مصطفى معروفي ــ إحسان عبد القدوس

ونحن في بداية العهد بالأدب وقراءته كان الأديب القاص و الروائي إحسان عبد القدوس حاضرا بقوة ،حضورا لا تخطئه العين،واسمه لامع يملأ السمع والبصر،ومع هذا الحضور و اللمعان كان الرجل عرضة للتنقيص والتقليل من الشأن عند طائفة تأكد الملموس فيما بعد أنها لم تقرأ إنتاجه أو أنهافقط كانت أذنا لما يشاع عنه من قبل خصومه من تشهير وتزييف لمواقفه ،وهي حملة في أساسها كانت تجنيا سياسيا لا أقل ولا أكثر،وحتى وصل الأمر إلى رفع سؤال في مجلس الأمة المصري إلى وزير الثقافة آنذاك بالصيغة التالية:
ــ كيف سمحت الحكومة بنشر قصة (أنف وثلاثة عيون) مع أنها مليئة بالجنس وتسعى إلى هدم المجتمع...
إلا أن رد الوزير كان في محله ويسير في خط المسؤولية وتبصر بالأدب وحقيقته فأوضح للسائل بأن الحكومة لا دخل لها في حرية الأدب..وعلى السائل إذا كان رأى في القصة ما يسييء للمجتمع فعليه إبلاغ النيابة بذلك وهي ستتخذ اللازم في حق القصة وفي حق صاحبها إذا ثبتت في حقهما الإساءة للمجتمع بالفعل,وما حدث بعد هذا هو أن خصوم الكاتب رفعوا شكوى للنيابة العامة ولكن الطريف هو أن بعد هذا اللغط حول القصة قامت الإذاعة بتقديمها كسلسة إذاعية،و أنتجت فيلما سينمائيا ،وبذلك جرت الرياح بما لا تشتهي سفن خصوم إحسان وطاب الرجل نفسا وخاطرا بالنتيجة.
إن النظرة إلى إحسان عبد القدوس ككاتب جنس هي نظرة قاصرة ومغرضة ،فهو كان أيضا كاتبا سياسيا بامتياز ،وتجلى ذلك في رواياته وقصصه ومقالاته بهذا الخصوص،ولنضرب لذلك أمثلة .
فرواية أو قصة (في بيتنا رجل )اتخذت من أسلوب الاغتيالات كتفكير إرهابي،وفي الأخير اتجهت اتجاه الثورة الشعبية أو ما يشبهه.
وفي قصة (شيء في صدري ) كان التركيز على المجتمع الرأسمالي ومسار تطور الطبقة الوسطى ونموها وتعارضها مع الطبقة البرجوازية في حدود ما قبل ثورة 1952.
وفي قصة (لا شيء يهم) وهي تركز على مرحلة حكم الثورة وتعدد مراكز السلطة فيها بحيث أثناء هذه المرحلة تشرذم المجتمع السياسي إلى فئات مختلفة ،منها الفئة الثورية بالفعل التي كانت تحمل المشعل بصبر وثبات،والفئة اللامبالية التي تركت الحبل على الغارب،والفئة الانتهازية التي رأت في الثورة فرصة لا تعوض لتحقيق آمالها.
وقصة(علبة من الصفيح)وهي تعبير عن جيل الثورة الذي تحول فيما بعد من مناد بالشعارات إلى جيل مدمن على الليالي الحمراء ،مع بقاء طبقة ثورية حقيقة لكنها بقيت على الهامش .
وحتى في القصص غير السياسية لإحسان عبد القدوس يلاحظ القارئ الفطن هذا التواشج المكين بين إحسان الأديب وإحسان السياسي،فمثلا البطل في قصة (النظارة السوداء)كانت له ميول اشتراكية ،بينما البطل في قصة (الخيط الرفيع) يتحول من مناضل اشتراكي صميم إلى مجرد شخص انتهازي.
إن إحسان في فترة ما كان مغموطا ،بسببب ما أثير حوله من نقاشات لمضامين قصصه وكتاباته ككل،مع أنه في الواقع كان قامة إبداعية فارهة لا يمكن تجاوزها بأية حال من الأحوال.واليوم يعيد البعض قراءته معتذرا له على حكمه المسبق ضده،والبعض يكتشفه من جديد أو لأول مرة،وكلاهما في نظري يمارس فضيلة التحلي بالمعرفة والتوصل إلى الحقيقة التي طالما ران عليها التجني وعدم الإدراك وياب الضمير الآمر الناهي.

تعليقات

تحية اخوية السي مصطفى،
في طفولتي كانت لدي حساسية ضد روايات إحسان عبدالقدوس، التي كانت توفرها لنا وقتذاك، مكتبة المكتب الشريف للفوسفاط مع مئات الكتب والروايات العربية والعالمية.. إضافة الى خدمات اجتماعية مجانية اخرى كالموسيقى والمسرح والرحلات، وقد قرأت عبرها كل كتب وروايات نجيب محفوظـ ويوسف إدريس، ومحمد عبدالحليم عبدالله، ويوسف السباعي، وسلامة موسى، وعباس محمود العقاد، وجبران، ومؤلفات المنفلوطي على وجه الخصوص، التي كنت مغرما بها.. وروايات المعسكر الشرقي، إلا روايات وقصص إحسان عبد القدوس ومن سايره في كتاباته العاطفية التي لم أقرأ منها ولا حرفا، لعدة دواع أهمها نشأتي في وسط عمالي متأجج بالصراعات النقابية، واحتدامها في اوقات كنا ندفع إليها في صراعات جانبية مع اولاد العمال المنتمين للاتحاد العام للشغالين، نقابة الادارة. الشيء الذي عمل على تبلور وعينا الطبقي في تلك الفترة المبكرة، وانجذابنا للفكر اليساري الذي كانت مدينة اليوسفية ابرز قلاعه، وشهدت انشاء فرع للحزب الشيوعي الفرنسي باواسط اربعينات القرن الماضي، قبل ان تجتاحها في وقت لاحق جحافل المد الاسلاموي المتطرف، وأمراء الجماعات التكفيرية الذين فرختهم احياء هذه المدينة المفقرة، وتسببوا في نفجيرات الدارالبيضاء الدموية. ولأن اسمه يحيل على إسم نسوي، ولأن التلميذات كن يقرأن رواياته بغزارة.. وكنت الاحظ أنهن يضممننها إلى صدورهن، ولا أدري لماذا كان يخيل إلي بأنه ولد مخنث تربى في كنف امرأة. دون أن اعي بان من ربتهم إناث هم في الغالب رجال أكفاء، تربوا على الشدة والحزم. خلافا لمن رباهم ذكور..
 
تحية طيبة السي المهدي:
الشخص الذي يريد أن يعرف ويسعى إلى تثقيف ذاته عليه أن يقرأ النصوص في مظانها ولا يكون أذنا ويصدق كل ما يسمعه،فإحسان عبد القدوس هو كاتب ومثقف رضينا أم أبينا والمفروض هو قراءته أولا ثم الحكم عليه وتصنيفه ثانيا،هذا إذا لمسنا في أنفسنا القدرة على النقد وكنا نملك أدواته و أسعفنا النظر إلى النصوص بموضوعية.
بالنسبة لي شخصيا فقد نظرت إلى إحسان في يفاعتي وسني تقريبا في حدود 14 أو 15 نظرة تبخيس وأنا لم أقرأ حرفا من نصوصه مع أنه كان اسما لامعا وسوق الكتاب لا تخلو من مؤلفاته،والسبب هو استماعي إلى شخص كنت أراه "كاتبا"وكان يقوم بالتنقيص من كتاب وشعراء منهم إحسان و أحمد شوقي،ولسذاجتي كنت أسايره فكان هذان الرجلان عندي لا يستحقان القراءة .لكن مع مرور الوقت بدأت تنجلي لي الحقيقة عندما اكتشفت بان الشخص الذي قام بالتنقيص ما هو إلا متهافت وأنه لا يعرف قواعد اللغة العربية ـ أقول لا يعرف حتى قواعد اللغة العربية ـ وحينها صار لا يقوم بتنقيص قيمة كاتب أمامي إلا اعتبرت ذلك منه تعويضا لنقصه وتنفيسا عن إحساسه بضآلة نفسه،وبالتالي صار تنقصيه من أي كاتب مدعاة لي لقراءة الكاتب إياه .
إننا حين نـتخذ من الكاتب أي كاتب موقفا ما مناوئا قبل أن نقرأه هو تجن في الحقيقة ومجانبة للصواب منا،وتحضرني الآن حادثة محاولة اغتيال نجيب محفوظ ،فعندما سئل المتهم في المحكمة هل قرأ نجيب محفوظ أجاب بالنفي ولكن من أرسلوه لاغتياله أخبروه بأن يستحق الموت بسبب كتاباته.
الطريف في ما يخصني هو أني فيما بعد صرت أقرأ إحسان وأقرأ شوقي بأريحية ومتعة وشغف لدرجة أن هذا الأخير كنت أكتب قصائده على اللوح وأقوم بحفظها ومنها قصيدة :ولد الهدى.
وللحديث بقية أخي الأستاذ السي المهدي.
محبات مولانا.
 
تحيات طيبات اخي مصطفى
ربما كان ذلك في فترة عمرية سابقة مدفوعا بفورة وجموح الصبا، وبنوع من الثورجية التي اكتسبت من قراءات في الفكر اليساري، وانت ادرى بالوضع العام السياسي والخط الايديولوجي السائد لسنين الستينات والسبعينات بالمغرب خصوصا حيث عرف ثورة ثقافية لن يشهد لها مثيلا، فكنت مثل أقراني أتحاشى قراءة كتب مصطفى محمود على كثرتها في السوق، والكتب الدينية بسبب توجهها الغيبي المتزمت والوعظي. وكنا وقتها نكره أن بعظنا احد، أو يمارس علينا سطوته الأبوية. وكنت اكره أشعار نزار قباني أيضا لأنه شاعر المرأة، وأحمد شوقي لأنه شاعر البلاط، ولانها تنفصل عن قضايا الشعوب التي خرجت مثخنة بالجراح مثقلة بالخيبات. مفضلا شعراء المقاومة لأن أشعارهم حية يؤججها الصراع والمعاناة مع المحتل، والشعراء المغاربة الشباب الذين خرجوا من جحيم انتفاضة مارس الحزبن، وتداعيات نكبة 67. محمد بنيس، عبدالله راجع، والخمار الكنوني، احمد المجاطي واحمد الجوماري، أحمد مفدي، محمد بنميمون والميموني، محمد الحبيب الفرقاني ومحمد عنيبة الحمري، والادب الملتزم بالقضايا الإنسانية مما توفره دار التقدم بموسكو التي كانت تعرض على قارعة الطريق بثمن زهيد. وهكذا كنا ننحاز لخندق وسبيل واحد في قراءاتنا نغديها بنقاشاتنا التي لا تنتهي. لإيماننا بان الكتابة من دون قضية هي تدريب على الانشاء كما يقولون.
الآن انتفت تلك المعايير واصبح الكل في سلة واحدة، واصبح السارق شريفا، والجلاد مواطنا، والخائن مناضلا..
 
مودات خالصات السي المهدي،
فترة الستينات والسبعينات كانت فترة أيديولجية بامتياز في المغرب ،بحيث كان الشباب المتؤدب منا إذا لم يكن له انتماء اشتراكي أو لم تكن له ميول اشتراكية يتم الغض منه بأساليب مختلفة،ولذا كان السبيل الوحيد أمامنا نحن الشباب هو مسايرة الموجة بالانتماء إلى تنظيم بأيديولجية اشتراكية أو إبداء ميل له أو تعاطف معه حتى لا نكون سابحين ضد التيار.وكانت قراءتنا أساسية ومنتظمة للكتب التي تتناول الاشتراكية أو الشيوعية بالدراسة والتنظير ،وكانت مثلا مؤلفات لينين وماركس ومن لف لفهما تباع في رواق الكتب بسعر التراب وفي متناول الجميع.كما كانت الكتب والمجلات التي تأتينا من الشرق العربي وخاصة العراق (افاق عربية ،الطليعة الأدبية ،الأقلام،وألف باء...الخ) وسلسة الموسوعة الصغيرة ما تكاد تنزل في الأكشاك حتى نكون قد تلقفناها بشراهة...فنحن كنا جيلا متعطشا للقراءة ونريد أن نطلع على الجديد في الثقافة بكل ما أوتينا من استطاعة.
وكانت دور الشباب دائما عامرة بنا،كما كانت مناقشات ما يروج في الساحة الثقافية تشهد علينا بها المقاهي في المدينة،مناقشات تبدأ لكي لا تنتهي كما يقول عنها صديقي الجميل عبد الرحيم جيران.
إنها فترة ذهبية بحق للثقافة المغربية،فقد كنا لا نفوت فرصة حضور قراءة شعرية لعبد الله زريقة أوإدريس الملياني أو عنيبة الحمري أو عبد الله راجع أو محمد...الخ او عرض مسرحي أوقراءة قصصية لبوزفور أو صوف ...الخ،وفي الواقع كان لا يشغلنا عن الثقافة والارتواء من معينها إلا النوم ليلا أو الذهاب مساء إلى أحد شواطئ البيضاء للسباحة.
سقى الله تلك الأيام ،فقد كانت أياما جميلة رغم ضيق ذات اليد ،فقد كانت صداقة المثقفين والاستماع إليهم ومناقشتهم يشعرك بأنك كائن حق ،وأن في الحياة شيء يستحق الانتباه مع الاعتذار للشاعر صلاح الوديع،وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة كما يقول الشاعر محمود درويش.
التحيات الزاكيات مولانا.
 
أخي العزيز السي مصطفى
تحية طيبة
عودا إلى موضوعك حول الروائي الكبير إحسان عبدالقدوس، فإني لا ازال احس بأسى شديد عن غروري ونفوري من رواياته التي أسرت وقتئذ قلوب أترابي من البافعين، وكان لي موقف منه ومنها من دون قراءتها، بالرغم من انها حولت الى أفلام سينمائية، إحسان الذي كان ينتمي لجيل كبير من الأدباء العرب، بقول عنه نجيب محفوظ أنه واحسان عبدالقدوس نشآ في منطقة العباسية وكانت بينهما علاقة عائلية وكان معجبا بشجاعته الادبية، وكان قاسم امين عصره، لموقفه الايجابي من المرأة .
ولأننا من جيل زعزعت عقيدته هزيمة 67 ، وما أعقبها من هزات في الوعي العربي، وما نتج عنها من أدب مغاير تماما للسائد والمألوف، فقد فضلنا عليه ما يلامس إحساسنا من أدب عربي وفرنسي ملتزم.. وترجمات الرواية الروسية لسامي الدروبي، وقبلهم استنباتات المنفلوطي للروايات الغربية المبللة بدموعه، المنفلوطي العظيم الذي أحببته ولا أزال احب جدا كتاباته لغناها اللغوي وتقويمه للسان القارئ.
 
أخي الأستاذ السميدع السي المهدي,
مرحبا بعودتك إلى موضوع الروائي الكبير إحسان عبد القدوس وأقول:
نحن جيل كان تبعيا حتى في المواقف السياسية و الأدبية وانعكست هذه التبعية حتى في القراءة،ولذا لاغرو أن نجد شبابا أمثالنا في تلك الفترة لا يقرأون لكتاب بعينهم لأن الرأي الذي سمعناه عنهم هم أنهم رجعيون أو انتهازين أو في أحسن الأحوال متذبذبون.وإحسان كان من جملة هؤلاء الكتاب المجني عليهم،والبعض كان منا فطنا فكان يقرأ ويتوصل إلى الحكم النقدي بنفسه ومن خلال قرائته لا غير ،والبعض كان يسمع ويطبق على قراءته للكتاب ما يسمعه فقط,فكاتب كبير بل وعظيم مثل مصطفى محمود لم يخمله فينا وعندنا إلا المبطلون ،وكاتب مثل مصطفى النهيري لم يهمل إلا للسبب نفسه،وكذلك المنفلوطي وجودت السحار وجودت صالح والقائمة تطول،والغشاوة لم ترفع عن أعيننا إلا بعد لأي من الزمن حينما انحسر تيار الأيديولجية الكاسح،وانجلت الأوهام وسقطت الأقنعة,وتمتع الأدب بشيء من الحرية والاستقلال،وصرنا نقرأ أدبا بالفعل لامناشير سياسية.
وعودة إلى إحسان عبد القدوس نقول بأنه كان مثار جدال ونقاش صاخب،ولم يكن هجوم النقاد عليه لوجه الأدب دائما ،فقد كانت هناك مآرب يريد المتهجمون عليه تحقيقها من وراء تهجمهم،كإثبات الذات مثلا ،ويكفي لهذا مقولة العقاد عن أدب الرجل بأنه أدب الفراش،بحيث إن هذه المقولة كانت كافية عند غير المتعقلين بأن تخمل إحسان في الناس ضربة لازب،ولكن القدر كان إلى جانب هذا الأخير فلم يخمل في الناس.وبالمناسبة فالعقاد من قبل أراد تحطيم قامة شعرية عالية جدا وهي أحمد شوقي ولم يتوفق وبقي شوقي في القمة.
التحيات الزاكيات مولانا.
 
التعديل الأخير:
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...