الدائرة الملعونة

الجو عاصف، ماطر، والبرق يمزّق السماء كخنجر مجنون.
في الداخل، في الغرفة التي لا نوافذ لها، ولا أبواب، ولا اتجاهات، ولا زمن، وقف الأربعة صفًا أمام "هو".
لم يكن يعرف من أين جاؤوا، لكنه يعرفهم.
يعرفهم كأنه عاش معهم منذ الخلق، أو كأنهم خرجوا من جوفه يوم ارتكب تلك الخطيئة.
عيناه متّسعتان، قلبه يدقّ كطبول الحرب، وأصابعه ترتعش كأنها تبحث عن سكين ضائع.

الرجل العجوز (بهدوء حزين):
– لماذا عدت؟ ألم تقل إنك لن تطأ هذا المكان مرة أخرى؟
هو (مرتبكًا):
– لم أعد… أقسم لكم… لا أعلم كيف وصلت. كأن أحدهم جرّني من شعري، أو أن قدمي مشت وحدها. أقسم… لم أعد.

الطفل (بضحكة ساخرة):
– بل عدت، كما تفعل دومًا. تعود لتبحث في الرماد عن وجهٍ نسيته، عن امرأة بلا ملامح، عن دمٍ لم يجف.

المرأة الشابة (بتقزّز):
– لا يزال يحنّ إلى لحظة الضعف. كلما خُيّل إليه أنه نجا، عاد بقدميه إلى المذبحة.

هو (يتراجع خطوة):
– لا… لست أنا… أقسم لكم… لم أكن أنا.

الشاب ذو القسمات الصلبة (بهمس):
– من إذن؟ أنا؟ أم هو؟ أم ذاك الذي دفنته حيًّا… هناك؟

تراجع "هو" أكثر.
الرجل العجوز (بحنان غريب):
– قلت لك: لا تعتذر. لا جدوى من الاعتذار بعد غروب الشمس.
لماذا لم تصغِ إليّ حينها؟
هو (بصوت متقطّع):
– كنت خائفًا… لم أملك وقتًا… لم أملك حتى نفسي.

الطفل:
– بل كنت تملك كل شيء… حتى السكين، كانت في يدك، وكانت تنام… وأنت تعرف.

المرأة الشابة:
– وتذكّر… كانت تبتسم، حتى بعد الطعنة الأولى. كأنها سامحتك، أو فهمت… أو توقعت منك أن تكون جبانًا.

هو (ينهار):
– كفى… أرجوكم… دعوني وشأني…

الشاب (بهدوء قاتل):
– وهل تركتنا أنت وشأننا؟ لماذا توقظنا كل ليلة؟ لماذا تحاول قتلنا مجددًا؟ نحن لا نموت يا هذا.

الرجل العجوز:
– أنت وحدك من يموت ألف مرة في الدقيقة،
الطفل:
– أتعلم؟ الدم لم يكن لها وحدها. كان لك أيضًا. وحين غسلت وجهك بعد الجريمة، لم يكن وجهك.
المرأة الشابة:
– بل وجه أبيك… ذاك الذي دفنته حين قررت أن تصير رجلًا… فصرت وهمًا.
هو (يصرخ):
– من أنتم؟
الشاب (يقترب، صوته حاد):
– نحن… أنت. وجوهك الأربعة… قلبك حين أحب، ثم خان، ثم كره، ثم نسي.
الرجل العجوز:
– أنا حين كنتَ طيبًا.
الطفل:
– وأنا حين أنكرت.
المرأة الشابة:
– وأنا حين راوغت… حين زيفت الحقيقة، وجمّلت القبح.
الشاب:
– وأنا… حين رقصت على جثتها.
سكون.
تنهيدة واحدة خرجت من "هو". رفع رأسه، نظر إليهم.
كانوا يبتعدون، يذوبون في العتمة، كأنهم لم يكونوا.
وقف، مشى نحو منتصف الغرفة، حيث لا شيء… سوى صدى الوقت المهشَّم.
ثم فجأة، أخرج من جيبه ساعة صدئة، عقاربها معوّجة، كأنها ذاكرته.
هو (بصوت ميت):
– إذًا… لا مفر.
المرأة الشابة (من بعيد):
– أخيرًا فهمت… الجريمة لم تكن قتلها، بل أنك لم تقتلنا معها.
هو (بابتسامة باهتة):
– لا بأس… لن أعود.
أخرج سكينًا قديمة، غرسها في صدره، لكن الدم لم يسِل.
فتح فمه ليصرخ، فخرج منه صوتها… ضحكتها… ثم صرخة الطفلة.
أضاءت السماء فجأة، ثم انطفأت.
وعاد الأربعة… ووقفوا أمامه من جديد.
الجو عاصف، ماطر، والبرق يشقّ السماء كصرخة ألم لا تنتهي.
عند التقاء الوجود بالعدم، وقف الأربعة كظلال ماضٍ مدفون.
عيناه تتسعان كمن يرى هاوية لا قعر لها، وصدره يثقل بأسرارٍ حملها منذ الأزل.
أصابعه ترتجف، تبحث عن خلاصٍ لا يُرى، عن بابٍ لا يُطرَق.
الرجل العجوز (بصوت شاحب مثقل بالتاريخ):
– لماذا عدت إلى هذه الدائرة ثانية؟
هو (صوته يختنق بين الحقيقة والجنون):
– لم أعد… لم أعد…
الطفل (بضحكة ساخرة، كجرس ينذر بالسقوط):
– بل عدت… لتدفع ثمن كل سرقة، كل خيانة، كل قطرة دم علقت في ظلال قلبك.
المرأة الشابة (ببرود قاتل):
– تعود لتواجه ما هربت منه… لتكمل الحكاية التي لم تُكتب في الحياة.
هو (يرتعد، يصغي لصدى صوته داخله):
– لست أنا من يفعل… شيء آخر يسكنني… ظلّ لا يفارقني.
الشاب (بهمس الموت):
– بل أنت. أنت كل ما حاولت دفنه… القاتل والمقتول، الظل والنور، في الدوامة ذاتها.
هدأت الريح.
الصمت صار وشمًا محفورًا في الأعماق.
تراجع "هو" إلى قلب الغرفة… حيث لا أمل… حيث تنتهي الخطايا ويبدأ العذاب.
الرجل العجوز (بصوت كالثلج الذائب):
– نسيت أن الموت ليس نهاية… بل بداية الحكاية التي لا تُروى.
– نسيت أن الروح، حين تخطئ، تُحبس في الدائرة، تعيد الخطيئة، وتتلو العقاب.
هو (بصوت مبحوح، يحكي قصة قديمة تُنسى):
– كنت خائفًا… كنت وحيدًا… لم أجد من يقبلني في الظل.
الطفل (يضحك ضحكة باردة تخترق القلب):
– كان بوسعك أن تختار الحب… أن تختار الرحمة… لكنك اخترت السكين… فجرحت نفسك أولًا.
المرأة الشابة (وجهها مشدود، عيناها تلمعان بدموع نار):
– تلك اللحظة حين غابت الشمس… كانت بداية عذاب لا ينتهي.
هو (ينهار على ركبتيه، دموع بلا صوت):
– اسمعوني… دعوني أهرب من هذه الدائرة الملعونة…
الشاب (بصوت غامض):
– الهروب؟ تظن أن الروح تحيا بعد الموت؟ كل لحظة هنا هي موتك الأبدي.
انسكب ضوء أبيض نقي عبر جدار لم يكن موجودًا.
رأى هناك ظلّها… المرأة التي أحبّها… تبتسم له بابتسامة حزينة، تدعو للصمت والاعتراف.
هي (هامسة):
– لم تقتلني وحدي… قتلت نفسك معي.
– كل نفس أخذته بعدي، موت آخر في دورتك اللا نهائية.
هو (بهمس ميت):
– إذًا… لا خلاص… لا فرار…
عاد وغرس السكين في قلبه.
لم يسل دم.
فقط برودة الموت امتدت في عروقه.
صدى ضحكتها، وصرخة ممزّقة، اختلطا بصمت الأبدية.
وقف الأربعة مجددًا.
دوائر تتكرر، وعذاب لا ينتهي.
الرجل العجوز:
– مرحبًا بك في الدائرة.
الطفل:
– حيث لا موت ولا حياة… فقط عذاب أبدي.
المرأة الشابة:
– حيث تتلاشى الذكريات، ويبقى الألم.
الشاب :
– تفضل… دورك يبدأ من جديد.
هو (بهمس):
– أنا ميت….
الرجل العجوز:
– مرحبًا بك في الدائرة الملعونة
المرأة الشابة:
– إلى الأبد.
وسُمع صدى الضحكة في الفراغ… كأن الزمن نفسه يسخر منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...