هوشنك أوسي - المطرود...

عِشتُ في مدينةٍ عتيقة ٍعلى تخومِ النَّدم.
هامَ اللّيلُ برسمها، وأفسدَها فَجرُها.
كأيّ مراهقٍ، فشلَ في الدِّراسةِ، عَملتُ في مَخبز.
أرقّقُ كراتِ العجينِ، أحوّلها إلى أرغفة.
أنقلُ الخُبزَ السَّاخن إلى منازل الأغنياء.
تفتحُ لي نساؤهم وفتياتهم الأبوابَ.
تندلقُ عطورهنّ كسياطٍ من لهبٍ، وتضربُ قلبي الفقير.
بيدٍ راعشةٍ خجولةٍ مذعورة، لئيمة وشهوانيّة،
أناولهنَّ الأرغفة.
تصفعني الدَّهشةُ على خدَّيَ، فأغيبُ عن التَّردُّد.
تجرّني الرَّغبةُ إلى الدَّاخل، كتيسٍ عنيد، وتَصفقُ الأبوابَ خلفي.
أحببتُ مِهنتي كثيرًا.
علّمتني أنَّ مذاق النّساء مُختلف.
أجملهنَّ اللاتي يشبه مذاقهنَّ طعم الخبز السَّاخن،
يلتهمهُ طفلٌ مشرّدٌ يتضوّر.
أحبّتني مهنتي.
فتحتْ لي أبوابَ النّساء، وأزارَ قمصان وفساتينهن.
صرتُ أتخيّل كراتِ العجين نهودًا،
أرقّقها، وأرسل قلبي معها إلى بيت النَّار.
طُرِدتُ من مهنتي،
حين تحوّلتُ إلى فحجم حجري، باشرَ كتابةَ القصائد.
***
شكراً لمجلاّت الموضة.
دفعتني نحو العمل لدى خيّاطٍ نسائي.
افتعالُ الخَجلِ، مهنةٌ لا يتقنها إلاّ مَن كان مِن نسل الحجر.
ما عدتُ مبتدئًا.
آخذُ مقاساتِ فستانين النّساء.
أقيسُ وأقيس...
ارتفاعُ الصُّدور، ضيقُ الخصور، عرضُ الأوراك، الطُّول، عرض الظهر...
يدي التي تتحسَّس التّفاصيل، تُطعمُ خياليَ عسلَ الجحيم.
لساني يلهج بالاعتذارات المفتعلة،
ويداي يقودهما جيشٌ من الشَّياطين.
ارتطامهما بالأرداف، النّهود، الأكتاف،
يقدحُ ماساتٍ تؤجّج زوابعَ الرّغبة في الأفئدة والأغوار.
ارسمهنَّ بحبرِ الاشتهاء.
الفستان الأوّل الذي خُطته، كان لزوجة الخيّاط.
الثّاني، لابنته.
الثّالث لعشيقته.
أفتحُ مجلاّت الموضة للزّبائن.
كخليعٍ آتٍ من قصيدةٍ خليعة، أحدّثهنّ عن الموديلات.
مع أخذي المقاسات،
أعرضُ عليهنّ بضاعتي من الكلام واللّمسات.
أروعُ شيءٍ في تلك المهنة؛ البروفة.
الفستان واسع ناحية الصدر؛ تقول زبونةٌ كعودِ الخيزران.
أشدُّهُ، فيشتدُّ أزرُ العاصفة في مكمنها.
أغرز الدُّبوس حيث ينبغي، ولا ينبغي.
أحسدهُ، ألعنهُ، وأشكرهُ.
أريدُ التّنورة أضيق، ناحية الورك؛ تقول أخرى.
أشدُّ القماش أكثر.
يشتدُ سيلُ الخيالِ أكثر.
الدُّبوسُ يعرفُ أين يشبك نفسهُ، برقّة وحنان.
معلّمي، يتابعني بحسد.
طردني؛ حين ضبطني مع زوجتهِ، أخيطُ فستانها،
داخل قصيدةٍ بألفِ جناح.
***
في مدينة نائيةٍ، نحتها الضَّبابُ على مقربة من البحر،
عَملتُ ساعي بريد، لستةِ أشهر.
أقودُ درّاجتي كلّ صباح، أوزّعُ الرّسائلَ على أصحابها.
تعرّفتُ على حسناواتٍ كثيرات.
صرتُ أكاتبهنّ، بأسماء وهميّة،
رسائلَ حبّ، شوق وافتتان.
العسلُ الذي أدهنُ به كلماتي،
دهنتُ بهِ أجسادَ بعضهن.
قلّةُ النّوم، كثرةُ الكتابةِ، شهِدا عليّ
حين ضبطني الضّبابُ متلبّساً بالجرمِ المعبود.
طردتُ من عملي، صِرتُ حديث الجرائد.
نسائي صرن يكاتبنني.
يتناوبن على زيارة ساعي البريد
الذي ما زال سجين قصيدته،
يكاتبُ النّساءَ من شرفاتِ النّصوص البعيدة.
***
على مقربةٍ من معبدٍ لطائفةٍ تقدّس النّحل،
عملتُ نادلاً في بار، يرتادهُ هاربون من أحكامٍ بالإعدام؛
أنبياء، كهنة، مشعوذون، سَحَرة، مُنجّمون، حثالة، فلاسفة وشعراء.
بارٌ بابهُ من خشب الجوز، مَنجورٌ على شكل فرجِ غزال.
الكؤوسُ المصنوعة من جماجم النّسور والطّواويس، أقدّمها للنّساء.
الكؤوسُ المصنوعة من جماجم التّيوس والأكباش، أقدّمها للرجال.
مع إكمال القمر استدارتهُ نحوي،
يهرعُ الرّجالُ إلى المعبدِ سكارى، وليسوا بسكارى.
أبقى وحدي مع النّساء.
أملأ كؤوسهنّ بالغيوم، ورؤوسهنّ بالقصائد.
علّمني الخمرُ أنّه كلّما ارتعشت امرأة من اللذّة،
ارتعشت الحياةُ وانتعشت.
كلّما ارتعشَ الرّجلُ مِن النّشوة، انتفض المجازُ، وخارَ السّؤال.
كنتُ نادلاً طيّعًا؛ كثيرُ الفعلِ، شحيحُ القولِ.
طردتني صاحبة البار، لسببٍ ما زلتُ أجهلهُ!
أحرقت البارَ والمعبد، بمَن فيهما.
أصبحتُ ملاحقًا، هاربًا من حكم بالإعدام،
أبحثُ عن معبدٍ لطائفةٍ تعبدُ الوردَ،
كي أبني قبالتهُ بارًا يرتاده هاربون من أحكام الإعدام.
***
بعد سبعة أعوام من الإخلاص والتّفاني،
أقالني الغيبُ من عملي منقّحًا أحكامهُ الطّائشة،
مصححًا أخطاءَ وعثراتِ احتلامهِ.
الغيبُ سيّدي الذي لم احترمه مطلقًا،
أجبرتني الأقدار على العمل لديه.
أرتّبُ مَصاحفه، أنجّدُ وسائدهُ.
ذلك المستبدّ الأناني، ملَّ منّي.
صارَ يضيقُ بقصائدي الطّويلة.
طردني من مجلسه.
فضّل أن يقضي المتبقّي من عمرهِ يتيمًا.
أدرتُ ظهري له.
منذ تلك اللّحظة، وأنا تائه؛
أحنَّ إلى الأيّام التي عملتُ فيها خبّازًا.

07/07/2021
أوستند - بلجيكا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...