ميخائيل دو سان شيرون - أصوات من إسرائيل تتحدث عن معاناة الفلسطينيين*... النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود





"عشرون عامًا من الشعر الإسرائيلي الملتزم في ذكرى الفلسطينيين".

Michaël de Saint-Cheron



رسم رشيد قريشي
من إزميل حديدي. عشرون عامًا من الشعر الإسرائيلي الملتزم ١٩٨٤-٢٠٠٤ " 1 ". هذا كتاب إسرائيلي، كُتب بالعبرية، ونُشر لأول مرة في تل أبيب من قِبل تال نيتزان، وثم ترجمته إيزابيل دوتان ترجمةً لافتة. يُرفق بالكتاب كتاب "أحبارEncres" لرشيد قريشي، ومُقدّمة بقلم سيلفي جيرمان. هؤلاء الشعراء مدفوعون بواجب إحياء ذكرى أخوتهم وأخواتهم الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، وعلينا أن نتحلى بالشجاعة لقراءة هذه الماتسيفا( matzéva، العمود المقدس المجسد لتاريخ قائم، في الكتاب المقدس. المترجم، عن الانترنت)، شاهدة القبر، تخليدًا لذكرى هؤلاء الفلسطينيين الذين طال النظر إليهم كأعداء، بينما كان العديد من ضحايا الانتفاضتين أبرياء، بدءًا من الأطفال. وبعيدًا عن كاميرات التلفزيون، يشاركنا بعض هؤلاء الشعراء ممن خدموا سابقًا في جيش الدفاع الإسرائيلي أصواتهم المنجرحة. تُقدّم لنا تال نيتزان، الشاعرة وناشطة السلام، قصيدةً نادرةً جدًا خارج إسرائيل، لكنها بالغة الأهمية، لأنها تُخاطبنا عن الروح المُحطّمة لضميرٍ مُعيّن لا يُمكن أن يأتي إلا من إسرائيل.
تفتتح سيلفي جيرمان مُقدّمتها بكتاب دانيال: "انعقد مجلس القضاء، وفُتحت الأسفار" (دانيال 7: 10). على هذه الأسفار، التي هي ذاكرة الإله، وذاكرة الإنسان، وذاكرة الضحايا، وبالتالي ذاكرة قاتليهم، يوجد على كلا الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني، ضحايا وجناة، قتلى وقتلة، بعضهم أحيانًا انتحاريون، وبعضهم أيضًا ضحايا جيشٍ جبارٍ يُواجه شعبًا بلا جيش. وماذا يُمكننا أن نقول عن موت الأطفال؟ كل شاعر هنا يقف حارسًا ضد النسيان، مُنذرًا، صدفةً تجمع كل صرخات ومعاناة هؤلاء الرجال والنساء والأطفال الضائعة، الذين، باستثناء الأكثر تطرفًا، لا يطلبون سوى العيش بسلام، أن يعيشوا ويتركوا أطفالهم يعيشون في أرض مضيافة. هل نحن ساذجون بلا حدود؟ ولكن ماذا يقول صوت هؤلاء الشعراء؟
إذا كان علينا أن نشهد عندما نكون نحن اليهود ضحايا، ألا يجب أن نشهد بالقدر نفسه عندما يكون الآخرون، بدءًا من الفلسطينيين، ضحايا للجنود الإسرائيليين؟ بل إنه لشرف عظيم لهؤلاء الشعراء أن يكونوا شهودًا على قمع، بالأمس، غالبًا ما يكون أعمى، مثل جميع أشكال القمع في جميع أنحاء العالم.
يكتب أهارون شبتاي AharonShabtaïفي "اتحدي يا ابتسامات العالمSouris de tous pays, unissez-vous !" :
"رجال بزيهم العسكري يضربون نساءً فلاحات قرب نقطة أمنية،
وطائرة هليكوبتر تحلق فوق مخيم اللاجئين كطائرة رشّ،
الجميع منشغلون بالقضاء على بعض الحشرات الضارة التي ظهرت حديثًا.
بينما أقلية تزداد ثراءً،
يتحول المزيد والمزيد من الناس إلى جرذان وفئران،
إنهم حيوانات عديمة الفائدة، قمامة
تُدفع إلى الأحياء، والأحياء الفقيرة، والسجون،
السود، والتايلانديون، والعرب... إلخ [...]"
في دعاء الله الرحيم، يدعو ديفيد أفيدان:
يا الله الرحيم، يا من في السماء، يا قادر.
نأتي إليك محبةً، يا إله ظلمات الموت.
نحن حقراء، بؤساء، بغيضون، جيران الرماد.
ما زلنا هنا، وقد كنا هنا من قبل.
نسير نحو الصدمة الأخيرة حتى النهاية.
لم يبقَ أحدٌ هنا ليجمع الجثث.
صوت إسرائيل، صوت هؤلاء الشعراء، يُسمع صوتًا آخر على الانتفاضة، على الفلسطينيين، ليُعبّر عن المعاناة، والشعور بالذنب، بل والعار، فوق كل شيء، لارتكابهم، بدافع الطاعة، أفعالًا تُسيء إلى جميع الجيوش، تُسيء إلى الإنسان في الإنسان، إلى اليهودي في الإسرائيلي، إلى الجندي، إلى الشاعر. يطرح موشيه دورMoshe Dor، في "الكويكبAstéroïde"، سؤالًا لا يُمكننا تجاهله:
هل لدينا ما يكفي من الوقت للمحاسبة الأخلاقية؟ أو ربما شاهدنا ما يكفي من الأفلام عن تدمير الكون بنيزك لنتقوى ونرفض التشكيك في غطرسة تدميرنا لأنفسنا؟
يزداد توفيا روبنير اتهامًا:
انتصر عليكِ القمل يا أرض الجمال.
امتصّوا دماءكِ. فشل الجميع.
ما جرى إنجازه لا رجعة فيه. ابكي وتأوّهي.
لأنكِ سلّمتِ السلطة إلى أيدي الحشرات.
لكن لا تزال هناك قصائد أخرى في مائتي صفحة لا يمكننا ذكرها، مثل قصيدة داليا رابيكوفيتز "قصة العربي الذي مات في الحريقL’histoire de l’Arabe mort dans l’incendie" (ص ٨٢-٨٣). في الصفحة التالية، نقرأ قصيدة كاديش لإسحاق لاور. كل يوم هو يوم ذكرى للميت. من له قبر ومن لا قبر
أين يبكي؟ من يرافقه المعزون، من لا قبر له، من يملك
الحقيقة، من لا يملكها،
من لا حق له
في الحفر بينما يبني الآخرون على ميْتهم،
ومن يهدم
بيت الموتى
عنون يهودا عميحاي قصيدة طويلة بسؤال: ومن سيتذكر الذاكرين؟ هل قرأ سيلان: "لا أحد يشهد للشاهد؟" ولكن من سيكون شاهد الشاهد، سؤال آخر لا يقل إلحاحًا؟ من سيشهد للشاهد؟
NiemandZeugt für den Zeugen.
( لا أحد يشهد للشاهد ) " 2 "
يكتب بول سيلان في كتابه "مجد الرمادGloire des cendres". نُحذَّر، لكننا لا نُطمئن إطلاقًا.
لم نذكر قصائد رشيد قريشي "أحبار"، التي تحتضن الشعر بأشكال هندسية تُصوّر الدموع والضحايا والقنابل والقتلى والحيوانات والمناظر الطبيعية المهجورة والمنازل المنفجرة. كما نرى رموزًا يهودية وإسرائيلية وخطًا عربيًا، مما يسمح لنا بسماع أو رؤية صور نصية.
بعض هذه القصائد المُرعبة كُتبت بأسلوب توراتي بحت. على سبيل المثال، داليا رابيكوفيتز، ودان داؤور، ورامي ديزاني، وليات كابلان، أو إسحاق لاور، الذي كتب:
تذكرْ
ما
فعله عماليق،
بكِ، بالطبع.
بكِ.
افعله بعماليق
ما
فعله عماليق بك،
بكِ، بالطبع.
[...]
قارن
لا شيء
بما
فعله عماليق بك،
بكِ، بالطبع.
ليس عندما
تريد أن تفعل
ما
فعله عماليق بك،
بكِ، بالطبع.
انتهى.
تذكرْ.
صوت شعراء إسرائيل رهيب ونبيل في آنٍ واحد، لا ينوح على شعبهم بل على الشعب الفلسطيني. إليكم بيتًا أخيرًا للشاعرة دفورا أمير Dvora Amirفي ديوانها "تمزيق الشبكيةDéchirure de la rétine" :
...قلتُ لنفسي
من يُشوّه بيت غيره تُشوّه عيناه،
من يُهدم بيت غيره تُمزق روحه.
إن الروح اليهودية والإسرائيلية العريقة التي تتجلى في هذه القصائد، تُعطينا صورةً مختلفةً عن صورة إسرائيل التي لا تُبالي أبدًا بمعاناة أخوتها وأخواتها في فلسطين.

مصادر وإشارات
1- المنار، باريس، 2013.
2- مختارات من قصائد جمعها المؤلف، مُضافًا إليها ملفٌّ غير منشور ٍسابقاً من الترجمات، راجعه بول سيلان، وترجمه وقدمه جان بيير لوفيفر، طبعة ثنائية اللغةbilingue، باريس، غاليمار، "شعر"، 1998.

-*Michaël de Saint-Cheron: Des voixd’Israëldisent la souffrance palestinienne,17-2-2014
صورة الكتاب



العنوان:
بإزميل من حديد، عشرون عامًا من الشعر الإسرائيلي الملتزم، المنار، 1984-2004
تال نيتزان، رشيد قريشي، سيلفي جيرمان، المنار، 16 تشرين الأول 2013، 245 صفحة.
ملاحظة من المترجم: ما هو منشور في الكتاب، وما هو منشور في صلب المقال، رغم أنه يرتد إلى أكثر من عقد زمني، سوى أنه في محتواه، وديناميكيته الإنسانية يعزز راهنيته وديمومة المأساوي فيه، لهذا نقلت النص إلى العربية، للنظر في الجاري، وجانب الصراع فيه، وانقسامات الداخل..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...