إلى " مقيم" على الغربة
اقترب من سيارة فارهة كتلك التي تزور الناسَ البسطاء في أحلام اليقظة، انتظر انفراجَ الزجاج، مدّ يدَه وفي شفتيه عبارة أو عبارتان تشبهان الدعاء بالخير.
في الثواني القليلة التالية توارى الكلام، وأنصتت الكفُّ الممدودة انتظارًا، اطمأنّ والرجل يبحث بين أشيائه باهتمام، ها هو يشدّ بإصبعيه على بضعة قروش، وحين قبضَ الفتى عليها بحرص، بانت الغربةُ كتلةً غامضة، وبدا التعبُ مرتهنًا إلى نظرات صافية في عينيه، حاول الرجلُ تبديد ما أمكن:
- ما اسمك؟
- .....
-تدرس؟
-لا.
رآه يستحق الصف الخامس أو السادس، فأخرج له ورقة حمراء، برقت عينا الصبيّ، ودوّت في قلبه أفراحُ أسرته حين يعود إلى البيت، أما العودة إلى الوطن ،فقرار الأب، بعد مشاهدة الأخبار وتطمين القنوات.
لا زال واقفًا يأسره العجزُ عن شكر صاحب السيارة الذي فاجأه:
- هذي بشرط؟
- ما هو يا عمّ ؟
- تدرس!
- كيف؟
- أليس مسموحًا (لكم) بالدراسة؟
- كنت أدرس عندكم هنا في الحي.
- الشرط ... كلّم الوالد يعيدك إلى المدرسة.
وعده محرجًا بـ: "حاضر" ، و مازال منتشيًا بالورقة الكبيرة التي تشبه كلَّ الفرح.
بعد أسبوع، رآه صباحًا في المكان عينه، عليه الثياب ذاتها، اختفى سريعًا وراء سيارة قريبة.
هكذا الصغار، تخذلهم الوعودُ التي يقطعونها، سيكبرون على أيّة حال، وستختبرهم الحياة ويختبرونها مرّات ومرّات. طال اختباؤه، فأحبُّ الرجلُ صدقَه، وفي هذه المرّة، نزل من سيارته ، وذهب إليه بنفسه.