المُعَلِّمُ الجَوَّالُ - الفَصْلُ الأوَّل (3 )
( 3 )
( 3 )
كانت أمك فوق العشرين بقليل حين تركها أبوك، وخلفها خمسة أبناء، ثلاثة أولاد وبنتان.
كانت لكم الأب والأم.
تركت القرية وانتقلت بكم إلى مدينة ديرب نجم الناشئة، لتوفر لكم بيئة أفضل للتعليم، ولتقيكم عناء المشوار جيئة وذهابا، سيرا على الأقدام، في الحر صيفا، وفي الوحل والطين والمطر شتاء.
كانت وسيلة النقل الوحيدة في ذلك الوقت هي الحمار، ومن أين تأتي بأثمان ثلاثة حمير على الأقل لينقلوا خمسة أبناء يوميا إلى المدارس، والزوج الذي تركها لم يحصل على قطعة أرض من الإصلاح الزراعي لتعيش من ريع المحصول الذي تزرعه.
معاش قليل لايكفي لملء بطون خمسة من الأبناء، ليس لديها في القرية ما تبكي عليه غير الأموات، والأموات لا يطعمون جائعا، ولا يكسون عريانا، ولا يؤمنون خائفا، ورب القرية هو رب مدينة ديرب نجم الناشئة، فانتقلت بكم للإقامة فيها، فالمدرسة الإعدادية الوحيدة بالمدينة، والمدرسة الثانوية الوحيدة بالمدينة، والمدارس الفنية الثلاث بالمدينة، والمستشفي، مكتب الصحة، البوسطة، مركز الشرطة، مجلس المدينة، السجل المدني، مكتب التأمينات، مكتب الضرائب العقارية، الضرائب العامة، شبكة الكهرباء، محطة المياه وصهاريج الماء، الري والصرف، و ..و .. السوق الكبير كل يوم أحد، وسوق يومي للخضار، المحلات الكثيرة والمنتشرة بشارع النصر الكبير، أفران الخبز، أعمدة الإنارة، الشارع المسفلت.
استأثرت المدينة الناشئة بكل الخدمات، وبدواوين الحكومة، ولا مهرب من الإقامة في المدينة.
حين حسمت أمرها وتركت القرية بقرار جريء، ألجم الأهل والخلان وصدم كل أهل القرية، كيف لأرملة شابة أن تعيش بمفردها في المدينة؟ لابد أن في الأمر سر، ستكشف عنه الأيام، أكيد تدبر وتخطط لتتزوج هناك أو لتعيش على هواها بعيدا عن عيون الأهل! وكانت النساء أكثر مضغا لسيرتها، وأطلقن العنان لخيالهن المريض، فالنساء في القرى في ذلك التوقيت لم يكن لهن نصيب من التعليم، والأرملة والمطلقة لا يمكن بحال أن تعيش بمفردها، فهي في كنف أبيها أو أخيها حتى تلاقي رب كريم .
كانت أول امرأة قد خططت ودبرت للخروج من جحيم القرية وفقرها وشحها والقيل والقال إلى المدينة، وكنتم كتاكيت صغارا، لم يكسوها الزغب بعد، تعهدتكم بالرعاية حتى صرتم ملء السمع وملء البصر.
باكيا تقول :
" ماتت أمي يا صاحبي "
أتصورها، بجلبابها الأبيض الفضفاض، بعد أن كف بصرها، وهي تجلس على الكنبة التي بالصالة، وباب الشقة مفتوح دائما.
من وقع أقدامنا، كانت تعرفنا واحدا واحدا.
قبل أن ألقي بالسلام عليها، تناديني باسمي.
تعالى يا حبيبي، ناصر موجود، وتمطرني بالدعوات.
أحس بوقع دعواتها في قلبي، تسألني عن أمي وصحتها، وتطلب مني أن أبلغها سلامها، وتوصيني بها، وبأبي خيرا.
شددت الحزام على وسطك يا أم عادل.
وعادل هو ابنها البكر، كان يكبرنا بسنوات، وكان ترتيبه الأول على الثانوية العامة، قسم الرياضيات، جابوا به الشوارع، وحملوه على الأكتاف، احتفوا به بالدف والمزمار ...
التحق بالفنية العسكرية، لا أدري هل التحق بالفنية العسكرية هروبا من نفقات كلية الهندسة، أم حبا في الجيش، ورغبته في أن يكون ضابطا.
فقد كان خلوقا جدا، ومهذبا جدا، وحييا جدا.
بعد انتصار حرب أكتوبر أخذت أسهم الكليات العسكرية في الارتفاع.
حينما قدم أوراقه للالتحاق بالكلية الفنية العسكرية، احتفوا به، وتم استثناؤه من الاختبارات الأخرى. فكان مجموعه شفيعا له.
الكليات العسكرية فيما مضى كانت تأخذ الحاصلين على الثانوية العامة بالكاد، فبعد هزيمة 1967 الساحقة، انخفضت أسهمها، وقل الإقبال عليها، ولكن هاهو الأول على الثانوية العامة يلتحق بالفنية العسكرية، وكان هذا الموضوع حديث المدينة.
هل حسم أمر التحاقه بالكلية الفنية العسكرية، بعد أن رأى مشقة أمه في تدبير نفقات المعيشة ومصروفات التعليم؟. .. ربما!.
بعد حرب أكتوبر1973، بدأت العروض العسكرية على شاشات التلفاذ، والأغاني الوطنية، والأفلام التي تجسد بطولات الضباط والجنود.
أخذت الكليات العسكرية تجتذب الشباب، وارتداء الزي العسكري أصبح حلما يراود الكثير منهم.
ومن ثمرة انتصارات أكتوبر، زيادة رواتب ضباط الجيش، وراتب الضابط أصبح يكفل له حياة كريمة. وللضباط ميزات أخرى عديدة لا تتوفر لأصحاب المهن الأخرى، كالأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم.
المواصلات للضباط بالمجان، والعلاج بالمجان، ولديهم أفضل النوادي، أفضل المستشفيات، البلاجات، شقق تمليك، سيارات بالتقسيط.
والاستثناءات للضباط كثيرة، ربما تبدأ من أولويته في إدخال التليفون الذي يتم حجزه لسنوات، وأولويته في الحصول على ثلاجة إيديال، وسرعة توصيل المرافق لمنزله، عداد الكهرباء، عداد المياه، و .. و ..
ويتم التغاضي عن كسره لإشارة المرور، ربما أول من بدأ في كسر إشارة المرور باستثناء سيارات الإسعاف التي لها هذا الحق بحكم القانون أو العُرف، لا أدري، هم رجال الدولة والضباط، فإذا كانت مبررات رجالات الإسعاف لكسر إشارة المرور، هي إنقاذ مريض، فمبررات رجال الشرطة أو الجيش أقوى من مبررات رجالات الإسعاف، لأن رجل الإسعاف في مهمة إنقاذ فرد، أما حضرة الضابط في مهمة إنقاذ وطن!!.
هل دار كل هذا في ذهنه وهو يحسم أمر التحاقه بالفنية العسكرية؟.
اعتقدت في البداية أن كل هذا ربما طاف بذهنه وهو يستشرف آفاق مستقبله.
لم يدعي يوما أنه منذ طفولته كان يحلم بأن يكون ضابطا مقاتلا، وأنه سيسعى لتحرير القدس واستعادة الأرض العربية المغتصبة، لم يدعي يوما بأنه يسعى ليكون له بصمته، وإضافته للعسكرية المصرية، من عرابي إلى جمال عبدالناصر، وأنه سيخلد اسمه بحروف من نور، ويكون مثل المشير أبو غزالة مثلا أو الفريق الشاذلي، أو أحمد إسماعيل، أو عبدالمنعم رياض أو الجمصي أو إبراهيم الرفاعي.
كان رقيقا وشفافا وحييا، من المدرسة إلى البيت، عاكفا في غرفته على المذاكرة، لا يغادرها إلا لأداء الصلوات المفروضة، لا نراه إلا مُكبا على كتب المدرسة، لم نعرف له أصحابا، ولا هوايات، إلا الرسم، في أوقات فراغه يرسم وجوها، وطيورا، وأشجارا، وبحارا، وجبالا، تسرق رسوماته أبصارنا، وتأسر عقولنا.
***
يتبع