جوهر فتّاحي - في فلسفة الاستقلال

الاستقلال، سواء على مستوى الفرد أو الدولة، ليس حالة ساكنة تُكتسب مرّة واحدة ثم تستمر إلى الأبد، بل هو عملية مستمرة من البناء والتثبيت والتجديد، وهو في جوهره القدرة الواعية على أن تكون الذات فاعلة وليست مفعولًا بها، أن تكون مصدر القرار لا متلقيه، وصاحبة المبادرة لا التابعة للأوامر. فحين نقول إن فردًا ما مستقل، فإننا نعني بذلك أنه بلغ مرحلة من النضج الفكري والعاطفي والمادي تؤهله ليصوغ حياته بمعاييره الخاصة، دون أن يتنازل عن حريته مقابل الحماية، أو عن كرامته مقابل الرضا الاجتماعي. هذا النوع من الاستقلال يتطلب قدرة: لا يكفي أن يترك الشاب منزل أسرته ليصبح مستقلاً، ما لم يكن قادرًا على إدارة شؤونه المالية، واتخاذ قراراته دون ارتهان عاطفي، ومواجهة الحياة بصلابة. المثال البسيط على غياب هذه القدرة هو الشخص الذي يعلن استقلاله ثم يعود ليطلب المعونة عند كل مأزق، أو يستبدل تبعيته لوالديه بتبعية لشريك، أو مؤسسة، أو حتى لنمط استهلاك يستعبده. وكذلك الدولة: الاستقلال السياسي ليس نهاية الطريق، بل بدايته. كم من الدول أعلنت استقلالها بعد حقبة استعمارية طويلة، لكنها سرعان ما سقطت في التبعية الاقتصادية عبر القروض المشروطة، أو في التبعية الثقافية عبر فرض مناهج تعليمية وتوجهات فكرية تخدم الآخر أكثر مما تخدم المجتمع المحلي. خذ مثالًا دولًا في إفريقيا حصلت على استقلالها في منتصف القرن العشرين، لكنها ما زالت تعتمد على فرنسا أو غيرها في العملة، والتعليم، والدبلوماسية، أو دولًا في الشرق الأوسط غارقة في ديون صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ما يجعلها رهينة لإملاءات اقتصادية تمس قوت شعوبها.

الاستقلال بدون قدرة هو كمن يشتري منزلاً جميلًا دون أن يكون قادرًا على صيانته، فيبدأ بالتآكل تدريجيًا حتى ينهار. والفرد المستقل نظريًا، إن لم يخطط لحياته، ويبنِ دخله، ويحترم ذاته، سيفقد استقلاله بمجرد أن يجد نفسه تحت رحمة الحاجة. والقدرة ليست هبة فطرية، بل نتيجة مباشرة للتخطيط والتدبير. الدول التي نجحت في تحويل استقلالها إلى سيادة حقيقية هي التي وضعت خططًا بعيدة المدى، مثل ماليزيا التي اعتمدت على خطط التنمية الصناعية، وكوريا الجنوبية التي وضعت التعليم والإبداع التكنولوجي على رأس أولوياتها، فحققت نموًا حقيقيًا قلل تبعيتها للخارج، أو رواندا التي خرجت من رماد الحرب الأهلية لتصبح دولة رائدة في إفريقيا بفضل إرادة سياسية واضحة وتوظيف ناجع للموارد.

أما السياسات التي تحمي استقلال الدولة فهي متعددة، أولها السياسات الاقتصادية التي تشجّع على الإنتاج المحلي وتقلل الاعتماد على الاستيراد، وتدعم المؤسسات الوطنية الصغيرة والمتوسطة، وتفرض ضرائب عادلة تضمن دخلًا للدولة دون إفقار المواطنين. في المجال المالي، من الضروري وضع سياسات تقلل من الاستدانة المفرطة، وتبحث عن بدائل وطنية للتمويل كالصناديق السيادية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية كالغذاء والطاقة. اجتماعيًا، يجب أن تكون هناك سياسات تمنع الفقر والتهميش، لأن المجتمعات المنقسمة على نفسها تسهُل السيطرة عليها. وهنا يأتي دور التعليم الذي لا يُختصر في نقل المعرفة، بل في بناء وعي نقدي يجعل المواطن حصينًا أمام الاستلاب الثقافي والغزو الإعلامي، قادرًا على التفكير المستقل، والإبداع، والمشاركة الفعّالة في القرار السياسي والاقتصادي. التعليم هو الحصن الأول ضد الهيمنة، لأن العقول المدربة لا تُستعبد بسهولة.

ولن يتحقق هذا دون عدالة، فالعدل هو من يضمن الثقة في الدولة، ويمنع الانفجارات الاجتماعية، ويخلق شعورًا جماعيًا بالانتماء. الدولة التي يسود فيها الظلم، حيث تُنتهك الحقوق وتُصادر الحريات، تكون عرضة للتدخلات الخارجية باسم "حماية الحقوق"، وتفقد استقلالها من الداخل قبل أن يُنتزع منها من الخارج. غياب العدل يولّد السخط، والسخط وقود الثورات أو التدخلات أو حتى الفوضى التي تُنهي الدولة.

وفي النهاية، فإن الاستقلال لا يتحقق برفع العلم ولا بكتابة الدساتير فقط، بل بتحقيق السيادة الفعلية على الموارد، والعقول، والمصير. لا يمكننا أن ندّعي الاستقلال إن كنا نأكل مما لا نزرع، ونلبس مما لا نصنع، ونتعلم مما لا ننتج، ونحلم بأدوات الآخرين. الاستقلال مرآة للقدرة، والقدرة مرآة للوعي، والوعي ثمرة للعدل والتعليم والتخطيط. ومن لا يملك مشروعًا للحرية، لا يملك إلا الوهم.
التفاعلات: سنيا قرين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...