ظافر الجبيري - في انتظار عبدالله

إلى أبي في ذكرى رحيله الـ 27



باغتي سؤاله ،أعادني من طرق بعيدة وصلتُ إليها .. التفتُّ إليه جالساً بجواري على نفس الخط من الكراسي المرصوصة على جانب الممر المزدحم بالداخلين والخارجين من العيادات .. وجه أصابته السنون بسهامها ، لحية بيضاء طويلة في وقار ، الممر مليء بأقدام تدبّ الهوينى، وأخرى سريعة، وثالثة تتوقف فجأة بوحي من مؤخرات تسدّ الممر، تتوقف الحركة ، فلا فارق كبيراً بين الجالسين والعابرين رؤوس حمراء وبيضاء ، أجسام سوداء بالكامل أجساد تقف ، تتحرك ببطء ..

شريط ضيق مليء بالإنسان في أعمار يكشفها الوجع ..

كانوا خيالاتٍ تعبر أو تملأ فائض النظر في عينيه ، خيالات تنوس مبهمة تتجه لأمكنة أخرى لا تعنيه ...يواصل النظر فيمن ليسوا سوى ظلال تعبر!

فوجئت بسؤاله لي .. ربما كنت الأكثر إصغاء للعمر في داخله وقد تنامى عمراً حملني إلى أب رحل دون أن تدلف قدماه مشفى أو تلمسَ صدرَه سماعةٌ طبيب هادئة ،رحل عن الدنيا واقفا ..قبل عقدين ونيف.

يسألني العجوز بجواري : "لماذا نحن هنا؟"

لماذا أنا هنا بالفعل؟ ..تراجعت إلى الداخل.. وأشرتُ – ضاحكاً في سرّي - إلى عيادة النساء أمامه مباشرة. تراءت لي علاقة ما بين مشكلتنا في هذا الممر الضيق ، وبين اللوحة التي لم يكن العجوز ليراها ، ولم ير بالطبع البطون المنفوخة والرجال الداخلين مطأطئين أو ملثمين مع نسائهم أو مادين كروشهم نحو الفراغ !

تبسّم شابٌّ بجواري من حركة يدي ، واصل الشايب إشارته للعيادات بحركة من عصاه :

- "وهذي ؟"

- "عيون "

- "وذِه؟"

-أنف وأذن وحنجرة"

-"بُنجرة ... وتيك؟"

- تيك ، الله يسلمك ، المخ والأعصاب "

هنا صمت عن المزيد، وأرسل بصره في الفراغ .. أصاخ لذكريات قديمة تمر به أو تحدث أمامه للتو .. لم أكن المقصود بأسئلته لكن اللعبة الزمنية أعجبتني .

بعد قليل ، لكزني بيسراه ، وصاح بتثاقل :

" عبد الله ، هيا نروح!"

تذكرت اسمي بصورة ما ، فلزمتُ مكاني ، ولمحتُ أحدهم من بُعد عدة أمتار يحرضني على تمرير الأمر لأجل السن والشَّيَبَات التي تُساقطُ عمْراً جنياً . عاود تثبيت نظراته في اللاشيء، كيف يتذكر الكثير، وقد نسيتُ أنا القليل؟

ولأنه واصل الصمت، فقد تأكدتُ أنه لن يلحظ كثيراً أيَّ يد تقوده إلى داره ، يد عبدالله .. أو يدي !

هل يمكنني أن أعود اليوم إلى داري مسنداً ذراع أبٍ طال رحيله !

الشاب بجواري عاد للتشاغل بما في يده، لكنه، في إصغائه ،ظلّ منتظرًا إلى أين تصل معركة الذاكرة بيني أنا والعجوز .

كان صامتاً كواحد من جيل مستقل عما حوله، لكنه يتسمّع إلى ما يدور،

عاود العجوز يسأل:

" هُو رجع غِرمان من الحج ؟" لو سكتنا لأجاب شهرُ رجبٍ عنّا، واصل بصوت حزين:

" الله يسامحه ظاهر الدنيا وباطنها !"

تبادلتُ و الشاب نظرات خاطفة، وبضحكة كأنما كانت متفقاً عليها في وقت واحد بيننا، قلت:

-" استلم المهمة، أنا ذاهب "

-"إلى أين ؟"

- "سأبحث عن أية عيادة تدعوني!

سأبحث عن رقم وعيادة وبعدها عن مفتاح وطريق !

دحرجتُ خطوي عبر الممر مخلفاً ورائي رجلًا قاربَ القرْنَ من العمر.. استمتعتُ بلعبةٍ مفاجئة كشفتْ خواء ذاكرتي، لم أكن سعيداً بها، بقدر تأكدي من أن اسمي ليس عبدا لله !

كان نسياني يتحرك دون اتجاه، بينما العجوز بقي صامتا ينتظر عبدالله الذي ليس أنا.. كان بلا ذاكرة حاضرة ، كان منقطعا عن الحاضر .. بينما كنتُ في حاضر هشّ, أسير وراء ممرضة تحمل أوراقاً تشبه أوراقي، وتغمغم باسم يشبه اسمي.



2009م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...