الدكتور ابراهيم عروش دريسي - آتاي من مشروب كبار القوم وتحريمه الى مشروب عامة الشعب وتحليله

يذكر أن الإنكليز كانوا أول من أدخلوا الشاي إلى المغرب، فحين زار السفير الإنكليزي شارل ستيوارت البلاد في عام 1721، قدّم لحاكم مدينة تطوان ومرافقيه الحلويات والشاي وكان أنداك الشاي والسكر يعتبران من الهدايا الفاخرة،، .
وإن كانت جلّ الكتابات تُرجّح أنه حدث في عهد مولاي إسماعيل، في أواخر القرن السابع عشر، وكان جزءا من الهدايا إلى الحاكم وكبار رجال الدولة، واستمر هذا حتى منتصف القرن التاسع عشر.
بدأ استهلاك "أتاي" في المغرب في إطار ضيق، اقتصر في البداية على السلطان وحاشيته، إذ كان الحصول عليه، إلى جانب السكر، يأتي من القناصل والسفراء والتجار على سبيل الهدية، بينما لم يكن يُشرب في البوادي حتى مطلع القرن العشرين إلا في المناسبات، لكنه أصبح لاحقاً عادة يومية واسعة الانتشار. ويزعم أن أول من شربه هو زيدان بن إسماعيل، عمّ السلطان العلوي محمد بن عبد الله،
، .
لكن تزايد أهمية الشاي، والإقبال المتزايد عليه في المغرب، فتح باب السجال حول التحريم والإباحة، خاصة أنه ليس مجرد مشروب عادي، بل هو منبّه، ويرتبط تناوله بطقوس خاصة، وهناك مؤشرات تدل على أن جلسة الشاي كانت في مستواها الطقوسي امتدادا لجلسات الخمر.
من هذا المنطلق، ظلت بعض الشخصيات الدينية تعارض استهلاكه بسبب تأثيره السلبي على الإمكانيات المالية للأفراد، أو لكونه مادة غير طاهرة بالمفهوم الشرعي، كما ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم الشاي لأنه يشبه الخمر في هيئته وآنيته، وأنه يشغل الناس عن العبادة، ويضر بالأجسام، فيما خالفهم آخرون أكدوا أنه حلال، ودعوا إلى الاستمتاع بالمشروب الجديد كبديل عن الخمر.
وخلال فترة الجدل، ظهر كتاب بعنوان "الآي في تحريم الآتاي"، وورد عن الفقيه محمد البيشروي أنه نبّه من شرب الأتاي لأنه يشبه الخمر، كما أن قاضي مكناس، أحمد بن عبد الملك العلوي، كان لا يقبل شهادة شارب الشاي.
.
في المقابل، اعتبر الفقيه محمد حبيب الله بن مايابي الجكني أن شرب الشاي حلال، وأضاف: "يتضح أن الهيئة لا تكون علة في تحريمه، كما أن شربه لا يسكر، وليس فيه إضاعة للمال". ودافع الأديب والفقيه حمدون بن الحاج عن الشاي، وشجع على احتسائه قائلاً: "إيَّاكَ إِيَّاكَ أن تَرتاحَ لِلرَّاحِ. وَادفَع مُديِرَ كُؤُؤسِ الرَّاحِ بِالرَّاحِ. ومِل إِلَى شُربِ آتايٍ تَرُوقُ بِهَا. وَلَيسَ يُعقَبُ شُربُهَا بِأترَاحِ".
ومما جاء في كتاب "طرائف الأدب" عن إسحاق ديزرائيلي: "لقد انتشر الشاي بطريقة تذكر بطريقة انتشار الحقيقة. في البداية، كان المشروب الجديد موضوع تشكك عند البعض، ولم يعرف لذته سوى من تجرأ على تذوقه. وتمت مقاطعته في الوقت الذي عرف فيه طريقه إلى الاستقرار، وطعن فيه البعض في الوقت الذي اتسعت فيه شهرته.
انتصر الشاي في النهاية بفضل مزاياه الخاصة، ومفعول الزمن الذي لا يقاوم".
مع مرور السنوات، اختفت الأصوات التي عارضت استهلاك الشاي، وصار هذا المشروب "إدماناً" لدى المغاربة، يحتسونه في كل الفصول والمناسبات، بل بات جزءا من الهوية المغربية بطقوسه وعاداته ومذاقه ورائحته التي لا تقاوم، وجلسته التي تجمع الأحباب، وتكرم الضيوف، وتعد فرصة للاجتماع والحديث.



المراجع
"الآي في تحريم الآتاي"، الفقيه محمد البيشروي
"من الشاي إلى الأتاي... العادة والتاريخ:
" للمؤرخين المغربيين عبد الأحد السبتي وعبد الرحمن الخصاصي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...