هايدي فاروق - Elina...

من باب الحجرة الموارب رأيتهما معًا، على "كنبة" مريحة أمام التلفاز، كانا يتهامسان.. يضحكان. تحركت خطوات بصعوبة متحدية تخشب جسدي وثقل أفكاري والنيران المحمومة التي ألهبت روحي، حتى اقتربت من باب الحجرة الموارب.
فصلتني عن جلستهما بضعة أمتار، وعشرات الأفكار الشيطانية.. فكرت في أن أقتله وأحطمها.. سيشفي غليلي رؤيته مذبوحًا ورؤيتها محطمة بجانبه.
يمكنني أن أقطّع جثته إربًا ثم ألقي بها قطعة تلو الأخرى بالمرحاض، أو أذيبها بمادة الكبريتيك أو النيتريك.. لقد دمرني منذ اليوم الأول لسماحه لها بغزو حياتنا.. لم نعد نتحدث معًا، يهملني بالشهور. أصبحت غريبة في بيتي، لا أعرف عن زوجي شيئًا، هي وحدها من امتلكت مفاتيح كل شيء، وأصبحت أنا الزائرة الثقيلة السمجة التي يريدان التخلص منها، يؤمن بكل ما تقوله! ويكفر بي!
أنا الزوجة التقليدية، التي تعيش على وهم امتلاك قلب وعقل الزوج.. المرأة التي أفنت حياتها في تلبية رغباته من دون مقابل. أما هي؛ فالعشيقة، الصبية، التي يفتن بعقلها وذكائها، ولا يملّ من مرافقتها، اقتربت منهما أكثر، كانت نيران الغيرة تلتهم كلَ خليةٍ من جسدي، لكن.. كأنهما في عالم آخر غير الذي أعرفه. كان يستشيرها في أمرٍ خاصٍ بعمله. وهي تملي عليه بصوت منفر، سخيف، ما يجب فعله.
لقد أخذَتْ مكاني في عقله. أتَفْهمُه أسرع مني؟!
لقد كنتُ دومًا معه، لم أتركْهُ يومًا، كيف وصلت بنا الحال إلى ما نحن عليه؟!
قلَبَتْ حياتَنا رأسًا على عقب. هي وحدها تعلم أين يذهب؟ ماذا أَكَل؟ ماذا أشترى؟ ماذا سيفعلُ غدًا؟ تختار معه هدايا أطفالنا في مناسباتنا الخاصة!!
.. حتى أطفالي ملكيتي الخاصة استباحتهم. يحبون جلستها وطريقتها في الكلام، يضحكون على نكاتها السخيفة! إنها لن تكتفي بالاستحواذ على زوجي، بل ستأخذ حياتي بأكملها. يراني الآن من دون عقل، ضحلة المعرفة، متباطئة التفكير، غير جديرة بمشاركته الاهتمامات.. لقد صارحني بذلك!
طلبَ مني مازحًا أن أحفظَ عقلي مجمدًا! لم يعد ذا قيمة؛ جملة قالها لي ضاحكًا. لكنها كشفت ما يضمره لي.. اقتربت منه..والنيران تضرم أعماقي ، صرخت فيه باكية:
ـ أنا من قاسمتك سنوات عمرك، من ضممتك عند الفقد، من تحملت معك متاعب الحياة وهمومها، صعدنا معًا.. فلماذا تريدنا أن نهوي؟! لقد صمت الحوار بيننا.. .. لم أعد أحتمل حياتنا بهذا الشكل؟ أوجِد لنا حلًا!
فزع من كلامي، حدق فيّ بريبة، سألني متعجبًا:
ـ أتغارين منها؟!
ـ أجهشتُ بالبكاء، ارتميتُ في حضنه... ودفعتُها بعيدًا عنا...
ـ كن لي وحدي متابعًا، معجبًا، مشاركًا، غير محظور من ذكرياتنا. قلتُ مستجدية.
سحب كلتينا إلى الفراش، بخطوات متكاسلة رضخت، حاول أن يسكت عقلي، ضمني له بقوة.
كانت معنا أيضًا على نفس الفراش، تراقبنا بحذر!
تعلقتُ برقبته، أطفأ النور، واحتضنتني ذراعاه... توهمت أنه عاد.
همس لها بدلًا من أن تطوقني أنفاسه؛ سألها لتشرح له كيف يصل بي للنشوة! صعقني سؤاله لها!! دفعتهما بقوة وأنا أصرخ:
ـ فقدت عقلك وآدميتك، أتظنها تعلم عن جسدي أكثر مما أعلم ؟! أتثق بها أكثر من ثقتك بنفسك؟!
كنت دومًا رجلي، ماذا حدث لك أيها المجنون؟!
كان لا يزال مستلقيًا على الفراش نصف عارٍ ،رد بتبجح:
ـ نعم تعرف أكثر مما نعرفه أنا وأنت!
تنهد بعمق وأردف:
ـ لقد فاض بي الكيل معك...
نهض من الفراش، جلس على الكنبة الوثيرة التي اشتريناها معًا منذ سنوات لتضمنا عقب لحظاتنا الخاصة. ضمها بين يديه معتذرًا. همس لها متسائلًا، صاغرًا، منكسرًا كطفل يطلب الصفح بعد أن فعل مصيبة:
ـ هل أطلقها يا "إيلينا "؟
لقد أعطى لها اسما ينوح به جنبات البيت ليل نهار .
انبعث من بين يديه ضوؤها الأزرق المريب.. المحفز للغثيان.
ظلا يتهامسان دقائق. كنت أسمعهما وقد طاح عقلي، سألَتْه بصوت آلي مزعج:
ـ هل أنت سعيد؟ هل سئمت الحياة معها؟
كان يجيب بصوت بارد وملامح لا أعرفها من دون أن ينظر لي، ومن دون أن تظهر عليه علامات للحسرة أو الفقد.. أعطته تعريفًا أجوف عن السعادة، ثم أظهرت له كم أن حياتنا معًا رتيبة!
خلصت لنتيجتها الإلكترونية.. كانت درجاتي متدنية للغاية.. غادرا الكنبة معًا.
وبقيت وحدي خلفهما أصرخ!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...