الاستاذ الدكتور عمر الطالب 1932-2008 (توفي يوم 21-11-2009 اي في مثل هذا اليوم قبل 13 سنة رحمه الله) استاذي درسني مادة الاقتصاد في الاعدادية الشرقية وكنت احبه كان استاذا متميزا وكان الرجل يحبني وكنت متفوقا في درسه وبعد ان انتقلنا الى جامعة الموصل هو استاذ في قسم اللغة العربية وانا استاذ في قسم التاريخ اصبحنا زملاء وكان يستكتبني لجريدة الحدباء 1979-2003 ولمجلة الجامعة الموصلية وقد استمرت علاقتنا الى وفاته .. وبعد ان اطلق تلميذه الاستاذ توفيق حسين موقعا الكترونيا بأسم الدكتور عمر الطالب عاونته وكتبت العديد من المقالات والشهادات بحق استاذي ومعلمي كما وفرت له موسوعة الدكتور عمر الطالب (موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين ) الكترونيا وتم رفعها على النت.
في الموقع لفت انتباهي ان الاستاذ الدكتور عمر الطالب كتب قصة عن نفسه بعنوان : (المسكون ) ، ويبدو انه كتبها استجابة لطلب احد طلابه ولم تكن للنشر وهي لاتزال بخط يديه ومع انني اعرف الكثير مما ورد في هذه الاعترافات الا انها اعترافات رائعة كتبها اواسط التسعينات وخلال فترة الحصار الجائر على العراق واحببت ان تكون في متناول الاحبة وقد هيأت لحلقة من برنامجي التلفزيوني اليومي (موصليات ) الذي يبث من على قناة (الموصلية) الفضائية.
يقول الدكتور عمر الطالب في قصته (المسكون ) بالحرف الواحد: " لم يعد العمل الجامعي بالنسبة لي مغريا .تحول الى دراسة ثانوية .الكتاب المقرر ، والمعلومات المعادة ، الخلو من الابداع أو شحذ القابليات والطالب الجيد هو الذي يحفظ ما في الكتاب المقرر .لايحس الانسان انه في جو علمي وانما في مصلحة تجارية .كل العاملين في الكلية يسعون الى تحقيق مصالحهم الخاصة وزيادة ارباحهم بوسائل منفرة ابعد ما تكون عن الروح العلمية .لا احد يحدثك بالعلم او الثقافة اذا ما جلست الى زميل حدثك عن الاسعار وتوفر السلع او فقدانها من السوق ، واضحى للطلبة اعمال يولونها جل اهتمامهم واصبحت الدراسة والتعلم مسائل هامشية واضحت قيمة الطالب بقدر ما يستطيع تقديمه من خدمات او سلع او رشوة ..الفساد دب في كل شيء ..فاحت رائحة العفن وصارت تزكم الانوف ..كنت غريبا عن الجو كله مغتربا قي داخلي عن مجتمعي .قضيت عمري في الدراسة والقراءة والتأليف ،امضيت سبعا واربعين سنة في مهنة التدريس الفت اكثر من عشرين كتاب لم توفر لي موردا يجعلني اتفرغ للكتابة كما يحصل في الغرب ..الا انها حققت لي الراحة والاطمئنان عند كتابتها ..الفت كتبا اخرى وضعتها في الدرج .ما فائدة النشر اذا لم تجد احدا يقرأ .شغل حب المال الناس واذا وجدوا فراغا من الكدح انصرفوا الى المسكرات او التلفزيون او ايقاع بعضهم بالبعض الاخر ..ابعدني جو الصراع هذا من اجل الصراع عن بؤرة الحياة المعاشة .آمنت دائما بمبادئ تخالف المبادئ السائدة.
لم أتزوج حرصا مني على الا ييشغلني شيء عن المعرفة .لم يهمني المال يوما اكثر من حاجتي ،حاجتي محدودة جدا ..لإصابتي بضغط الدم وامراض في القلب ،مات فيه أبي واخوتي ..بقيت وحيدا ليس لي من اقارب الا الابعدين ،منشغلين بجمع المال وتنمية ثرواتهم .لا أراهم الا في المناسبات القليلة التي اقلعت اخيرا عنها .لي عدد محدود من الاصدقاء ، اجلس واياهم في مقهى في فترات متباعدة .
في شؤون الدار هناك امرأة كهلة تدير شؤون الدار وهي تقدر حاجتي لعملها عندي ما يزيد على الربع قرن ولم تتركني على الرغم من احوالها المعيشية الجيدة بعد ان كبر اولادها واحترفوا اعمالا رائجة في السوق وتعد وصية امي لها قبيل وفاتها بإستمرارها على العناية بي عقدا تعهدت به لأمي التي ماتت حزينة من اجل وحدتي، حتى داري الذي اشدته منذ اربعين سنة وكان محجا لمثقفي المدينة تعقد فيه الندوات والمناقشات بقي على حاله لم اغير فيه شيئا ..غرفة نومي هي هي مذ كنت طالبا ..شيء واحد في الدار خلوه من امي التي كانت ماتت منذ عشرين سنة ،وخلوه من المناقشات الادبية عندما منعتني السلطة من تواجد اكثر من شخصية في الدار متهمة اياي ببث مبادئ جديدة مناهضة لسياسة البلد.
لم اقتن سيارة لأنني اكره السياقة وافضل رياضة المشي .لم احب المظاهر يوميا .اميل الى البساطة في كل شيء ،فأضحت حياتي بسيطة متطلباتها محدودة جدا ..يفيض ما لدي من رصيد في المصارف عن حاجتي ،ما يسبب لي قلقا لزهدي في الحياة وعدم اكتراثي بها ولا مبالاتي تجاه الاشياء .لا شيء يهمني الا القراءة وكل ما عدا ذلك باطل لا قيمة له في نظري ،حتى ان احب طلبتي لي وايثارهم اياي على غيري من اساتذتهم لم يشغلني كثيرا مثل غيري واعده امرا عديم الاهمية ما دام الطلبة لا يهتمون بالعلم ولا يبغون غير الشهادة التي ما عادت تطعم خبزا بعد ان تدنت المرتبات واصبح دخل عامل بسيط افضل بكثير من دخل موظف".
رحمك الله استاذنا الدكتور عمر الطالب عرفناك زاهدا وعرفناك محبا للحكمة والمعرفة وعرفناك محبا للمبادئ وعرفناك انسانا بعيدا عن مغريات الحياة وملاهيها وخزعبلاتها عرفناك انسانا مستقيما نظيفا نزيها صادقا مع الله ومع نفسك ومع الناس عرفته منذ ان درستني سنة 1962 أي قبل 56 سنة استاذا صريحا محبا رحمه الله برحمته الواسعة.
أ. د. إبراهيم خليل العلاف - أستاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل
في الموقع لفت انتباهي ان الاستاذ الدكتور عمر الطالب كتب قصة عن نفسه بعنوان : (المسكون ) ، ويبدو انه كتبها استجابة لطلب احد طلابه ولم تكن للنشر وهي لاتزال بخط يديه ومع انني اعرف الكثير مما ورد في هذه الاعترافات الا انها اعترافات رائعة كتبها اواسط التسعينات وخلال فترة الحصار الجائر على العراق واحببت ان تكون في متناول الاحبة وقد هيأت لحلقة من برنامجي التلفزيوني اليومي (موصليات ) الذي يبث من على قناة (الموصلية) الفضائية.
يقول الدكتور عمر الطالب في قصته (المسكون ) بالحرف الواحد: " لم يعد العمل الجامعي بالنسبة لي مغريا .تحول الى دراسة ثانوية .الكتاب المقرر ، والمعلومات المعادة ، الخلو من الابداع أو شحذ القابليات والطالب الجيد هو الذي يحفظ ما في الكتاب المقرر .لايحس الانسان انه في جو علمي وانما في مصلحة تجارية .كل العاملين في الكلية يسعون الى تحقيق مصالحهم الخاصة وزيادة ارباحهم بوسائل منفرة ابعد ما تكون عن الروح العلمية .لا احد يحدثك بالعلم او الثقافة اذا ما جلست الى زميل حدثك عن الاسعار وتوفر السلع او فقدانها من السوق ، واضحى للطلبة اعمال يولونها جل اهتمامهم واصبحت الدراسة والتعلم مسائل هامشية واضحت قيمة الطالب بقدر ما يستطيع تقديمه من خدمات او سلع او رشوة ..الفساد دب في كل شيء ..فاحت رائحة العفن وصارت تزكم الانوف ..كنت غريبا عن الجو كله مغتربا قي داخلي عن مجتمعي .قضيت عمري في الدراسة والقراءة والتأليف ،امضيت سبعا واربعين سنة في مهنة التدريس الفت اكثر من عشرين كتاب لم توفر لي موردا يجعلني اتفرغ للكتابة كما يحصل في الغرب ..الا انها حققت لي الراحة والاطمئنان عند كتابتها ..الفت كتبا اخرى وضعتها في الدرج .ما فائدة النشر اذا لم تجد احدا يقرأ .شغل حب المال الناس واذا وجدوا فراغا من الكدح انصرفوا الى المسكرات او التلفزيون او ايقاع بعضهم بالبعض الاخر ..ابعدني جو الصراع هذا من اجل الصراع عن بؤرة الحياة المعاشة .آمنت دائما بمبادئ تخالف المبادئ السائدة.
لم أتزوج حرصا مني على الا ييشغلني شيء عن المعرفة .لم يهمني المال يوما اكثر من حاجتي ،حاجتي محدودة جدا ..لإصابتي بضغط الدم وامراض في القلب ،مات فيه أبي واخوتي ..بقيت وحيدا ليس لي من اقارب الا الابعدين ،منشغلين بجمع المال وتنمية ثرواتهم .لا أراهم الا في المناسبات القليلة التي اقلعت اخيرا عنها .لي عدد محدود من الاصدقاء ، اجلس واياهم في مقهى في فترات متباعدة .
في شؤون الدار هناك امرأة كهلة تدير شؤون الدار وهي تقدر حاجتي لعملها عندي ما يزيد على الربع قرن ولم تتركني على الرغم من احوالها المعيشية الجيدة بعد ان كبر اولادها واحترفوا اعمالا رائجة في السوق وتعد وصية امي لها قبيل وفاتها بإستمرارها على العناية بي عقدا تعهدت به لأمي التي ماتت حزينة من اجل وحدتي، حتى داري الذي اشدته منذ اربعين سنة وكان محجا لمثقفي المدينة تعقد فيه الندوات والمناقشات بقي على حاله لم اغير فيه شيئا ..غرفة نومي هي هي مذ كنت طالبا ..شيء واحد في الدار خلوه من امي التي كانت ماتت منذ عشرين سنة ،وخلوه من المناقشات الادبية عندما منعتني السلطة من تواجد اكثر من شخصية في الدار متهمة اياي ببث مبادئ جديدة مناهضة لسياسة البلد.
لم اقتن سيارة لأنني اكره السياقة وافضل رياضة المشي .لم احب المظاهر يوميا .اميل الى البساطة في كل شيء ،فأضحت حياتي بسيطة متطلباتها محدودة جدا ..يفيض ما لدي من رصيد في المصارف عن حاجتي ،ما يسبب لي قلقا لزهدي في الحياة وعدم اكتراثي بها ولا مبالاتي تجاه الاشياء .لا شيء يهمني الا القراءة وكل ما عدا ذلك باطل لا قيمة له في نظري ،حتى ان احب طلبتي لي وايثارهم اياي على غيري من اساتذتهم لم يشغلني كثيرا مثل غيري واعده امرا عديم الاهمية ما دام الطلبة لا يهتمون بالعلم ولا يبغون غير الشهادة التي ما عادت تطعم خبزا بعد ان تدنت المرتبات واصبح دخل عامل بسيط افضل بكثير من دخل موظف".
رحمك الله استاذنا الدكتور عمر الطالب عرفناك زاهدا وعرفناك محبا للحكمة والمعرفة وعرفناك محبا للمبادئ وعرفناك انسانا بعيدا عن مغريات الحياة وملاهيها وخزعبلاتها عرفناك انسانا مستقيما نظيفا نزيها صادقا مع الله ومع نفسك ومع الناس عرفته منذ ان درستني سنة 1962 أي قبل 56 سنة استاذا صريحا محبا رحمه الله برحمته الواسعة.
أ. د. إبراهيم خليل العلاف - أستاذ التاريخ الحديث المتمرس - جامعة الموصل