شهادات خاصة فدوى الزياني - لِلعصافيرِ التي تحُطُّ على قمصانك.

لا يمكن للشًّاعر ان يبتكر سوى موقفين حيالَ موتِ عزيزٍ عليه أحدها هو العجز عن الكلام، وهي الصورة التي تبدو الأكثر بلاغة للتَّعبير عن الشّحوب الذي غمر وجه العالم، الموقف الآخر ذو طابع تراجيدي، وهو الموتُ فوقَ الميِّت. وهو التعبير عن الرَّفض، او استحالة استيعاب الفجوة التي ظهرت في جسد الوجود. هذا ما اختزله أنسي الحاج: الصمت أو الموت على الميِّت، لكنه لم يخبرنا: ماذا يفعل شخصٌ حيالَ موتِ شاعرٍ عزيز؟

الخبر نزل بكامل ثقله على صفحةِ الصديقِ الشاعرِ عارفِ الساعدي: يا لخسارتِنا الكبرى، أنعى لكم الشاعرَ الكبيرَ موفقَ محمد".
لم تستطعْ يدي في تلك اللحظة أن تكتبَ سوى كلمتين: يا الله، يا الله. كنت أحتمي بتلك الكلمة من العجز، لأننا في لحظة سقوط المصارع الذي كان أسطورة في الحكاية، نفقد القدرة على تحرير الكلمات،يخوننا اللِّسان واليد والذاكرة، الفم المفتوح على الذهول وحده، والقلب المُتصدٍّع يقف وحيدا أمام ارتباك العالم وشحوبه.
لم تنفعني وصيّة أنسي الحاج، استعدت قدرتي على الكلام، لأني لم استطع على أيّة حال الموت فوق الميِّت، والكتابة عن رحيل موفق محمد هي محاولة لاستعادة العالم من لحظة التيه التي تزامنت مع قراءتي للخبر، او طريقة لانتشال العالم من الهوّة أو الفراغ الذي يقع فيه العاجز عن الكلام في لحظة سقوط المصارع في الحلبة.
بعد انتشار الخبر لم أُعزِّ أحدًا من أصدقائي العراقيين، حسنا، كنتُ مفجوعةً بالخسارةِ المهولةِ، مؤمنةً أنّني الأحقُّ من الجميعِ بالعزاء، كتبتُ نعيًا قصيرًا على صفحتي، وغادرتُ بعدها مواقعَ التواصل، تاركةً بياضَ الحزنِ يُسبغُ على الأشياءِ لونَه اللاسع، لونَ النهاياتِ المحتّمة التي لا يملك المرء أن يجهرَ بغضبِه أو عصيانِه وتمردِه عليها.
كنت أعلمُ أين يكمنُ معنى الحزن، بمدى عمقِ الجُرحِ الذي يصنعُ منك شاعرًا على اختلافِ قسوتِه، وأعرف أين يأخذُك شعورُ الفقد، وكيف يحيلك الى المناطقِ الأكثر خواءً منك، كأنك تغرقُ في الهواء، نعم تغرق في الهواء، مختنقًا به.
رحل موفق محمد، النّبيل، النَّزيه الذي وقفَ ضدَّ الظلم، غير معنيّ بقائمة المكافآت، مخترقا القواعد الرسمية الباهتة، خارجا من ساحة المتداول الى فضاء جامح، قدم مرافعاته القاسية للدفاع عن الفقراء، كتب للأرامل والأيتام، الشاعرُ الطفلُ الذي رغم كلّ ظروفِ الحياةِ وقساوتِها، لم يُغادرْ أرضَ وطنِه آمِلًا أن يصنعَ شيئًا من التغيير، ولو بكلمة. لم يذِب الانحطاط نظرته البعيدة الى المستقبل، كان طفلا متمسكا بالصورة الشَّعبية للشٍّعر بوصفه ألماً يتشارك في نسجه العالم المقهور. لهذا كانت قصائدُه بفصاحةِ العراقيين، وعاميّتِهم القويّة التي ليس هناك أقوى منها للتعبير عن حالةِ الغضبِ والقلقِ اللذيْن يعيشُهما الشَّاعر كما لو أن الجمهور كله يسكُن في قلبه، والشَّعب الذي منحه لقباً لم يكن احتفاليا أوحماسيّا أو ملفَّقا، بل كان التًّعبيرَ الأشد ضراوة في أنًّ الكلمات التي تخرج من قلب موفق محمد، هي نفسها المدفونة في قلوب الجمهور كله.
شاعرُ الحُلّةِ وشطِّ الفرات، والعراقيُّ ذو الحزنِ الكبير، الذي كما غيرُه، كان من العوائلِ العراقيّة التي قدّمت جزءًا من فلذاتِ أكبادِها إلى مقاصلِ الفاشية، دفاعًا عن الحياةِ الحرّةِ الكريمة التي كان يرجوها لكلّ الأجيالِ القادمة، أبناءِ وطنِه.
هكذا، بجُملٍ موجعة، كتبها الأصدقاءُ وانفضّوا، كتبوا عن رحيلِ الشَّاعر، كمن ينشرُ قميصَ حزنِه على حبالِ الحياة، راجيًا من تقلّبِ الأحوالِ ورداءةِ الجوِّ أن تُجفّفَ كلَّ هذا الدمع.
غادرنا أبو خمرة بشَعرِه الأبيضِ الكثيف، بوجهِه المتكسِّرةِ تجاعيدُه كقلوب الحزانى في العراق، بصوتِه، صوتِ القطاراتِ التي أتعبَها الركضُ واللهاث، والصبيةِ التي مزّقت الحربُ احلامهم بل وأجسادهم. لقد رأيته، رأيت المصارع قبل ان يسقط في حلبة الوجود، كان ذلك في مهرجان بابل 2022، صورته مازالت حاضرة في روحي، بملابسه البسيطة، بخطواته البطيئة كما لو أن تلك الخطوات مدفوعة بقوَّة الشِّعر وليس بطاقة الجسد. رأيته وشعرتُ أن حزنَه العظيم اختلط بدمي، وأنَّ احتراقَ كبدِه صبَّ سوادَه في كبدي، وكجائعةٍ قديمةٍ للحزن، تشرّبتُ حزنَه العظيم، الذي أكل من عمرِه وهواءِ رئتَيه، ولاحقتُ قلقَه الساكن، وحيرةَ عيونِه الهادئة، وحركاتِه كلّها التي تشبه في تناقضِها رمادَ بركان، لا شيء ينبئ أبدًا بانفجارِه الوشيك.
لقد غادرنا أحد الشُّعراءِ العظام، الذين يعبرون الحياةَ سريعًا، مثلَ جرمٍ سماويٍّ يسبح في الفضاء، فإذا دخلوا في جوِّ الأرضِ اشتعلوا، وصاروا رمادًا. لكن موفق محمد عاد إلى سمائه، مُخلِّفًا ضوءَ كلمتِه التي لم يقلْها سواه، والتي حارب بها عتمةَ هذا العالم، وظلمَ الكائنِ البشريّ فيه لنفسه. ولقد استشعرت رحيلة في حديثِ الأصدقاء، قبل أيامٍ من رحيلِه، سألتُ عنه لكن أجوبتِهم خلت من الأمل في ان يواصل المصارع النزال لجولات أخرى.
"أرأيتَ قبورًا بالمقلوب؟
وحشدُ جنائزَ تبكي
وتلوّنُ خشبَ التَّابوت
من وحشةِ أمٍّ
تحضن قربَ القبرِ جنازتَها
وتولولُ في قلبٍ مفتوت:
"هذا انته يمّه وياك أموت!"
هذه أنا، يمّه، وياك أموت."
حين كتبتُ رسالتي "رسالة حبٍّ إلى شاعرٍ حزين"، كنتُ أخشى رحيلَك المفاجئ يا موفق، لكنّك رحلت ولم تقرأ الرسالةَ التي بدأتُ كتابتَها مباشرةً بعد لقائي بك، وبعد عودتي من العراق. رسالتي كتبتُها بكلِّ ما تحملُ معاني الحبّ من جمالٍ وسُموٍّ ونُبل، وكنتَ فيها الغاويَ والحبيبَ والعاشقَ، والأمَّ التي تتأسّّى عليك بالحزنِ الأصيلِ في أفئدةِ النساء. رسالتي التي كنت ستفرح كطفلٍ لو قرأتها، أخبرني بذلك اخوك الأستاذ رياض محمد، بعد أن أعاد الصديقُ الإعلاميُّ عبدالرزاق علي نشرَها على صفحتِه في نعيٍ نبيلٍ يومَ رحيلِك.
لقد شعرتُ بالأسى ياموفق، لم يُحقّق الأصدقاءُ رجائي بإيصالِ صوتي ورسالتِي إليك، أن يُخبروك أنّني أحببتُك، ولو لم أفعل، لوددتُ أن أحبَّك آلافَ المرّات، أن أخبرك عن معنى أن يُحبك شخص لدرجة أن يتنسّم شظايا الزجاج في نفَسك عن آخرها، وأن قلبي رقَّ حين سمعتك، حين سمعتُ الشِّعرَ يطحنُ الموتى والشهداءَ بين عظامِك، ويعيدُ إحياءَهم في روحِك ودمِك وصوتِك، ذلك اليوم الذي كنتَ فيه سيّدَ الموتى،
وسادنَ الشعراءِ، وربّهم الذي في الأرض.
غادرتنا، يا موفق، طافرًا من مقلاةِ الحياة، تاركًا النهرَ بموجتيه،
وشُموعَ أمّك السبعةِ مُسرجةً في كتاب، تاركًا اسمَك مُرًّا في حلقِ
الطُّغاة، غادرتَ عالمِ المهمومين، إلى ليلتِك الأولى، لتُكمِل قصيدتَك الأبديّة، ولتُخبِر الرفاقَ هناك أن الموتَ أرحمُ ممن كانوا يتقاسمون معنا الهواء على هذه الأرض.
أكتبُ اليك يا موفق كلماتِي هذه، وأنا في رحلةِ العودة من مدينة الصويرة إلى بيتي في مراكش. أمامي في المقعد الأمامي في السيارة عاشقان يتكئان على بعضِهما، يُشبِهان في حنُوّهما العصافيرَ التي تحطُّ على قمصانِك المشجّرَة.
إنهُ مشهدٌ شعريٌّ عظيمٌ أرادَ به الله أن يُخفِّف مرارةَ الحزنِ
البابليِّ والمغربيِّ في لغتي، تذكرًا وأنا أكتب مقطعَك الغزلي:
"مخدّتنه عصافير تزقزق بوسة بوسة تطير
وعلى طولك ورد يضحك نده
ونجوم وضوّه يلبط
متلحّك تسمعه."
لقد طِرت يا موفق حين مددتُ في الضَّوء يدي إليك ولن أسأل الغيب "من ذا سيُقرئُك السلام؟
ومن يلُمُّك؟"
فكُلُّ العصافير هنا وهناك وحمام الأرض والسماء من مغربي إلى مشرقك تُقرئك السلام وتلُمُّك.


فدوى الزياني
شاعرة من المغرب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...