أنس الرشيد - من هواجس غراب بن سنان [١]

(أ)
كأني فنانٌ في قَرنٍ غريبٍ، والناسُ كلهم يعيشون القرونَ الوسطى، فأخذتُ أقيسُ المسافات وأحدد المبتغى عبثًا، لعلَّ العشيقَ يظهر من خرطومِ الفيل، أو أذنيه، أو حتى من قضيبِه بعد أن تمتلئ عيناه شبقًا.
وحين يسألني الفيلُ: لِم كل هذا؟ أهمس بصوتٍ غير مسموع:
لا أجد إلا نسخًا مزيفة، وليس لي إلا اختيار أخف هذه النسخ، فأنا في عالمٍ من الزيف العلائقي!.

(ب)
أمتنع عن رؤيةِ أناسٍ؛ حتى لا أرى الخيبةَ بطلةً للمجلس. بطلةً تستفرغ علينا متى شاءت، وعلى من شاءت...، أناسٍ ترى على وجههم تاريخَ الخيبةِ كله؛ الخيبةِ التي شكّلت مفاصلَ الحركةِ في التاريخ الماضي...؛ إنها تُطلُّ من خلفِ الجالسين مبتسمةً وتقول:
أتذكر لمَّا حولتك الحياةُ إلى جرذيٍّ في صَحنٍ مدورٍ له قاع ورنين، فظللتَ تدور تدور تدور، والصحن يدور عكس اتجاهك.
ولم أملك إلا أن صرختُ:
كنتُ جرذيًا...، وما زلتُ.

(ج)
‏في مطلع هذا العام ٢٠٢٥م
دنا المَوتُ كما لم يدنُ من قبل...!، لكنَّه رجعَ خطوتين؛ ليوهمني بأنَّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام.
العصب يُراقصُ الأعضاء فيجعلها تظن أنَ الموتَ حان فيتجهزون للتوقف، ثم يتراجع ضاحكا، وما إن تضحك معه حتى يُباغتها بعودةٍ أقوى...!
إغماءات متوالية لا يفصل بينها إلا ضحك الأعصاب ورجوعها خطوات إلى الوراء.

(د)
[أريد الموتَ بسلام على فراشي بعد أن أغلق دفتري البني]

‏هذا ما قلتُه للزائر الأعرج...؛
الزائر الذي جاء ليميتني كما قال، لكنَّ عرجتَه جعلت قدمَه تَعلَق في طرفِ السجادةِ الفارسية -في صالة منزلي الصغير- ويقع كأنَّه إنسان عادي...! مددتُ له يدي فقام واستقام، ونفض ثيابه وغادر.
أمسكتُ بورقةٍ وكتبتُ المقولةَ أعلاه...، لأنها أمنية شامخة، ولعلَّ تراجعه عن إماتتي ليس بسبب تغيير طريقة الموت.
فتعال أيها الموت كشجاعٍ يواجه شجاع.

(هـ)
مع كل إشراقةِ فجرٍ يُطالع الأخبارَ، أخبارَ الحبيب الذي لم يأتِ بعد؛ لعلّه عرفَ مكانه فأرسلَ رسالتَه يدعوه إليه...؛
لم يفقد الأملَ بَعد، مع أنَّ سفينةَ الروحِ قد بلغت مبلغها من الإبحارِ والإغماضِ والحيرة...، إنهم يقولون له: (أنتَ في منتصف العمر)، وما يظنُّه إلا أكثره، وما كانَ عمره يُحسَب إلا بالثواني التي انتظَرَ فيها عشيقَ الروح...؛
انتظرَه مع كُلِّ نَصٍ كتبه، يترقّب حركةَ العالمِ لعلّه يراه في الكلمات، وفي إبداعهم المشترك، الإبداعِ الذي لا يفهمه إلا من اتَّخذ عند المعتزل الخمري عهدًا،
انتظره مع كُلِ فنجانِ قهوةٍ لعله يقرأ المعانيَ التي يبثها له في النصوص...؛
نعم، يبثها لشريكِ الروحِ الذي لم يأتِ بعد، ولا يعرف مكانَه، ولا زمانَه، ولا صفاتٍ تدلّ عليه...،
إنه يتخيل عينيه وهي تَقرأ النَصَّ فينطلق لسانُه بعد حبسةٍ وألم: [إنه أنا، هذا من أبحثُ عنه منذ سنين لا أمدَّ لها، هذا مقالي وهذا نصي، وهذا إبداعي، وهذا ما يُطربني، وأنا من أطربه].
فيا هو الذي لم يلتقِك:
كل ما يكتبه نداء لك، للعشقِ الذي وحَّد بينكما وغادر دون أن يُخبركما عن بعض...!
ويا كله الذي يعاني في أرجاء بعيدة: هل يجود الزمان بك قبل الممات؟

غراب بن سنان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...