صوت الموسيقى عال لكنه يأتيني من خلف ضباب كثيف يحجب بهجة إيقاعه، أحتشد الجميع حولي سعداء، يرقصون يضحكون ويجذبونني لأشاركهم، لكنني أتحرك ببطء كأن قدمي مكبلتين، إلى أن حانت اللحظة...
جلست، عيناي تحدقان بورقة بيضاء تنتظر توقيعي، مررت أصابعي برفق، تحسست موضع الألم بذراعي، وتأملت تلك الدوائر الزرقاء التي تركها لتذكرني، ولم تجد محاولات إخفائها بأدوات التجميل، ولا يسترها فستاني الأبيض عاري الكتفين، مما اضطرني لنسج سلسلة من الأكاذيب لتبريرها لصديقاتي، يطوف بخيالي عينا أمي المتوسلتين أمام دموعي والخوف القابض على قلبي، تصُم آذاني كلمات أخواتي "إنتي بتتأمري على إيه؟ شايفة نفسك مين؟ ما تتجوزي زي متجوزنا وخلصينا، كل الرجالة كده، ولا عاوزة تقعديلنا وتبوري، نودي وشنا فين من الناس".
منذ أن وعيت على الدنيا، والكل يتمنى لي أمنية واحدة "يا رب أشوفك عروسة"، مع كل فستان جديد "عقبال فستان فرحك"، أُنهي الشهادة الابتدائية والإعدادية والثانوية بتفوق، وليس هناك غير مبروك "عقبال منفرح بك"، كأن كل نجاحاتي لا تستحق الفرح والفخر بي، أتخرج من الجامعة وأتقدم للماجستير "يا خايبة المهم العريس"، كل إنجاز لا قيمة له بدون ذلك المجهول، ومهما حققت فهناك شيء ناقص لن يكتمل إلا به، ليس هناك حديث من الجيران والأقارب وحتى أمي وأخواتي، غير عن ذلك القطار المرعب الذي يجري وقد يفوتني، وشبح العنوسة ونظرة المجتمع.
حين تقدم لخطبتي كنت مهيأة تماما لقبول أول شخص يتقدم لخطبتي، لم تسعني الفرحة وأنا انتقي "الشبكة" والقاعة، والشقة التي ستكون مملكتي الخاصة، ثم الأثاث قطعة قطعة، رغم عصبيته الواضحة وفرض رأيه عنوة، حتى في وجود أبي، غير أنني كنت دائما أتنازل لأمرر الموقف، وحين فاض الكيل ورغبت في فسخ خطبتي، لم أسلم من هجوم أمي وعمتي وأخواتي القاسي، حتى حين طالت يده وضربني لم يتغير الموقف كثيرا.
أين الفرح؟ هل الزواج لمجرد الزواج كافي للفرح، حتى لو كنت أرى الذل والهوان قادمان على صهوة جواد أحلامي. اكتشفت أنني أرتدي ثوب "العروس" فوق جسد جارية. أهتز القلم بين أصابعي، نظرت إلى وجهه المبتسم ببرود، فانهالت أمامي ذكريات الليالي المظلمة بلقطات مرعبة من الأمس القريب، التفت إلى أبي الجالس بزهو ووجهه الفرح بتوقيع عقد بيعي، تركت القلم يسقط، وبهدوء وقفت بينهما وتحركت في اتجاه باب القاعة كشبح حر، تاركة خلفي صمتا ثقيلا لا يقطعه سوى دقات كعب حذائي العالي، يختلط بذهول الحضور الذين لم يستوعبوا ما أنا فاعلته.
فيفيان أيوب/ مصر
جلست، عيناي تحدقان بورقة بيضاء تنتظر توقيعي، مررت أصابعي برفق، تحسست موضع الألم بذراعي، وتأملت تلك الدوائر الزرقاء التي تركها لتذكرني، ولم تجد محاولات إخفائها بأدوات التجميل، ولا يسترها فستاني الأبيض عاري الكتفين، مما اضطرني لنسج سلسلة من الأكاذيب لتبريرها لصديقاتي، يطوف بخيالي عينا أمي المتوسلتين أمام دموعي والخوف القابض على قلبي، تصُم آذاني كلمات أخواتي "إنتي بتتأمري على إيه؟ شايفة نفسك مين؟ ما تتجوزي زي متجوزنا وخلصينا، كل الرجالة كده، ولا عاوزة تقعديلنا وتبوري، نودي وشنا فين من الناس".
منذ أن وعيت على الدنيا، والكل يتمنى لي أمنية واحدة "يا رب أشوفك عروسة"، مع كل فستان جديد "عقبال فستان فرحك"، أُنهي الشهادة الابتدائية والإعدادية والثانوية بتفوق، وليس هناك غير مبروك "عقبال منفرح بك"، كأن كل نجاحاتي لا تستحق الفرح والفخر بي، أتخرج من الجامعة وأتقدم للماجستير "يا خايبة المهم العريس"، كل إنجاز لا قيمة له بدون ذلك المجهول، ومهما حققت فهناك شيء ناقص لن يكتمل إلا به، ليس هناك حديث من الجيران والأقارب وحتى أمي وأخواتي، غير عن ذلك القطار المرعب الذي يجري وقد يفوتني، وشبح العنوسة ونظرة المجتمع.
حين تقدم لخطبتي كنت مهيأة تماما لقبول أول شخص يتقدم لخطبتي، لم تسعني الفرحة وأنا انتقي "الشبكة" والقاعة، والشقة التي ستكون مملكتي الخاصة، ثم الأثاث قطعة قطعة، رغم عصبيته الواضحة وفرض رأيه عنوة، حتى في وجود أبي، غير أنني كنت دائما أتنازل لأمرر الموقف، وحين فاض الكيل ورغبت في فسخ خطبتي، لم أسلم من هجوم أمي وعمتي وأخواتي القاسي، حتى حين طالت يده وضربني لم يتغير الموقف كثيرا.
أين الفرح؟ هل الزواج لمجرد الزواج كافي للفرح، حتى لو كنت أرى الذل والهوان قادمان على صهوة جواد أحلامي. اكتشفت أنني أرتدي ثوب "العروس" فوق جسد جارية. أهتز القلم بين أصابعي، نظرت إلى وجهه المبتسم ببرود، فانهالت أمامي ذكريات الليالي المظلمة بلقطات مرعبة من الأمس القريب، التفت إلى أبي الجالس بزهو ووجهه الفرح بتوقيع عقد بيعي، تركت القلم يسقط، وبهدوء وقفت بينهما وتحركت في اتجاه باب القاعة كشبح حر، تاركة خلفي صمتا ثقيلا لا يقطعه سوى دقات كعب حذائي العالي، يختلط بذهول الحضور الذين لم يستوعبوا ما أنا فاعلته.
فيفيان أيوب/ مصر