السيد حمزة - "الرَّقصُ قصٌّ وصحَّة... الرَّقص حَكْىٌ وحِكْمة " حكمة الجدة

حكمة الجدة

الجدة ؛ رحمها الله كانت لؤلؤة فريدة فى عقد نساء العالمين، عظيمة لازالت بين الجدَّات . " فاطمة تعلبة " بطلة رواية "الوتد" للساحر الأسطورة ،الحكاء العظيم "خيرى شلبى" نقطة فى بحر فرادة الجدة ، فى سطوتها وقوتها وحكمتها ، وإن كانت تشبه الجدة فى بعض ملامحها البسيطة .
حين تغنى الجدات ، يكن فرحات ،وحين يرقصن يكن سعيدات ،وحين يحكين يكن حكيمات .
فى كل حالة من حالاتها ، كانت الجدة تعبّرعنها بالرقص ، ليس رقص الإغراء معزز الغرائزومثير الشهوات .
فى فرحها ترقص بالعصا ، وفى حزنها تحجل بالحبل ، تحكى ... وتحاكى فراشة رقيقة ، أووردة تفتَّحت .. أشرقت بالنضارة والزكاء ، كانت تحكى بالرقص الحكايات ، فى فرحها ترقص ، وفى حزنها ترقص ، وفى ألمها وأنينها ،ومع ابتساماتها وضحكاتها ترقص ، ودائما ما كانت تردد حكمتها :
- الرقص .. قص وصحة ، الرقص حكى وحكمة .
الرقصة الأولى :
امتلأت جوانب الدار بصراخ زوجة الابن التى كانت تضع مولودها الأول ، الحفيد البكر للجدة حين كانت زوجة الابن تصرخ مكابدة آلام المخاض كانت الجدة تدعو لها ، وهى تهرول تُحضّر الماء السَّاخن "لأم رفعت"..القابلة التى كانت تولّد زوجة الابن المتعسّرة فى ولادتها ، فى كل مرة تذهب إلى أم رفعت الدَّاية وتؤوب تسْألها
- بانت ولا لسَّه ؟
تُجيب "أم رفعت الداية " على سؤال الجدة قائلة :
- الفرج من عنده .. فرجه قريب ادع ربنا ياخد بيدها .
صبَّت الجدَّة الماء السَّاخن فى الإناء أمام "أم رفعت الداية " ووضعت فى متناول يدها أيضًا قطعًا من القماش القطنى .. "الدبلان" الناعم الأبيض أعدَّتها مُسبقًا لهذه اللحظة ، وانتصبت واقفةً رفعةً رأسها إلى السماء ، وراحت فى ذكر متواصل ودعاء ، كان يحمو .. ويعلو صوتها بالدعاء، وتشتد حركاتها الراقصة ، مع طلق زوجة الابن وصرخاتها المدوّيّة ، تُزلزل أرجاء الدار وجنباتها ، تتطوح يمنة وىسرة، وإلى الأمام تنحنى ،وإلى الخلف تستقيم ، فى انسجام مع الصَّرخات كنخلة سامقة ، طوحتها الريح فتتمايلت ذاكرة .. علا صوتها حين قالت المولّدة :
- القرن طش ، والراس بانت .. نزلت.. نزلت
- حى .. حى .. حى ... حييييييييييي .
علا صراخ الأم وسرعان ما خفت ، وانطلق صياح رقيق، سرى فى جسد الأم ، فمحى وأزال كل الآلام ، التى ألمَّت بها ، وخطف آسرًا قلب الجدة التى انتفضت مرتعدة ، ومكثت تتمايل فى هدوء ، وخَفُت َصوتها إلى حد التمتمات الهامسة ،مصغية ومستمتعة بصوت بكاء الوليد ، الذى بشَّرت به القابلة وباركت :
- ولد .. ولد .. ولد .. يا فرحتي ،ألف ألف مبروك، يتربَّى فى عزكم .
وأطلقت زغرودة ، ابتسمت لها زوجة الابن المنهكة ابتسامة واسعة ، قضت على باقى أوجاعها ، وفتحت بابًا للراحة ، ولجت منه إلى سبات عميق ، بعد أن وضعوا وليدها فى حضنها .. يمص لبنها الريان ، والجدة فى نشوة تمايلت .. كطائر محلق فى الفضاء ، يزهوبسموه وتعاليه مرددة فى إنتشاء عميق :
- لما قالوا : داولد انشد حيلى واتسند .
ثم أسرعت إلى " أم رفعت.. الداية " تناولت الوليد حملته بين يديها وقالت :
- لك السيادة والقيادة يا أبا أبيك واسم جدك .. ياسيدى.
مخمورة بنبيذ الفرحة ، رقصت الجدة ، تمايلت بالوليد كشجرة أثقلتها الثمار، فمالت أغصانها مزهوَّة بيانع الثمر ..وكثرته.. وتزاحمه بين الفروع ، والأوراق ، دبت الأرض بقدمها بقوة ، وجلْجلت حنجرتُها بالصّياح :
- رَجُلِى .. رَجُلِى .. رَجُلِى .. عينُ جدّه .. سرُّ جدّته .. وعماد أبيه وذراع أخيه .. ظل إخوته .. بوركت ياسيدى .
وتناولت عصاها ، رفعتها فى فضاء المكان ، وذابت منصهرة فى رقص ليّن ، راح يحمو تدريجيا ، وصل ذروته ، وهى تدبُّ بقدمها الأرض ، وتضرب الهواء بالعصا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...