عبد الفتّاح القرقني - إلى النّور فالنّور عذب جميل

ذات يوم شتويّ على السّاعة الثّانية بعد الزّوال ، أزاح نزار الغطاء عن جسمه المنهـــــــــــوك و استوى قائما و هو يفرك بكلتي يديه عينيه الذّابلتين فركا خفيفا من كثرة النّوم على السّرير الأبيض و من حدّة الضّجر الذي يعصف به فالنّهار في المستشفى يعادل فصلا من فصول السّنة .
نزار كهل مديد القامة، نحيف الجسم ، ليمونيّ الوجه ، غائر العينين ، زائغ النّظرات ، وئيد الخطوات ، هدّه المرض هدّا و أفناه إفناء . إنّه مقيم بالمستشفى منذ أسبوع لأنّه يعاني من نزلة صدريّة: نوبات من السّعال ينخلع لها صدره انخلاعا و ضيق في التّنفّس و حمّى شديدة مصحوبة بارتعاش عنيـــــــف و شلاّل من العرق في هذا الفصل القارس، الممطر.

الحمد لله ربّ العالمين فخلال هذا اليوم هو أفضل حالا من ذي قبل : سعال ضنيـــــن و تنفّس يسير و تدرّج ملحوظ نحو الشّفاء ترجمته حركيّته المذهلـــــة و إشراقة وجهه و بريق عينيه العسليّتين و بسماته الرّقراقة ، المنبلجة كالفلق على ثغره . ها هو يمسح بكفّه الأيمن بلّور النّافذة و يلقي من خلاله نظرات فاحصة بعيدة الغور لعلّـه يجلي عن نفسه ضباب الملل المخيّم عليها منذ ولوجه هذه الحجرة المفتقرة لوسائل التّدفئة و التّسليّة و التّثقيف : التّلفاز معطّب عليه ركام من الغبار و المكيّف مقطّع الأوصال و الكتب و المجلاّت و الجرائد لا أثر لها على المناضد و في الحقائب على ما يبدو ما عدى حقيبته فعدد الرّوايـات المجلاّت فيها تجاوز عدد قطع
الملابس .
للطّبيعة وجه عابس عار من الأزهار و البسمات : الشّمس احتجبت خلف فسيفساء من الغمام الرّماديّ حينا الأسود حينا آخر ... رذاذ تقاطر قطرة قطرة في وقع متناوب ، رتيب تشمئزّ منه روحه السّجينة في محبسه الّذي فرضته عليه العلّة فرضا لا مفرّ منه ... أوراق بعض الأشجار تركت أغصانا ألفت عناقها و تناثرت فوق أديم الأرض كتناثر العبرات. هي أوراق مضطربة، ذابلة، بين اخضرار و اصفرار، خفيفة سرعان ما لهت بها يد الهواء البارد هنيهة ثمّ أعادت جمعها بعد شتات.
أصغى إلى الأطيار كي يسمع شدوها فإذا هي سكتت مكتئبة و حلّقت في سماء الحديقة باحثة عن الدّفء بين أحضان الصّنوبر و السّنديان الدّائم الاخضرار.
ما إن لسع البرد القارص المتسلّل من زجاج النّوافذ المهشم نزارا لسعات مؤذية كلسعات العقارب الشّامتة حتّى هرع إلى فراشه و أسدل الغطاء على جسمه المقرور و هو يلتمـــــس الدّفء و الطّمأنينة في قوقعته الحلزونيّة بعيدا عن عواصف الشّتاء و كدر العلّة و أدران الحياة .

********
على حين غرّة ، في نفس الغرفة دار حوار مستفيض بين شيخ عليل في عقده السادس و ابنه مراد لفت انتباه نزار فتابعه جملة جملة ، فكرة فكرة دون تغافل
و هو يفتل شعره الطّويل، الّذي نقره شيب ضئيل بأصابعه الرّقيقة .
- يا أبتاه هل تحسّنت حالك اليوم ؟
- في هذا اليوم بالذّات ، استفحلت أوجاعي فهي لا تحتمل : وهن في الحركة و آلام حاّدة في كامل بدني و عجز عن تناول الغداء و شرب الماء .
- هل زارتك الطبيبة و أعلمتها بذلك ؟؟
- كانت زيارتها خاطفة فهي ما أصغت إلى كلامي و توسّلاتي و تنهّداتــــي و آهاتي . بصريح العبارة لم تعرني أدنى اهتمام » طفّتني ، طفّتني مكتفية بابتسامة صفراء شنّجت أعصابي ، لم ترحني ، لم ترحني ...
- أين الفحوص المتأنّية ؟ أين المتابعة الصحّيّة ؟ أين العناية المركّزة ؟ أين الإنعاش المسترسل في حالات الشدّة ؟ أين الوفاء للطّبّ هذا القطاع الإنسانيّ بالدّرجة الأولى ؟ أين الوطنيّة الصّادقة ؟ أين ... أين ... أين ... مات الضّمير المهنيّ عند بعض الأطبّاء و الممرّضين و أقبر في هوّة سحيقة لا صدى لها بأرض منسيّة، مجهولة النّسب و الهويّة . سأزعق في وجوه هؤلاء الكسالى و أفضحهم أمام الجميع فالسّاكت عن حقوقه شيطان أخرس.
- إنّهم أساؤوا فهم الثّورة فهم لا يميّزون بين حقوقهم و واجباتهم ، بين الحريّة
و التّسيّب ، بين الجدّ و التّهاون . حافظ على هدوئك فلا داعي للتّوتّر و الانفعال
و عجّل بتدارك الأمر قبل فوات الأوان لأنّ وضعي الصّحيّ صعب يتطلّب اليقظة الطبيّة في كلّ حين و آن.
- هل أنقلك على متن سيّارة الإسعاف إلى مصحّة ذائعة الصّيت ؟
- البؤس حليفي و التّعاسة ظلّي فأنا لا أملك مالا يخوّل لي العلاج هنـــــــــاك و أنت عامل يوميّ تكدح لتأمين القوت لعائلتنا فمن أين ستوفّر مصاريف العلاج الباهظة الّتي لا يقدر على تسديدها إلاّ الأثرياء أو الأشقّاء الوافدون من ليبيا بأعداد كبيرة .
- من طلب العلى سهر الليالي هي حكمة عملت بها فأفنيت طفولتـي و شبابي في طلب العلم و في النهاية و يا للأسف تبخّرت أحلامي و صارت نسيا منسيّا بالرّغم من حصولي على شهادة الأستاذيّة .
- تذرّع بالجلد فهو جميل و بحول الله الأيّام القادمة هي طلائع بشر و يمن بالنّسبة لك ما دمت راضيا عنك فما رضاء الله إلاّ برضاء الوالدين
- أقترح أن تبيع أمّي حليّها في سبيل علاجك و عندما أشتغل أستاذا سأتكفّل بتجديده لها .
- نعم الرّأي .
- لا تشغل بالك فأنا سأستشيرها في ذلك فما خاب من استشار. إن وافقت سأقوم بالتّرتيبات اللاّزمة لنقلك إلى أفضل مصحّة .
- على جناح الرّيح فخير البرّ عاجله . يا إله الكون يا سندي . أنت يا رباه معتمدي . أسألك متذرّعا حسن الخاتمة و جعل علّتي تمحيصا لا تنغيصا ، تذكيرا لا تنكيرا ، أدبا لا غضبا .
- إلى اللّقاء يا أبتي الفاضل .
- في أمان الله ، رافقتك السّلامة .
لمّا كشف نزار الغطاء عن وجهه تفرّس في محيّا العمّ يحي المصفرّ كالورس و يده اليمنى المعروقة ، المرتجفة ، الممتدّة إلى كأس قهوة دون بلوغه و سمعه يردّد بصوت خافت ، متهدّج يكاد لا يسمع : هل من قهوة دافئة تسدّ رمقي و تخفّف من أوجاع بطني ؟

آنذاك ، قفز نزار من سريره الدّافئ و ارتدى معطفه و قدّم لجــاره المسكين ، المستغيث قهوة ساخنة دخانها الرّماديّ متصاعد في شكل لولبيّ و لسان حاله يقول في منتهى الطّلاقة و الرّقّة :» تفضّل يا سيّدي الكريم لك ما أردت و أنا رهن إشارتك إبّان احتياجك للمؤازرة .
احتسى شيخنا قهوته على مهل و وضع الكأس الفارغة في تؤدة على الطّاولـــــة
و على شفتيه المتورّمتين، المتدليّتين أنّات مسحوقة و باقات من الكلام الطّيّب تفوح بعبير الحمد لربّ العالمين.
أثناء آذان العصر، طلب من منه في أدب أن يسلّمه صعيدا طيّبا هو عبارة عن حجارة ملساء محفوظة في سلّة من سعف النّخيـــل مع مصحف كريم و سجّادة خضــراء فلبّى طلبه عن طيب خاطر و دون تراخ.
ها هو يتيمّم و يؤدّي صلاة العصر خاشعا و هو جالس ثمّ يتمدّد على فراشه لنيل نصيب من الرّاحة بعد إحساسه بسكينة تغمر قلبه .
أمّا نزار فقد تلهّى بمطالعة قصّة السّندباد البحريّ الطّريفة إلى أن استرخت أعضاؤه و غلبه النّعاس فنام و علا شخيره و طفق يحلم و قد رأى فيما رأى رخّا عظيم الخلقة ، عريض الأجنحة يربض قرب سريره . لهذا الطّائر الخرافيّ جسم عملاق قادر على حمل فيل و منقار معقّف كالخنجر المسنون و ريش أبيض في طول جريد النّخل
و مخالب صفراء ، فاقع لونها شبيهة في شكلها بالصّوارم البتّارة .
أوجس في نفسه خيفة فدبّ في قلبه الرّعب ، وطار عقله ، و اقشعرّ بدنـــــJه ، و جفّ ريقه ، و عقل لسانه ، وانتابته حيرة فتاه في بحر من الهواجس عاتي
الأمواج ، مترامي الأطراف يزبد و يزمجر . عندئذ استعاذ بالله من كلّ شيطان ليستمدّ منه الاطمئنان و العون ثمّ بادره بالحديث في صوت مرتجّ ، ضعيف :
- من أنت أيّها الطّائر الموحش ؟
- غاق غاق غاق ... غاق غاق غاق
- الّتي تنعق هي الغربان
- أنا طائر الرخّ ورد ذكري في رحلات السّندباد البحريّ بكتاب ألف ليلـــة و ليلة .
- من أين دخلت و أنت كالطّود الأشمّ ؟
- دخلت إلى المستشفى في هيئة شيخ مسنّ محدودب الظّهر، وئيد الخطــــى
و عند بلوغي هذه الحجرة في لمح البصر تحوّلت إلى رخّ .
- هل أنت ساحر ؟
- ما أنا بساحر أنا ملاك كسائر ملايين الملائكة أسكن في السّماوات العلى .
- لماذا جئت إلى هذا المكان ؟
- كي أنقلك إلى جزيرة الواق واق فهي تزخر بأطبّاء عرب بارعين في الطّب طبّق صيتهم الآفاق ، هم أحفاد ابن سينـــا و ابن الجزّار و ابن النّفيس . ستعالج مجانا هناك خلال يومين و تقضّي فترة نقاهة بين أحضان الطبيعة الفائقة الجمال في فندق فاخر ثمّ تعود إلى بيتك في صحّة جيّدة لا يتطرّق إليك أيّ مرض طيلة حياتك بمشيئة الله .
- شكرا جزيلا لك فصحّتي في تحسّن مطّرد و لا تسترعي كلّ هذا الاهتمام .
- أيّها الرّجل الوسيم ألا تذكّرني باسمك.
- أنا نزار، أنا نزار.
- عفوا فأنا قد أخطأت العنوان ، أنا جئت لإنقاذ السّيّد يحي
- ها هو بجانبي يغطّ في نوم عميق لكن لن أسمح لك باختطافه . أ تجهل أنّه أنيسي في هذا البيت ؟.
- القصص و الرّوايات الّتي بجانبك خير جليس لك في هذا الزّمان.
- بم سأجيب أفراد عائلته لمّا يسألونني عنه؟.
- اطمئنّوا عليه فلا داعي للحيرة و اعلموا علم اليقين أنّه يعالج عند خيرة الأطبّاء في جزيرة الواق واق و سيعود إليكم فور شفائه .
- سيعتبرونني معتوها و لذلك سأنهرك و أطردك بهذه المكنسة المتّكئة على هذا الجدار فهي سلاحي الوحيد.
- سألوي عنقك ليّا و أكسّر عظامك تكسيرا و تكون فريسة صائغة للنّسور. لن أهابك فأنا يمكن أن أحطـّم هذا البيت في ثوان معدودة بمخالبي فتكون بين أنقاضه.
- لا ، لا تتصرّف تصرّفا أرعن ، أهوج .
- عليك أن لا تثير غضبي و تعترض سبيلي حتّى تسلم من أذائي . أنا طيّب مع الطّيّبين و شرس مع الشّرسين .
- كن هادئا، رصينا و ما العمّ يحي إلاّ أمانة في رقبتك.
- المؤمن إذا عاهد وفى و إذا صاحب صفا.
- كلامك مطمئن للغاية لكن من أخبرك بمرضه.
- أصخت له من جزيرة الواق واق الفاتنة ، الغنّاء و هو يئنّ أنينا مؤلما دون انقطاع
و يدعو الله بقلب منيب أن يشفيه فاستجبت لندائه إشفاقا عليه في طرفة عين .
- أين تقع جزيرة الواق واق ؟.
- في بحر الصّين على بعد آلاف الكيلومترات .
- لماذا سمّيت هذه الجزيرة النّائيّة بهذا الاسم المدهش .
- إنّ سبب إطلاق هذا الاسم الغريب عليها هو وجود ثمار بها على هيئة رؤوس نساء تتدلـّى بشعور طويلة معلـّقة بأغصان أشجارها إذا نضجت هوت فيمرّ الهواء بتجاويفها محدثا صوتا يقول واق واق
- كيف اهتديت إلى هذه الغرفة الذّابلة الأضواء ؟
- استعنت بهذا المنظار العجيب فهو قد يسّر لي إبصاركمـــــــا بدقّة متناهية و أنتما على سريريكما الأبيضين .
بقي نزار بضعة دقائق و هو فاغر فاه من شدّة الذّهول دون أن ينبس بكلمة واحدة ثمّ قال وقد فاضت على وجهه ابتسامة هادئة :
- » هل يمكن أن تسلّمني هذا المنظار السّحريّ ؟
- نعم يا سيّدي الفاضل فأنا واثق من شدّة فضولك فها هو بين يديه «.
ما إن وجّه نزار عدسة المنظار في اتّجاه منزله حتّى رأى بشفافيّة مذهلة كلّ أفرد عائلته فركّز اهتمامه على ابنه الرّضيع لعظمة شوقه إليه ثمّ أهداه قبلتين طائرتين في الهواء آملا أن تنطبعا على وجنتيه المتورّدتين دون أن تعكّرا صفو بسمته الملائكيّة.

بعد هنيهة، أعاد الأمانة إلى صاحبها متمنيّا أن يكون له منظار سحريّ يكشف به ما يدور حوله في وطنه أو في أيّ مكان قصيّ من العالم ثمّ واصل حواره الشيّق دون ملل مع هذا الرّخّ العجيب .
كيف ستنقل جاري إلى تلك الجزيرة النّائية ؟
- سأضعه في تؤدة و هو نائم على سريره فوق رقبتي بين طيّات ريشي النّاعم ، الطّويل حيث الدّفء و الأمان و أرحل به إلى تلك الرّبوع الفيحـــاء ، المتحضّرة قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ دون أن يهوي أو يستفيق من غفوته.
- رحلة ميمونة و عودة آمنة للسّيّد يحي فأنا سأشتاق إليه اشتياقا جارفا طوال غيابه عنّي
- مع السّلامــــــــة و أسأل الله إعانتي في أداء المهمّة .
انغمس نزار في تفكير عميق ذي صلة بهذه الرّحلة العجيبة و بما سيخبر به مرادا فهو يعرف أنّه لن يصدّقه و سيعتبره مجنونا يهذي ، كلامه هراء لا أساس له من الصّواب . و بينما كان شارد الذهن يعضّ بنانه أسفا و تحسّرا على فراق رفيقه إذ أقلع الرّخّ و مازال يعلــــــــو و يرتفع حتّى ظنّ أنّه بلغ عنان السّماء .

شبّ في الحجرة عويل شديد مزّق جدار الصّمت، قزّم الرّتابة المألوفة فيه فهبّ نزار من نومه مذعورا، يرتجف كالقصبة في مهبّ الرّيح . استطلع جليّة الأمــــر ملهوفا
و في نفسه انقباض صارخ و شجن متعال و جواد متمرّد ، ثائر على الوضع المزري بالمستشفى فهو سينسف أرخبيلا من بيوت العنكبوت عشّشت في ذهنـه
و سيكسر إهرامات من القيود كبّلته تكبيلا مقيتا و أسّرت حريّتــــــــــــه تأسيرا مذلاّ .
مشهد فضيع تنفطر لهوله القلوب و تشخص العيون و تخرس الألسنـــــــة
و تشيب الولدان : امرأة مربوعة القامة ، ملتحفة بسفساري أناف سنّها عن الخمسيــــــن في ثـــــــــــــــــورة و جنون : كانت تلطم وجهها و تنتف شعرها
و تشقّ ثوبها و تنوح بصوت عال و قد جرت دمعات سخينة ، سخيّة على خدّيها : زوجي مات ... زوجي مات ... مسكين عانى سكرات الموت و لفظ أنفاسه الأخيرة دون أن أجرّعه جرعا من الماء و ألقّنه الشّهادة . يا له من خبر مفزع ! يا له من يــوم نحس ! عشرة سنين نسفها الموت فتبّــــا و سحقا له تركني و أبنائي نصارع الفقـــــــــر و نقرع أبواب المستقبل الموصدة في وجل و اضطراب.

صاح في وجهها ممرّض ظانّا أنّها ستهدأ :
- اسكتي و لا تعكّري راحة المرضى بعويلك و لا تنسي أنّ الموت حقّ فهو يترصّد كلّ إنسان جاء أجله المحتوم.
- أنت و أمثالك أهملتم زوجي و لم تعتنوا به العناية اللاّزمة فكان الموت حليفه . عند الكثير منكم المريض لا قيمة له هو مجرّد رقم من الأرقام.
- المريض هو إنسان مبجّل و مكرّم نتابع علاجه بدقّة فتفـــرح عند شفائــــه و نحزن عند تعكّر صحّته.
- هذا الصّباح كان زوجي يتنقّل في يسر داخل هذه الغرفة و يحكي معي عن شؤون عائلنا و أوجاعه فحسبت أنّ حاله ستتحسّن و الآن فوجئت بما حصل له . لن أسامحكم ... لن أسامحكم
- نحن في هذا المستشفى نداوي و الفرج على الله و زوجك يا سيدتي عنده عدّة أمراض لم يتدرّج نحو الشفاء قيد أنملة.
- لماذا لم تتفطّن إلى وفاته فانطفأ كالفتيلة في القنديل الزّيتيّ ؟ كان عليك أن تبقى بجانبه تسهر على راحته و تواسيه و تقدّم له الدّواء النّاجع في مواعيده .
كان عليك أن تعلم الطّبيب باشتداد مرضه حتّى ينقل إلى بيت الإنعاش .
- كان موته مباغتا و لله يعلم أنّني ما تهاونت في تمريضه و لكن لا يمكن أن أكون بجانبه وقتا طويلا فأنا أتنقّل من مريض إلى مريض و من غرفة إلى أخرى .
- وضع هذا المستشفى محرج غير مطمئن فهو ينطبق عليه المثل العاميّ الاسم العالي و المربض الخالي .
- إنّك أدميت قلبي بهذا الكلام الجارح فهو ينزف و يكاد أن ينفجر.
- اتّقوا الله في هؤلاء المرضــى فهم أمانة ملقاة على عواتقكم فأيّ تقصير في علاجهم يمكن أن يتسبّب لهم في إعاقات مزمنة أو في وفاة مفاجئة. وفّروا التجهيزات الحديثة و اجتهدوا في علاجهم إن كانت لكم شعرة من الإيمـان و ضمائر يقظة و حبّ لأبناء هذا الوطن الغالي.
- رسالتك وصلت و إن شاء الله تجد آذانا صاغية و عقولا نيّرة و قلوبا رحيمة.
من شدّة الكمـــــد ذرف نزار دمعا سخينا انسكب كالسّيل على خدّيه النّاتئين فجفّفه بمنديل أبيض و خاطب تلك المرأة الملتاعة في رصانة و جرأة :
- الواقع مرّ كالصّبّار تماما فدار لقمان بقيت على حالها. هذا المستشفى بالرّغم من فساحته و كثرة مبانيه يعاني من رداءة الخدمات للمرضى . نقص فادح في الإطار الطّبيّ . الأدوية تكاد تكون مفقودة. افتقار صارخ إلى أهمّ التّجهيزات الطّبيّة .
- كلامك على غاية من الصحّة و أنا سأردف إليه ما يجول في خاطري و بضيق له صدري : انعدام الضمير عند بعض الأطبّاء و الممرّضين فهم يجرون لاهثين وراء المال من مصحّة إلى المصحّة دون أن تعنيهم كثيرا حالة المرضى هنا .
- حبّ المال من أجل الثّراء وأد الجانب الإنسانيّ عند الكثير من هؤلاء بحيث صار ينطبق عليهم المثل التّونسيّ العاميّ " عجوزة ما يهمّها قـــرص "
- الإخلال بالواجب أدّى إلى وفاة زوجي و إن كنت أومن بالقضاء و القدر .
- لا يجب أن نسكت عنه فلا بدّ من المطالبة بالإحاطة الصّحيّة للمرضــــى و توفير وسائل التّسليـــة و المعدّات الحديثـــة المسايرة للتقــــدّم العلمــــيّ و التكنولوجيّ .
- أشاطرك الرّأي فلا بدّ من أن نكون عمليّين نثمّن مجهودات الكادحين القلائل في المستشفى و نعبّر عن العديد من النّقائص فيه ليقع تلافيها خدمة للشّعب الكريم .
- اطمئنّي سأحرّر رسالة في ذلك و سأتكفّل بتسليمها مباشرة إلى مدير المستشفى ضمانا لوصولها و أنت عليك أن تردّدي بصفة مسترسلة إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ حتّى تهدأ نفسك و تزدان بصبر جميل كصبر سيّدنا أيّوب عليه السلام .
- أنا واثقة من أنّني أطلقت عقيرتي للنّواح نتيجة هذا الخطب الجلل الّذي مزّق صدري و قصم بالأرزاء ظهري و أبقاني مرضوضة الفؤاد أجرّ أجنحتي المنكسرة في أسى حادّ.
- كان الله في عونك و إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا يحي لمحزونون.

هدأت هذه الأرملة في إذعان للأجل الّذي هو من قضاء الله و قدره لا مفرّ منــــــه
و لكن كانت تحمل بين ضلوعها كرها شديدا لأولئك الّذين تقاعسوا في الاهتمام بزوجها العليل . ها هي قد رفعت الغطاء الأبيض عن وجهه القمحيّ بيدها اليمنى المرتعشة و قبّلته على جبينه البارد قبلات حارّة تنبض بالحبّ و الإخلاص و في أجفانها عبرات الأسى : اطمئنّ أيّها الطّاهر النقيّ فأبنائي سأحفظهم بين أحضاني النّاعمة ، الدّافئة وأسهر على تربيتهم على النّحو الّذي ربّيتهم عليه و سأناضل في سبيل توفير القوت لهم و كلّ متطلّبات الحياة حتّى يعيشوا سعداء .

تدخّل مراد و هو دامع المقلتين ، شديد التّأثّر فأبعد أمّه في كنف الهدوء عن أبيه
و أسدل الغطاء على وجهه المنير و هو يردّد : يا موت فجعتني في من أحبّه و أبثّه سرّي و أعدّه فجري الجميل إذا ادلهمّ عليّ دهري . عليك رحمة الله يا أبي . نم قرير العين ، مرتاح البال في مثواك الأخير فأنا سأتحمّل مسؤولية هذه العائلة باقتدار ، باذلا ما في وسعي من تضحيات في سبيل استقرارها و تماسكــــها و هنائها.

جاء رجل عملاق ، قويّ البنية ، فضّ ، غليظ القلب ، له بسمة شيطانيّة ، صفراء
و طلب من مراد و أسرته في قسوة أن يفسحوا له المجال لنقل أبيه إلى غرفة الأموات على سرير ذي عجلات مطّاطيّة و نصحه بالإسراع في إجراء التّرتيبات اللاّزمة بإدارة المستشفى للعودة بجثمان أبيه الطّاهر إلى منزله .
*********

و بعد جدال صريح و صاخب ، انصرف الجميع إلى شؤونهم فأمست الغرفة شبه خاوية يرين عليها وحشــــة و ملال : أهل يحي عادوا أدراجهم إلى منزلهم مطرقي الرّؤوس يجرّون أذيال الخيبة ، خطواتهم مكبّلة بأصفاد الشّجن . الممرّضون واصلوا أعمالهم مصرّين أن يكون أداؤهم أفضل من ذي قبل.
و ما إن جنّ اللّين و لفّ الكون بجلبابه الأسود حتّى شعر نزار أكثر من ذي قبل بمرارة الأســى و ظلمة العزلة فهو قد اختلى بنفسه مضطربا ، متستّرا بغطاء صوفيّ يلوك ذكريات يومه العسيرة الهضم فهي مسيطرة على مخيّلته تكاد تتلف عقلـــــته و تحشره في مستشفى الرّازي بمنّوبة مع المجانين . كم تمنّى أن يشفى رفيقه فيستبشر بذلك استبشارا و يتهلّل وجهه بعد تقطّبه ويطفح قلبه بالغبطة بعد حزنه !

حان موعد العشاء فجاءت عاملة باسمة الثّغر ، رشيقة القوام ، أنيقة المظهر بطبق به أكلات متنوّعة دغدغت رائحتها الشهيّة أنفه . تناول لقيمات من الأرز لدفع غائلة الجوع ثمّ اندسّ في فراشه الدّافئ و انبرى في قراءة الرّحلة الخامسة للسّندباد للبحريّ فأبحر معه على متن قارب كبير من جزيرة إلى جزيرة و من بلد إلى بلد متجشّمين الصّعاب و الأهوال في عزيمة و إصرار هذا مارس التّجارة و ذاك أطفئ في نهم ما به من شوق إلى معرفة أحوال الشّعوب و عاداتهم و تقاليدهم و فنونهم .
في نهاية المطاف ، عاد السّندباد إلى مدينة بغداد و معه ثروة طائلة من المـــــال
و اللّؤلؤ فلقيه أهله و أصحابه مبتهجين بعودته سالما غانما وعاد نزار إلى غرفته و هو قد أحسّ بسكينة غمرت قلبه و افترّ ثغره عن ابتسامة عذبة كابتسامة الوليد. ها هو يناجي نفسه في جوف ليل بهيم ، مغمض العينين ، سابحا على أمواج الخيال :
قلبك يا حبيبي ليس رمسا للمآسي و الأشجان
قلبك يا حبيبي ربيع شكّلته عبقريّة فنّان
بريشة و أصباغ تموج بطيف من الألوان
فيه أطيار طليقة تشدو بأعذب الألحان
فيه ورود باسمة ، متألّقة على الأفنان
لها عبير يحاكي مسك الجنان .

لا تحزن و لا تبتئس و ابتسم للحياة فإنّ بعد اللّيل الدّاجن صبح يرتسم .
لا تيأس و لو شمل العالم المنكر و كن كفجر الحياة الوضيء يداعبه الأمل النّيّر .

يا حبيب روحي آن الأوان أن ترقـص و أنت جذلان ، نشوان ، طروب على أنغام هذين البيتين الرّائعين للشّاعر أبي القاسم الشّابّي :
ألا انهـضْ وسـرْ فـي سـبيلِ الحيـاةِ = فمــن نــامَ لـم تَنتَظِـرْهُ الحيــــــــاهْ
إلـى النُّـور فـالنور عـذْبٌ جـميــــلٌ = إلــى النــور فـالنور ظِـلُّ الإلــــهْ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...