حدث في مثل هذا الحلم، أني رَأَيْتُني أتأبط شر سيرتي الروائية هذه، أمشي و في جيبي ورقة كتبت عليها مجموعة من العناوين، لأناس أعرفهم و لا يعرفونني، موتى دونما قبر أو كفن، و رأيتني كذلك أضع في علبة رسائل كل واحد منهم سيرتي هاته موقعة برسائل اخترت أن تكون مشفرة، محورها قضايا و مواضيع تجمعنا و تفرقنا في آن، تركت لي سيرتي هاته حرية أن أختار ما بين نعيم الموت على صفحاتها، أو إحراقها و أنا معها، لكي أقي نفسي و أحمي سيرتي من شر السؤال، حذرتني و هي تطل علي من إحدى صفحاتها، أعتقد من صفحة كنت أتكلم فيها عن الموت : "لن أغفر لك إن وضعتني في علبة رسائل شخص لا يفقه في فتاوى الأدب و أحكام النقد، أصحاب الحل الذين أبرموا العقد مع النص السفلي، يحللون حرامه و يحرمون حلاله، يمشون حسب هوى نفوسهم الأمارة بالغرائز و ما اشتهت الأيمان، و أنت كما عرفتني، منحتك نفسي برضى منها و من رب الأدب، فأحسن إليها كما أحسنت الكتابة و ربها إليك"، طيب أيتها الكتابة الجاحدة، لا تنسي أني أنا من خلقك من عدم، و أنا من نفخ فيك من روحه، و أعطاك اِسما، و منحك أحقية أن تدخلي المكتبات الوطنية و العمومية، و قد تدخلي مكتبات الفيلات و القصور، يضعونك بين الرفوف كزينة و ديكور، و قد تدخلين المراحيض لتُعَوّضي فيها غياب الورق و المنديل الصحي، فما أروعه من مشهد إباحي و أنت تُمَزَّقينَ ورقة ورقة، ليكون لصفحاتك شرف معانقة مؤخرات من شتى الأصناف و الأشكال، فطوبى لكتابة أدت واجبها الوطني، و عبرت بالفعل لا بالقول على أن دورها فيه ازدواجية العمل و الاستعمال . سيدتي أنت يا سيرتي الروائية، لنعد للرقص على نغمات الرسائل المشفرة و لك أن تختاري الشخصية الأولى التي ستحظى بشرف مصافحة أول نسخة منك، و شرف التوصل برسالة مني مكتوبة بخط يدي أو بخط رجلي، حسب تقييمي للشخصية. أرى أن مشهدك داخل المراحيض قد أغضبك، سأختار الشخصية الأولى، و لك أن تستعدي لتوديع أول نسخة منك ستحط الرحال بعيدا عنك و عن مشهدك المقزز و أنت تحت رحمة سيدك المرحاض، عندما يطلب شاعر حق اللجوء الأدبي إلى السيرة الروائية، فإنه ينتحر انتحارا طبقيا عكسيا، ذلك لأن الشعراء ارتبطوا دائما بالكادحين، و الرواية كانت نادي النبلاء لا يدخله سوى من أدى واجب الانخراط الدائم للأدب في كل شموليته :
إلى هند، الطفلة الفلسطينية التي أطلقت صرختها : " أنا تَعْبانَة، بَدّي أنام " :
سماء العرب كل العرب لم تعد تمطر، و أرض العرب، كل العرب أصبحت عاقرا، عندما قررت أن تبيع الأرض و العرض لحكام الذل حكام العرب، و أنتِ هناك وحيدة يا صغيرة، تحصي رصاص العدو الذي تم صنعه في بلاد العرب و تحميله من بلاد العرب، و أنت هناك تبحثين في المكان عن يدك المبتورة، تكتبين بها و بالدم العربي الرخيص المستباح، رسالة هي أبلغ من كل خطاباتنا و من كل شعرنا العربي المنفوخ في بطولاته الكرتونية، رسالة طفلة أتعبها ذل العرب و صمت العرب، و أتعبتها سنوات الشتات، و ضياع أرض كانت عربية، لغتها عربية، و حكامها استبدلوها بأخرى عربية معجمة، يا أيتها الطفلة الفلسطينية العربية، مدي يدك للموت و اقطفي ما تشتهي من سكرات، لك وحدك أن تواجهي مصيرك و مصير كل تلك الجثث الملقاة على أرضك العربية، لن تصل الإمدادات و لن تصل المساعدات، و عنترة في جيشنا العربي استعذب النوم وسط دهاليز شعر المعلقات، و استعذب حضن "عبلة" التي تأسر سيفه لفتوحات بجسدها، كسرت درعه، و استخدمت ألواحه في موقد نار من أجل جلسات رومانسية حارقة و ملتهبة، و ابن الوليد اكتفى بخطابات الوعيد، وحدك ستواجهين هذا المصير، وحدك ستقاتلين إلى حدود الرصاصة الأخيرة، لا تنتظري أن يرسلوا إليك الذخيرة، أرسلوها لقمع شعوبهم، لقمع زوجاتهم و أطفالهم، أرسلوها لحراسة حاكم، خرج في حفلة شواء وسط صحراء العرب. قرأت الطفلة رسالتي و تصفحت سيرتي، نظرت لصورة أمي على الغلاف، ابتسمت، وَضَعَتْها جانبا و قالت لي : " سأقرأها في عالم آخر، ربما ألتقي بأمك هناك، نشرب معا كأس شاي، و نغني حسرة على الأرض التي لم يحافظ عليها حكام العرب كالرجال. الآن "أنا تعبانة بَدّي أنام "، لا أعرف إن كانت هند قد نامت أم ماتت، كل ما أعرفه أن الجرح غائر، و أن الغد لناظره لظاهر، من القدس انطلقت غزواتهم، ستزحف و تسحب في طريقها كل العواصم العربية، و سنلتقي في كل الأقطار العربية هندا بصيغة جمع الطفولة المسالم و الحالم، و سيجلس حكامنا على كراسي من جماجم، يعيدون الإصغاء لرسالة هند الصوتية، و هي في جملة واحدة تلخص المأساة مأساتهم، و تلعن هذا الدم العربي الغارق في التلوث و العفن : " أنا تعبانة بَدّي أنامْ "، الحرب مأساة، لكن من وسط دمارها و خرابها تُكتب أجمل القصائد .
إلى كل تلك القبور المجهولة في كل مكان : القبور حفريات لتاريخ الألم
إليكم جميعا أيها النازحون إلى مملكة الموت بدون بطاقات هوية، أنتم يا من يعيشون الموت تشردا، يا من قصفتهم الحياة بعيدا عن مقابرها المرخصة بشهادة وفاة، يا من أعلنت طقوس التشييع و الدفن عصيانها و تمردها في وجوههم، إليكم أنتم يا حماة الفراغ، يا من أخرجهم الموت و أقصاهم طوعا من الصراع الطبقي للأموات، أيتها البروليتارية الميتة و القابعة في مناجم العظام دونما تغطية صحية للموت، أيتها القبور التي عاشت موتا، أثبتت الحفريات أنه كان مزورا إلى حد بعيد، إليكم أنتم أهديكم هذه السيرة مصحوبة برسالة تحريض ضد كل تلك القبور الرخامية المكتوبة بإتقان، دمروها جميعها، و أعطوا للأحياء من البشر دليلا على أن ثورة الموتى من الدروس التي يسهل استيعابها، علموهم أن الأرض قبر كبير، و أن البحر و كل مرافئه غُرَف للتحنيط أو التغسيل، أشهروا عظامكم، و اجعلوا من جماجمكم دروعا تحمي صدوركم من طعنات الرخام، و من قرميد أضرحة تجيد تهشيم العظام و التكسير، و سيروا في الأرض، قبركم الكبير، في نظام و انتظام، دمروا كسروا، و ارفعوا لافتات تدعو للمساواة في الدفن و اختيار القبر و طقوس الرحيل. لقد اخترت أن أخاطبكم، و أن أهديكم سيرتي هذه، ذلك لأني من الأحياء/الأموات، تم دفني في قبر مجهول يدعونه مجازا و سخرية بالوطن العربي.
إلى الشاعر المعتمد بن عباد : التاريخ الحقيقي يكتبه الأموات، أما الأحياء فمجرد شهود زور
سأسمح لنفسي بالوقوف أمام محكمة لا تعترف بأي ضمير، سأتحايل على التاريخ و وقائعه، سأنسل خلسة إلى لحظة زمنية بعينها، سألبس جبة المرابطين، عباءة من صوف الماعز، و أضع سيفا ذا حدين، حد الشعر و حد قصاصه من التاريخ، و أمشي بين أزقة "أغمات"، تلك الحاضرة التي لا تقبل دخول الشعراء إلا و هم أموات، و ضدا في مجريات التاريخ، أغمض عيني أمام الضريح و أفتحهما، انتصارا للشعر و لأهله، يغادر المعتمد ظلمة موته الطويل، يمزق كفن السنين و يخرج من قبره، شاهرا سيفه و شِعْرَهُ، يجد يوسف ابن تاشفين قد خرج للجهاد في الصحراء ضد الردة و الإلحاد، يلتفت المعتمد لقبر "اعتماد الرميكية"، يرسم على شاهده قبلة عمرت دهرا، رمته في حضن ذكرى يوم الطين، حيث "اعتماد" بسحر جسدها تعبث كما الأطفال بطين ممزوج بمسك و عنبر، و حيث هو يختلس النظر من وراء زجاج نافذة قصره العامر بالشعر و الحب. يغادر الضريح و آثار قيد ابن تاشفين تفضح سنوات عذابه، مر على جَمْعٍ من الرجال لم يتعرفوا عليه، كنتُ في الجهة المقابلة أبيع سيرتي الروائية لبعض التجار العرب، قدموا لأغمات عبر قافلة انطلقت من الحجاز و متوجهة إلى " شنقيط "، بِعْتُهم ست نسخ من سيرتي هذه، بعدما تم إحراقها في زمن مستقبلي، زمني هذا، زمن أزرار كل المتحولات، كلما ضغط أولياء أمرنا على زر، ينبت في أرضنا عاهات بشرية تجد متعتها في إحراق الأدب و الثقافة و التراث و التاريخ، تركتُ سيرتي ملقاة على ظهرها تنعم بالشمس الربيعية لمملكة أغمات، بخطى مسرعة عبرت الطريق، مسكت يده، التفت إلي، لم أمهله لحظة السؤال عن من أنا و من أكون :
ـ أعرفك من زمن بعيد، بحثت عنك في كل كتب التاريخ، و كل الدواوين الشعرية، أسكن أغمات، انتقلت إليها من سنوات خلت، و طيلة مقامي بها أصبحت مدمنا على زيارة قبرك، أجلس أمامك، أتلو عليك ما تيسر من شعر الأولين و الآخرين، و كنت أحس دائما بحضور روحك في المكان، تجالسني و تتقاسم معي لذة الشعر و متعة إلقائه في حضرة الموت و حضرة من صنعوا منه معتقلا للكبار.
ـ الزمن ليس زمن شعر يا فتى، تعبت من هذا المنفى الذي سلبني كل شيء، هل بإمكانك أن تدلني على قافلة متجهة للشمال، أريد أن أعبر إلى الأندلس، أحمل نعشي و نعش حبيبتي "اعتماد" و نعش ابني، و أعبر إلى هناك حيث موطني، و موطن آبائي و أجدادي، لا أعرف كيف أن الإسبان و خصوصا أهل الأندلس لم يطالبوا حتى الآن بنقل جثماني، مذلة في الحياة و في الممات.
ـ بالأمس حضرت صالون " زينب النفزاوية للشعر و الأدب، للرقص و الطرب"، قرأت على مسامعها بعضا من محاولاتي الخجلى في كتابة الشعر، و أنهيت مداخلتي بمقالة أدبية تحمل عنوان : "أغمات لا تقبل الشعراء إلا و هم أموات"، طُرِحَ موضوعك و وضعك للنقاش، كل المداخلات أجمعت على قتلك من جديد، إنهم وزراء و معاونو يوسف الجبار، ابن تاشفين يكره الشعر و الشعراء، فالشعراء بحد سلطة الكتاب "يتبعهم الغاوون"، يحرضون الناس على الثورة و الفجور، ابن تاشفين لم يقرأ كتبا أو دواوين شعر، أينما حل بجيشه، يحرق الشعر و يستبيح دم الشعراء، لكن أبشر أيها الشاعر، لقد انتقم الشعر من جلاد القصيدة و قاتل الشعراء، لهذا و كما تعرف يا شاعر "اشبيلية"، فإنه لم يحظ بعد موته بضريح و قبر يليق بمقام من بنى مراكش، و من أجَّلَ سقوط الأندلس لقرون عديدة، ضريحه بساحة "سيدي ميمون"، التي حولها صناع مشاهدنا التاريخية و الثقافية إلى محطة للحافلات، كل حافلة تنفث دخانها على الضريح، مواطنون يتبولون على حائطه، و آخرون يتخذون من ضريحه ملاذا آمنا لشرب الكحول و تناول المخدرات، و قد يتحول في مناسبات عديدة إلى مرتع لممارسة الجنس المختلس، إنه يوسف الذي أحببته و كرهته في آن، يوسف الذي ترك المرأة الجميلة و الحكيمة " زينب "، و خرج لممارسة غزواته على نهود ما ملكت الأيمان، و قد صَرَّحَتْ لي "النفزاوية" بندمها الشديد كونها تزوجته، و ساعدته على الثورة على ابن عمه " أبي بكر"، و ندمت على توجيهاتها الحكيمة له و هو يواجه أعداءه أعداء الدين، و ندمت على قرار سحب الملك منك و نقلك و أسرتك مقيدا إلى "أغمات"، اذهب إليها، فإنها امرأة لا تقبل إلا بالملوك أزواجا، ستنصبك ملكا على مملكة أغمات، و ستضع جيش ابن تاشفين تحت إمرة الشعر و إمرتك، فقط لي رجاء عندك أيها الشاعر، خذ نسخة من سيرتي هذه، و احملها معك إلى ضريحك الجديد بالأندلس، إنها سيرة روائية ولدت ميتة في زمن يشرف على موته، و سيكون من دواعي سروري و سرورها إذا ما وجدت لها قبرا بجوارك، كتبت لك كلمة أتمنى أن تجد فيها ما يلخص الحكمة من تأويل كل هذه الأحداث، قصر/قبر زينب هناك، اطرق باب حريتك المفقودة، و عانق مجون ملكك من جديد، و جنون شعرك أيها السعيد، و اذهب بعيدا عني و عن "أغمات"، فضريحك هو المَعْلَمَة الوحيدة الموجودة في هذه القرية المشرفة على انقراض العقل و انقراض الانتساب الآدمي، بقاء ضريحك في أرضها مذلة للشعر و نكسة للشعراء .
أعطيته السيرة، صافحني، و مشى في اتجاه قصر الحكيمة الجميلة " زينب"، على بعد أمتار مني، وقف الشاعر، فتح سيرتي و قرأ كلمتي له : " ما بين اعتماد الرميكية و زينب النفزاوية مسافة شعر لا غير، و إن القصيدة كانت على الشعراء كتابا موقوتا للتفجير و الانفجار، حاول أن تستوعب كيد التاريخ لك، أما النسوة فإن كيدهن لجميل"، لوح لي بيديه مبتسما، ثم اختفت سيرتي معه و ظلت سيرته معي أرددها على مسامع كل من زار ضريحه و زار أغمات، تلك التي لا تقبل الشعراء إلا و هم أموات .
إلى كل إشارات المرور في وطن واقف :
لا تجادل شرطي المرور إنه الوحيد الذي يمتلك حكمة الموت واقفا أمام ضوء أحمر.
لا تمش ،لا تجلس، لا تقف، لا تنم، لا تهتف في سرك عاش الإنسان في هذا الوطن، سر إلى حتفك و احذر إشارة "قف"، كلما صادفتها فيجب عليك أن تقف، و تعيد النظر في السير إليك دون أن تقف، الكل يتوقف على منسوب الإشارات بداخلك، احترم مرورك إليك، إن صادفت الانسان بداخلك عند المنعرج الخطير المؤدي إليك، انتبه سيضللك، سيجرك بعيدا عنك و تجد نفسك محاطا و محاصرا بك، إن مررت أمامك في موكب رسمي، قف لك احتراما، و اشهر في وجه عدوك الذي هو أنت إشارة " ممنوع الحياة"، " ممنوع الحلم"، امش أقصى اليمين، ذلك لأن اليسار فقد يساره، اكتب على ظهرك : " ظَهْرٌ غير محروس، لا يسمح بالسباحة بين ضلوعه"، و ارسم على صدرك إشارة النصر عليك، قتلك اجعله على يديك، و إن أتاك الموت، اكتب بإشارة من عينيك " مرحبا بعمالنا خارج الإشارات"، و إن صادفتك أصعب القرارات، تذكر فقط تلك الإشارة التي تتوسطها بقرة، قف لها تبجيلا، فكل العبادات و المعتقدات استهلت توغلها فيك من استيعابك و طاعتك لكل تلك الإشارات. إلى كل تلك الأبقار المرسومة هنا و هناك أهدي هذه السيرة، لعل في قراءتها تستوعب الحياة و الموت داخل وطن في هيئة حظيرة .
إلى هند، الطفلة الفلسطينية التي أطلقت صرختها : " أنا تَعْبانَة، بَدّي أنام " :
سماء العرب كل العرب لم تعد تمطر، و أرض العرب، كل العرب أصبحت عاقرا، عندما قررت أن تبيع الأرض و العرض لحكام الذل حكام العرب، و أنتِ هناك وحيدة يا صغيرة، تحصي رصاص العدو الذي تم صنعه في بلاد العرب و تحميله من بلاد العرب، و أنت هناك تبحثين في المكان عن يدك المبتورة، تكتبين بها و بالدم العربي الرخيص المستباح، رسالة هي أبلغ من كل خطاباتنا و من كل شعرنا العربي المنفوخ في بطولاته الكرتونية، رسالة طفلة أتعبها ذل العرب و صمت العرب، و أتعبتها سنوات الشتات، و ضياع أرض كانت عربية، لغتها عربية، و حكامها استبدلوها بأخرى عربية معجمة، يا أيتها الطفلة الفلسطينية العربية، مدي يدك للموت و اقطفي ما تشتهي من سكرات، لك وحدك أن تواجهي مصيرك و مصير كل تلك الجثث الملقاة على أرضك العربية، لن تصل الإمدادات و لن تصل المساعدات، و عنترة في جيشنا العربي استعذب النوم وسط دهاليز شعر المعلقات، و استعذب حضن "عبلة" التي تأسر سيفه لفتوحات بجسدها، كسرت درعه، و استخدمت ألواحه في موقد نار من أجل جلسات رومانسية حارقة و ملتهبة، و ابن الوليد اكتفى بخطابات الوعيد، وحدك ستواجهين هذا المصير، وحدك ستقاتلين إلى حدود الرصاصة الأخيرة، لا تنتظري أن يرسلوا إليك الذخيرة، أرسلوها لقمع شعوبهم، لقمع زوجاتهم و أطفالهم، أرسلوها لحراسة حاكم، خرج في حفلة شواء وسط صحراء العرب. قرأت الطفلة رسالتي و تصفحت سيرتي، نظرت لصورة أمي على الغلاف، ابتسمت، وَضَعَتْها جانبا و قالت لي : " سأقرأها في عالم آخر، ربما ألتقي بأمك هناك، نشرب معا كأس شاي، و نغني حسرة على الأرض التي لم يحافظ عليها حكام العرب كالرجال. الآن "أنا تعبانة بَدّي أنام "، لا أعرف إن كانت هند قد نامت أم ماتت، كل ما أعرفه أن الجرح غائر، و أن الغد لناظره لظاهر، من القدس انطلقت غزواتهم، ستزحف و تسحب في طريقها كل العواصم العربية، و سنلتقي في كل الأقطار العربية هندا بصيغة جمع الطفولة المسالم و الحالم، و سيجلس حكامنا على كراسي من جماجم، يعيدون الإصغاء لرسالة هند الصوتية، و هي في جملة واحدة تلخص المأساة مأساتهم، و تلعن هذا الدم العربي الغارق في التلوث و العفن : " أنا تعبانة بَدّي أنامْ "، الحرب مأساة، لكن من وسط دمارها و خرابها تُكتب أجمل القصائد .
إلى كل تلك القبور المجهولة في كل مكان : القبور حفريات لتاريخ الألم
إليكم جميعا أيها النازحون إلى مملكة الموت بدون بطاقات هوية، أنتم يا من يعيشون الموت تشردا، يا من قصفتهم الحياة بعيدا عن مقابرها المرخصة بشهادة وفاة، يا من أعلنت طقوس التشييع و الدفن عصيانها و تمردها في وجوههم، إليكم أنتم يا حماة الفراغ، يا من أخرجهم الموت و أقصاهم طوعا من الصراع الطبقي للأموات، أيتها البروليتارية الميتة و القابعة في مناجم العظام دونما تغطية صحية للموت، أيتها القبور التي عاشت موتا، أثبتت الحفريات أنه كان مزورا إلى حد بعيد، إليكم أنتم أهديكم هذه السيرة مصحوبة برسالة تحريض ضد كل تلك القبور الرخامية المكتوبة بإتقان، دمروها جميعها، و أعطوا للأحياء من البشر دليلا على أن ثورة الموتى من الدروس التي يسهل استيعابها، علموهم أن الأرض قبر كبير، و أن البحر و كل مرافئه غُرَف للتحنيط أو التغسيل، أشهروا عظامكم، و اجعلوا من جماجمكم دروعا تحمي صدوركم من طعنات الرخام، و من قرميد أضرحة تجيد تهشيم العظام و التكسير، و سيروا في الأرض، قبركم الكبير، في نظام و انتظام، دمروا كسروا، و ارفعوا لافتات تدعو للمساواة في الدفن و اختيار القبر و طقوس الرحيل. لقد اخترت أن أخاطبكم، و أن أهديكم سيرتي هذه، ذلك لأني من الأحياء/الأموات، تم دفني في قبر مجهول يدعونه مجازا و سخرية بالوطن العربي.
إلى الشاعر المعتمد بن عباد : التاريخ الحقيقي يكتبه الأموات، أما الأحياء فمجرد شهود زور
سأسمح لنفسي بالوقوف أمام محكمة لا تعترف بأي ضمير، سأتحايل على التاريخ و وقائعه، سأنسل خلسة إلى لحظة زمنية بعينها، سألبس جبة المرابطين، عباءة من صوف الماعز، و أضع سيفا ذا حدين، حد الشعر و حد قصاصه من التاريخ، و أمشي بين أزقة "أغمات"، تلك الحاضرة التي لا تقبل دخول الشعراء إلا و هم أموات، و ضدا في مجريات التاريخ، أغمض عيني أمام الضريح و أفتحهما، انتصارا للشعر و لأهله، يغادر المعتمد ظلمة موته الطويل، يمزق كفن السنين و يخرج من قبره، شاهرا سيفه و شِعْرَهُ، يجد يوسف ابن تاشفين قد خرج للجهاد في الصحراء ضد الردة و الإلحاد، يلتفت المعتمد لقبر "اعتماد الرميكية"، يرسم على شاهده قبلة عمرت دهرا، رمته في حضن ذكرى يوم الطين، حيث "اعتماد" بسحر جسدها تعبث كما الأطفال بطين ممزوج بمسك و عنبر، و حيث هو يختلس النظر من وراء زجاج نافذة قصره العامر بالشعر و الحب. يغادر الضريح و آثار قيد ابن تاشفين تفضح سنوات عذابه، مر على جَمْعٍ من الرجال لم يتعرفوا عليه، كنتُ في الجهة المقابلة أبيع سيرتي الروائية لبعض التجار العرب، قدموا لأغمات عبر قافلة انطلقت من الحجاز و متوجهة إلى " شنقيط "، بِعْتُهم ست نسخ من سيرتي هذه، بعدما تم إحراقها في زمن مستقبلي، زمني هذا، زمن أزرار كل المتحولات، كلما ضغط أولياء أمرنا على زر، ينبت في أرضنا عاهات بشرية تجد متعتها في إحراق الأدب و الثقافة و التراث و التاريخ، تركتُ سيرتي ملقاة على ظهرها تنعم بالشمس الربيعية لمملكة أغمات، بخطى مسرعة عبرت الطريق، مسكت يده، التفت إلي، لم أمهله لحظة السؤال عن من أنا و من أكون :
ـ أعرفك من زمن بعيد، بحثت عنك في كل كتب التاريخ، و كل الدواوين الشعرية، أسكن أغمات، انتقلت إليها من سنوات خلت، و طيلة مقامي بها أصبحت مدمنا على زيارة قبرك، أجلس أمامك، أتلو عليك ما تيسر من شعر الأولين و الآخرين، و كنت أحس دائما بحضور روحك في المكان، تجالسني و تتقاسم معي لذة الشعر و متعة إلقائه في حضرة الموت و حضرة من صنعوا منه معتقلا للكبار.
ـ الزمن ليس زمن شعر يا فتى، تعبت من هذا المنفى الذي سلبني كل شيء، هل بإمكانك أن تدلني على قافلة متجهة للشمال، أريد أن أعبر إلى الأندلس، أحمل نعشي و نعش حبيبتي "اعتماد" و نعش ابني، و أعبر إلى هناك حيث موطني، و موطن آبائي و أجدادي، لا أعرف كيف أن الإسبان و خصوصا أهل الأندلس لم يطالبوا حتى الآن بنقل جثماني، مذلة في الحياة و في الممات.
ـ بالأمس حضرت صالون " زينب النفزاوية للشعر و الأدب، للرقص و الطرب"، قرأت على مسامعها بعضا من محاولاتي الخجلى في كتابة الشعر، و أنهيت مداخلتي بمقالة أدبية تحمل عنوان : "أغمات لا تقبل الشعراء إلا و هم أموات"، طُرِحَ موضوعك و وضعك للنقاش، كل المداخلات أجمعت على قتلك من جديد، إنهم وزراء و معاونو يوسف الجبار، ابن تاشفين يكره الشعر و الشعراء، فالشعراء بحد سلطة الكتاب "يتبعهم الغاوون"، يحرضون الناس على الثورة و الفجور، ابن تاشفين لم يقرأ كتبا أو دواوين شعر، أينما حل بجيشه، يحرق الشعر و يستبيح دم الشعراء، لكن أبشر أيها الشاعر، لقد انتقم الشعر من جلاد القصيدة و قاتل الشعراء، لهذا و كما تعرف يا شاعر "اشبيلية"، فإنه لم يحظ بعد موته بضريح و قبر يليق بمقام من بنى مراكش، و من أجَّلَ سقوط الأندلس لقرون عديدة، ضريحه بساحة "سيدي ميمون"، التي حولها صناع مشاهدنا التاريخية و الثقافية إلى محطة للحافلات، كل حافلة تنفث دخانها على الضريح، مواطنون يتبولون على حائطه، و آخرون يتخذون من ضريحه ملاذا آمنا لشرب الكحول و تناول المخدرات، و قد يتحول في مناسبات عديدة إلى مرتع لممارسة الجنس المختلس، إنه يوسف الذي أحببته و كرهته في آن، يوسف الذي ترك المرأة الجميلة و الحكيمة " زينب "، و خرج لممارسة غزواته على نهود ما ملكت الأيمان، و قد صَرَّحَتْ لي "النفزاوية" بندمها الشديد كونها تزوجته، و ساعدته على الثورة على ابن عمه " أبي بكر"، و ندمت على توجيهاتها الحكيمة له و هو يواجه أعداءه أعداء الدين، و ندمت على قرار سحب الملك منك و نقلك و أسرتك مقيدا إلى "أغمات"، اذهب إليها، فإنها امرأة لا تقبل إلا بالملوك أزواجا، ستنصبك ملكا على مملكة أغمات، و ستضع جيش ابن تاشفين تحت إمرة الشعر و إمرتك، فقط لي رجاء عندك أيها الشاعر، خذ نسخة من سيرتي هذه، و احملها معك إلى ضريحك الجديد بالأندلس، إنها سيرة روائية ولدت ميتة في زمن يشرف على موته، و سيكون من دواعي سروري و سرورها إذا ما وجدت لها قبرا بجوارك، كتبت لك كلمة أتمنى أن تجد فيها ما يلخص الحكمة من تأويل كل هذه الأحداث، قصر/قبر زينب هناك، اطرق باب حريتك المفقودة، و عانق مجون ملكك من جديد، و جنون شعرك أيها السعيد، و اذهب بعيدا عني و عن "أغمات"، فضريحك هو المَعْلَمَة الوحيدة الموجودة في هذه القرية المشرفة على انقراض العقل و انقراض الانتساب الآدمي، بقاء ضريحك في أرضها مذلة للشعر و نكسة للشعراء .
أعطيته السيرة، صافحني، و مشى في اتجاه قصر الحكيمة الجميلة " زينب"، على بعد أمتار مني، وقف الشاعر، فتح سيرتي و قرأ كلمتي له : " ما بين اعتماد الرميكية و زينب النفزاوية مسافة شعر لا غير، و إن القصيدة كانت على الشعراء كتابا موقوتا للتفجير و الانفجار، حاول أن تستوعب كيد التاريخ لك، أما النسوة فإن كيدهن لجميل"، لوح لي بيديه مبتسما، ثم اختفت سيرتي معه و ظلت سيرته معي أرددها على مسامع كل من زار ضريحه و زار أغمات، تلك التي لا تقبل الشعراء إلا و هم أموات .
إلى كل إشارات المرور في وطن واقف :
لا تجادل شرطي المرور إنه الوحيد الذي يمتلك حكمة الموت واقفا أمام ضوء أحمر.
لا تمش ،لا تجلس، لا تقف، لا تنم، لا تهتف في سرك عاش الإنسان في هذا الوطن، سر إلى حتفك و احذر إشارة "قف"، كلما صادفتها فيجب عليك أن تقف، و تعيد النظر في السير إليك دون أن تقف، الكل يتوقف على منسوب الإشارات بداخلك، احترم مرورك إليك، إن صادفت الانسان بداخلك عند المنعرج الخطير المؤدي إليك، انتبه سيضللك، سيجرك بعيدا عنك و تجد نفسك محاطا و محاصرا بك، إن مررت أمامك في موكب رسمي، قف لك احتراما، و اشهر في وجه عدوك الذي هو أنت إشارة " ممنوع الحياة"، " ممنوع الحلم"، امش أقصى اليمين، ذلك لأن اليسار فقد يساره، اكتب على ظهرك : " ظَهْرٌ غير محروس، لا يسمح بالسباحة بين ضلوعه"، و ارسم على صدرك إشارة النصر عليك، قتلك اجعله على يديك، و إن أتاك الموت، اكتب بإشارة من عينيك " مرحبا بعمالنا خارج الإشارات"، و إن صادفتك أصعب القرارات، تذكر فقط تلك الإشارة التي تتوسطها بقرة، قف لها تبجيلا، فكل العبادات و المعتقدات استهلت توغلها فيك من استيعابك و طاعتك لكل تلك الإشارات. إلى كل تلك الأبقار المرسومة هنا و هناك أهدي هذه السيرة، لعل في قراءتها تستوعب الحياة و الموت داخل وطن في هيئة حظيرة .