختار، أو أُجبر.
ومن جلس، فقد نامتْ روحه في جسدٍ متحرّك.
ليس هناك لوحاتٌ إرشادية!
ليس هناك محطة، ولا سكة،
بل ليس هناك قطار!!
كل شيءٍ مألوفٌ وغريبٌ في نفس الآن."
جاري النحيل ينزع نظارته السوداء أخيرًا.
عيناه زجاجيتان، لا حياة فيهما، ومع ذلك، ينظر إليّ كأنني مرآته ،سألني :
ــ هل رأيت الطريق؟
همستُ بصعوبة:
لا أعرف.
قال:
ــ الطريق هو ما تغيّر فيك، لا ما عبرتُه.
نظرتُ إلى الركاب...
ثم إلى يدي...
ثم إلى وجهي المنعكس على زجاج النافذة...
لكن ما رأيتُ لم يكن أنا!!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...