ليلى تباني - شيء من عطر أمّي ...ج(6) زفاف فالة والمسّادنات

(6)


زفاف فالة والمسّادنات

من ذا الذي لا يعرف السويقة؟ تلك الحارة الضيقة التي تختبئ فيها أسرار قسنطينة، وتشهد جدرانها على ضحكات الجدات وزغاريد النساء… وهناك، في ديار عرب العتيقة ، بدأت حكاية المسّادنة ، تلك الكلمة الغريبة على من لم يسكن قسنطينة في زمن مضى ، في الحقيقة الكلمة حكر على سكان أهل المدينة العتيقة ، حيث سكن الأتراك ،فكلمة" مسّادنة " أصلها تركي نسبت لاستعمالها العربي ، فمسّادنة تعني مستأذنة ، تُسْتَأْذَنُ في المناسبات ويؤخذ بمشورتها ورأيها ، وتُختار المسّادنات من النساء الوقورات الحاذقات الفصيحات التي تتميّز بالحكمة وحلو اللسان ، من أجل دعوة الأهل و الأقارب والجيران لحضور المناسبات السعيدة ، وماذا أقول عن مسّادنة قسمطينة ، التي تحظى بالتبجيل والتقدير وتُسْتَقبل بالورد والزّهر .


اقترب موعد زفاف " فالة" بنت لاّ العطرة ، فبعد أن سعت العطرة في علاج ابنتها بفكّ سحرها بدار موسى بحري ، ورمت نشرتها من على جسر سيدي مسيد ، سهّل الله في شفائها ، وجعل بركات سيدي محمّد لغراب تحلّ عليها وعلى دار العطرة قاطبة ، رأت الأخيرة ألاّ مجال لتأخير موعد الزفاف لأشهر أخر ، اتّفق الرجال على الصداق أو ما يعرف باللهجة المحلّية ب"الشرط" ، ومنح أهل العريس عروسهم هدايا تليق بابنة الحسب ، فكان جهازها مزدان بالذهب على مختلف تشكيلاته ، أمّا الثياب فكانت من نصيب أمّي البارعة في التفصيل والخياطة .
لا أخفيكم أنّ جلّ العائلات في قسمطينة ومنذ زمن بائد تركّز على زيّ العروس ، فيرتكز جهاز العروس أو ما يعرف ب" الشورة" على السبع قنادر والقندورة باللهجة المحلّية هي فستان مصمّم تصميما يبرز جمال المرأة ويزيد في أناقتها ، فالسبعة رقم ارتبط ارتباطا وثيقا بقسنطينة،فاسمها من حروف سبعة، وجسورها سبعة، وأبوابها سبعة، ومغاورها سبعة، وعيونها الكبيرة سبعة ، فلا غرابة بأن تّزفّ في سبعة أيام بلاياليها ، ولا مفرّ من أن تخاط للعروس من الفساتين سبعة ، أهمّها قندورة الفتلة و قندورة المجبود الفرقاني ، التي فرضها الفرّاض وطرّزت بخيوط الذهب على قماش المخمل الجنوة ، تمّ الاشتغال عليها في ورشة اليهودي " غوزلان " الذي كان يشتغل في التطريز قريبا من درانا ، أمّا قندورة لحرير و قندورة لقطن و القندورة الكحلة والقندورة الوردي فعكفت أمّي على خياطتها وتطريزها بمساعدة بنات الدار ، لكثُر ما تردّدت أمّي والنسوة إلى دكاكين بيع لوازم التطرز والخياطة من أجل استكمال الجهاز في أوانه .
ذات مساء بينما كانت أمّي تشتغل على آخر التعديلات في فساتين العروس ، سمحت لنفسي بأن أسألها عن باقي الفساتين :
ـــــ أراها أربعة فساتين يا أمّي ، فأين البقية ؟ ألم تقل اللاّ العطرة بأنّ العروس ستخرج بسبعة فساتين ؟
ابتسمت أمي ابتسامة عريضة نمّت عن بهجة تختلجها ، والحقّ أنّني كنت مبتهجة لبهجتها ، وأتصيّد الفرص كي أصنع أفراحها ، وأخرجها من حزنها ما استطعت ، وها أنا أوفّق اليوم ، نظرت إلي وقالت بنبرة جدّ :
ـــــ كَبُرْت يا فلّة ، وصرت تقدّرين الأمور جيّدا ، نعم معك حق ، أنا تكفّلت بالفساتين الأربع كهدية مني للعروس ، فللاّ العطرة أفضالها علينا كثيرة وهذا أقلّ ما يمكن أن نقدّم لها ، أمّا القندورة البيضاء فهي خاصة بزفّة العروس ، وستتكفّل بها أم العروس شخصيا .
زادني كلام أمّي شجاعة للخوض في الموضوع ، فتماديت في السؤال ، ورحت أسألها عن سبب تنويع الألوان وخامات القماش ، ربتت أمّي على كتفي ، وقالت متنهّدة :
ــــ في زمن بهيج مثل هذا ، سيكون زفافك يا ابنة قلبي ، سوف أخيط لك من كل الألوان و الأقمشة ، هو يوم المنى أن أراك عروسا ، أمّا الألوان فكلّ لون مخصص لأوانه ، ترتدي العروس قندورة المجبود في ليلة الحنّاء ، وتخرج من بيت أهلها إلى بيت زوجها في الفستان الأبيض ، وتلبس القطني في السهرة ، وترتدي الفستان الوردي في صباح اليوم الموالي عندما تستقبل الغداء الذي يحضره أهلها احتفاء بها ، ثمّ تتصدّر بارتداء قندورة الفتلة .
قمت ممتلئة حدّ الانتشاء من كلام أمّي ، بعد أن عرفت قيمة التنويع في اللباس عند المرأة القسنطينية .

أسبوع واحد يفصلنا عن موعد الزفاف ، هاهي العطرة تقبل على بيتنا ، وتحدّث أمّي بشأن دعوة الأقارب والجيران لحضور الزفاف ، أراها تكلّف أمّي بتلك المهمّة ، كأنّ أمّي تتمنّع ، فتضرب العطرة كفٍّ بكفٍّ ، و تصر عليها قائلة :
ــــ من لي غيرك من النسوة يا خيرة ، أكثر لباقة وطلاقة ، وخفّة روح ، فأنت الأنسب كي تكوني " مسادنة " عرسي ، الظرافة ولعرافة وحلاوة اللسان .
قبلت أمّي أن تكون مسّادنة رفقة اللاّ زهور ، و شرعتا في دعوة الأحباب في اليوم الموالي ، حصل أن رافقتهما ، وقد نلت رفقتهما ما نلت من تبجيل ودلال ، كنّا كلّما وطئنا عتبة البيت الذي نقصده ، تستقبلنا النسوة بالزغاريد و بيدها مرشّ ، فتوسعنا رشّا بماء الزهر والورد ، ولا نغادر البيت الذي قصدناه ، إلاّ وقد تناولنا القهوة والمقروظ أو الغريبية ، وتُملأ جيوبي بالحلوى والتمر .

تمّت دعوة كلّ الأحباب ، وكان يوم الأربعاء ، صبيحة خصّصت لحمّام العروس ، استيقضت النسوة باكرا ، وجمعت لوازم الحمّام ،"السّابّة " و "الكفاتيرة " ، و "الطفّال " و" الطّاسة " و "الفنيق " و " الفوطة" .... استعدّت كل نسوة الدار للذهاب مع العروس ، ولم يبق في الدار سوى العطرة تحرسها وتكمل بقية التحضيرات ، التحفت النسوة بالملاءات السوداء عدا العروس التي تفرّدت بارتداء " الحايك" الأبيض ، وبينما هنّ يقبلن على الخروج هرولت أمّي إلى غرفتها ، وخرجت وهي تحمل قارورة ، دسّتها في سابّة العروس ، وقالت بصوت خافت ، كأنّها تسرّ لها:
ــــــ هي قارورة مستخلص العطرشة ، قطّرتها من أجلك ، لا بدّ أن تجعليها آخر ما تغتسلين به ، فأنت عر وس ، ولا بدّ لك من تعطير جسمك .
طأطأت فالة رأسها خجلا ، وقبّلت أميّ وهي تسدي لها الشكر والامتنان ،ثمّ قالت :
ــــــ تعيشي يا للاّ خيرة ، نردولك خيرك في فرح كمال وفلّة .

خرجت النسوة متجهات نحو الحمّام ، ترافقهنّ زغاريد توحي بأنّ من يخرج هو موكب عروس ، وفي تلك الأثناء وقفت العطرة عند باب مخرج الدّار وقالت مباهية :
ـــــ وجهتكنّ معروفة أيّتها النسوة ، فلا يمكن لبنت العطرة إلاّ أن تستحمّ في حمّام " بن نعمان" بحارة السيدة ، وقد أوصيت بتجهيزه ، و أوصيت صبية الحمّام بحراسة الفنيق ، بنتي تحنّي بالفقيرات ونعمللها "مقْيَل " بالبنوتات . 1

1ـ السابّة : قفّة من السعف لحمل أغراض الحمّام
الطفّال : وعاء نحاسي يستعمل لتحضير الطفل وهو عبارة عن مزيج من الصلصال والصابون ، لفرك الجسم والشعر .
الكفاتيرة : وعاء نحاسي للاغتسال
الطّاسة : آنية نحاسية لحمل الماء
الفنيق : صندوق لحفظ المجوهرات والمال .
الفوطة : قطعة قطنية من القماش تستعمل لستر الجسد في الحمام .
البنوتات : فرقة تشبه الفقيرات لكنّها تستعمل الآلات الموسيقية في الغناء مثل الكمانجة والعود .
المَقْيَل : هو جو بهيج من الطرب والموسيقى يقام لإحياء الأفراح خاصة زفاف العروس ويكون عادة بعد الزوال في وقت القيلولة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...