شريف محيي الدين إبراهيم - ظل الجبل لا يموت...

كان يحتضر.
تجمّعوا حوله في صمتٍ مضمّخ بالخوف.
الزوجة، الأولاد، الأحفاد... وجوه مألوفة،
لكن عينيه لم تلتقط أحدًا، كأنما كان ينتظر شيئًا آخر.
في اليوم الثالث للمرض، ظهرت.
مشَتْ على أطراف الغيب، لا يُسمع خطوها، ولا تُرى إلا لمن اقترب أجله.
القطة الرمادية.
خرجت من الجرن كمن يعود من منفىٍ بعيد خلف الغياب.
تقدّمت حتى عتبة الباب، وقفت، حدّقت فيه طويلًا، ثم رفعت ذيلها، وهزّته مرتين، ثلاثًا... كأنها تقرأ نبوءة النهاية.
عينا الموت تغشوان عينيه، فأضاءتا للحظة.
كأن بصيرته انفتحت على زمنٍ آخر.
لم يتكلم.
اقتربت القطة بخطى واثقة، قفزت إلى السرير، وجلست عند قدميه.
لم يحركها.
نظر عبدالرحيم إلى نوح، ابنه البكر، وطفق يحكي.
لم تكن حكايته الأولى، لكنها، هذه المرّة، كانت وداعًا.
قال:
"أبويا شوقي ماكانش بني آدم عادي.
كانوا يقولون: الكبير... الجبل."
سكت لحظة، كأنه يشمّ الماضي، ثم أكمل:
"كان صلب زي الحجر.
كلامه قليل، لكن لما يتكلم... الكل يسكت.
عنده قوة مش طبيعية.
إذا غضب، انخلعت القلوب.
دخل معركة ضد خمسة معاهم مطاوي وسلاح، وهو أعزل، وخرج واقف... وهم يلهثون تحت قدميه.
اللصوص كانوا يهربوا من سماع اسمه.
البلطجية يغيروا الطريق إن لمحوا ظله.
كبير العيلة وسيدها.
ما زُرعت أرض إلا بإذنه، ولا بيع حمار دون علمه.
أبناء وأحفاد، وإخوة كثيرون...
عزوة تمشي خلفه كأنها ظلّه.
حتى العمدة، ماكانش يقدر يقرّر من غيره.
لا خصام ظاهر، ولا ودّ كامل بينهما."
"في يوم كانت هتقوم خصومة بين عيلتين كبار: السويفيين والنجارين.
النية كانت دم.
العمدة دعا لجلسة في ديوان البلد الكبير.
الناس اتجمعت من كل النواحي.
العمدة قاعد على الكرسي الكبير، والرجالة صفين قدامه.
جاء أبي متأخرا... دخل بخطى بطيئة...
وساعتها، كل الأصوات خفتت.
كأن الريح اتحبست، والطيور كتمت نفسها.
لابس جلابية سادة، ماسك عصا قصيرة.
ما قالش سلام.
العمدة سأله:
'إنت جاي ليه يا حاج شوقي؟'
ما ردش.
راح لكبير عيلة النجارين، قعد قدامه، وبصّ في عينه، وقال:
'هتقول الحقيقة.'
الراجل كان بيرتجف.
وبعد دقيقة... انهار:
'أنا اللي اعتديت... كنت طمعان.'"

ضحك عبدالرحيم ضحكةً فيها وجع قديم يندب نفسه:
"راجل بطوله... كلمته أقوى من القانون."
ثم انكفأ صوته، كأنه ينهار من الداخل:
"بس أنا ما كنتش بشوف ده.
كنت بشوفه راجل أناني، مش شايف غير نفسه.
متجوز تلات ستات، وسايبنا كأننا يتامى وإحنا عايشين.
حياته كلها برّه بيته: في الغيط، والقهوة، وقعدات الرجالة.
ما كناش بنحضنه، وما كانش بيحضنّا.
كنت بقول لنفسي: ده مش أب... ده جبل ما بينحنيش."

ثم صمت،وتحوّل صوته إلى همسٍ نادم، كأن الجبل داخله انهار فجأة:
"بس أنا كنت غلطان."

ثم أخرج سرًّا دفينًا بصوتٍ منخفض، كأنه يخشى أن يوقظ به الماضي:
"الشيء العجيب بقى هو علاقة جدك بزكية!
عارف جدك الشديد ده؟
كان عنده بقرة عجيبة.
سماها زكية على اسم عمتك، بنته الكبيرة.
كانت فعلاً في معزة بنته.
كان يكلمها، فتفهم.
يحزن، فتقترب.
يتألم، فتمسح الهواء بذيلها."
"كانت تحرث الأرض كأنها تصلّي.
ترفع عينيها إليه، وتنتظر رضاه.
وحين مرض، بقيت جواره.
ترفع رأسها نحو السماء.
تحرّك ذيلها... ثلاثًا.
تئنّ بصوت خافت، كأنها تتلو عليه ما نسيه من آيات القوة.
كان يجلس بجانبها، يحكي، يسقيها، ويغني لها."

قال عبدالرحيم وقد انكسر صوته كسعفة جافة:
"حتى أنا... كانت حنينة عليّ."
سكت، ثم أضاف:
"كنت نايم مرة تحتها في الغيط، صغير... وطلعلي تعبان كبير.
زكية شافت التعبان قبل ما يوصل لي.
دارت... دست عليه، وقتلته.
بس التعبان عضّها.
جريت أصرخ، جدك جري عليها.
فضل أيام يعالجها بنفسه... لحد ما وقفت تاني على رجلها.
ولما كبرت، قالوا له:
ادبحها، لحمها غالي، قبل ما تموت ببلاش.
رد كمن يُخرج سيفًا من غمده:
'اللي يمد إيده عليها... أقطعها.'
الرجل الذي صفع ابنه لأنه ضحك،
الذي طرد أخاه لأنه روّى الأرض دون إذن،
هو نفسه، جلس على التراب يبكيها.
دفنها خلف التل.
جلس هناك، ساعات، لا يتحرك.
ومنذ ذلك اليوم... التل لا يجف.
أخضر.
نضر.
كأن فيه نبضًا لا يُطفأ....
يقولون إن من يدفن عنده لا يموت، بل يتحوّل إلى ظلّ يحرس الأرض."
سكت عبدالرحيم، كأنما يُفرغ شيئًا من صدره، قبل أن يتابع:
"وأنا؟
أنا كنت ابن الراجل ده.
كان وجوده حابسني... وساكن جوايا في نفس الوقت."
سأله نوح بصوتٍ متهدّج:
"وإنت؟ كنت شايف نفسك زيه؟"
هزّ عبدالرحيم رأسه:
"ما كنتش عايز... لكن الظاهر إن مش بإيدينا.
الزمن بعيد نفسه.
أنا ابنه الكبير، ووريث هيبته وقوته.
والناس محتاجين للوريث ده، بكيفه أو مش بكيفه.
ده قدر مقسوم على عليتنا.
لازم الكبير يكون مننا.
اتجوزت نبوية بعد ما أخويا مات وساب ليها أورطة عيال.
الست الطيبة دي
مكنتش بحبها.
كنت شايفها أكبر مني ،ووحشة.
بس جدك شوقي أمر بكده.
حماية لولاد أخويا وأحفاده.
وفاطمة؟
كنت المفروض أجوزها لك إنت.
لكن أبوها قال:
'إحنا عاوزين الكبير، عاوزينك انت يا حاج عبدالرحيم.'
وهنومة؟
ست غلبانة.
جوزها كان راجل مفتري.
طلقتها منه، وتجوزتها أنا، لما الكل اتخلى عنها."
"أنا عارف إنك بتبصلي بنفس عين الكره اللي كنت ببص بيها لأبويا.
كره بيكسر القلب."
"أنا ظلمتك... شدّيت عليك...
عشان كنت باخاف عليك أكتر من نفسي.
.
بس يمكن دي لعنة الآباء في عليتنا... إن حبهم أخرس."
****

في الليلة الأخيرة، نادت نبوية على نوح:
"أبوك بيطلبك."
دخل، فوجد عبدالرحيم جالسًا، والقطة الرمادية عند قدميه.
نظر إليه وقال:
"قل لإخواتك... حافظوا على الأرض..."
ثم وضع يده على الأرض، كمن يسلّم سرّها، و يزرع فيها آخر نبضاته
ثم أغمض عينيه... وسكن.
انتشر الخبر كالرعد.
كل البلدة بكته، حتى العمدة، في الجنازة، لم يستطع أن يداري دموعه.
وقت الدفن جاءت جموع الناس من القرى المجاورة من كل حدب وصوب.
دفنوه عند التل، حيث ترقد زكية، و الجد شوقي.

وقف نوح عند القبر، والقطة عند قدمه.
كانت تتمسّح بثوبه.
رفع عينيه نحو التل.
أحسّ أن الريح تنفخ في صدره صوتًا قديمًا:
"إنت بتحب أبوك؟"
أجاب بصوتٍ يشبه البكاء:
"كنت فاكر بكرهك... بس الحقيقة، إني كنت باعشقك."
الريح تهبّ، كأنها تردد الكلمات.
الطمي يلمع تحت الشمس.
والتلة ترنو من بعيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...