فاروق وادي - حكمــة الأحذيــة

لا نعرف الحكمة التي تقف خلف ما يُروي عن حرص الصينيين علي انتعال الأحذية الحديديّة، سوي أنها تحافظ علي أقدامهم لتبقي صغيرة الحجم. ولا ندري إن كانت الأقدام الصغيرة أفضل للمشي والجري، أم أن هناك فلسفة صينيّة أكثر عمقاً لضيق الأحذية تكاد تتقاطع مع الفلسفة التي شرحها الفنان سلفادور دالي، حول تحريك الحذاء الضيِّق للفعاليّة الإبداعيّة.ففي سياق فلسفته السرياليّة التي طبعت نتاجه التشكيلي، فبدت غريبة عن عالم الواقع ومُفرطة في الخيال، قدّم دالي شرحاً وافياً لرؤيته للحذاء خلال السطور الأولي لكتابه يوميات عبقري ، وهي وجهة نظر جديرة بالعرض والتأمل، رغم ما تبدو عليه من غرابة.يقول دالي، إنه كان عليه، لكي يكتب كتابه الذي بين أيدينا، أن يختار حذاء من جلد لامع لا يستطيع انتعاله لفترة طويلة، لأن الحذاء ضيِّق بشكل مرعب. وهو لا يستخدم الحذاء الضيِّق أثناء الكتابة فحسب، وإنما يلبسه قبل أن يُلقي محاضرة، وفلسفته في ذلك، أن الألم الناجم عن ضغط الحذاء الضيق يحثّ علي الكلام ويًحرِّض القدرات الخطابيّة إلي درجاتها القصوي، فيجعله يغني كالعندليب، ويستخلص الكلمات المُعبِّرة والأفكار والحقائق النابعة من ألم القدمين.فلسفة دالي تلك، لا تجد سنداً لها سوي الإشارة إلي فرقة غنائيّة إيطاليّة يلبس أفرادها أحذية ضيِّقة، ما يجعلهم يغنون بطريقة أفضل، ربما لأنهم يحاولون التحرر بحناجرهم من الضيق الكامن في القدمين، وإطلاق آهات الألم الناجمة عن ذلك!لا شكّ في أن هذه النظريّة تخالف قناعات راسخة لجمهور لا يستهان به من المناوئين للأحذية بالمطلق، فما بالك بالأحذية الضيِّقة.. أولئك الذين لا يتحررون ولا يُنتجون إلاّ حفاة تخلّصوا من عبء الأحذية تماماً. ہ ہ ہالحذاء الضيِّق، كان ضمن الحوار بين فلاديمير واستراجون وهما يجلسان في انتظار غودو ، في مسرحيّة صموئيل بيكيت الشهيرة. فإذ يشكو أحدهما ضيق حذائه، يدافع الآخر عن الحذاء أمام ظلم بني البشر له، قائلاً بحكمة: هذا هو الإنسان.. يلوم حذاءه والأخطاء في قدميه !وأمّا السيِّد إبراهيم (في رواية إريك إيمانويل شميت مسيو إبراهيم وزهور القرآن )، فهو يُعبِّر عن حكمته حول الحذاء قائلاً إن الإنسان يقضي حياته في مكانين اثنين: في سريره أو في حذائه، مُضيفاً: إذا آلمك الحذاء فلتغيره لأن قدميك ليس بإمكانك تغييرهما . لكن الطفل، في فيلم المخرج الإيراني مجيد مجيدي أطفال الجنّة ، اللافت بعمقه وبساطته وجماله، لا يملك القدرة علي تغيير حذائه، لأنه ببساطة ينتمي إلي أسرة فقيرة لا يبدو معيلها في وضع يستطيع فيه أن يشتري لابنه حذاءً. الفيلم بمجمله يمثِّل تمجيداً للحذاء، الذي يروي غيابه الفادح بؤساً عصيّاً علي الوصف، وحلماً بلا حدود لامتلاك ذلك الشيء. فهو يتمحور من بدايته وحتي نهايته حول موضوع الحذاء، الذي يختزل عالماً كبيراً من العوز والبؤس والحاجة.فالطفل الفقير الذي يخطف السيل فردة حذائه، لا يجد من يتعاطف معه سوي اخته الصغري التي تعيره حذاءها للذهاب إلي المدرسة. وعندما يأتي دورها في الذهاب إلي مدرستها، يكون علي الطفل أن يجري بسرعة فائقة كي يعيد إليها الحذاء. وهو يجد الفرصة لخوض مسابقة للجري تكون الجائزة الثالثة فيها حذاءً رياضياً يحلم الطفل بالحصول عليه، غير أن حظه العاثر يجعله يفوز بالمرتبة الأولي، التي ينال عليها كأساً لا ينفعه، صادرت حلمه بالحذاء!ہ ہ ہفي فيلم شارلي شابلن فورة الذهب ، تكون للحذاء مهمّة أخري. فعندما يقرص الجوع شارلو المحاصر في جبال الثلج، في كوخ عند حافة الهاوية، لا توصله حكمته إلي أكثر من اكتشاف الحذاء، ليُسكت به صرخات جوعه، فيتحوّل النعل إلي قطعة ستيك ، وتتحوّل أربطة الحذاء إلي سباغيتي !إنه اقتراح الباحثين عن الذهب لمواجهة الحصار والجوع، وهي علي أي حال حكمة تفتقر إلي الحكمة. أما المرأة الفلسطينيّة فقد رأت أن تُنطق حذاءها بحكمة المقاومة!صورتان نشرتهما الصحف قبل وقت قريب، وبالتزامن: الأولي، لامرأة فلسطينيّة عجوز، لا تحفل بسقوط شالها عن رأسها وإطلالة الشيب من تحت الوقاة ، فقد كانت تخوض معركتها ضدّ جنود الاحتلال بحذائها الذي انهالت به عليهم. أمّا الصورة الثانية، فكانت لصبيّة ترفع هي الأخري حذاءها في وجه جندي إسرائيلي خلال تظاهرة احتجاجيّة ضدّ الجدار، فيما وجهها ينطق بغضب عارم، يتحوَّل معه الحذاء المُشرّع في قبضتها إلي ما يشبه القنبلة.صورتان أدخلتا الحذاء في قلب المواجهة، فارتقت بذلك الشيء الذي نتحدّث عنه باحتقار، إلي مستوي قيم الشرف.. والبطولة.. والكرامة الوطنيّة. وربما ساعدتنا اللقطتان علي التفكير بطلب حكمة الحذاء من الصين، وانتعال أحذية حديديّة، سندرك بلا ريب الحكمة القصوي من انتعالها، عندما نخلعها من أقدامنا في مواجهات قادمة.. لا ريب فيها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...