(١)
( المراهقة)
عندما غادرت فتاة أحلامي ذات يوم، لم أكن اتخيل انها راحلة إلى الأبد! خاصة إن بلدها بلد الثلوج ولا يمكن الوصول إليها مهما فعلت، كان حينها تفكيري وانا في الرابعة عشر من عمري، حزنت لسفرها كثيرا!! فقد كانت تصغرني بثلاث سنوات وتمتاز باللون الحنطي الروسي والعيون الخضراء و الشعر الذهبي الغامق!
عندما رحلت، رحلت معها كل أحلامي وبقيت ذكريات حي لينين السكني في مدينة صلاح الدين والشارع الذي كان ليس ببعيد عن سكني، وغادرت اسرتي مدينة صلاح الدين في العام التالي ولم تبق سوى ذكريات جميلة قضيتها مع تلك الفتاة الرشيقة والشقية والمرحة والجميلة في اللعب والزهو و حضوري السينما الروسية للخبراء السوفييت معها ومع الأصدقاء من العرب والسوفييت، ومرت السنيين وتغيرت الأحوال وبعد تسع سنوات أجد نفسي في بلد الثلوج وفي مدينتها تحديدا عاصمة أوكرانيا السوفيتية مدينة كييف ذات القبب الذهبية!!، حينها رأيت هناك الف فتاة وفتاة كفتاة أحلامي و سخرت من نفسي عندما ضاعت صورة فتاة أحلامي امام الكم الرهيب من جمال الاوكرانيات اللواتي بسببهن نسيت كل تلك المشاعر التي احتفظت بها منذ الطفولة لها!! يا اسفاه على صورة ذهنية تمنيت أن تبقى في خيالي أفضل بكثير من حقائق عشتها فيما بعد لم ولن تكون في صورة فتاة أحلامي التي مسحت تماما من ذاكرتي!
* ملاحظة: أحد الأصدقاء ونحن أطفال وجد صديقته أيضا في أوكرانيا عندما ذهب للدراسة بعدي بسنوات قليلة !! محظوظ
د عبدالسلام عامر
أغسطس ٢٠٢٤م
***
(٢)
( حكاية سندريللا فقم )
كنت بداية العام الدراسي ١٩٧٨م ١٩٧٩م بالصف الثاني اعدادي بمدرسة ١٧ أبريل في مدينة صلاح الدين، هذه المدرسة التي سميت تخليدا ليوم انتفاضة الصيادين وكان موقعها في قرية فقم الساحلية قرية الصيادين وبعد أن تم خروج تلاميذ مدرسة الزحف الأحمر من صلاح الدين وتحويلهم إلى النجمة الحمراء في لحج تم منح البنايات الخاصة بالزحف إلى التربية والتعليم وفيها درست من الصف السادس حتى ثاني اعدادي وكانت المدرسة الأولى في تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مدرسة مختلطة قبل أن يصدر قرار المدارس المختلطة، حيث كانت طبيعة سكان فقم وصلاح الدين قليلو العدد وبالتالي كان كل عام تقريبا فصل واحد فقط لكل مرحلة فتيات وأولاد، حيث كان الفصل الدراسي الذي كنت فيه اثنى عشر ولدا وثمان فتيات أي عشرون طالبا!
كنت في هذا العام حزينا، مع بداية العام كوننا استقبلنا العام بعد اغتيال حبيب الكادحين ونصير الفقراء رئيسنا الخالد سالم ربيع علي( بابا سالمين) وخصوصا غياب أحد أساتذة مادة الوطنية الأستاذ غرامة الذي دفع ثمن حبه وإيمانه الراسخ بالرئيس سالمين!!! وفي أول يوم دراسي، وانا في حالي قاعد على أرجوحة المدرسة (أرجوحة انجليزية) من بقايا الاستعمار البغيض الله يذكرهم بالخير، فجأة قعدت بجواري فتاة لأول مرة أراها في الفترة الصباحية أي طالبة في الصف السادس ولم اكن أراها لأنها كانت في فترة الظهيرة في العامين المنصرمين، فما ان شاهدتها خطفتني بروحها وجمالها ولهجتها (الفقميه) ووتقاطيع وجهها سبحان من صور نسخة مصغرة من ميرفت امين حرفيا كما اوصفها لكم! وفي سرعة بديهة مني قلت لها، من انتي؟ انسيه ام جنية؟! وكونها فتاة جريئة خبطتني بظهري وقالت؛ كيف تشوف الآن جنية ولا انسية؟! كانت بمثابة تعويض عن رحيل فتاة أحلامي الأوكرانية التي سبق وحدثتكم عنها في الحلقة الأولى!
هذه الفتاة الجميلة كانت مثل سحابة صيف عابرة عشت واياها حوالي ٢٠ يوما بالمدرسة أفضل أيام الصداقة البريئة حتى جاء خبر رحيلنا إلى المنصورة كالصاعقة، أثناء عودتي من المدرسة وجدت البيت خاليا من الأثاث فقد شحنهم اخي علي عامر والوالدة ولم أجد إلا اختي منتظرة عودتنا من المدرسة انا واخي منصور لابلاغنا بخبر الرحيل المقرر له عصرا!!
يعني خلاص لم أستطع أرى سندريللا فقم التي كنت أطلق عليها مداعبة لها؟!
هكذا هو حال الدنيا رحلنا ورحلت قصة لم تبتدئ وربما كما يقال النصيب لا احد يعرف اين يكون والحياة تستمر!! انما المصيبة عند عودتنا إلى مدارس الشيخ عثمان ورغم اني التقيت بزملاء الابتدائية في إعدادية ميفعة ٣٠ نوفمبر سابقا في الفصل الاصدقاء ومنهم كابتن جمال سندو وكابتن ماهر حسن السروري وكابتن وهيب ياسين والصديق عصام بجاش والصديق علي الصوفي وبنفس المدرسة حبيبي مشتاق محمد سعد عبدالله الا اني بقيت حوالي شهر لم استوعب الحياة المدرسية في مدرسة ذكورية بعدها تأقلمت مع الواقع الجديد وانتهى بي المطاف إلى خيال الذكريات والاشواق لماض قريب تبدد أمامي واندثر في غمضة عين!!
كانت ايامنا حلوة وبراءة وثقة بالنفس وفتيات زميلات دراسة من مختلف محافظات الجنوب كل واحدة بعشرة رجال، ربي يحفظهن ومعظمهن اتابع سيرة حياتهن ونجاحهن في حياتهن العملية والزوجية منهن في صلاح الدين ومنهن في فقم ومنهن في مدن أخرى بعدن! انما السندريللا لم ولن اعرف عنها أي شي حتى يومنا هذا !!!
د عبدالسلام عامر
أغسطس ٢٠٢٤م
***
( ٣ )
(لو كان البحر حلبة كم بايكفيها خبز)
كان صباحا كصباح هذه الايام تقريبا جو غائم وممطر، كنت حينها استعد صباحا بمرافقة صديق عمري الفنان الموسيقي الجميل عبدالعزيز مكرد عازف الكمان إلى عمله، حيث كان يعمل عازفا في الفرقة الفنية لوزارة الداخلية ونائبا لقائد الفرقة الفنان سالم الحطاب! نعم نعم كانت دولة الجنوب تعتني بالفن والموسيقى وتشجع المواهب وتدعمهم بل وتنشئ فرق فنية رسمية بوظائف للمبدعين فيها، وكنت حينها مازلت طالبا في معهد الفنون الجميلة في قسم المسرح، حينها شجعني صديقي عزيز ان ارافقه للحضور وأشاهد بروفات الفرقة التي كانت تداوم صباحا في مقرها الكائن في حلقات بكريتر، طبعا ونحن في انتظار الباص الكوستر الخاص بالفرقة لنقل مجموعة الشيخ عثمان والمنصوره سمعنا خبر عن سقوط طائرة اليمدا النقل الداخلي رحلة عدن حضرموت في ساحل أبين!! وصعدنا الباص وقرر سائق الباص بطلب من أعضاء الفرقة ان يقف وننزل نتابع الحدث الجلل في ساحل أبين وكان مشهدا حزينا ونحن نرى جهود الصيادين بقواربهم يخرجون الجثث من البحر وتحولت زخات المطر إلى دموع تأتي من السماء وسحابة الغيم إلى ثوب حداد اسود على الناس البسطاء من اخوتنا من أبناء حضرموت الذين كانوا حقا شهداء المصاب الجلل!! وعرفنا فيما بعد أن من الضحايا في هذا اليوم الأليم كان المضيف الجوي زكريا رحمة الله عليه وهو أحد مؤسسي فرقة الفنون الشعبية ١٩٧٤م مع الكثير من الزملاء ومن بينهم زوجته زميلتنا الموظفة بعد ذلك في وزارة الثقافة قسم ثقافة الطفل بعد تخرجها من الجامعة ايمان احمد قاسم!
كانت الأحداث تتسارع وبعد فترة شاهدنا توافد المسؤولين والخبراء السوفييت وفرق الإنقاذ وتجمهرت الناس لمتابعة ما يحدث وكان الخبراء الروس هدفهم واحد وواضح الطائرة البوينج ذات الصناعة الأمريكية بينما المسؤولين هدفهم إنقاذ الأحياء ان امكن بينما ونحن في قمة الحزن والذهول، كان الاخ المناضل علي عنتر نائب الرئيس وهو على رأس المسؤولين يتابع باهتمام خروج الجثث لعله يجد شخصا على قيد الحياة لكن لا أمل معظم الشهداء ماتوا من الغرق خصوصا ان الطائرة سقطت بعد دقيقه من اقلاعها رحمة الله عليهم.. وبينما كنا في حالة صمت وكعادة الاخ علي عنتر يريد أن يعطي للناس من روحه ومداعبته رغم الوجع، حينها كنت ضمن المجاميع القريبه من نائب الرئيس حيث وضع كف يده على جبهة رأسه وظل ينظر باهتمام إلى أعماق البحر ومن ثم يتساءل قائلا: "ياعيال لو كان هذا البحر حلبه كم بايكفيه خبز!" حينها انفجرنا من الضحك، رحمة الله عليك ياعم علي كنت بسيطا وتحب النكته حتى أن كانت عليك!! والمعروف على علي عنتر حتى في خطاباته كان يتمتع بالفكاهة!
وعند مغادرتنا الموقع والتحرك شاهدنا وصول الرئيس علي ناصر محمد لمتابعة الحدث! هكذا كانت دولتنا وهكذا كان رجال الدولة تجاه مواطنيهم ورعاياهم! ولا يتركون كل صغيرة وكبيرة الا ان يكونوا مع الشعب وبينهم! لذلك نسميه الزمن الجميل بكل تفاصيله!
***
( ٤ )
( الأماكن كلها تشتاق لك )
المرحلة الأولى من ذكريات طفولتي التي اعتبرها المرحلة الانتقالية للطفولة عندما بدأت مع دخولي المدرسة وبدأت تتشكل صحبة جديده مع أطفال من حي معسكر النصر المجاور لبيتنا الذي كان في نادي الجولف وسباق الخيول، حيث عشنا هناك وكاننا في عزبة بعيدة عن دوشة الحياة كما في الأفلام العربي الأسود والأبيض القديمه ، ومن هنا يأتي ارتباطي بالأماكن الجديدة التي دخلت في حياتي ، حيث كانت البداية عندما كنا نذهب للدراسة بمدارس الشيخ عثمان وكان لابد من الدولة ان توفر لأطفال أبناء موظفي الشرطة وغير الشرطة القاطنون في منطقة العريش ونحن الأسرة الوحيدة القاطنون في نادي الجولف كلوب!! لذلك كانت أول حافلة تابعة للشرطة ركبتها باص يطلق عليه ( شبر) لااعرف لماذا سمي هكذا حتى هذه اللحظة !! لونه مثل لون سيارات الجيش الأخضر الغامق شبيه بلون المدرعات والحافلة من مخلفات الاستعمار البريطاني المحترم عفوا كانوا يقولون الاستعمار البغيض آنذاك!!! المهم هذا الباص أتذكر حتى يومنا هذا كان سائقه عبده فرحان الرجل الودود وهذا الباص أيضا أصبح فيما بعد أول باص لفريق نادي الشرطة وكان نفس السائق معهم وأعتقد أن نجوم كرة القدم كابتن نور الدين عبدالغني و كابتن عادل الهويدي يتذكرونه، أما نحن فأصبحت سيارة نقل الجند الايفا الألمانية هي من تنقلنا، المهم كانت تلك الفترة من مرحلة الطفولة تتشكل علاقات طفولية مع أصدقاء من الحي السكني في معسكر النصر وبدأنا نتبادل الزيارات فيما بيننا ومنهم كانت معرفتي بالصديق فضل ناصر وهو اخو نجم كرة القدم لنادي النصر التابع لمعسكر النصر ، حيث في تلك الفترة قبل تشكيل نادي الشرطة في دوري الدرجة الممتازة كان هناك دوري بين مرافق ومؤسسات وزارة الداخلية ومنها نادي النصر الذي كان يلعب فيه حسن ناصر اخو صاحبي و النجم عادل الهويدي ونجم الفريق سعيد سيف الذي اعتزل الكرة بعد اصابته بالركبة في مباراة الهجرة والنصر والراحل دهوم والنجم الناشئ الفكس واللاعب الشمساني لاحقا ابو دم خفيف العري وفريق الهجرة كان يلعب فيه الراحل نجم كرة القدم غازي عوض وفرق أخرى من مؤسسات الداخلية انما النصر والهجرة هي كانت اقوى الفرق ومنها تشكل فريق نادي الشرطة ، وعلى فكرة كنت انا وبقية أطفال النصر فريق ناشئي النصر ، واتذكر عندما لعبت لأول مره بحياتي بفانلة رياضية رسمية لفريق ونحن أطفال لاتتخيلو أي سعاده كنت فيها !! ومن بيننا كان اللاعب الوحيد الذي أصبح أحد نجوم خط دفاع فريق نادي الشرطة لاحقا صديقي الكابتن الجميل صالح عمر العقيد والضابط في مواني عدن اخو محمد عمر رئيس اللجان المجتمعية حاليا في حي معسكر النصر ، المهم من المفارقات من الأصدقاء كانت الزميلة والفنانة وردة البحيري ، المعروفه ، ورده سعيد كانت تكبرني بسنتين واخوها صديقي المقرب تلك الأيام ناصر سعيد العازف في الفرقة النحاسية التابعة للقوات المسلحة والفنانة في فرقة الفنون الشعبية التابعة للقوات المسلحة ناهد الجاوي وكانا يصغراني بسنتين حيث كانت ورده في الصف الخامس وانا ثالث ابتدائي بينما ناصر وناهد أول ابتدائي وجميعنا عملنا في الحقل الفني لاحقا ، واستمرت علاقاتنا وصحبتنا حتى وصلت إلى سادس ابتدائي ثم رحلت اسرتي إلى صلاح الدين ، والحقيقة وردة البحيري كانت نجمة ومشهورة منذ الطفولة حيث بدأت تغني وهي بالمدرسة الابتدائية في حفلات رسمية يغني فيها نجوم الغناء عوض احمد و فضل كريدي و ياسين علس وفؤاد الشريف وحسن كريدي وكرامة مرسال و بن شامخ وسالم العامري ، تخيلوا ذلك ووردة بينهم هي واختها يسرا وبنت عمها سلمى اخت صديقي الآخر مقبل ! كل ذلك ترك لي قيمة الأماكن في حي النصر وداخل معسكر النصر ، ملعب الكرة ومستشفى النصر واهم شي البندرة الخاصة بجنود المعسكر الذين كانوا يعملون ويتدربون في الورشة المركزية لوزارة الداخلية الكائنة فيه! حيث كان الطباخين لا ينسون افواه الارانب الذين كنا نتكدس قبل المغرب لناكل من ألذ الوجبات وتحديدا كان الرغيف المحشي بعدس الدال او الخبز حق البندرة لم ولن أطعم خبز في حياتي مثل خبز البندرة والغريبة ان هذا الخبز نفس الطعم في جميع معسكرات الجيش والشرطة وخصوصا اني اكلت في بندرة صلاح الدين التابعة للكلية العسكرية وكمان اكلت في بندرة الشحن والتفريغ بالمعلا عندما كنت لاحقا وانا كبير ازور اخي علي عامر العقيد حاليا ! فالذكريات والأماكن في معسكر النصر منها ملعب النصر الذي كان يتدرب فيه نجوم كرة القدم لنادي الشرطة شاهدت اعظم النجوم بينهم عبدالله السيد واخوه طارق السيد ومحمد شرف ونور الدين عبدالغني وعزيز عبدالرحمن على الطبيعة في التدريبات ولا أنسى الكيك واللبن الذي كان يعطيهم المدرب الألماني بعد التدريب وكان النجوم يمنحون بدورهم لنا النصيب ويتقاصمون من الحلو معنا ، ومن أهم الأماكن أيضا ملعب كرة الطائرة الذي كنت أشاهد فتيات ممرضات مستشفى معسكر النصر يلعبن فيه، وشاهدت الكابتن عادل هويدي معهن يلعب الطائرة ويتم مداعبته من قبل الفتيات ( كان وسيم جدا ) ربنا يعطيه الصحة والعافية وحينها شاهدت فتاة من جميلات بنات مستشفى الشرطة وهي بالزي الأبيض الملائكي وهي تلعب وتمرح مع الكابتن وكنا أطفال انما كنا نغير!! كانت فتاة جميلة وشعر اسود داكن متناثر ومسلسل كشعر هندي كما غنى القمندان ولابسه نظارة نظر طبية أضفت عليها جمال فوق جمالها ! اتمنى ان يكون عادل هويدي فاكرها لأنها مازالت في ذاكرتي منذ خمسين سنة تقريبا ! ( كانت حلوة سبحان من صور) ومنذ ذلك الزمن وانا استمع لاغنية الفنان الكبير أبوبكر سالم انتي يا حلوه تقفز فورا صورتها في ذهني واتخيل ان الاغنية كتبت عنها وحتى يومنا هذا !!
هكذا تكون الأماكن ، تشتاق لها يا قلبي ولكن لا يمكن للاماكن ان تحفظ في ذاكرة الإنسان خالية من الإنسان نفسة ! انها الحياة بتفاصيلها الجميلة واهم ذكرى اخيرة في معسكر النصر هو الكانتين او المقصف او مكان طعام الجنود الذي فيه تلفزيون ابو لمبه حق زمان وكان يتجمهر الجنود بعد العشاء ليتابعوا البرامج والمسلسل الأجنبي الذي كان يعرض آنذاك وقد نالني متعة مشاهدة التلفزيون من السادسة مساء حتى الثامنة ثم العودة إلى المنزل فكان لجهاز التلفزيون في معسكر النصر كغيري من أطفال الحي الفضل الكثير في معرفة أسرار الحياة وعجائب الدنيا وكنت مبهورا بذلك!!
إلى قلبي : الأماكن كلها مشتاقة لك !!.... وقلبي مشتاق لمعسكر النصر والحي السكني فيه ، فلابد من زيارة عاجلة قريبا بإذن الله
***
( ٥ )
( انا والمطر والسندريللا )
كان يوم ممطر في شتاء عدن ١٩٧٧م ، كانت مدينة صلاح الدين التي نعيش فيها كقطعة من مدن انجليزية !! نعم نعم مدينة صلاح الدين كانت مخططه ومبانيها على أعلى مستوى ، كانت كامباونت لضباط وجنود الجيش البريطاني وفيها الكنيسة وخارج محيط المدينة المقابر الخاصة بالانجليز ، طبعا بعد مغادرة الإنجليز بُعيد الاستقلال أصبحت المدينة لضباط وجنود القوات المسلحة الوطنية ومن هنا دخلت العائلات وسكنت فيها وهي أسر شابة والقليل من الأسر الكبيرة في السن ، المهم كنا نعيش يوم ماطر والمياة تتدفق من الجبال كشلالات وبسلاسة وتذهب في طريقها الآمن دون أن تتكدس المياه في الحي السكني بعكس ما يحصل اليوم فيها من عبث بعد أن تحولت بعد ١٩٩٤م إلى مدينة عشوائية وتخريب ممنهج لاجمل مدينة عشت فيها وأجمل مساكن في عدن كلها بل أصبحت قرية غبراء قبيحة بسبب البنايات العشوائية التي اخفت منظر وشكل المدينة ، والتي سمح بتشييدها بعد الاجتياح لعدن والجنوب من قبل نظام صنعاء وقوانينه المدمرة للحياة المدنية و تخطيط المدن التى ورثناه من الاستعمار البريطاني وعشنا على ارثه الجميل ! المهم ونحن في عز المطر نمرح ونغني انا وأصدقائي في هذا اليوم قررنا الذهاب مساء الى السينما ! نعم نعم كانت في صلاح الدين سينما أيضا وهي محاذية للكنيسة والتي تم تخريبها واحتلالها وتحويلها إلى منزل بعد ١٩٩٤م وكل ذلك التخريب الممنهج تم بايادي جنوبية ومن ابنائها الذي بعضهم أصبحوا يحملون الفكر التكفيري تحت مسمى التدين والعوده إلى الله وكان أهاليهم لم يكونوا يصلون ويصومون رمضان ، ليمررو مشروعهم الأناني في تخريب مدينتهم !! هكذا ضاعت المدينة وضاعت الحياة الترفيهية فيها حتى المراجيح العامه للاطفال التي تنتشر في الكامباونت لم تسلم من التخريب ! ما علينا ، دعوني استكمل لكم حكايتي مع السينما ، وعندما وصلنا وجدنا افيش الفيلم العربي (خلي بالك من زوزو) للنجمة سعاد حسني وقررنا نقطع التكيت ( التذاكر ) التذكره بشلن، ودخلنا وكان يوم الاثنين ، هذا اليوم تحديدا تمنح ربع المقاعد في السينما لطلاب الكلية العسكرية لحضور مشاهدة الأفلام وهم يرتدون لبسهم الرسمي الأنيق الذي يجعلك تشعر بفخر واعتزاز برجال القوات المسلحة . المهم دخلنا وقعدنا ، حينها كنت انا وأصدقائي في الصف الأول اعدادي نظام قديم ( سابع ابتدائي ) نظام استحدث وكنا نحن آخر طلاب النظام القديم في المرحلة الدراسية حيث بعدنا كانت المراحل الدراسية حتى ثامن ابتدائي ثم الانتقال إلى الثانوية نظام أربع سنوات ، بينما نحن درسنا حتى ثالث اعدادي ومن ثم صعدنا إلى الثانوية نظام الثلاث سنوات بينما الصاعدين من ثامن ابتدائي صعدو ثانوية نظام أربع سنوات وهي حالة استثنائية في تلك الفترة ومن هنا كان دراستي بمعهد الفنون أربع سنوات وليس ثلاث حيث تعدل النظام الثانوي إلى أربع وكنت انا وزملاء لي هناك من أتى مابعد ثالث اعدادي وهناك مابعد ثامن ابتدائي !! المهم بدأ عرض الفيلم وانا كعادتي شغوف منذ الطفولة بالسينما والدراما بعد النقلة النوعية في حياتي و العيش في صلاح الدين ، حيث لعبت السينما الصيفية الروسية هناك إلى جانب السينما العربية دورا كبيرا في مداركي المعرفية من خلال مشاهدة الأفلام في السينما ! شاهدت في المرحلة العمرية تلك افلام الأرض، الكرنك ، حمام الملاطيلي وهو فيلم سياسي بعكس مايروج له ، في بيتنا رجل ، الحفيد ، ثرثرة على النيل ، الوفاء العظيم . الرصاصة لاتزال في جيبي وافلام اخرى اجتماعية وكوميدية !! المهم وبينما الفيلم تتوالى فيه الأحداث واذا بالسماء تعاود تمطر والمعروف أن السينما مكشوفه والأمطار تتزايد وحينما بدأت اغنية يا ود يا تقيل واذا بزخات المطر تتحول إلى مياه تسكب علينا مثل الحنفية واذا بالمشاهدين يتهاربون ويغادرون السينما ومنهم رفاقي الصغار إلا انا لم اتزحزح من مقعدي كيف لا وانا امام نجمتي المفضلة سندريللا الشاشة فالعجيب ان أغادر وهي تغني وفي بداية الفيلم فبقيت اعيش لحظات الفيلم والمطر الدافئ ينعش فؤادي ! الشي المثير والغريب والعجيب أن طلاب الكلية العسكرية أيضا لم يتحرك منهم فرد ، بل ومتفاعلين مع الفيلم بكل وعي وإدراك لاحداثه ، هكذا كان رجال قوتنا الصلبة يعشقون القوى الناعمة وهكذا كان مصنع الرجال في الكلية العسكرية يعد المقاتل الإنسان ليحافظ على توازنه النفسي والمعنوي ويجعل منه رجل مدني قبل أن يكون عسكري ويصنع منه القيادي المثقف بالعلوم الإنسانية قبل العسكرية ! غادرت السينما بعد نهاية الفيلم وتوقفت الأمطار إلا أنني لم أجد بركة ماء او مستنقع في طريقي إلى البيت كل ذلك الفضل يعود لتخطيط المدينة التي تم تعطيلها فيما بعد بأيادي وغباء أهلها للأسف الشديد !!
الفيلم استمر اسبوع كامل في العرض وانا استمريت في مشاهدته وهو الفيلم الوحيد مع فيلم (أميرة حبي انا) أيضا لسعاد حسني الذي حضرت اسبوع كامل لمشاهدتهما!!
انها السندريللا يا سادة خطفت قلبي منذ الطفولة ومازالت تعيش معي في اسم ابنتي أميرة التي سميتها على اسم فيلم ( أميرة حبي انا )
د عبدالسلام عامر
سبتمبر ٢٠٢٤م
***
( ٦ )
(سندريللا الاغنية العدنية و الذهاب الى المدرسة !)
يا حبيب يسعد صباحك والصباح نوره بهاك ،، كانت هذه الاغنية نعمة في طفولتي فهي من جعلتني اعشق كل صباح و سر من أسرار النهوض باكرا في صباحات عدن في الزمن الجميل وانتظار بثها عبر الأثير وتعتبر اغنية سندريللا الاغنية العدنية صباح منصر اغنية الطفولة المفضلة لي ، حيث تمتاز بلحن ذو شجون وفيه عبق الصباح العدني وتفاصيل الروح العدنية التي جعلت منها مصدر إلهام لي بالذهاب إلى المدرسة منتعشا و تعتبر جزء من تكوين الذائقة الفنية لدي مبكرا !
كانت المدرسة لنا هدف اسمى في حياتنا ، و الحياة المدرسية المتنوعة جزء من تشكيل وعينا منذ الصغر ، حيث كان المعلم قدوتنا و التعليم هدفنا و الصحبة عنوان الاخوة ، ففي المدرسة تعرفنا على العلوم الإنسانية وفي المدرسة لعبنا كرة القدم وفي المدرسة انشدنا الاغاني الهادفة في المناسبات والأعياد!!
كان ذات يوم وانا اقف امام أستاذي الذي علمني أبجدية الحروف في الصف الأول ابتدائي أبوبكر القيسي عندما طلب مني اغني ، فكانت أول اغنية خطرت على بالي يا حبيب اسعد صباحك ، كان ذلك في أول يوم دراسي لي في حياتي حيث رافقني للمدرسة اخي الأكبر محمد عامر رحمة الله عليه واتذكر انه كان يؤكد لي أن احتل المقعد الامامي بالفصل عندما ندخل الفصل ، وبالفعل أول ما سمح لمجموعة سنة أولى 4/1 نعم كانت دفعتي بهذا الرقم بالابتدائية حتى 4/5 ، تسابقت مع بقية الأطفال وفزت بالمقعد الامامي وجاء بجواري زميل آخر يدعى خالد محمد ناصر بينما ابن عمه حل في المقعد خلفنا و اسمه ناصر علي ناصر ، و في هذه اللحظة تقدمت إلي امراءة وتحدثت معي بلغة أنيقة وبكل احترام وكأنها تتحدث مع وزير ، هكذا كانت نساء عدن ثقافة وإدراك في حديثهن مع الأطفال، تطلب مني بالسماح لاولاد العم يقعدون مع بعض وان اتنازل عن مقعدي و اجلس في المقعد الخلفي ، عندها رديت عليها بهدو وخوف طفل من أخيه الذي يقف على النافذة ويراقب تصرفاتي قائلا لها ؛ لماذا لا يعود هو ليجلس بجوار ابن عمه ، قالت ؛ لكن زميلكم الآخر لا يرغب بالجلوس بالمقعد الامامي ، هنا شعرت بالاحراج إلا أن محمد اخي انقذ الموقف وأشار لي بالموافقة ، وعدت وقعدت بجوار الزميل الذي أصبح رفيقي المجاور طوال خمس سنوات وهو خالد حاشد الذي أصبح أحد خريجين الكلية العسكرية وضابط في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية! اما ناصر علي ناصر التقيته بعد سنوات من الابتدائية وركبت مع حافلة المنصورة وكان أحد سائقين باصات الكوستر في خط الشيخ عثمان المنصورة !
هذه الحكاية كانت أول اختبار لي في التحاقي بالمدرسة وكان أول أصدقاء حقيقيون لي خالد وناصر ومن هنا عرفت معان التنازل والتسامح لتكسب صديق أكثر من التشبث بالشيء او الحاجة وتفقد بسببها الأصدقاء، فأصبحنا أصدقاء وأكثر من اخوة فيما بعد . هذا ما أكده لي اخي رحمة الله عليه عندما قال : خير مافعلت حتى تكسبهم أصدقاء .
وانطلقت مرحلة الدراسة الابتدائية و كان لاستاذي أبوبكر القيسي عنوان آخر في حياتي ، حيث كان فنانا ومخرجا مسرحيا وصاحب مسرح الطفل ناهيك عن عمله التربوي ، فكان رومانسي لايفوته أي مناسبة إلا ويعمل لنا بالفصل فعالية لدقائق نعيش بها الحدث وفي ذات يوم هطلت أمطار على مدرستنا الشرقية ( ردفان لاحقا ) بالشيخ عثمان المدرسة التي تخرج منها كبار كوادر البلد في جميع المجالات حيث كان فيها اعظم المدرسين وافضل الكوادر في التربية والتعليم وساهمت مدرستنا في تقديم نجوم كرة القدم أمثال الكابتن الاحمدي والكابتن شكري هاشم والكابتن جميل شرف والكابتن جمال سندو والكابتن ماهرحسن السروري و ياسين محمود عبد الله والكثير الكثير من نجوم كرة القدم والألعاب الأخرى ناهيك عن نجوم الطرب والمسرح أمثال الفنان الكبير نجيب سعيد ثابت ثابت وغيره من التشكيلين أيضا ومنهم نبيل قائد ، لذلك كان القيسي حريص ان يقدم بصمته لصغاره الأطفال الذي كنا في بهجة وسعادة لهطول المطر ، فكان تفكير أستاذنا خارج الصندوق وقرر أن يأخذنا خارج الفصل والذهاب إلى حديقة المدرسة !!! نعم نعم يااصدقائي في مدرستنا كانت هناك حديقة بجوار ملعب كرة القدم تكسوها أشجار كثيفة للاسف تم تخريبها بعد مأساتنا بعد عام ١٩٩٠م والبناء فيها مدرسة أخرى و انتهت الحديقة وانتهى الملعب الذي من خلاله قدم اعظم رياضيين كرة القدم في الزمن الجميل!!
المهم خرجنا في مرح وفرح ودخلنا الحديقة تحت الأشجار وهنا كانت عبقرية الأستاذ عندما شرح لنا عن الديدان التي تعيش في الأرض الزراعية و شرح لنا أمور في نوع النباتات واستوعبنا الموضوع ببساطه ولم يكتفي بذلك بل قرر يعطينا درس المحفوظات في ذلك اليوم قبل موعد ترتيبه وفقا للكتاب فانشدنا معه من خلال الغناء حصة المحفوظات نشيد ( يا اخوتي جاء المطر هيا اجلسوا تحت الشجر ) والشي الغريب والعجيب اننا حفظنا القصيدة بسهولة وفي نفس اليوم !! هكذا كان التعليم وهكذا كانت التربية والحديث عن المدرسة في المرحلة الابتدائية قصص وحكايات مع الاساتذة طه سيدو مربي الفصل ثاني وثالث ابتدائي و جواد مربي الفصل رابع ابتدائي و ابوبكر هائل و آخرون منها يوم النتائج الفصلية والنهائية وإقامة مباراة كرة القدم بين الطلاب والمدرسين مرورا في شراء الكيك والحلويات والشاي العدني الملبن للاحتفال بيوم النتائج ولي فيها ذكريات عندما سجلت هدف في إحدى المباريات اعتقد الذي دفع بي العب من اختيار أستاذي المربي الفاضل في الخامس ابتدائي أبوبكر هائل او يوم تحصلت على المرتبة الثاني في الثاني ابتدائي في الفصل بعد صديقي امين الاصبحي الصديق والزميل في العمل الإداري بمكتب الثقافة بعدن حاليا ! وعودة إلى السندريللا والأغنية فما زالت هذه الاغنية هي مفتاح نجاحي في كل مراحل الدراسة والعمل و السر انني لم اتغيب يوما عن الدراسة أو العمل إلا في الحالات المرضية فلها الفضل بعد الله اني أحببت النهوض صباحا في عشق المدرسة وعشق العمل فيما بعد !! واقول شكرا لصباح منصر التي أطلقت عليها ذات يوم وانا احاورها بعد عودتها للغناء في إحدى الصحف المحلية باللقب ( سندريللا الاغنية العدنية ) التي سبق واطلقتها عليها الصحافة المصرية كما اعتقد !!
د عبدالسلام عامر
سبتمبر ٢٠٢٤م
***
(٧)
(الاخ الذي لم تلده امي)
كانت الأيام التي مهدت لي الطريق إلى عالم لم أتخيل أن أكون فيه عالم بالنسبة لي عالم خيالي ، حيث لم أتصور يوما ما ان تتغير حياتي واكون داخل هذا العالم الذي عشقته في طفولتي من خلال السينما وفيلم ( الأستاذ ايوب ) الفيلم الكوميدي للفنان المصري الراحل محمد عوض مع النجم وليد توفيق في بداياته الفنية سينمائيا والظهور عربيا وهو يغني يا استاذ ايوب بدوره طالب بمعهد موسيقي مع مدرسه بالمعهد محمد عوض ( الأستاذ ايوب ) والأهم ان ماجذبني بهذا الفيلم الترفيهي لكوميديا الفارص موشح ( لما بدأ يتثنى ) بقي اللحن في خيالي واستوطن اعماقي لحلاوة اللحن ولم اكن افهم في تلك الفترة وانا طفل في الثالثة عشر من العمر انه من اعظم الالحان للموشحات الاندلسيه ! و اهتمامي بالأفلام الكابوي الأمريكية وافلام الحروب الروسية بالسينما الخاصة بالخبراء السوفييت الذين يسكنون معنا في حي لينين وحي الضباط بمدينة صلاح الدين ، كنت احاول إعادة صياغتها في لعبي مع الأطفال من اقراني العرب وكذلك الروس ، كنت اقوم بتفصيل المشاهد على رمال صلاح الدين المحايذه للجبل ونستمتع بذلك !! كل هذه الارهاصات كانت مقدمة لدخولي عالم كان يعيش في خيالي ومن الصعب اكون طرفا فيه ذات يوم !!
ومرت الأيام والسنون فإذا بالدنيا تبتسم لي بعد أن سكنت المنصورة عندما كنت في طريقي إلى منزلنا في حاشد حاملا معي العود الخاص بالفنان فضل كريدي حيث اخذته من أحدهم بطلب منه، حيث كان ينتظرني بالبيت وفي هذه اللحظة وتحديدا في ملعب كرة القدم الذي كانت تقام فيه المباريات للفرق الأهلية بالمنصورة هذا الملعب الذي تم البناء عليه فيما بعد مدرسة سعيد ناجي حاليا وهو ميدان شاسع مابين( بلوك ١٢ وبلوك ٥ ) شهد اجمل المباريات لفريق الخط الأحمر الذي لعب فيه كابتن نادي الميناء جميل شرف ونجم المنتخب الوطني الجنوبي في الزمن الجميل ، المهم وانا اقطع الميدان في الظلام الدامس وفجاءة يناديني صوت شاب يبدو أنه كان يجلس مع مجموعة شباب يتسامرون كعادتنا في تلك الأيام، يناديني قائلا ؛ يا أخ لو سمحت ممكن اسالك ؟ رديت عليه نعم تحت امرك ، قال متسائلا ، هل العود حقك ؟ قلت له لا انما حق ابن خالتي ، قال من ابن خالتك ، قلت له ، الفنان فضل كريدي حينها تغير صوت الشاب وانتفض فرحا ومرحبا بي أهلا انت قريب فضل كريدي حيابك ثم طلب مني أن اجلس ليعزف عليه ! سألته انت تعرف تعزف ، قال لي انا اصلا عازف كمان وعزفت خلف الفنان فضل كريدي ! حينها عرفت اسمه ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا الشاب الذي يسكن( بلوك ٤ )البلوك المقابل تقريبا (لبلوك ٦ و ١١) الصديق والاخ الذي لم تلده أمي الفنان عازف الكمان عبدالعزيز مكرد أحد أبرز نجوم الموسيقى الذين تخرجوا من مدرسة الزحف الأحمر التي كانت مصنع الأطفال والمواهب ومنه تخرجت الفنانه نوال حسين التي تغنت بواحده من اجمل الاغاني الوطنية ( يظل الشعب لك ياموطني وافي ... وفي وقت الشدائد والمحن وافي ) والذين اصبحا مع بقية زملائهما أعضاء الفرقة الموسيقية التابعة لوزارة الداخلية ! صداقتي به فتح لي الطريق إلى أحلامي ومعرفتي بالفنانيين والموسيقيين وانا في عطلة صيف نهائي المدرسة الاعدادية ومن خلاله التحقت بالفرقة الموسيقية التابعة لنقابات عمال الجمهورية فرقة اول مايو منشد كورس فيها عندما قدمني للاستاذ علي دعبش والقائد أنور مصلح الذين قبلاني وكان لهم الفضل بعد الله وثم بعدهم الفنان الكبير محمد عبده زيدي رئيس الفرقة ومن هنا بدأت الأحلام تتحول لحقائق ووقفت كورس خلف المع نجوم الغناء طه فارع ، رفيق محمد احمد ، أبوبكر سكاريب ، علي صالح الشيخ ، ياسين علس ،عبدالكريم توفيق ، أنور مبارك ، كرامة بن الوادي ، الشعوي ، كفى عراقي ، فايزه عبدالله ، فضل كريدي ، فؤاد الشريف ، هاشم هرهره ، نجيب سعيد ثابت، عصام خليدي ، امل كعدل تسجيلات اشرطه كاسيت خاصه بها ، احمد فتحي عندما زار الجنوب في حفلة السينما الشرقية بالشيخ عثمان التي للاسف تم بناء محلها حديثا مول اضافي على مدينة عدن وغنيت خلف العملاق محمد عبده زيدي نفسه بل وغنينا انشاد لبعض من اغانيه !!! و تحققت حقيقة فيلم محمد عوض وما شاهدته عن الموسيقى واعيش داخل هذه الأحلام والتحمت بعلاقاتي مع العازفين وتعرفت على تسمية الآلات الموسيقية وتعلمت الصولفيج داخل الفرقة مع الراحل سعيد فندا رحمة الله عليه وكانت ابهج أيام حياتي الا ان هناك شي مفقود ومنتظر النتيجة النهائية للمرحلة الدراسية في الاعدادية التي ستحدد مصيري اما اذهب الى دراسة الزراعه ام معهد الفنون ام الثانوية العامة؟!! والحقيقة أن كل ذلك الهاجس ان اكون ادرس مسرح بالمعهد كان خارج تفكيري إلا بعد أن شجعني الراحل محمد عبده الزيدي عندما استشرته في ذلك وطالما الزيدي شجعني فلا يمكن أن اخلف معه لعشقي وحبي له منذ زمن وخصوصا اغنية السعادة التي كانت لها قصة في حياتي وانا طفل ومن حينها اعشق الاغنية وأعشق الفنان محمد عبده زيدي ! كانت اغنية السعادة في مطلع السبعينات ترند ذاك الزمن فكانت جميع الأسر التي تمتلك جهاز التسجيل تشغل هذه الاغنية طوال اليوم وفي يوم من الأيام وقعت لي الحادثة وهي اختي !! اختي التي علمتني القرآن الكريم وانا طفل في الخامسه من العمر اختي التي احببتها حبا جما فجاءة تغادر حياتي إلى بيت الزوجية لتصبح زوجة الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه، حينها لم استوعب ان اعيش بدونها وذات يوم وانا خارج من المدرسة الابتدائية الشرقية بالشيخ عثمان متجها إلى بيت جدي العولقي في الشيخ الدويل بعد زواجها بشهر تقريبا واذا بسماعي لاغنية السعادة من كل ديار الشيخ الدويل حيث كانت تبث من الإذاعة وبطريقة عجيبة استوطنت كلماتها قلبي ومعانيها عبرت عن حالي مع اختي ! منذ ذلك الوقت وانا هيمان بالفنان الزيدي !
وهكذا أصبحت طالبا في المعهد بعد أن تركت الزراعه وهي رغبة والدي رحمة الله عليه ، واذا بي في واقع قريب من فيلم الأستاذ ايوب والطلاب في قسم الموسيقى ونحن في قسم المسرح أيضا نغني الموشح ( لما بدأ يتثنى) واذا الأحلام أصبحت حقيقة واذا الحياة بمبي كما غنتها سعاد حسني وشعور لم يفارق خيالي حتى يومنا هذا يوم التحقت في احلى واجمل وأعظم مكان تعلمت فيه معان كثيرة ناهيك عن الفن وقدسيته والحب و الثقافة و أصبحت واحدا ممن كانوا جزء من تاريخ هذا الصرح العظيم الذي استطعت أن أرد الجميل لصديقي عبدالعزيز بحيث اقنعته و ألحيت عليه أن يتعلم فيه ويتخرج معي ويصبح أيضا ذات يوم مدرسا فيه ومن احسن من يكتب النوته ومن افضل عازفين الكمان في بلادنا ان لم يكن الاول انه اخي الذي لم تلده امي !
د عبدالسلام عامر
أكتوبر ٢٠٢٤م
***
( ٨ )
(بيع الخمير وحفلة سالم العامري والرئيس الألماني و المجري)
كانت السبعينات مليئة بالأحداث انما عشناها بروح متفانية وكنت طفل مثل أي طفل بالأسر العزيزة والبسيطة ، كنت اساعد اسرتي في بيع الخمير الحالي او كما كنا نسميه في ذاك الزمن المقصقص وهي تسمية لبيع الخمير كشكل نصف القمر ولذلك كما اعتقد أطلق عليه مقصقص !! المهم ابتدت رحلت بيع (الخمير مع المدربش او العُشر) الذي يطلق عليه الجيل الجديد حاليا (عواف) ! حدث ذلك عندما صار عمري عشر سنوات وكانت البداية في العطلة الصيفية واستمريت بعد ذلك عامان متتاليان بحكم دوامي في المدرسة كانت الفترة المسائية في الثالث والرابع ابتدائي . فكانت أولى خطواتي لبيع الخمير هي الذهاب إلى مصنع الثورة لقطع الغيار وهذا المصنع الذي تم تشييده من قبل الخبراء بدولة كوريا الشمالية في عهد الرئيس الشهيد سالم ربيع علي ويقع في معسكر خالد الذي ضم فيه بعد الاستقلال أيضا المؤسسة العامة للدواجن (الإدارة الرئيسية) التي كان يعمل فيها وآلدي رحمة الله عليه حارس والإدارة العامة للبيطرة والمختبرات الفنية والذي كان يعمل فيها المرحوم اخي فني بيطري محمد عامر بالاضافة الى مؤسسة الحفر المركزية ، كل تلك المرافق كان فيها اعداد من العمال والموظفين شكلت لي ولبقية الأطفال سيوله مالية في البيع! والحمد لله كنت خلال ساعات أنجز مهمتي والعوده إلى المنزل قبل الحادية عشر صباحا ! كانت الحياة بسيطة انما كنا نشعر ونحن أطفال المسؤولية في مساعدة اهلنا وخصوصا لشراء أدوات المدرسة والملابس المدرسية وملابس العيد وهي فكرة امي رحمة الله عليها لمساعدة الوالد في التخفيف عليه انا ومنصور اخي أيضا ! المهم ما خرجت به من هذه التجربة عندما فوجئت في صباح أحد الأيام عند وصولي لباب المصنع بوجود زخم وحركة لمجموعة من الخبراء الكوريين وهم يشيدون مسرح صيفي في ساحة المصنع وتجهيز المقاعد الخشبية المتنقلة لرصها امام خشبة المسرح وعرفت حينها عن حفل ضخم سيتم مساء وهنا تملكني الشجن وقررت حضور الفعالية وعدت للمنزل واصريت على حضور الحفلة واقنعت الوالدة بضرورة الذهاب و لولا كانت لدى والدي وردية حراسة المؤسسة في تلك الليلة مسائية ماكنت حضرتها !! حيث أخذني الوالد معه قبل المغرب وتركني أشاهد الحفل والذي انطلق بعد السابعة والنصف مساء واذا بالحفل عرض فيلم وثائقي يحكي عن العلاقات والمشاريع بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية و جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ثم عرض فيلم روائي كوري مترجم فوريا من أحد الرجال الكوريين الذين يتحدثون العربية وهذا كل ما جاء بالحفل وحقيقة كان أول فيلم روائي في حياتي اشاهده !!! كانت تجربة بيع الخمير طريق جديد تعرفت من خلاله على عوالم كثيرة وذات يوم وانا في طريقي إلى مطار عدن لكي أبيع ماتبقى من الخمير كما يحدث في بعض الأحيان اذهب ابيع امام مطار عدن وأحيانا بجوار السوق المركزي للخضار والفواكه سمعت عن حفلة غنائية سيحييها الفنان سالم العامري فرحت جدا ومن لايعشق سالم العامري واغانيه المحفورة في ذاكرة كل طفل في ذاك الزمن ( ضاع القمر بين السحاب ) و ( حوله الليله ) وغيرها من الاغاني التي كانت ترند في تلك الأيام! في هذه المره أقنعت امي ترافقني خصوصا لزيارة إحدى العائلات والذي كانت امي على معرفة بهم في حي عبود بخور مكسر وهي عائلة زميلي في الدراسة وصديقي في البيع ناصر العبوس الله يذكره بالخير الذي لم أراه منذ مغادرتنا منزلنا في نادي الجولف بخور مكسر إلى صلاح الدين نهاية عام ١٩٧٦م !! المهم أخذتني امي إلى بيت العبوس وبقيت مع ام صديقي وطلبوا مننا العوده بسرعه ونكتفي بمشاهدة سالم العامري والمغادرة فورا وهذا ما حصل ولكن كان العامري هو آخر فقرة غنائية بالحفل
المهم انتهى الحفل العاشرة مساء نعم نعم في زمن سالمين كانت السهرات لا تكون لأوقات متاخره بل أقصى توقيت العاشرة حتى وان كان يوم خميس !! القانون صارم وواضح من أجل صحة المجتمع النوم مبكرا و النهوض مبكرا خيرا لك وللمجتمع وهذا ماعشنا عليه وكان نظام دولة تحمي شعبها بالوقاية من خلال سياسة البلد عموما !!
انما من احلى ذكرياتي وانا ابيع الخمير كانت رحلتي ذات صباح خرجت بصحبة اخي العقيد علي عامر كان حينها جندي برتبة رقيب أول على ما اتذكر فكانت سيارات الجيش تقف لأي رجل جيش ذاهب الى العمل والمفاجأة كانت سيارة عسكرية كبيرة تقف ويصعد علي اخي ويصعدني أحد الرجال بيده ويمتطني من الأرض كفراشة في الهواء ولم أجد نفسي الا وانا وسط المجموعة وفي تلك اللحظة حصل لي الانبهار خصوصا انني كنت اعرف معظمهم عندما كنت اشاهدهم وهم يتدربون في نادي الهلال والواي الرياضي قبل أن يصبحوا لاعبين بفريق نادي الجيش !! عرفتهم وكان من صعدني الكابتن عبدالله الهرر أفضل مدافع كرة قدم جاء في الزمن الجميل، كانت السيارة العسكرية للاعبين فريق نادي الجيش الرياضي الذي كان يتدرب صباحا وفي أوقات الدوام الرسمي في ملعب معسكر بدر و هكذا أصبحت معتاد على الركوب معهم بعض الأحيان اذا ما تأخر الباص الأجرة كانوا يتوقفوا لي حتى بعدم وجود اخي !!
انما ما حصل لي أثناء تواجدي بالصدفة بجوار المطار عندما شاهدت تجمعات لأطفال مدارس خور مكسر بالفترة الصباحية يتم اقتيادهم إلى ناصية الطرق الخاصة من مطار عدن مرورا بحي السعادة و عبود و بدر والشابات ، يتم توزيع إعلام البلد وتحفيض الأطفال عباره لم ولن أنساها هي : ( سالمين بالو شونستي علاقة يمنية مجرية ) طبعا كانت تقال بترتيل شعائري، كان هذا اليوم هو زيارة الرئيس المجري لبلادنا وشاهدت الرئيسان وهما يلوحان لنا بعد أن وقفا على رجليهما من فتحت سيارة المراسيم الرئاسية ! كان يوما جميلا لولا ان تم تعكيره عليا إحدى الشيبان الساخران من المشهد والذي ازعجني لاني كنت اعشق سالمين و يبدو أن الوطنية متأصله فيني حيث غيرا العبارة قائلان ؛ سالمين بال فوق شونستي !
والمرة الثانية التي تكرر فيها المشهد ولكن بصورة أخرى وكنت محظوظ اني وقفت عند بوابة خروج الموكب من المطار وحينها توقف برهة من الزمن وشاهدت الرئيس الألماني ايريش هونيكر وبجواره الذي استقبله عبدالفتاح إسماعيل وبصراحة هي المرة الوحيدة في حياتي شاهدت عبدالفتاح والغريب أن عبدالفتاح وهونيكر لم يخرجا يلوحان كما فعل سالمين مع بالو شونستي وظل هذا التساؤل يلازمني طويلا ، ما السر او الحكمه في ذلك ؟! لماذا إسماعيل كان بعيدا عن الشعب وليس كما كان الآخرون؟!!! الإجابة فهمتها بعد أن نضجنا وكبرنا وعرفنا الكثير من الأحداث و وجدت من خلالها الجواب اليقين !
هكذا كان لبيع الخمير فوائد في حياتي وهي:
أولا؛ ساعدت اسرتي في معترك الحياة وفخور بذلك ،
ثانيا ؛ عرفت السينما وانبهرت بها لا يمكن حتى وصف لحظة الانبهار الآن!!
ثالثا ؛ عرفت معان الوطنية في لحظات فارقة من طفولتي فهي توهب ولا تتعلمها!
رابعا ؛ بساطة نجوم كرة القدم و معرفتي بهم ! ومنهم حتى يومنا هذا يتذكر ذلك جيدا الكابتن البكري نجم فريق الجيش في الزمن الجميل.
خامسا؛ شاهدت مطرب طفولتي واستمعت إلى اغاني طفولتنا جميعا مباشرة المطرب النجم سالم العامري وهي المرة الوحيدة في حياتي شاهدته يغني على المسرح رحمة الله عليه!!
د عبدالسلام عامر
أكتوبر ٢٠٢٤م
***
( ٩ )
( مدينة كييف حكاية من الف حكاية)
(منصور اغبري قال لي : المحسوبية ليس عندي فانا احكم اهل البلد أنفسهم بقانونهم وانتم تريدو تشويه سمعتي يا زغاوي )
عندما وصل بنا القطار إلى محطة عاصمة جمهورية أوكرانيا السوفيتية ووجدنا طاقم من التعليم العالي الأوكراني تتصدرهم جميلة الجميلات المترجمة والتي تتحدث العربية احسن من بعض المذيعين في كافة القنوات العربية حاليا بعد دخول العولمة والتي تعتبر جزء من مهمة تخريب العقل العربي بما فيه لغته وهويته وثقافته وقيمه !
المهم استلمتنا الجميلة الأوكرانية ورحبت بنا بابتسامة رقيقة ثم ركبنا الباص المخصص لنقلنا إلى المجمع السكني الخاص بطلاب جامعة كييف في شارع لمونوسفا وكنت انا وبعض الأصدقاء نصيبنا سكن رقم ( ٣ ) هذا السكن الذي كان يطلق عليه عند أبناء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بمعسكر العند
خصوصا انه السكن الوحيد من دونه كان فقط سكن ذكوري بعكس سكن رقم ( ٥ ) الذي كان مختلط من المساكن المخصصة لطلاب السنة التحضيرية !
كانت السنة الأولى التحضيرية لدراسة اللغة الروسية وبعض المواد التخصصية لكل تخصص على حده فكان أول زملاء لي من التخصصات الفنية في الجروب الدراسي من فيتنام شابان شان إخراج مسرحي ، ونجوان راقص باليه، والفتاه الوحيده معنا خوان نقد مسرحي ، ومن اليونان ماركوس إخراج سينمائي ومن فنلندا هاري إخراج سينمائي ومن سوريا بديع فرحة كوردي سوري إخراج مسرحي وكمال أخ مسيحي من دمشق تصوير سينمائي ومن نيكاراجوا مارفن إخراج مسرحي! هذه مجموعتي في السنة التحضيرية والتي كنا فيها أكثر من أصدقاء جمعتنا ألفه حميمية بقيادة استاذتنا الفاضلة نتاليا انتوليفنا كانت في الثلاثينات من العمر ومتخصصة في الادب الروسي والاسباني ، جعلت منا كتلة جميلة كنا نموذج في الكلية التحضيرية ،حيث كانت ترتب لنا البرامج الخاصة بمتابعة المسارح والحفلات الفنية بحضورها طوال السنة كجزء من الجانب التخصصي ! وكان الاختيار لأول حفلة نحضرها قبيل رأس السنة هي حفلة غنائية لفنانة الشعب السوفيتي صفيا راتارو ( مطربتي المفضلة ) ومطربين آخرين فقد ابهرتني الحفلة وماشاهدته من عالم مختلف في كيفية قيام و إنتاج تلك الحفلات ! انما اهم ما اذهلني في تلك البرامج حضور مسرحية( كارمن) العالمية والتي قدمتها فرقة البالية الاوكرانية بالرقص على الجليد !! كان هذا العرض ومازال اراه من اعظم عروض الفنون في حياتي حيث استمتعت ببالية على الجليد ومسرح دائري تشاهد أحداث المسرحية وتطورها بإتقان وموسيقى الأوركسترا المصاحبة لها الحي ، جعلني اعيش في خيال فني عالي ، و تهذيب للروح و حب إنساني ، رغم قسوة مسرحية ( كارمن) !!
كانت مدينة كييف ليس متفوقة بالفنون بل كانت في الرياضة أيضا وتحديدا كرة القدم هي واجهة الاتحاد السوفيتي ممثلة بفريق دينامو كييف بطل الدوري الاوربي أثناء تواجدي في السنة التحضيرية هذا الفريق الذي أصبح معظم لاعبيه قوام المنتخب السوفييتي والذي شارك ببطولة اوروبا وخسرها من هولندا عام ١٩٨٨م بهدف فإن باستن في مرمى داساييف و كوني محب وعاشق ولعبت كرة قدم كنت احضر مباريات دينامو كييف على ملعبة ملعب الجمهورية الضخم وهذا الملعب نفسه الذي لعب فيه ليفربول امام ريال مدريد في نهائي ابطال اوروبا ٢٠١٨م والذي فاز فيه الريال وإصابة مو صلاح الشهيره !
فالذكريات في كييف كثيرة وهنا أود أن اتحدث عن الأصدقاء المقربين لي منذ وانا في عدن فكانت اجمل تلك الأيام تمر بصحبة صديقي ورفيق الدراسة ومنظمة الشبيبة (اشيد) وابن حافتنا اخي سهل صالح بن إسحاق ، حيث شكل لي ارتياح نفسي بوجوده بالمدينة وكان يدرس الموسيقى في المعهد العالي للثقافة وكنت اذهب إليه نهاية كل اسبوع الى سكنه في حي شورسا ونقضي يومي الاجازة السبت والاحد عنده ومن خلاله تعرفت على الصديق الفنان اللحجي والمؤرخ المحترم الفنان احمد فضل والذي كان له دور كبير بين أوساط الطلبة المبعوثين من بلادنا في إحياء الجلسات الطربية وهناك أيضا تعرفت على صديقي المرحوم وزوجته المخرج المسرحي الراحل فريد الظاهري رحمة الله عليه وحرمه الاوكرانية ايرينا ( سلمى الظاهري )
اما من أهم الغرائب حصلت معي وذلك في أول أيام وصولي لمدينة كييف قررت انا وصديق العمر تؤام روحي نوفل نصر عباس أحد نجوم فرقة أشيد للاغنية السياسية أثناء تأسيسها و الذي كان معي بالتحضيري ، قررنا أن نتجول في اطول شارع واهم اوستوراد في كييف ( الكريشاتيك) و اذا بمفاجأة مذهلة ! توقفنا في ذهول وفرحة وإعجاب وغير مستوعبين ونحن نرى اخونا حسين فندا و عبدالله فتاح برفقة صديقاتهم بالشارع ولم ولن نتصور انهم في مدينة كييف اساسا وصرخنا معا وحضنا بعض وفرحنا مثل الأطفال وكنا مسرورين جدا بهذا اللقاء والذي من بعده كنا لاحقا انا و نوفل في زيارة دائمة لسكن الاخ عبدالله وكان يحضر إلينا الاخ حسين فندا بصحبة صديقته عازفة البيانو أيضا، حيث كان حسين فندا رحمة الله عليه الطالب العربي الوحيد الذي يتم قبوله في معهد الكونسرفتوار وليس من السهل دخول هذا المعهد إلا العباقرة في الموسيقى وكان مع زميلته يقدمان لنا فقرات موسيقية على البيانو كان يرافقهم اخي نوفل على الجيتار وأحيانا على الكارديون في غرفة فتاح بالسكن الجامعي لمعهد الفنون الجميلة نعيش معهما أرقى المعزوفات وكانت رفيقة حسين من اجمل الفتيات الاوكرانيات التي شاهدتهم في المدينة !
طبعا أيام كييف لم تمر دون أن ألتقي برفاق المسرح والاصدقاء الذين سبقونا في الحياه العملية والدراسية فكان لابد من زيارتهم على فترات متفرقة ، التقيت هناك بنجومنا الكبار وهم في المرحلة الدراسية الأخيرة المرحوم جميل محفوظ و قاسم عمر و احمد عبدالله حسين كما التقيت بالمرحوم جمال كرمدي و ابوبكر المرنح ومحاسن سعيد و ناصر السعدي وكانو في السنة الثانية في المعهد العالي للفنون المسرحية، انما ما حصل لي مع صديقي الغالي هناك المخرج السينمائي حبيبي منصور اغبري حكاية لا أود أن احكيها انما سااتطرق لها على خفيف !!
خاصة أن منصور اغبري كان يشغل منصب رئيس الطلبة في السكن الداخلي لمعهد السينما والمسرح و كان صارم ولا يفرق بين طالب سوفيتي او طالب أجنبي او حتى من أبناء جلدته !! منصور ( ماعندوش يامه ارحميني ) فكان يمنع الزيارات بعد الحادية عشر كعرف متعارف عليه عند كل من درس في الاتحاد السوفيتي ويشدد دائمآ على حراس السكن بأن يتم إخلاء الضيوف قبل الحادية عشر وهذه طبيعته ! وعندما قررنا في ليلة رأس السنة انا وصديقي (؟!) ان نذهب برفقة ( ؟!؟! ) وبقينا لوقت متأخر وخاصة رأس السنة كان يسمح للضيوف حتى الثانية فجرا وعندما اكتشف منصور بوجودنا خلسة وعرف الملعوب من قبل الحراس اننا نود البقاء والنوم هناك ، كانت النتيجة الحتمية طردنا الثالثة فجرا !!!
وهكذا قضيت أول رأس سنة بحياتي في الاتحاد السوفيتي بالشارع وسط الثلوج حتى السادسة صباحا لنعود إلى مسكنا !!!!
حينها قال منصور اغبري مقولته المشهورة؛ المحسوبية ليس عندي فانا احكم اهل البلد بقانونهم وانتم تريدون تشويه سمعتي يا ( زغاوي)
لو كان معنا في هذا الزمن في كل مرفق خمسة أمثال منصور كانت بلادنا بخير !!!
تحية لصديقي الصدوق منصور اغبري ❤
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١٠)
(علبة الكبريت و انا و بوبي)
مازلت أتذكر ذلك اليوم وتحديدا ذاك الصباح الوليد من صباحات عدن عندما ارسلتني امي لشراء علبة كبريت من دكان في الحي السكني بمعسكر النصر ! طبعا كان يوجد حي سكني شرقي وهو مقابل لمعسكر الصولبان والذي عاشت ومازالت تعيش فيه مطربتنا وفنانتنا زميلة الطفولة وردة البحيري وفي حي غربي بمحاذاة المطار مباشرة هو الأقرب لمنزلنا الذي كان في نادي الجولف! طبعا الدكان بالنسبة لطفل صغير في الثامنة من عمره تعتبر رحلة الشتاء والصيف ، فلابد أن تمر بعدة صعوبات أولا يجب أن تكون لياقتك العضلية والذهنية مهمة في تلك الأيام لأي طارئ يحصل معك والمسافة حوالى محطة واحدة اذا ركبت الباص ومن الطبيعي لن تركب الحافلة ، فهنا يكمن الخطر في تلك المنطقة المتوحشة حيث كانت صحراء ملاعب الجولف مرتبطة بالمملاح وتفصل بينهما فقط الطريق المعبد للسيارات ، ففيها تتجمع الكلاب الضالة والكلاب الذئبية!! نعم نعم كانت كثير من فصيل تلك الكلاب منتشرة وهنا كنت على يقين اني سوف أقع يوما ما فريسة لتلك الكلاب المتوحشة !! المهم اخي حسين عامر رحمة الله عليه لم يحضر معه كبريت عند عودته العصر من حي النصر كما طلبت منه الوالدة رحمة الله عليها، خصوصا انه كان دائمآ يلعب مع صديقه فضل العلبي كما أتذكر وهو من أبناء الحي الغربي وبجوار الدكان نفسه ، هذا الدكان الذي يقع مقابل لمنزل الاخ نائب وزير الداخلية آنذاك صالح مصلح قاسم ، حيث كان منزله مميز جدا ترى من نوافذه مباشرة حضيرة طيران اليمدا وتشاهد صعود ونزول الركاب ! طبعا كان فضولي كطفل أن أدخل مع بقية الأصدقاء من أبناء الحي يوما ما و حصل و دخلنا لمنزل نائب الوزير مع أخيه الصغير لنشرب ماء بارد من ثلاجة بيت النائب خصوصا في السبعينيات كانت معظم العائلات لاتقتني ثلاجات التبريد وكانت تعتمد على الزير كما هو الحال في بيتنا حيث كان لدينا زير كبير تشرب منه الماء بارد وكأنه من الثلاجه بالضبط لافرق بينهما سوى انك تدفع فواتير إضافية للكهرباء وهذه حقيقة وكم اتمنى ان أعود هذه الأيام إلى زير امي بعد أن أصبحت الكهرباء ضيف ثقيل علينا هذه الأيام تأتي لنا بزيارات خاطفة ساعتين وتغادرنا دون حتى اعتذار !! المهم نهضت من النوم وارى فوق راسي ( المسوق او الخيزران ) حق امي تناشدني بسرعة الذهاب إلى الدكان لشراء علبة الكبريت خصوصا اني الطفل الدحاشه الذي يجب أن ينفع الام في الأمور الصغيرة ، لكي تنجز لنا سرعة تحضير الطعام قبل الذهاب إلى المدرسة !! كانت الساعة الخامسة والنصف صباحا والوقت ذهاب واياب ياخذ حوالي عشرين دقيقة وسيارة الشرطة التي تنقلنا للمدارس بالشيخ عثمان تمر السادسة والنصف يعني الوقت يداهمنا ، وانطلقت مسرعا متحديا أي عقبات قد تواجهني فالعدو أمامي وخوزران امي خلفي
فقررت اجري لاختزل الوقت وياريتني ماجريت!! فإذا بالاخوة الأعداء تظهر لي من خلف إحدى الاكوام الترابية واذا بهم حوالي سبعه كلاب مكشرة باسنانها ولأول مره في حياتي اتفحص عيون الكلاب فكانت حمراء والشرارة تشعلل بها ، هنا أدركت أن نهايتي مأساوية وبما اني طفل الخوف تملكني حتى أخمص قدماي فكان عليا ان الف دوران و العودة للمنزل واطلقت كل قواي في الجري ودقات قلبي تزداد فزعا من مناظر الكلاب ونباحهم ولم ينقذني منهم او من الوصول بسلامة إلى البيت إلا بوبي !! بوبي حبيبي وسندي وخط الدفاع الأول لنا ولمنزلنا وللحيوانات التي كنا نربيها من الماعز والخرفان!! كان بوبي حاسس بمصيبه جايه لي ، لذلك كان يتبعني على استحياء وكأنه يأمن لي طريق المخاطر ! والتحم كلبنا الأمين بوبي في معركة غير متكافئة من أجل خاطري وعطل مهمتهم من افتراسي ولكن تأثر بجروح كبيره وتعرض للنهش حتى خرجت امي واخواني لطرد الكلاب وفض الاشتباك وإنقاذ حارسنا الأمين بوبي ! هذا الكلب الذي تم إعدامه بعد سنوات من قبل جنود حماية المطار أثناء حملتهم على الكلاب الضالة سقط بوبي شهيدا لعدم فهم وإدراك العساكر انه كلب منزلي مروض يتبع العائلة ورفضوا حتى ان يتفاهموا معنا وتم إطلاق النار عليه امام اعيوننا وصرخ بصيحة غريبة وعجيبة مازالت ترن في أذني وخصوصا لآخر مره شاهدت كائن يقتل أمامي وحزنت عليه ومازلت حزينا على بوبي لانه من انقذ حياتي ذات يوم ولم نستطع نحن ان نحميه من بشر مثلنا
رحم الله كلبنا الوفي بوبي
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١١)
قالت لي :
( قريبا ستراني في عدن لاني لم ارتاح للعيش في بغداد )
كانت حفلة البحرية التي حضرتها مع ابن خالتي الفنان فضل كريدي والذي كان قائدا لفرقة البحرية الفنية عندما كان موظف في بحرية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في السبعينيات ومن هنا كانت علاقته بالشهيد الشاعر ناصر علوي الحميقاني الذي شكلا معا ثنائي رائع تمخض في ولادة أروع الألحان الغنائية للفنان الكريدي وكلمات العبقري الحميقاني ، فكانت اغاني ياغائب متى باتعود و خلاص ارجوك تنساني و خسارة وانا افتكرتك صديق و القبقبه للولي و غيرها في تلك الفترة ترند وكان الكريدي مطلوب في الأعراس الرجالية والنسائية في عدن ولحج وابين وحتى حضرموت وكانت فترة المجد الفني لهما !! المهم عندما أخذني معه في تلك الليلة لمشاهدة الحفل الفني المقام هناك بمناسبة تأسيس القوة البحرية ، شاهدت لأول مرة فرقة أشيد للاغنية السياسية على خشبة المسرح وهي في مجدها خصوصا بعد أن شاهدتها في سهرة تلفزيونية قبل عدة أشهر وتقريبا كنت على معرفة بأسماء معظم طاقمها الفني وخصوصا قائدها الفنان الراحل الكبير جعفر حسن وأخته الفنانة الهام حسن وذكرى محمد عبدالله ومن العازفين عارف جمن و نوفل نصر عباس وآخرين... حينها كنت في الاعدادية ولم اكن اعرف اني في يوما ما سأكوّن صداقة مع اخي الموسيقار الكبير عارف جمن صديق وزميل الدراسة بمعهد الفنون ورفيق رحلة الدراسة إلى الاتحاد السوفيتي لاحقا وان يصبح نوفل نصر عباس من اعز الأصدقاء ورفيق العمر وزميل الدراسة الجامعية في أوكرانيا وبيلاروسيا في زمن الاتحاد السوفيتي وارتبطت بصداقات مع معظم نجوم فرقة أشيد ومنهم وهيب جرادي رحمة الله عليه و الصديق العراقي جاسم ابو زهرة الخلوق والعاشق لعدن وكان ايقاعي الفرقة ، انما ان يصبح جعفر حسن من المقربين لي ونعمل معا كمدرسين في معهد الفنون الجميلة وصديق ورفيق لي شي مذهل و حتى اغانينا المسرحية التي قدمناها على خشبة المسرح الوطني مطلع التسعينات تم تسجيلها في استديو جعفر حسن وعزف لنا عارف جمن و المرحوم ضياء على الاورج و جمال عقيل على الإيقاع ونشطان على الدف !! تلك الاغاني لمسرحيات دنيا فالتو و ويابلاشاه وهبللو من الديش قام بتسجيلها جعفر حسن رحمة الله عليه !! والحقيقة أن الست الهام هي من تربعت على عرش الحب الأكثر في قلوبنا لها عندما كانت مدرستنا بالمعهد لمادة الغناء والتذوق الموسيقي وارتبطنا بها كمربية أولا وكفنانه نعشقها و اخت كبيرة لنا ، حيث كانت تمتاز في اسلوبها التربوي وتتعامل معنا بصفتنا فنانيين وليسوا مجرد طلاب وكانت تشجعنا خصوصا انها كانت هي أيضا تجيد التمثيل وتتمتع بمواهب متعدده ولها أعمال درامية موثقة في تلفزيون عدن على ما اتذكر!!
من تلك الحفلة التي رأيتها فيها وانا طالب اعدادي مرورا بدخولي معهد الفنون وانتهاء بالعمل مدرسا فيه ، كانت علاقتي مميزة مع الأستاذ جعفر حسن والست الهام حسن ! المفاجأة عند عودتي من الدراسة الجامعية من الاتحاد السوفيتي عرفت ان الهام حسن رحمة الله عليها غادرت البلاد وعادت إلى بلدها العراق بعد أن أصدر الرئيس العراقي صدام حسين العفو العام على المعارضين السياسيين ! وبعد حوالي عام سافرنا إلى العراق للمشاركة في المهرجان الثالث للمسرح العربي في بغداد ، حيث كنت ضمن الوفد (العشوائي) هكذا أطلقه علينا زملائنا بفرقة المسرح الوطني التي كانت تمثل الوفد الرسمي المشترك بعد( الوحدة) في تقديم العمل المسرحي الذي ابهر جمهور بغداد وابهر النقاد من بطولة عميد المسرح علي احمد يافعي و تأليفه بعنوان ( الحكمة يمانية) وإخراج صفوت الغشم وشارك البطولة الزملاء نجوم المسرح هاشم السيد و محاسن سعيد وآخرون ، المهم كنت انا ضمن فرقة أكتوبر الأهلية بالشيخ عثمان المشاركة على هامش المهرجان وليس ضمن المسابقة على جوائز المهرجان وكان عمل لكاتب فلسطيني من إعداد وإخراج الزميل ياسر سلام ومن تمثيل عقلان مرشد رحمة الله عليه والزميلة انصاف علوي و انا و الشابة فوزية سالمين وآخرون وتلقينا الدعم مباشرة من السيد علي سالم البيض نائب رئيس الجمهورية بصفتنا فرقة أهلية بينما الفرقة الرسمية سافرت عبر وزارة الثقافة والسياحة ! لذلك أطلق علينا الوفد العشوائي!! ومع ذلك لم نعرض عملنا وهذه حكاية أخرى وقصة لها أسبابها !ساستعرضها بحكاية أخرى في وقت لاحق.
كانت رحلتي لبغداد شتاء ١٩٩٢م رحلة عادية ولم يكن في الحسبان أن تكون هناك المفاجأة !! عندما جاني اتصال من استعلامات فندق المنصور الذي نزلنا فيه و يطلب مني النزول من أجل ضيوف يريدون مقابلتي! وهنا كانت الفرحة وانا أشاهد الهام حسن وهي تجري نحوي وتأخذني بالأحضان وكان معها عدة نساء ورجال و تقدمني لهم بفخر واعتزاز وتقول لهم هذا ابني عبدالسلام عامر !! وكانوا جميعا أهلها واقاربها !! وقالت ؛ (عرفت ان وفد مسرح من عدن حضر إلى المهرجان فقررت الحضور لالتقي باهلي في عدن وعندما التقيت بالوفد و علمت منهم بوجودك فرحتي اكتملت !!) وكانت صادقة بمشاعرها ! ما أعظم الهام حسن ومااروع ان تقابل في حياتك اناس يحفظون الود لك ❤
الهام حسن كانت امراءة عصامية وبسيطة جدا تحب الناس وتعشق الحياة واصيلة من بيت اصيل في كردستان العراق ! وقبل نهاية المهرجان حضرت مرة أخرى لتوديعنا وحينها قالت لي الكلام الذي جعلني فخور بعدن عندما اخبرتني بسرية تامة حتى لايسمع اهلها المرافقين لها حيث قالت ؛ قريبا ستراني في عدن لاني لم ارتاح للعيش في بغداد !! كلام قد لا يصدق انما من الهام ومن عرفها جيدا تصدقها فورا وابلغتني رسالة شفوية لأخينا جعفر حسن حينها كنا معا مدرسين بالمعهد! وبالفعل عادت الهام وكأنها كانت على ميعاد مع القدر ، القدر الذي جمعني بها صدفة وهي مارة امام مبنى المعوقين بالمنصورة في شهر رمضان وانا اقدم مسرحيتي الداهوفة عام ١٩٩٨م وتوقفت امام بوابة المكان عندما شاهدتني وذهبت إليها فورا ، وفضلنا نتحدث عن الدنيا والامور التي تدهورت في حياتنا وخصوصا بعد ١٩٩٤م وابلغتها اني ساغادر العام القادم لمواصلة دراستي العليا ، ففرحت جدا ،حينها فوجئت وهي تخبرني بمرضها ولكن بطريقة حزينة شعرت انها لا تريد أن تبوح لي بنوع المرض وكانت ترتدي عباية سوداء و خمار ابيض اكسبها جمالا غريبا وكان وجهها مشرق ولا أدري وهي تغادرني وتذهب رويدا رويدا ، بقيت انظر إليها طويلا وهي تمشي حتى اختفت عن انظاري ولم اكن اعلم اني أودعها الوداع الأخير !! ورحلت عن الدنيا وانا خارج البلد ولا أعلم حتى يومنا هذا سبب وفاتها ونوع مرضها لكني أعلم جيدا ان الهام حسن مازالت تتمشى في نفس الشارع بالمنصورة حيث ودعتها ومازالت تمشي بالطريق كما رأيتها آخر مرة !
رحم الله الهام حسن الفنانة والانسانة التي ابت العيش في بغداد وعادت إلى عدن لتموت فيها
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١٩)
( موقد امي وراديو بيتنا وبسكويت الميزان ومسدس خالي في وفاة جمال عبدالناصر )
كانت امي كعادتها كل صباح تفتح راديو عدن مع القرآن الكريم وتبدأ بمهامها الصباحية اليومية بتجهيز الخبز لافواه الارانب الذي هم نحن !! طبعا كان الوالد كعادته أيضا لا يقطع علينا بسكويت الميزان (ابو أربع) في كل شهر مع بقية المواد الغذائية الأساسية ولذلك لابد أولا أن ننهض ويلتهم كل فرد من العائلة البسكويت المخصص له كل صباح مع الشاي قبل الفطور الذي تقوم بإعداده لنا الوالدة واختي فطوم قبل أن تتزوج على الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه ، كل ذلك كان اقرب الى الروتين إلا أن الفطور أحيانا يتغير اما خبز ملوح على الطاوة او خبز ملوح بالموفا او الميفا كما يطلق عليها صهري رحمة الله عليه عبدالله اللبرش على طريقة كلام اهله في موديه! وأحيانا ونادرا جدا ما كان يكون فطورنا خبز الفرن أي ( الروتي) المهم رغم كل الصعاب في السبعينيات والوضع الاقتصادي وتخفيض الراتب واجب إلا أن والدي رحمة الله عليه لم يقطع علينا بسكويت الميزان ابدا!
لقد عشنا حياة كأي أسرة في ضروف صعبة إلا أن الغذاء والكسوة و التعليم كانت من أولويات وآلدي رحمة الله عليه ولا يقبل ان يساوم عليها فنحن كنا غايته وهدفه الذي كان ينشده لنا !! المهم وفي ذلك الصباح الذي كان من المفترض يتوافق مع ذهاب اخي منصور عامر في أول يوم دراسي له بحياته للالتحاق بالمدرسة استمر القرآن الكريم في الإذاعة دون أن يتوقف والمفروض ان هناك برنامج صباحي يذاع بعد القرآن كالعاده حينها كنت انا اجلس على الأرض بجانب موقد النار الذي تطبخ عليه امي الخبز واساعدها في إدخال الحطب تحت الموقد! نعم نعم لم يكن لدينا آنذاك شوله بالغاز او شوله مع الفرم بل كنا مثل معظم اهل عدن نمتلك شوله ابو ذباله وتستخدم بالجاز فقط بالاضافة الى موقد عربي قديم يتم بنائه من الحجاره وتراب الأرض الزراعية ( الطين) وبجواره تبنى الموفا من الطين أيضا لطهي خبز الملوح و السكوع والخمير اللحجي . المهم فجاة امي تحدث نفسها بصوت مسموع قائلة الله مااجعله خير القرآن طال اليوم في الراديو مخاطبه اختي بينما خالي صالح ابو نبيل صالح مدافع نادي الشرارة في نهاية الثمانينات رحمة الله عليهما الاثنان كان ضيفا علينا وقد جاء بالليلة الماضية وكان نائم على السرير ابو حبال بالجهة المقابلة للموقد في حوش المنزل !
بينما القران مستمر بالراديو نرى هبوط طائرة مصرية في مطار عدن من خلال شبك الحوش وعندما شاهدتها امي استغربت لموعد وصول طائرة عكس البرنامج لوصول الطائرات !! طبعا بحكم وجود منزلنا في منطقة الجولف كلوب وهو تقريبا جزء من حرم المطار وأصبحنا جميعنا خبراء بموعد وصول الطائرات فكنا نعرف متى تهبط الطائرة الجزائرية ومتى تهبط الهندية ومتى تأتي الإثيوبية ومتى طيران الشرق الأوسط اللبنانية نعم نعم كل هذه شركات الطيران كانت تأتي إلى عدن ناهيك عن الايروفلوت والصينية!! المهم امي تداركت الأمر وقالت اليوم ليس موعد وصول الطائرة المصرية !! وبعد حوالي نصف ساعة يتوقف القرآن الكريم بالإذاعة و تبث موسيقى حزينه ثم يبدأ المذيع في قراءة خبر وليس أخبار ويعلن عن وفاة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر !!! وحقيقة لم أرى في حياتي امي هذه الإنسانة البسيطة والغير متعلمه على وجهها حزن وقهر وانا طفل بجوارها بعمر ست سنوات إلا اني تفاعلت مع ردة فعلها حين قالت انا لله وإنا إليه راجعون الله يرحمك يا جمال وفي تلك اللحظة خالي الذي كان مغطى بالبطانية يبدو أنه سمع الخبر من الإذاعة ولم يكن نائم نهض بقوة وصرخ قائلا ؛ اكيد قتلوه بمسدس ابو عجل!! طبعا خالي كان يحكي لنا محاكي او محازي ويمتاز بها وورثها من امه جدتي فاطمة رحمة الله عليها وانا لاحقا تميزت بذلك مع اقراني من الأطفال وكنت احاكيهم المحازي او المحزاية! ولذلك كل محازي خالي كانت اكشن كلها فيها قتل و مسدسات لذلك أول ما خطر في باله ان عبدالناصر قتل ولم يمت موت طبيعي ! وبعد فترة وجيزة غادرت الطائرة المصرية !! بعدهاعرفنا من الاخبار بالراديو انها نقلت الرئيس سالم ربيع علي لحضور جنازة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر رحمة الله عليه الذي بكيناه ونبكيه وسنظل نبكيه حتى يومنا هذا خصوصا ما نراه يحصل من عبث في هذا الزمن الذي نفتقد فيه لرجال دوله ورجال مواقف ورجال مواجهه مع العدو الصهيوني !
كانت لحظات فارقة في حياتي كطفل وأدركت الوعي السياسي مبكرا بفضل والدي الذي كان من أولوياته الأخرى الإذاعة نهارا لسماع عدن وليلا لسماع إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن ! لقد شربنا مفاهيم السياسة وعرفنا العالم وأسماء الزعماء فيه وأسماء العواصم من خلال الراديو ! اليوم عندما استعيد تلك الطفولة التي عشتها اتسائل دائمآ هل يا ترى يوجد أطفال في سني ذاك في هذا الزمن يمتلكون المعرفة كم كنت انا ؟!! مع أن كل الإمكانيات حاليا متوفرة لهم وفي ايديهم! انما لا اعتقد ذلك لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض بها ، ثم الشكل الآخر الذي أثر على فهمي وادراكي المبكر كان اخوتي جميعا ونقاشاتهم وتسائلاتهم للوالد في الأحداث التي تبثها الراديو ! كان تأثير وفاة جمال عبدالناصر في حياتي حاضرا فكانت أول أسطر لقصيدة حفظتها من خلال اخي الكبير المرحوم محمد عامر وهو يلقيها ويحتفظ بالابيات التي كتبها الشاعر نزار قباني في رثاء جمال عبدالناصر التي يقول في مطلعها ؛
قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلناه
وكم من امام ذبحناه
وهو يصلي صلاة العشاء
فتاريخنا كله محناه وايامنا كلها كربلاء .. الخ
هذه القصيدة كاملة كانت من أسباب تجاوزي امتحان القبول في الإلقاء لدخولي قسم المسرح بمعهد الفنون الجميلة وهي نفسها قدمتها في مدينة كييف لامتحان قبولي بالدراسة الأكاديمية بالاتحاد السوفيتي وهي ايضا بعد أن ترجمتها كاملة للروسية و قدمتها في امتحان مادة الإلقاء المسرحي في عام التخرج وامام الجمهور في أكاديمية الفنون البيلاروسية !!
رحم الله جمال عبد الناصر ورحم الله اخي محمد عامر ورحم الله أبي وأمي ورحم الله الشاعر نزار قباني
د عبدالسلام عامر
ديسمبر ٢٠٢٤
***
( ٢١ )
(صديقي سامر الزرقا حين قال لي في دمشق ساخرا : عندما عملت حصان في موسكو وخلعت معطفك ودرجة حرارة عشرين تحت الصفر لتدفئ تينا الالمانية ماحسيت بالبرد مش هيك ؟! )
كان شتاء دمشق قارص جدا مع اني قدمت من الاتحاد السوفيتي الذي كان فيه الشتاء أشد بروده في شتاء ١٩٨٨م ، حيث بقينا في مطار شيرميتفا الروسي ثلاث ايام انا وصديقي سامر الزرقا ابن مدينة التل في ريف دمشق والذي استضافني ضيفا عزيزا بمنزلهم ! كانت رحلته قبلي بحوالي ١٢ ساعه بينما رحلتي انا بعده ، و مع ذلك غادرنا مينسك مباشرة بعد الانتهاء من الامتحانات الشتوية في اتجاه موسكو وقررنا أن نعيش ثلاث ايام بلياليها في مطار شيرميتفا بموسكو كتجربة جديدة باختيارنا! فمن لا يعرف ماذا يعني مطار شيرميتفا فهو المطار الرئيسي والاضخم في أوروبا ويستقبل طيران العالم وتقريبا لا تتوقف فيه الحركة ، كل خمس دقائق تهبط طائرة على مدار الساعه ويعتبر همزة وصل لمختلف بلاد العالم بمشرقها ومغربها ! كان ذهابنا قبل موعد سفرنا له فوائد وتجارب خضناها اثناء وجودنا بالمطار عشنا اجمل ثلاث ايام بلياليها بذكريات إنسانية ورومانسية !!! شاهدنا طائفة من الألمان السوفييت تغادر الاتحاد السوفيتي عائدة إلى موطنها الام خصوصا بعد البروسترويكا التي أراد ميخائيل غورباتشوف ان يقوم بإعادة بناء الاتحاد السوفيتي آنذاك ، وإعلان الانفتاح والمراجعة ومن أهمها السماح بالمغادرة لأبناء واحفاد الألمان الذين وقعوا في الأسر أثناء الحرب العالمية الثانية وتم الحكم عليهم في العمل بالبناء لإعادة بناء مادمروه والاستفادة من الطاقة البشرية مع منحهم الجنسية السوفيتية والعيش كمواطنين سوفييت ! فمنهم كثيرون أصبحوا فعلا مواطنون سوفييت واحبو الحياة فيها بينما قلة منهم من ارادو العودة في تلك المرحلة ، فشاهدنا أسر تبكي وهي تفارق احبتها و ابن يترك أبويه عائدا إلى بلد لا يعرفها سوى أنها بلد اجداده والعكس صحيح و غيرها من المواقف الإنسانية!! كما تعرفنا هناك بشباب من فلسطين وسوريا وتونس والجزائر قادمون من مدن سوفيتية اخرى مغادرون إلى بلدانهم ولكن اجمل لحظة كانت عندما التقينا انا وصديقي سامر بفتاتين المانيتين كاترينا وتينا ووصلتا مثلنا قبل موعد سفرهن و قضينا واياهن اجمل ليلتين في صالة المطار ناكل ونشرب معا وفي صقيع موسكو فجرا ودرجة الحرارة ٢٠ تحت الصفر عندما كنا نقرر أن ندخن السجارة انا وتينا نضطر للخروج من المبنى على قارعة مدخل المطار ونتجول بجواره!! المهم اننا فزنا بعناوينهن وطلبوا ان ندعوهم لزيارة مدينة مينسك بعد العودة من الاجازة الشتوية وهذه حكاية أخرى ! المهم أثناء وصولي إلى دمشق استقبلني سامر ووالدته رحمة الله عليها خاله إسعاف وركبت في السيارة التاريخية التي كان يملكها صديقي سامر وهي سيارة عتيقة سوداء مثل التي نراها في افلام الاسود والأبيض سياره اثريه لا اتذكر الماركه انما نسخة من سيارة جمال عبد الناصر عندما كان ضابط في الجيش المصري ! حينها اطلقت عليها سيارة محمد عبدالوهاب طبعا من أهم ما بقي محفور في رحلتي الأولى إلى دمشق في ضيافة صديقي واخي سامر والذي أصبحنا أكثر من اخوه اني تعرفت على جميع أفراد عائلته و اخوه الأكبر سعد الدين أبو ربيع كان مغني ممتاز جدا بالاضافة الى سامر فهو عازف عود متمكن وكان يرافق اخيه في الاحتفالات الخاصة جدا عند المقربين التي يحيها بمدينة التل ! ومن المشاهد التي لاتنسى عندما ذهبنا إلى جوار جامعة دمشق وكان سامر يمتلك روح النكته والسخريه ابو دم خفيف وهو يعلق ساخرا عن سيارته العتيقة والمميزة وهي تتمخطر وسط شوارع دمشق بينما فتيات الجامعة يضحكون لحظات بقيت في ذاكرتي كما ان حضوري حفل زفاف أقرباء صديق سامر شاب فلسطيني اسمه سامر ايضا وحضوري الحفل معهم لعائلة من اهل غزة النازحين منذ حرب ١٩٦٧م إلى دمشق وشاركتهم الرقص بينما سامر شاركهم بالعزف على العود ! كل ذلك في شتاء دمشق الذي كنت اعتقد انه عادي وذات يوم خرجت بجاكيت خفيف وحينها أدركت مدى البروده واخبرت صديقي باني سأموت من البرد حينها رد عليا مازحا وساخرا وعندما كنت في موسكو وسط عشرين درجه تحت الصفر وعملت حصان وخلعت معطفك لتدفئ تينا الألمانية ما حسيت حينها بالبرد مش هيك؟!
انما كان آخر يوم لي بعد أسبوعين مسك الختام في دمشق من اجمل واروع وأحلى الليالي عندما ذهبنا بصحبة ابو ربيع واولاد اخت سامر لحضور مسرحية شقائق النعمان للنجم الكبير دريد لحام وللأسف لم نجد تذاكر بيع بالمسرح واخبرونا ان التذاكر انتهت ولا توجد مقاعد والمسرحية ستعرض بعد ربع ساعة حينها بذكاء من سامر قال لهم معي ضيف فنان مسرحي من اليمن ومسافر غدا ويرغب بمشاهدة المسرحية حينها ابلغونا ان ننتظر لحظة وسيتم الحديث مع دريد لحام لان لدية غرفة البلكونه مخصوصة للضيوف والزوار الكبار فإذا لم يكن أحد قادم ممكن نحكي معه !! وبالفعل بعد دقائق ابدا دريد لحام موافقته وطلب دخولنا فورا ! و كانت لحظة عظيمة عندما ظهر دريد لحام بداية المسرحية فوقف يحيي الجمهور ثم التفت نحونا في البلكونه ويحينا أيضا تحية خاصة ! هذه سوريه العربية كما عرفناها التي كانت مفتوحة لكل العرب يدخلوها امنيين و يستقبلون احسن استقبال وهكذا شعب سوريه العظيم المؤمن بوحدة المصير الذي لا يعرف معنى العنصرية ! غادرت اليوم التالي عائدا إلى الاتحاد السوفيتي بينما سامر عاد بعد اسبوع ! انتهت رحلتي الأولى إلى دمشق (الشام) كما يحلو للسوريين تسميتها وعشقتها وحبيت شعبها واكلت اطعم الوجبات فيها وشاهدت عبق التاريخ منها و كررت زياراتي لها وفي كل زيارة حكاية !
تحيا سورية ويحيا شعبها وستبقى سوريه عربيه ان شاء الله
د عبدالسلام عامر
يناير ٢٠٢٥
***
( المراهقة)
عندما غادرت فتاة أحلامي ذات يوم، لم أكن اتخيل انها راحلة إلى الأبد! خاصة إن بلدها بلد الثلوج ولا يمكن الوصول إليها مهما فعلت، كان حينها تفكيري وانا في الرابعة عشر من عمري، حزنت لسفرها كثيرا!! فقد كانت تصغرني بثلاث سنوات وتمتاز باللون الحنطي الروسي والعيون الخضراء و الشعر الذهبي الغامق!
عندما رحلت، رحلت معها كل أحلامي وبقيت ذكريات حي لينين السكني في مدينة صلاح الدين والشارع الذي كان ليس ببعيد عن سكني، وغادرت اسرتي مدينة صلاح الدين في العام التالي ولم تبق سوى ذكريات جميلة قضيتها مع تلك الفتاة الرشيقة والشقية والمرحة والجميلة في اللعب والزهو و حضوري السينما الروسية للخبراء السوفييت معها ومع الأصدقاء من العرب والسوفييت، ومرت السنيين وتغيرت الأحوال وبعد تسع سنوات أجد نفسي في بلد الثلوج وفي مدينتها تحديدا عاصمة أوكرانيا السوفيتية مدينة كييف ذات القبب الذهبية!!، حينها رأيت هناك الف فتاة وفتاة كفتاة أحلامي و سخرت من نفسي عندما ضاعت صورة فتاة أحلامي امام الكم الرهيب من جمال الاوكرانيات اللواتي بسببهن نسيت كل تلك المشاعر التي احتفظت بها منذ الطفولة لها!! يا اسفاه على صورة ذهنية تمنيت أن تبقى في خيالي أفضل بكثير من حقائق عشتها فيما بعد لم ولن تكون في صورة فتاة أحلامي التي مسحت تماما من ذاكرتي!
* ملاحظة: أحد الأصدقاء ونحن أطفال وجد صديقته أيضا في أوكرانيا عندما ذهب للدراسة بعدي بسنوات قليلة !! محظوظ
د عبدالسلام عامر
أغسطس ٢٠٢٤م
***
(٢)
( حكاية سندريللا فقم )
كنت بداية العام الدراسي ١٩٧٨م ١٩٧٩م بالصف الثاني اعدادي بمدرسة ١٧ أبريل في مدينة صلاح الدين، هذه المدرسة التي سميت تخليدا ليوم انتفاضة الصيادين وكان موقعها في قرية فقم الساحلية قرية الصيادين وبعد أن تم خروج تلاميذ مدرسة الزحف الأحمر من صلاح الدين وتحويلهم إلى النجمة الحمراء في لحج تم منح البنايات الخاصة بالزحف إلى التربية والتعليم وفيها درست من الصف السادس حتى ثاني اعدادي وكانت المدرسة الأولى في تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مدرسة مختلطة قبل أن يصدر قرار المدارس المختلطة، حيث كانت طبيعة سكان فقم وصلاح الدين قليلو العدد وبالتالي كان كل عام تقريبا فصل واحد فقط لكل مرحلة فتيات وأولاد، حيث كان الفصل الدراسي الذي كنت فيه اثنى عشر ولدا وثمان فتيات أي عشرون طالبا!
كنت في هذا العام حزينا، مع بداية العام كوننا استقبلنا العام بعد اغتيال حبيب الكادحين ونصير الفقراء رئيسنا الخالد سالم ربيع علي( بابا سالمين) وخصوصا غياب أحد أساتذة مادة الوطنية الأستاذ غرامة الذي دفع ثمن حبه وإيمانه الراسخ بالرئيس سالمين!!! وفي أول يوم دراسي، وانا في حالي قاعد على أرجوحة المدرسة (أرجوحة انجليزية) من بقايا الاستعمار البغيض الله يذكرهم بالخير، فجأة قعدت بجواري فتاة لأول مرة أراها في الفترة الصباحية أي طالبة في الصف السادس ولم اكن أراها لأنها كانت في فترة الظهيرة في العامين المنصرمين، فما ان شاهدتها خطفتني بروحها وجمالها ولهجتها (الفقميه) ووتقاطيع وجهها سبحان من صور نسخة مصغرة من ميرفت امين حرفيا كما اوصفها لكم! وفي سرعة بديهة مني قلت لها، من انتي؟ انسيه ام جنية؟! وكونها فتاة جريئة خبطتني بظهري وقالت؛ كيف تشوف الآن جنية ولا انسية؟! كانت بمثابة تعويض عن رحيل فتاة أحلامي الأوكرانية التي سبق وحدثتكم عنها في الحلقة الأولى!
هذه الفتاة الجميلة كانت مثل سحابة صيف عابرة عشت واياها حوالي ٢٠ يوما بالمدرسة أفضل أيام الصداقة البريئة حتى جاء خبر رحيلنا إلى المنصورة كالصاعقة، أثناء عودتي من المدرسة وجدت البيت خاليا من الأثاث فقد شحنهم اخي علي عامر والوالدة ولم أجد إلا اختي منتظرة عودتنا من المدرسة انا واخي منصور لابلاغنا بخبر الرحيل المقرر له عصرا!!
يعني خلاص لم أستطع أرى سندريللا فقم التي كنت أطلق عليها مداعبة لها؟!
هكذا هو حال الدنيا رحلنا ورحلت قصة لم تبتدئ وربما كما يقال النصيب لا احد يعرف اين يكون والحياة تستمر!! انما المصيبة عند عودتنا إلى مدارس الشيخ عثمان ورغم اني التقيت بزملاء الابتدائية في إعدادية ميفعة ٣٠ نوفمبر سابقا في الفصل الاصدقاء ومنهم كابتن جمال سندو وكابتن ماهر حسن السروري وكابتن وهيب ياسين والصديق عصام بجاش والصديق علي الصوفي وبنفس المدرسة حبيبي مشتاق محمد سعد عبدالله الا اني بقيت حوالي شهر لم استوعب الحياة المدرسية في مدرسة ذكورية
كانت ايامنا حلوة وبراءة وثقة بالنفس وفتيات زميلات دراسة من مختلف محافظات الجنوب كل واحدة بعشرة رجال، ربي يحفظهن ومعظمهن اتابع سيرة حياتهن ونجاحهن في حياتهن العملية والزوجية منهن في صلاح الدين ومنهن في فقم ومنهن في مدن أخرى بعدن! انما السندريللا لم ولن اعرف عنها أي شي حتى يومنا هذا !!!
د عبدالسلام عامر
أغسطس ٢٠٢٤م
***
( ٣ )
(لو كان البحر حلبة كم بايكفيها خبز)
كان صباحا كصباح هذه الايام تقريبا جو غائم وممطر، كنت حينها استعد صباحا بمرافقة صديق عمري الفنان الموسيقي الجميل عبدالعزيز مكرد عازف الكمان إلى عمله، حيث كان يعمل عازفا في الفرقة الفنية لوزارة الداخلية ونائبا لقائد الفرقة الفنان سالم الحطاب! نعم نعم كانت دولة الجنوب تعتني بالفن والموسيقى وتشجع المواهب وتدعمهم بل وتنشئ فرق فنية رسمية بوظائف للمبدعين فيها، وكنت حينها مازلت طالبا في معهد الفنون الجميلة في قسم المسرح، حينها شجعني صديقي عزيز ان ارافقه للحضور وأشاهد بروفات الفرقة التي كانت تداوم صباحا في مقرها الكائن في حلقات بكريتر، طبعا ونحن في انتظار الباص الكوستر الخاص بالفرقة لنقل مجموعة الشيخ عثمان والمنصوره سمعنا خبر عن سقوط طائرة اليمدا النقل الداخلي رحلة عدن حضرموت في ساحل أبين!! وصعدنا الباص وقرر سائق الباص بطلب من أعضاء الفرقة ان يقف وننزل نتابع الحدث الجلل في ساحل أبين وكان مشهدا حزينا ونحن نرى جهود الصيادين بقواربهم يخرجون الجثث من البحر وتحولت زخات المطر إلى دموع تأتي من السماء وسحابة الغيم إلى ثوب حداد اسود على الناس البسطاء من اخوتنا من أبناء حضرموت الذين كانوا حقا شهداء المصاب الجلل!! وعرفنا فيما بعد أن من الضحايا في هذا اليوم الأليم كان المضيف الجوي زكريا رحمة الله عليه وهو أحد مؤسسي فرقة الفنون الشعبية ١٩٧٤م مع الكثير من الزملاء ومن بينهم زوجته زميلتنا الموظفة بعد ذلك في وزارة الثقافة قسم ثقافة الطفل بعد تخرجها من الجامعة ايمان احمد قاسم!
كانت الأحداث تتسارع وبعد فترة شاهدنا توافد المسؤولين والخبراء السوفييت وفرق الإنقاذ وتجمهرت الناس لمتابعة ما يحدث وكان الخبراء الروس هدفهم واحد وواضح الطائرة البوينج ذات الصناعة الأمريكية بينما المسؤولين هدفهم إنقاذ الأحياء ان امكن بينما ونحن في قمة الحزن والذهول، كان الاخ المناضل علي عنتر نائب الرئيس وهو على رأس المسؤولين يتابع باهتمام خروج الجثث لعله يجد شخصا على قيد الحياة لكن لا أمل معظم الشهداء ماتوا من الغرق خصوصا ان الطائرة سقطت بعد دقيقه من اقلاعها رحمة الله عليهم.. وبينما كنا في حالة صمت وكعادة الاخ علي عنتر يريد أن يعطي للناس من روحه ومداعبته رغم الوجع، حينها كنت ضمن المجاميع القريبه من نائب الرئيس حيث وضع كف يده على جبهة رأسه وظل ينظر باهتمام إلى أعماق البحر ومن ثم يتساءل قائلا: "ياعيال لو كان هذا البحر حلبه كم بايكفيه خبز!" حينها انفجرنا من الضحك، رحمة الله عليك ياعم علي كنت بسيطا وتحب النكته حتى أن كانت عليك!! والمعروف على علي عنتر حتى في خطاباته كان يتمتع بالفكاهة!
وعند مغادرتنا الموقع والتحرك شاهدنا وصول الرئيس علي ناصر محمد لمتابعة الحدث! هكذا كانت دولتنا وهكذا كان رجال الدولة تجاه مواطنيهم ورعاياهم! ولا يتركون كل صغيرة وكبيرة الا ان يكونوا مع الشعب وبينهم! لذلك نسميه الزمن الجميل بكل تفاصيله!
***
( ٤ )
( الأماكن كلها تشتاق لك )
المرحلة الأولى من ذكريات طفولتي التي اعتبرها المرحلة الانتقالية للطفولة عندما بدأت مع دخولي المدرسة وبدأت تتشكل صحبة جديده مع أطفال من حي معسكر النصر المجاور لبيتنا الذي كان في نادي الجولف وسباق الخيول، حيث عشنا هناك وكاننا في عزبة بعيدة عن دوشة الحياة كما في الأفلام العربي الأسود والأبيض القديمه ، ومن هنا يأتي ارتباطي بالأماكن الجديدة التي دخلت في حياتي ، حيث كانت البداية عندما كنا نذهب للدراسة بمدارس الشيخ عثمان وكان لابد من الدولة ان توفر لأطفال أبناء موظفي الشرطة وغير الشرطة القاطنون في منطقة العريش ونحن الأسرة الوحيدة القاطنون في نادي الجولف كلوب!! لذلك كانت أول حافلة تابعة للشرطة ركبتها باص يطلق عليه ( شبر) لااعرف لماذا سمي هكذا حتى هذه اللحظة !! لونه مثل لون سيارات الجيش الأخضر الغامق شبيه بلون المدرعات والحافلة من مخلفات الاستعمار البريطاني المحترم عفوا كانوا يقولون الاستعمار البغيض آنذاك!!! المهم هذا الباص أتذكر حتى يومنا هذا كان سائقه عبده فرحان الرجل الودود وهذا الباص أيضا أصبح فيما بعد أول باص لفريق نادي الشرطة وكان نفس السائق معهم وأعتقد أن نجوم كرة القدم كابتن نور الدين عبدالغني و كابتن عادل الهويدي يتذكرونه، أما نحن فأصبحت سيارة نقل الجند الايفا الألمانية هي من تنقلنا، المهم كانت تلك الفترة من مرحلة الطفولة تتشكل علاقات طفولية مع أصدقاء من الحي السكني في معسكر النصر وبدأنا نتبادل الزيارات فيما بيننا ومنهم كانت معرفتي بالصديق فضل ناصر وهو اخو نجم كرة القدم لنادي النصر التابع لمعسكر النصر ، حيث في تلك الفترة قبل تشكيل نادي الشرطة في دوري الدرجة الممتازة كان هناك دوري بين مرافق ومؤسسات وزارة الداخلية ومنها نادي النصر الذي كان يلعب فيه حسن ناصر اخو صاحبي و النجم عادل الهويدي ونجم الفريق سعيد سيف الذي اعتزل الكرة بعد اصابته بالركبة في مباراة الهجرة والنصر والراحل دهوم والنجم الناشئ الفكس واللاعب الشمساني لاحقا ابو دم خفيف العري وفريق الهجرة كان يلعب فيه الراحل نجم كرة القدم غازي عوض وفرق أخرى من مؤسسات الداخلية انما النصر والهجرة هي كانت اقوى الفرق ومنها تشكل فريق نادي الشرطة ، وعلى فكرة كنت انا وبقية أطفال النصر فريق ناشئي النصر ، واتذكر عندما لعبت لأول مره بحياتي بفانلة رياضية رسمية لفريق ونحن أطفال لاتتخيلو أي سعاده كنت فيها !! ومن بيننا كان اللاعب الوحيد الذي أصبح أحد نجوم خط دفاع فريق نادي الشرطة لاحقا صديقي الكابتن الجميل صالح عمر العقيد والضابط في مواني عدن اخو محمد عمر رئيس اللجان المجتمعية حاليا في حي معسكر النصر ، المهم من المفارقات من الأصدقاء كانت الزميلة والفنانة وردة البحيري ، المعروفه ، ورده سعيد كانت تكبرني بسنتين واخوها صديقي المقرب تلك الأيام ناصر سعيد العازف في الفرقة النحاسية التابعة للقوات المسلحة والفنانة في فرقة الفنون الشعبية التابعة للقوات المسلحة ناهد الجاوي وكانا يصغراني بسنتين حيث كانت ورده في الصف الخامس وانا ثالث ابتدائي بينما ناصر وناهد أول ابتدائي وجميعنا عملنا في الحقل الفني لاحقا ، واستمرت علاقاتنا وصحبتنا حتى وصلت إلى سادس ابتدائي ثم رحلت اسرتي إلى صلاح الدين ، والحقيقة وردة البحيري كانت نجمة ومشهورة منذ الطفولة حيث بدأت تغني وهي بالمدرسة الابتدائية في حفلات رسمية يغني فيها نجوم الغناء عوض احمد و فضل كريدي و ياسين علس وفؤاد الشريف وحسن كريدي وكرامة مرسال و بن شامخ وسالم العامري ، تخيلوا ذلك ووردة بينهم هي واختها يسرا وبنت عمها سلمى اخت صديقي الآخر مقبل ! كل ذلك ترك لي قيمة الأماكن في حي النصر وداخل معسكر النصر ، ملعب الكرة ومستشفى النصر واهم شي البندرة الخاصة بجنود المعسكر الذين كانوا يعملون ويتدربون في الورشة المركزية لوزارة الداخلية الكائنة فيه! حيث كان الطباخين لا ينسون افواه الارانب الذين كنا نتكدس قبل المغرب لناكل من ألذ الوجبات وتحديدا كان الرغيف المحشي بعدس الدال او الخبز حق البندرة لم ولن أطعم خبز في حياتي مثل خبز البندرة والغريبة ان هذا الخبز نفس الطعم في جميع معسكرات الجيش والشرطة وخصوصا اني اكلت في بندرة صلاح الدين التابعة للكلية العسكرية وكمان اكلت في بندرة الشحن والتفريغ بالمعلا عندما كنت لاحقا وانا كبير ازور اخي علي عامر العقيد حاليا ! فالذكريات والأماكن في معسكر النصر منها ملعب النصر الذي كان يتدرب فيه نجوم كرة القدم لنادي الشرطة شاهدت اعظم النجوم بينهم عبدالله السيد واخوه طارق السيد ومحمد شرف ونور الدين عبدالغني وعزيز عبدالرحمن على الطبيعة في التدريبات ولا أنسى الكيك واللبن الذي كان يعطيهم المدرب الألماني بعد التدريب وكان النجوم يمنحون بدورهم لنا النصيب ويتقاصمون من الحلو معنا ، ومن أهم الأماكن أيضا ملعب كرة الطائرة الذي كنت أشاهد فتيات ممرضات مستشفى معسكر النصر يلعبن فيه، وشاهدت الكابتن عادل هويدي معهن يلعب الطائرة ويتم مداعبته من قبل الفتيات ( كان وسيم جدا ) ربنا يعطيه الصحة والعافية وحينها شاهدت فتاة من جميلات بنات مستشفى الشرطة وهي بالزي الأبيض الملائكي وهي تلعب وتمرح مع الكابتن وكنا أطفال انما كنا نغير!!
هكذا تكون الأماكن ، تشتاق لها يا قلبي ولكن لا يمكن للاماكن ان تحفظ في ذاكرة الإنسان خالية من الإنسان نفسة ! انها الحياة بتفاصيلها الجميلة واهم ذكرى اخيرة في معسكر النصر هو الكانتين او المقصف او مكان طعام الجنود الذي فيه تلفزيون ابو لمبه حق زمان وكان يتجمهر الجنود بعد العشاء ليتابعوا البرامج والمسلسل الأجنبي الذي كان يعرض آنذاك وقد نالني متعة مشاهدة التلفزيون من السادسة مساء حتى الثامنة ثم العودة إلى المنزل فكان لجهاز التلفزيون في معسكر النصر كغيري من أطفال الحي الفضل الكثير في معرفة أسرار الحياة وعجائب الدنيا وكنت مبهورا بذلك!!
إلى قلبي : الأماكن كلها مشتاقة لك !!.... وقلبي مشتاق لمعسكر النصر والحي السكني فيه ، فلابد من زيارة عاجلة قريبا بإذن الله
***
( ٥ )
( انا والمطر والسندريللا )
كان يوم ممطر في شتاء عدن ١٩٧٧م ، كانت مدينة صلاح الدين التي نعيش فيها كقطعة من مدن انجليزية !! نعم نعم مدينة صلاح الدين كانت مخططه ومبانيها على أعلى مستوى ، كانت كامباونت لضباط وجنود الجيش البريطاني وفيها الكنيسة وخارج محيط المدينة المقابر الخاصة بالانجليز ، طبعا بعد مغادرة الإنجليز بُعيد الاستقلال أصبحت المدينة لضباط وجنود القوات المسلحة الوطنية ومن هنا دخلت العائلات وسكنت فيها وهي أسر شابة والقليل من الأسر الكبيرة في السن ، المهم كنا نعيش يوم ماطر والمياة تتدفق من الجبال كشلالات وبسلاسة وتذهب في طريقها الآمن دون أن تتكدس المياه في الحي السكني بعكس ما يحصل اليوم فيها من عبث بعد أن تحولت بعد ١٩٩٤م إلى مدينة عشوائية وتخريب ممنهج لاجمل مدينة عشت فيها وأجمل مساكن في عدن كلها بل أصبحت قرية غبراء قبيحة بسبب البنايات العشوائية التي اخفت منظر وشكل المدينة ، والتي سمح بتشييدها بعد الاجتياح لعدن والجنوب من قبل نظام صنعاء وقوانينه المدمرة للحياة المدنية و تخطيط المدن التى ورثناه من الاستعمار البريطاني وعشنا على ارثه الجميل ! المهم ونحن في عز المطر نمرح ونغني انا وأصدقائي في هذا اليوم قررنا الذهاب مساء الى السينما ! نعم نعم كانت في صلاح الدين سينما أيضا وهي محاذية للكنيسة والتي تم تخريبها واحتلالها وتحويلها إلى منزل بعد ١٩٩٤م وكل ذلك التخريب الممنهج تم بايادي جنوبية ومن ابنائها الذي بعضهم أصبحوا يحملون الفكر التكفيري تحت مسمى التدين والعوده إلى الله وكان أهاليهم لم يكونوا يصلون ويصومون رمضان ، ليمررو مشروعهم الأناني في تخريب مدينتهم !! هكذا ضاعت المدينة وضاعت الحياة الترفيهية فيها حتى المراجيح العامه للاطفال التي تنتشر في الكامباونت لم تسلم من التخريب ! ما علينا ، دعوني استكمل لكم حكايتي مع السينما ، وعندما وصلنا وجدنا افيش الفيلم العربي (خلي بالك من زوزو) للنجمة سعاد حسني وقررنا نقطع التكيت ( التذاكر ) التذكره بشلن، ودخلنا وكان يوم الاثنين ، هذا اليوم تحديدا تمنح ربع المقاعد في السينما لطلاب الكلية العسكرية لحضور مشاهدة الأفلام وهم يرتدون لبسهم الرسمي الأنيق الذي يجعلك تشعر بفخر واعتزاز برجال القوات المسلحة . المهم دخلنا وقعدنا ، حينها كنت انا وأصدقائي في الصف الأول اعدادي نظام قديم ( سابع ابتدائي ) نظام استحدث وكنا نحن آخر طلاب النظام القديم في المرحلة الدراسية حيث بعدنا كانت المراحل الدراسية حتى ثامن ابتدائي ثم الانتقال إلى الثانوية نظام أربع سنوات ، بينما نحن درسنا حتى ثالث اعدادي ومن ثم صعدنا إلى الثانوية نظام الثلاث سنوات بينما الصاعدين من ثامن ابتدائي صعدو ثانوية نظام أربع سنوات وهي حالة استثنائية في تلك الفترة ومن هنا كان دراستي بمعهد الفنون أربع سنوات وليس ثلاث حيث تعدل النظام الثانوي إلى أربع وكنت انا وزملاء لي هناك من أتى مابعد ثالث اعدادي وهناك مابعد ثامن ابتدائي !! المهم بدأ عرض الفيلم وانا كعادتي شغوف منذ الطفولة بالسينما والدراما بعد النقلة النوعية في حياتي و العيش في صلاح الدين ، حيث لعبت السينما الصيفية الروسية هناك إلى جانب السينما العربية دورا كبيرا في مداركي المعرفية من خلال مشاهدة الأفلام في السينما ! شاهدت في المرحلة العمرية تلك افلام الأرض، الكرنك ، حمام الملاطيلي وهو فيلم سياسي بعكس مايروج له ، في بيتنا رجل ، الحفيد ، ثرثرة على النيل ، الوفاء العظيم . الرصاصة لاتزال في جيبي وافلام اخرى اجتماعية وكوميدية !! المهم وبينما الفيلم تتوالى فيه الأحداث واذا بالسماء تعاود تمطر والمعروف أن السينما مكشوفه والأمطار تتزايد وحينما بدأت اغنية يا ود يا تقيل واذا بزخات المطر تتحول إلى مياه تسكب علينا مثل الحنفية واذا بالمشاهدين يتهاربون ويغادرون السينما ومنهم رفاقي الصغار إلا انا لم اتزحزح من مقعدي كيف لا وانا امام نجمتي المفضلة سندريللا الشاشة فالعجيب ان أغادر وهي تغني وفي بداية الفيلم فبقيت اعيش لحظات الفيلم والمطر الدافئ ينعش فؤادي ! الشي المثير والغريب والعجيب أن طلاب الكلية العسكرية أيضا لم يتحرك منهم فرد ، بل ومتفاعلين مع الفيلم بكل وعي وإدراك لاحداثه ، هكذا كان رجال قوتنا الصلبة يعشقون القوى الناعمة وهكذا كان مصنع الرجال في الكلية العسكرية يعد المقاتل الإنسان ليحافظ على توازنه النفسي والمعنوي ويجعل منه رجل مدني قبل أن يكون عسكري ويصنع منه القيادي المثقف بالعلوم الإنسانية قبل العسكرية ! غادرت السينما بعد نهاية الفيلم وتوقفت الأمطار إلا أنني لم أجد بركة ماء او مستنقع في طريقي إلى البيت كل ذلك الفضل يعود لتخطيط المدينة التي تم تعطيلها فيما بعد بأيادي وغباء أهلها للأسف الشديد !!
الفيلم استمر اسبوع كامل في العرض وانا استمريت في مشاهدته وهو الفيلم الوحيد مع فيلم (أميرة حبي انا) أيضا لسعاد حسني الذي حضرت اسبوع كامل لمشاهدتهما!!
انها السندريللا يا سادة خطفت قلبي منذ الطفولة ومازالت تعيش معي في اسم ابنتي أميرة التي سميتها على اسم فيلم ( أميرة حبي انا )
د عبدالسلام عامر
سبتمبر ٢٠٢٤م
***
( ٦ )
(سندريللا الاغنية العدنية و الذهاب الى المدرسة !)
يا حبيب يسعد صباحك والصباح نوره بهاك ،، كانت هذه الاغنية نعمة في طفولتي فهي من جعلتني اعشق كل صباح و سر من أسرار النهوض باكرا في صباحات عدن في الزمن الجميل وانتظار بثها عبر الأثير وتعتبر اغنية سندريللا الاغنية العدنية صباح منصر اغنية الطفولة المفضلة لي ، حيث تمتاز بلحن ذو شجون وفيه عبق الصباح العدني وتفاصيل الروح العدنية التي جعلت منها مصدر إلهام لي بالذهاب إلى المدرسة منتعشا و تعتبر جزء من تكوين الذائقة الفنية لدي مبكرا !
كانت المدرسة لنا هدف اسمى في حياتنا ، و الحياة المدرسية المتنوعة جزء من تشكيل وعينا منذ الصغر ، حيث كان المعلم قدوتنا و التعليم هدفنا و الصحبة عنوان الاخوة ، ففي المدرسة تعرفنا على العلوم الإنسانية وفي المدرسة لعبنا كرة القدم وفي المدرسة انشدنا الاغاني الهادفة في المناسبات والأعياد!!
كان ذات يوم وانا اقف امام أستاذي الذي علمني أبجدية الحروف في الصف الأول ابتدائي أبوبكر القيسي عندما طلب مني اغني ، فكانت أول اغنية خطرت على بالي يا حبيب اسعد صباحك ، كان ذلك في أول يوم دراسي لي في حياتي حيث رافقني للمدرسة اخي الأكبر محمد عامر رحمة الله عليه واتذكر انه كان يؤكد لي أن احتل المقعد الامامي بالفصل عندما ندخل الفصل ، وبالفعل أول ما سمح لمجموعة سنة أولى 4/1 نعم كانت دفعتي بهذا الرقم بالابتدائية حتى 4/5 ، تسابقت مع بقية الأطفال وفزت بالمقعد الامامي وجاء بجواري زميل آخر يدعى خالد محمد ناصر بينما ابن عمه حل في المقعد خلفنا و اسمه ناصر علي ناصر ، و في هذه اللحظة تقدمت إلي امراءة وتحدثت معي بلغة أنيقة وبكل احترام وكأنها تتحدث مع وزير ، هكذا كانت نساء عدن ثقافة وإدراك في حديثهن مع الأطفال، تطلب مني بالسماح لاولاد العم يقعدون مع بعض وان اتنازل عن مقعدي و اجلس في المقعد الخلفي ، عندها رديت عليها بهدو وخوف طفل من أخيه الذي يقف على النافذة ويراقب تصرفاتي قائلا لها ؛ لماذا لا يعود هو ليجلس بجوار ابن عمه ، قالت ؛ لكن زميلكم الآخر لا يرغب بالجلوس بالمقعد الامامي ، هنا شعرت بالاحراج إلا أن محمد اخي انقذ الموقف وأشار لي بالموافقة ، وعدت وقعدت بجوار الزميل الذي أصبح رفيقي المجاور طوال خمس سنوات وهو خالد حاشد الذي أصبح أحد خريجين الكلية العسكرية وضابط في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية! اما ناصر علي ناصر التقيته بعد سنوات من الابتدائية وركبت مع حافلة المنصورة وكان أحد سائقين باصات الكوستر في خط الشيخ عثمان المنصورة !
هذه الحكاية كانت أول اختبار لي في التحاقي بالمدرسة وكان أول أصدقاء حقيقيون لي خالد وناصر ومن هنا عرفت معان التنازل والتسامح لتكسب صديق أكثر من التشبث بالشيء او الحاجة وتفقد بسببها الأصدقاء، فأصبحنا أصدقاء وأكثر من اخوة فيما بعد . هذا ما أكده لي اخي رحمة الله عليه عندما قال : خير مافعلت حتى تكسبهم أصدقاء .
وانطلقت مرحلة الدراسة الابتدائية و كان لاستاذي أبوبكر القيسي عنوان آخر في حياتي ، حيث كان فنانا ومخرجا مسرحيا وصاحب مسرح الطفل ناهيك عن عمله التربوي ، فكان رومانسي لايفوته أي مناسبة إلا ويعمل لنا بالفصل فعالية لدقائق نعيش بها الحدث وفي ذات يوم هطلت أمطار على مدرستنا الشرقية ( ردفان لاحقا ) بالشيخ عثمان المدرسة التي تخرج منها كبار كوادر البلد في جميع المجالات حيث كان فيها اعظم المدرسين وافضل الكوادر في التربية والتعليم وساهمت مدرستنا في تقديم نجوم كرة القدم أمثال الكابتن الاحمدي والكابتن شكري هاشم والكابتن جميل شرف والكابتن جمال سندو والكابتن ماهرحسن السروري و ياسين محمود عبد الله والكثير الكثير من نجوم كرة القدم والألعاب الأخرى ناهيك عن نجوم الطرب والمسرح أمثال الفنان الكبير نجيب سعيد ثابت ثابت وغيره من التشكيلين أيضا ومنهم نبيل قائد ، لذلك كان القيسي حريص ان يقدم بصمته لصغاره الأطفال الذي كنا في بهجة وسعادة لهطول المطر ، فكان تفكير أستاذنا خارج الصندوق وقرر أن يأخذنا خارج الفصل والذهاب إلى حديقة المدرسة !!! نعم نعم يااصدقائي في مدرستنا كانت هناك حديقة بجوار ملعب كرة القدم تكسوها أشجار كثيفة للاسف تم تخريبها بعد مأساتنا بعد عام ١٩٩٠م والبناء فيها مدرسة أخرى و انتهت الحديقة وانتهى الملعب الذي من خلاله قدم اعظم رياضيين كرة القدم في الزمن الجميل!!
المهم خرجنا في مرح وفرح ودخلنا الحديقة تحت الأشجار وهنا كانت عبقرية الأستاذ عندما شرح لنا عن الديدان التي تعيش في الأرض الزراعية و شرح لنا أمور في نوع النباتات واستوعبنا الموضوع ببساطه ولم يكتفي بذلك بل قرر يعطينا درس المحفوظات في ذلك اليوم قبل موعد ترتيبه وفقا للكتاب فانشدنا معه من خلال الغناء حصة المحفوظات نشيد ( يا اخوتي جاء المطر هيا اجلسوا تحت الشجر ) والشي الغريب والعجيب اننا حفظنا القصيدة بسهولة وفي نفس اليوم !! هكذا كان التعليم وهكذا كانت التربية والحديث عن المدرسة في المرحلة الابتدائية قصص وحكايات مع الاساتذة طه سيدو مربي الفصل ثاني وثالث ابتدائي و جواد مربي الفصل رابع ابتدائي و ابوبكر هائل و آخرون منها يوم النتائج الفصلية والنهائية وإقامة مباراة كرة القدم بين الطلاب والمدرسين مرورا في شراء الكيك والحلويات والشاي العدني الملبن للاحتفال بيوم النتائج ولي فيها ذكريات عندما سجلت هدف في إحدى المباريات اعتقد الذي دفع بي العب من اختيار أستاذي المربي الفاضل في الخامس ابتدائي أبوبكر هائل او يوم تحصلت على المرتبة الثاني في الثاني ابتدائي في الفصل بعد صديقي امين الاصبحي الصديق والزميل في العمل الإداري بمكتب الثقافة بعدن حاليا ! وعودة إلى السندريللا والأغنية فما زالت هذه الاغنية هي مفتاح نجاحي في كل مراحل الدراسة والعمل و السر انني لم اتغيب يوما عن الدراسة أو العمل إلا في الحالات المرضية فلها الفضل بعد الله اني أحببت النهوض صباحا في عشق المدرسة وعشق العمل فيما بعد !! واقول شكرا لصباح منصر التي أطلقت عليها ذات يوم وانا احاورها بعد عودتها للغناء في إحدى الصحف المحلية باللقب ( سندريللا الاغنية العدنية ) التي سبق واطلقتها عليها الصحافة المصرية كما اعتقد !!
د عبدالسلام عامر
سبتمبر ٢٠٢٤م
***
(٧)
(الاخ الذي لم تلده امي)
كانت الأيام التي مهدت لي الطريق إلى عالم لم أتخيل أن أكون فيه عالم بالنسبة لي عالم خيالي ، حيث لم أتصور يوما ما ان تتغير حياتي واكون داخل هذا العالم الذي عشقته في طفولتي من خلال السينما وفيلم ( الأستاذ ايوب ) الفيلم الكوميدي للفنان المصري الراحل محمد عوض مع النجم وليد توفيق في بداياته الفنية سينمائيا والظهور عربيا وهو يغني يا استاذ ايوب بدوره طالب بمعهد موسيقي مع مدرسه بالمعهد محمد عوض ( الأستاذ ايوب ) والأهم ان ماجذبني بهذا الفيلم الترفيهي لكوميديا الفارص موشح ( لما بدأ يتثنى ) بقي اللحن في خيالي واستوطن اعماقي لحلاوة اللحن ولم اكن افهم في تلك الفترة وانا طفل في الثالثة عشر من العمر انه من اعظم الالحان للموشحات الاندلسيه ! و اهتمامي بالأفلام الكابوي الأمريكية وافلام الحروب الروسية بالسينما الخاصة بالخبراء السوفييت الذين يسكنون معنا في حي لينين وحي الضباط بمدينة صلاح الدين ، كنت احاول إعادة صياغتها في لعبي مع الأطفال من اقراني العرب وكذلك الروس ، كنت اقوم بتفصيل المشاهد على رمال صلاح الدين المحايذه للجبل ونستمتع بذلك !! كل هذه الارهاصات كانت مقدمة لدخولي عالم كان يعيش في خيالي ومن الصعب اكون طرفا فيه ذات يوم !!
ومرت الأيام والسنون فإذا بالدنيا تبتسم لي بعد أن سكنت المنصورة عندما كنت في طريقي إلى منزلنا في حاشد حاملا معي العود الخاص بالفنان فضل كريدي حيث اخذته من أحدهم بطلب منه، حيث كان ينتظرني بالبيت وفي هذه اللحظة وتحديدا في ملعب كرة القدم الذي كانت تقام فيه المباريات للفرق الأهلية بالمنصورة هذا الملعب الذي تم البناء عليه فيما بعد مدرسة سعيد ناجي حاليا وهو ميدان شاسع مابين( بلوك ١٢ وبلوك ٥ ) شهد اجمل المباريات لفريق الخط الأحمر الذي لعب فيه كابتن نادي الميناء جميل شرف ونجم المنتخب الوطني الجنوبي في الزمن الجميل ، المهم وانا اقطع الميدان في الظلام الدامس وفجاءة يناديني صوت شاب يبدو أنه كان يجلس مع مجموعة شباب يتسامرون كعادتنا في تلك الأيام، يناديني قائلا ؛ يا أخ لو سمحت ممكن اسالك ؟ رديت عليه نعم تحت امرك ، قال متسائلا ، هل العود حقك ؟ قلت له لا انما حق ابن خالتي ، قال من ابن خالتك ، قلت له ، الفنان فضل كريدي حينها تغير صوت الشاب وانتفض فرحا ومرحبا بي أهلا انت قريب فضل كريدي حيابك ثم طلب مني أن اجلس ليعزف عليه ! سألته انت تعرف تعزف ، قال لي انا اصلا عازف كمان وعزفت خلف الفنان فضل كريدي ! حينها عرفت اسمه ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا الشاب الذي يسكن( بلوك ٤ )البلوك المقابل تقريبا (لبلوك ٦ و ١١) الصديق والاخ الذي لم تلده أمي الفنان عازف الكمان عبدالعزيز مكرد أحد أبرز نجوم الموسيقى الذين تخرجوا من مدرسة الزحف الأحمر التي كانت مصنع الأطفال والمواهب ومنه تخرجت الفنانه نوال حسين التي تغنت بواحده من اجمل الاغاني الوطنية ( يظل الشعب لك ياموطني وافي ... وفي وقت الشدائد والمحن وافي ) والذين اصبحا مع بقية زملائهما أعضاء الفرقة الموسيقية التابعة لوزارة الداخلية ! صداقتي به فتح لي الطريق إلى أحلامي ومعرفتي بالفنانيين والموسيقيين وانا في عطلة صيف نهائي المدرسة الاعدادية ومن خلاله التحقت بالفرقة الموسيقية التابعة لنقابات عمال الجمهورية فرقة اول مايو منشد كورس فيها عندما قدمني للاستاذ علي دعبش والقائد أنور مصلح الذين قبلاني وكان لهم الفضل بعد الله وثم بعدهم الفنان الكبير محمد عبده زيدي رئيس الفرقة ومن هنا بدأت الأحلام تتحول لحقائق ووقفت كورس خلف المع نجوم الغناء طه فارع ، رفيق محمد احمد ، أبوبكر سكاريب ، علي صالح الشيخ ، ياسين علس ،عبدالكريم توفيق ، أنور مبارك ، كرامة بن الوادي ، الشعوي ، كفى عراقي ، فايزه عبدالله ، فضل كريدي ، فؤاد الشريف ، هاشم هرهره ، نجيب سعيد ثابت، عصام خليدي ، امل كعدل تسجيلات اشرطه كاسيت خاصه بها ، احمد فتحي عندما زار الجنوب في حفلة السينما الشرقية بالشيخ عثمان التي للاسف تم بناء محلها حديثا مول اضافي على مدينة عدن وغنيت خلف العملاق محمد عبده زيدي نفسه بل وغنينا انشاد لبعض من اغانيه !!! و تحققت حقيقة فيلم محمد عوض وما شاهدته عن الموسيقى واعيش داخل هذه الأحلام والتحمت بعلاقاتي مع العازفين وتعرفت على تسمية الآلات الموسيقية وتعلمت الصولفيج داخل الفرقة مع الراحل سعيد فندا رحمة الله عليه وكانت ابهج أيام حياتي الا ان هناك شي مفقود ومنتظر النتيجة النهائية للمرحلة الدراسية في الاعدادية التي ستحدد مصيري اما اذهب الى دراسة الزراعه ام معهد الفنون ام الثانوية العامة؟!! والحقيقة أن كل ذلك الهاجس ان اكون ادرس مسرح بالمعهد كان خارج تفكيري إلا بعد أن شجعني الراحل محمد عبده الزيدي عندما استشرته في ذلك وطالما الزيدي شجعني فلا يمكن أن اخلف معه لعشقي وحبي له منذ زمن وخصوصا اغنية السعادة التي كانت لها قصة في حياتي وانا طفل ومن حينها اعشق الاغنية وأعشق الفنان محمد عبده زيدي ! كانت اغنية السعادة في مطلع السبعينات ترند ذاك الزمن فكانت جميع الأسر التي تمتلك جهاز التسجيل تشغل هذه الاغنية طوال اليوم وفي يوم من الأيام وقعت لي الحادثة وهي اختي !! اختي التي علمتني القرآن الكريم وانا طفل في الخامسه من العمر اختي التي احببتها حبا جما فجاءة تغادر حياتي إلى بيت الزوجية لتصبح زوجة الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه، حينها لم استوعب ان اعيش بدونها وذات يوم وانا خارج من المدرسة الابتدائية الشرقية بالشيخ عثمان متجها إلى بيت جدي العولقي في الشيخ الدويل بعد زواجها بشهر تقريبا واذا بسماعي لاغنية السعادة من كل ديار الشيخ الدويل حيث كانت تبث من الإذاعة وبطريقة عجيبة استوطنت كلماتها قلبي ومعانيها عبرت عن حالي مع اختي ! منذ ذلك الوقت وانا هيمان بالفنان الزيدي !
وهكذا أصبحت طالبا في المعهد بعد أن تركت الزراعه وهي رغبة والدي رحمة الله عليه ، واذا بي في واقع قريب من فيلم الأستاذ ايوب والطلاب في قسم الموسيقى ونحن في قسم المسرح أيضا نغني الموشح ( لما بدأ يتثنى) واذا الأحلام أصبحت حقيقة واذا الحياة بمبي كما غنتها سعاد حسني وشعور لم يفارق خيالي حتى يومنا هذا يوم التحقت في احلى واجمل وأعظم مكان تعلمت فيه معان كثيرة ناهيك عن الفن وقدسيته والحب و الثقافة و أصبحت واحدا ممن كانوا جزء من تاريخ هذا الصرح العظيم الذي استطعت أن أرد الجميل لصديقي عبدالعزيز بحيث اقنعته و ألحيت عليه أن يتعلم فيه ويتخرج معي ويصبح أيضا ذات يوم مدرسا فيه ومن احسن من يكتب النوته ومن افضل عازفين الكمان في بلادنا ان لم يكن الاول انه اخي الذي لم تلده امي !
د عبدالسلام عامر
أكتوبر ٢٠٢٤م
***
( ٨ )
(بيع الخمير وحفلة سالم العامري والرئيس الألماني و المجري)
كانت السبعينات مليئة بالأحداث انما عشناها بروح متفانية وكنت طفل مثل أي طفل بالأسر العزيزة والبسيطة ، كنت اساعد اسرتي في بيع الخمير الحالي او كما كنا نسميه في ذاك الزمن المقصقص وهي تسمية لبيع الخمير كشكل نصف القمر ولذلك كما اعتقد أطلق عليه مقصقص !! المهم ابتدت رحلت بيع (الخمير مع المدربش او العُشر) الذي يطلق عليه الجيل الجديد حاليا (عواف) ! حدث ذلك عندما صار عمري عشر سنوات وكانت البداية في العطلة الصيفية واستمريت بعد ذلك عامان متتاليان بحكم دوامي في المدرسة كانت الفترة المسائية في الثالث والرابع ابتدائي . فكانت أولى خطواتي لبيع الخمير هي الذهاب إلى مصنع الثورة لقطع الغيار وهذا المصنع الذي تم تشييده من قبل الخبراء بدولة كوريا الشمالية في عهد الرئيس الشهيد سالم ربيع علي ويقع في معسكر خالد الذي ضم فيه بعد الاستقلال أيضا المؤسسة العامة للدواجن (الإدارة الرئيسية) التي كان يعمل فيها وآلدي رحمة الله عليه حارس والإدارة العامة للبيطرة والمختبرات الفنية والذي كان يعمل فيها المرحوم اخي فني بيطري محمد عامر بالاضافة الى مؤسسة الحفر المركزية ، كل تلك المرافق كان فيها اعداد من العمال والموظفين شكلت لي ولبقية الأطفال سيوله مالية في البيع! والحمد لله كنت خلال ساعات أنجز مهمتي والعوده إلى المنزل قبل الحادية عشر صباحا ! كانت الحياة بسيطة انما كنا نشعر ونحن أطفال المسؤولية في مساعدة اهلنا وخصوصا لشراء أدوات المدرسة والملابس المدرسية وملابس العيد وهي فكرة امي رحمة الله عليها لمساعدة الوالد في التخفيف عليه انا ومنصور اخي أيضا ! المهم ما خرجت به من هذه التجربة عندما فوجئت في صباح أحد الأيام عند وصولي لباب المصنع بوجود زخم وحركة لمجموعة من الخبراء الكوريين وهم يشيدون مسرح صيفي في ساحة المصنع وتجهيز المقاعد الخشبية المتنقلة لرصها امام خشبة المسرح وعرفت حينها عن حفل ضخم سيتم مساء وهنا تملكني الشجن وقررت حضور الفعالية وعدت للمنزل واصريت على حضور الحفلة واقنعت الوالدة بضرورة الذهاب و لولا كانت لدى والدي وردية حراسة المؤسسة في تلك الليلة مسائية ماكنت حضرتها !! حيث أخذني الوالد معه قبل المغرب وتركني أشاهد الحفل والذي انطلق بعد السابعة والنصف مساء واذا بالحفل عرض فيلم وثائقي يحكي عن العلاقات والمشاريع بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية و جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ثم عرض فيلم روائي كوري مترجم فوريا من أحد الرجال الكوريين الذين يتحدثون العربية وهذا كل ما جاء بالحفل وحقيقة كان أول فيلم روائي في حياتي اشاهده !!! كانت تجربة بيع الخمير طريق جديد تعرفت من خلاله على عوالم كثيرة وذات يوم وانا في طريقي إلى مطار عدن لكي أبيع ماتبقى من الخمير كما يحدث في بعض الأحيان اذهب ابيع امام مطار عدن وأحيانا بجوار السوق المركزي للخضار والفواكه سمعت عن حفلة غنائية سيحييها الفنان سالم العامري فرحت جدا ومن لايعشق سالم العامري واغانيه المحفورة في ذاكرة كل طفل في ذاك الزمن ( ضاع القمر بين السحاب ) و ( حوله الليله ) وغيرها من الاغاني التي كانت ترند في تلك الأيام! في هذه المره أقنعت امي ترافقني خصوصا لزيارة إحدى العائلات والذي كانت امي على معرفة بهم في حي عبود بخور مكسر وهي عائلة زميلي في الدراسة وصديقي في البيع ناصر العبوس الله يذكره بالخير الذي لم أراه منذ مغادرتنا منزلنا في نادي الجولف بخور مكسر إلى صلاح الدين نهاية عام ١٩٧٦م !! المهم أخذتني امي إلى بيت العبوس وبقيت مع ام صديقي وطلبوا مننا العوده بسرعه ونكتفي بمشاهدة سالم العامري والمغادرة فورا وهذا ما حصل ولكن كان العامري هو آخر فقرة غنائية بالحفل
المهم انتهى الحفل العاشرة مساء نعم نعم في زمن سالمين كانت السهرات لا تكون لأوقات متاخره بل أقصى توقيت العاشرة حتى وان كان يوم خميس !! القانون صارم وواضح من أجل صحة المجتمع النوم مبكرا و النهوض مبكرا خيرا لك وللمجتمع وهذا ماعشنا عليه وكان نظام دولة تحمي شعبها بالوقاية من خلال سياسة البلد عموما !!
انما من احلى ذكرياتي وانا ابيع الخمير كانت رحلتي ذات صباح خرجت بصحبة اخي العقيد علي عامر كان حينها جندي برتبة رقيب أول على ما اتذكر فكانت سيارات الجيش تقف لأي رجل جيش ذاهب الى العمل والمفاجأة كانت سيارة عسكرية كبيرة تقف ويصعد علي اخي ويصعدني أحد الرجال بيده ويمتطني من الأرض كفراشة في الهواء ولم أجد نفسي الا وانا وسط المجموعة وفي تلك اللحظة حصل لي الانبهار خصوصا انني كنت اعرف معظمهم عندما كنت اشاهدهم وهم يتدربون في نادي الهلال والواي الرياضي قبل أن يصبحوا لاعبين بفريق نادي الجيش !! عرفتهم وكان من صعدني الكابتن عبدالله الهرر أفضل مدافع كرة قدم جاء في الزمن الجميل، كانت السيارة العسكرية للاعبين فريق نادي الجيش الرياضي الذي كان يتدرب صباحا وفي أوقات الدوام الرسمي في ملعب معسكر بدر و هكذا أصبحت معتاد على الركوب معهم بعض الأحيان اذا ما تأخر الباص الأجرة كانوا يتوقفوا لي حتى بعدم وجود اخي !!
انما ما حصل لي أثناء تواجدي بالصدفة بجوار المطار عندما شاهدت تجمعات لأطفال مدارس خور مكسر بالفترة الصباحية يتم اقتيادهم إلى ناصية الطرق الخاصة من مطار عدن مرورا بحي السعادة و عبود و بدر والشابات ، يتم توزيع إعلام البلد وتحفيض الأطفال عباره لم ولن أنساها هي : ( سالمين بالو شونستي علاقة يمنية مجرية ) طبعا كانت تقال بترتيل شعائري، كان هذا اليوم هو زيارة الرئيس المجري لبلادنا وشاهدت الرئيسان وهما يلوحان لنا بعد أن وقفا على رجليهما من فتحت سيارة المراسيم الرئاسية ! كان يوما جميلا لولا ان تم تعكيره عليا إحدى الشيبان الساخران من المشهد والذي ازعجني لاني كنت اعشق سالمين و يبدو أن الوطنية متأصله فيني حيث غيرا العبارة قائلان ؛ سالمين بال فوق شونستي
والمرة الثانية التي تكرر فيها المشهد ولكن بصورة أخرى وكنت محظوظ اني وقفت عند بوابة خروج الموكب من المطار وحينها توقف برهة من الزمن وشاهدت الرئيس الألماني ايريش هونيكر وبجواره الذي استقبله عبدالفتاح إسماعيل وبصراحة هي المرة الوحيدة في حياتي شاهدت عبدالفتاح والغريب أن عبدالفتاح وهونيكر لم يخرجا يلوحان كما فعل سالمين مع بالو شونستي وظل هذا التساؤل يلازمني طويلا ، ما السر او الحكمه في ذلك ؟! لماذا إسماعيل كان بعيدا عن الشعب وليس كما كان الآخرون؟!!! الإجابة فهمتها بعد أن نضجنا وكبرنا وعرفنا الكثير من الأحداث و وجدت من خلالها الجواب اليقين !
هكذا كان لبيع الخمير فوائد في حياتي وهي:
أولا؛ ساعدت اسرتي في معترك الحياة وفخور بذلك ،
ثانيا ؛ عرفت السينما وانبهرت بها لا يمكن حتى وصف لحظة الانبهار الآن!!
ثالثا ؛ عرفت معان الوطنية في لحظات فارقة من طفولتي فهي توهب ولا تتعلمها!
رابعا ؛ بساطة نجوم كرة القدم و معرفتي بهم ! ومنهم حتى يومنا هذا يتذكر ذلك جيدا الكابتن البكري نجم فريق الجيش في الزمن الجميل.
خامسا؛ شاهدت مطرب طفولتي واستمعت إلى اغاني طفولتنا جميعا مباشرة المطرب النجم سالم العامري وهي المرة الوحيدة في حياتي شاهدته يغني على المسرح رحمة الله عليه!!
د عبدالسلام عامر
أكتوبر ٢٠٢٤م
***
( ٩ )
( مدينة كييف حكاية من الف حكاية)
(منصور اغبري قال لي : المحسوبية ليس عندي فانا احكم اهل البلد أنفسهم بقانونهم وانتم تريدو تشويه سمعتي يا زغاوي
عندما وصل بنا القطار إلى محطة عاصمة جمهورية أوكرانيا السوفيتية ووجدنا طاقم من التعليم العالي الأوكراني تتصدرهم جميلة الجميلات المترجمة والتي تتحدث العربية احسن من بعض المذيعين في كافة القنوات العربية حاليا بعد دخول العولمة والتي تعتبر جزء من مهمة تخريب العقل العربي بما فيه لغته وهويته وثقافته وقيمه !
المهم استلمتنا الجميلة الأوكرانية ورحبت بنا بابتسامة رقيقة ثم ركبنا الباص المخصص لنقلنا إلى المجمع السكني الخاص بطلاب جامعة كييف في شارع لمونوسفا وكنت انا وبعض الأصدقاء نصيبنا سكن رقم ( ٣ ) هذا السكن الذي كان يطلق عليه عند أبناء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بمعسكر العند
خصوصا انه السكن الوحيد من دونه كان فقط سكن ذكوري بعكس سكن رقم ( ٥ ) الذي كان مختلط من المساكن المخصصة لطلاب السنة التحضيرية !
كانت السنة الأولى التحضيرية لدراسة اللغة الروسية وبعض المواد التخصصية لكل تخصص على حده فكان أول زملاء لي من التخصصات الفنية في الجروب الدراسي من فيتنام شابان شان إخراج مسرحي ، ونجوان راقص باليه، والفتاه الوحيده معنا خوان نقد مسرحي ، ومن اليونان ماركوس إخراج سينمائي ومن فنلندا هاري إخراج سينمائي ومن سوريا بديع فرحة كوردي سوري إخراج مسرحي وكمال أخ مسيحي من دمشق تصوير سينمائي ومن نيكاراجوا مارفن إخراج مسرحي! هذه مجموعتي في السنة التحضيرية والتي كنا فيها أكثر من أصدقاء جمعتنا ألفه حميمية بقيادة استاذتنا الفاضلة نتاليا انتوليفنا كانت في الثلاثينات من العمر ومتخصصة في الادب الروسي والاسباني ، جعلت منا كتلة جميلة كنا نموذج في الكلية التحضيرية ،حيث كانت ترتب لنا البرامج الخاصة بمتابعة المسارح والحفلات الفنية بحضورها طوال السنة كجزء من الجانب التخصصي ! وكان الاختيار لأول حفلة نحضرها قبيل رأس السنة هي حفلة غنائية لفنانة الشعب السوفيتي صفيا راتارو ( مطربتي المفضلة ) ومطربين آخرين فقد ابهرتني الحفلة وماشاهدته من عالم مختلف في كيفية قيام و إنتاج تلك الحفلات ! انما اهم ما اذهلني في تلك البرامج حضور مسرحية( كارمن) العالمية والتي قدمتها فرقة البالية الاوكرانية بالرقص على الجليد !! كان هذا العرض ومازال اراه من اعظم عروض الفنون في حياتي حيث استمتعت ببالية على الجليد ومسرح دائري تشاهد أحداث المسرحية وتطورها بإتقان وموسيقى الأوركسترا المصاحبة لها الحي ، جعلني اعيش في خيال فني عالي ، و تهذيب للروح و حب إنساني ، رغم قسوة مسرحية ( كارمن) !!
كانت مدينة كييف ليس متفوقة بالفنون بل كانت في الرياضة أيضا وتحديدا كرة القدم هي واجهة الاتحاد السوفيتي ممثلة بفريق دينامو كييف بطل الدوري الاوربي أثناء تواجدي في السنة التحضيرية هذا الفريق الذي أصبح معظم لاعبيه قوام المنتخب السوفييتي والذي شارك ببطولة اوروبا وخسرها من هولندا عام ١٩٨٨م بهدف فإن باستن في مرمى داساييف و كوني محب وعاشق ولعبت كرة قدم كنت احضر مباريات دينامو كييف على ملعبة ملعب الجمهورية الضخم وهذا الملعب نفسه الذي لعب فيه ليفربول امام ريال مدريد في نهائي ابطال اوروبا ٢٠١٨م والذي فاز فيه الريال وإصابة مو صلاح الشهيره !
فالذكريات في كييف كثيرة وهنا أود أن اتحدث عن الأصدقاء المقربين لي منذ وانا في عدن فكانت اجمل تلك الأيام تمر بصحبة صديقي ورفيق الدراسة ومنظمة الشبيبة (اشيد) وابن حافتنا اخي سهل صالح بن إسحاق ، حيث شكل لي ارتياح نفسي بوجوده بالمدينة وكان يدرس الموسيقى في المعهد العالي للثقافة وكنت اذهب إليه نهاية كل اسبوع الى سكنه في حي شورسا ونقضي يومي الاجازة السبت والاحد عنده ومن خلاله تعرفت على الصديق الفنان اللحجي والمؤرخ المحترم الفنان احمد فضل والذي كان له دور كبير بين أوساط الطلبة المبعوثين من بلادنا في إحياء الجلسات الطربية وهناك أيضا تعرفت على صديقي المرحوم وزوجته المخرج المسرحي الراحل فريد الظاهري رحمة الله عليه وحرمه الاوكرانية ايرينا ( سلمى الظاهري )
اما من أهم الغرائب حصلت معي وذلك في أول أيام وصولي لمدينة كييف قررت انا وصديق العمر تؤام روحي نوفل نصر عباس أحد نجوم فرقة أشيد للاغنية السياسية أثناء تأسيسها و الذي كان معي بالتحضيري ، قررنا أن نتجول في اطول شارع واهم اوستوراد في كييف ( الكريشاتيك) و اذا بمفاجأة مذهلة ! توقفنا في ذهول وفرحة وإعجاب وغير مستوعبين ونحن نرى اخونا حسين فندا و عبدالله فتاح برفقة صديقاتهم بالشارع ولم ولن نتصور انهم في مدينة كييف اساسا وصرخنا معا وحضنا بعض وفرحنا مثل الأطفال وكنا مسرورين جدا بهذا اللقاء والذي من بعده كنا لاحقا انا و نوفل في زيارة دائمة لسكن الاخ عبدالله وكان يحضر إلينا الاخ حسين فندا بصحبة صديقته عازفة البيانو أيضا، حيث كان حسين فندا رحمة الله عليه الطالب العربي الوحيد الذي يتم قبوله في معهد الكونسرفتوار وليس من السهل دخول هذا المعهد إلا العباقرة في الموسيقى وكان مع زميلته يقدمان لنا فقرات موسيقية على البيانو كان يرافقهم اخي نوفل على الجيتار وأحيانا على الكارديون في غرفة فتاح بالسكن الجامعي لمعهد الفنون الجميلة نعيش معهما أرقى المعزوفات وكانت رفيقة حسين من اجمل الفتيات الاوكرانيات التي شاهدتهم في المدينة !
طبعا أيام كييف لم تمر دون أن ألتقي برفاق المسرح والاصدقاء الذين سبقونا في الحياه العملية والدراسية فكان لابد من زيارتهم على فترات متفرقة ، التقيت هناك بنجومنا الكبار وهم في المرحلة الدراسية الأخيرة المرحوم جميل محفوظ و قاسم عمر و احمد عبدالله حسين كما التقيت بالمرحوم جمال كرمدي و ابوبكر المرنح ومحاسن سعيد و ناصر السعدي وكانو في السنة الثانية في المعهد العالي للفنون المسرحية، انما ما حصل لي مع صديقي الغالي هناك المخرج السينمائي حبيبي منصور اغبري حكاية لا أود أن احكيها
خاصة أن منصور اغبري كان يشغل منصب رئيس الطلبة في السكن الداخلي لمعهد السينما والمسرح و كان صارم ولا يفرق بين طالب سوفيتي او طالب أجنبي او حتى من أبناء جلدته !! منصور ( ماعندوش يامه ارحميني ) فكان يمنع الزيارات بعد الحادية عشر كعرف متعارف عليه عند كل من درس في الاتحاد السوفيتي ويشدد دائمآ على حراس السكن بأن يتم إخلاء الضيوف قبل الحادية عشر وهذه طبيعته ! وعندما قررنا في ليلة رأس السنة انا وصديقي (؟!) ان نذهب برفقة ( ؟!؟!
وهكذا قضيت أول رأس سنة بحياتي في الاتحاد السوفيتي بالشارع وسط الثلوج حتى السادسة صباحا لنعود إلى مسكنا !!!!
حينها قال منصور اغبري مقولته المشهورة؛ المحسوبية ليس عندي فانا احكم اهل البلد بقانونهم وانتم تريدون تشويه سمعتي يا ( زغاوي)
لو كان معنا في هذا الزمن في كل مرفق خمسة أمثال منصور كانت بلادنا بخير !!!
تحية لصديقي الصدوق منصور اغبري ❤
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١٠)
(علبة الكبريت و انا و بوبي)
مازلت أتذكر ذلك اليوم وتحديدا ذاك الصباح الوليد من صباحات عدن عندما ارسلتني امي لشراء علبة كبريت من دكان في الحي السكني بمعسكر النصر ! طبعا كان يوجد حي سكني شرقي وهو مقابل لمعسكر الصولبان والذي عاشت ومازالت تعيش فيه مطربتنا وفنانتنا زميلة الطفولة وردة البحيري وفي حي غربي بمحاذاة المطار مباشرة هو الأقرب لمنزلنا الذي كان في نادي الجولف! طبعا الدكان بالنسبة لطفل صغير في الثامنة من عمره تعتبر رحلة الشتاء والصيف ، فلابد أن تمر بعدة صعوبات أولا يجب أن تكون لياقتك العضلية والذهنية مهمة في تلك الأيام لأي طارئ يحصل معك والمسافة حوالى محطة واحدة اذا ركبت الباص ومن الطبيعي لن تركب الحافلة ، فهنا يكمن الخطر في تلك المنطقة المتوحشة حيث كانت صحراء ملاعب الجولف مرتبطة بالمملاح وتفصل بينهما فقط الطريق المعبد للسيارات ، ففيها تتجمع الكلاب الضالة والكلاب الذئبية!! نعم نعم كانت كثير من فصيل تلك الكلاب منتشرة وهنا كنت على يقين اني سوف أقع يوما ما فريسة لتلك الكلاب المتوحشة !! المهم اخي حسين عامر رحمة الله عليه لم يحضر معه كبريت عند عودته العصر من حي النصر كما طلبت منه الوالدة رحمة الله عليها، خصوصا انه كان دائمآ يلعب مع صديقه فضل العلبي كما أتذكر وهو من أبناء الحي الغربي وبجوار الدكان نفسه ، هذا الدكان الذي يقع مقابل لمنزل الاخ نائب وزير الداخلية آنذاك صالح مصلح قاسم ، حيث كان منزله مميز جدا ترى من نوافذه مباشرة حضيرة طيران اليمدا وتشاهد صعود ونزول الركاب ! طبعا كان فضولي كطفل أن أدخل مع بقية الأصدقاء من أبناء الحي يوما ما و حصل و دخلنا لمنزل نائب الوزير مع أخيه الصغير لنشرب ماء بارد من ثلاجة بيت النائب خصوصا في السبعينيات كانت معظم العائلات لاتقتني ثلاجات التبريد وكانت تعتمد على الزير كما هو الحال في بيتنا حيث كان لدينا زير كبير تشرب منه الماء بارد وكأنه من الثلاجه بالضبط لافرق بينهما سوى انك تدفع فواتير إضافية للكهرباء وهذه حقيقة وكم اتمنى ان أعود هذه الأيام إلى زير امي بعد أن أصبحت الكهرباء ضيف ثقيل علينا هذه الأيام تأتي لنا بزيارات خاطفة ساعتين وتغادرنا دون حتى اعتذار !! المهم نهضت من النوم وارى فوق راسي ( المسوق او الخيزران ) حق امي
فقررت اجري لاختزل الوقت وياريتني ماجريت!! فإذا بالاخوة الأعداء تظهر لي من خلف إحدى الاكوام الترابية واذا بهم حوالي سبعه كلاب مكشرة باسنانها ولأول مره في حياتي اتفحص عيون الكلاب فكانت حمراء والشرارة تشعلل بها ، هنا أدركت أن نهايتي مأساوية وبما اني طفل الخوف تملكني حتى أخمص قدماي فكان عليا ان الف دوران و العودة للمنزل واطلقت كل قواي في الجري ودقات قلبي تزداد فزعا من مناظر الكلاب ونباحهم ولم ينقذني منهم او من الوصول بسلامة إلى البيت إلا بوبي !! بوبي حبيبي وسندي وخط الدفاع الأول لنا ولمنزلنا وللحيوانات التي كنا نربيها من الماعز والخرفان!! كان بوبي حاسس بمصيبه جايه لي ، لذلك كان يتبعني على استحياء وكأنه يأمن لي طريق المخاطر ! والتحم كلبنا الأمين بوبي في معركة غير متكافئة من أجل خاطري وعطل مهمتهم من افتراسي ولكن تأثر بجروح كبيره وتعرض للنهش حتى خرجت امي واخواني لطرد الكلاب وفض الاشتباك وإنقاذ حارسنا الأمين بوبي ! هذا الكلب الذي تم إعدامه بعد سنوات من قبل جنود حماية المطار أثناء حملتهم على الكلاب الضالة سقط بوبي شهيدا لعدم فهم وإدراك العساكر انه كلب منزلي مروض يتبع العائلة ورفضوا حتى ان يتفاهموا معنا وتم إطلاق النار عليه امام اعيوننا وصرخ بصيحة غريبة وعجيبة مازالت ترن في أذني وخصوصا لآخر مره شاهدت كائن يقتل أمامي وحزنت عليه ومازلت حزينا على بوبي لانه من انقذ حياتي ذات يوم ولم نستطع نحن ان نحميه من بشر مثلنا
رحم الله كلبنا الوفي بوبي
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١١)
قالت لي :
( قريبا ستراني في عدن لاني لم ارتاح للعيش في بغداد )
كانت حفلة البحرية التي حضرتها مع ابن خالتي الفنان فضل كريدي والذي كان قائدا لفرقة البحرية الفنية عندما كان موظف في بحرية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في السبعينيات ومن هنا كانت علاقته بالشهيد الشاعر ناصر علوي الحميقاني الذي شكلا معا ثنائي رائع تمخض في ولادة أروع الألحان الغنائية للفنان الكريدي وكلمات العبقري الحميقاني ، فكانت اغاني ياغائب متى باتعود و خلاص ارجوك تنساني و خسارة وانا افتكرتك صديق و القبقبه للولي و غيرها في تلك الفترة ترند وكان الكريدي مطلوب في الأعراس الرجالية والنسائية في عدن ولحج وابين وحتى حضرموت وكانت فترة المجد الفني لهما !! المهم عندما أخذني معه في تلك الليلة لمشاهدة الحفل الفني المقام هناك بمناسبة تأسيس القوة البحرية ، شاهدت لأول مرة فرقة أشيد للاغنية السياسية على خشبة المسرح وهي في مجدها خصوصا بعد أن شاهدتها في سهرة تلفزيونية قبل عدة أشهر وتقريبا كنت على معرفة بأسماء معظم طاقمها الفني وخصوصا قائدها الفنان الراحل الكبير جعفر حسن وأخته الفنانة الهام حسن وذكرى محمد عبدالله ومن العازفين عارف جمن و نوفل نصر عباس وآخرين... حينها كنت في الاعدادية ولم اكن اعرف اني في يوما ما سأكوّن صداقة مع اخي الموسيقار الكبير عارف جمن صديق وزميل الدراسة بمعهد الفنون ورفيق رحلة الدراسة إلى الاتحاد السوفيتي لاحقا وان يصبح نوفل نصر عباس من اعز الأصدقاء ورفيق العمر وزميل الدراسة الجامعية في أوكرانيا وبيلاروسيا في زمن الاتحاد السوفيتي وارتبطت بصداقات مع معظم نجوم فرقة أشيد ومنهم وهيب جرادي رحمة الله عليه و الصديق العراقي جاسم ابو زهرة الخلوق والعاشق لعدن وكان ايقاعي الفرقة ، انما ان يصبح جعفر حسن من المقربين لي ونعمل معا كمدرسين في معهد الفنون الجميلة وصديق ورفيق لي شي مذهل و حتى اغانينا المسرحية التي قدمناها على خشبة المسرح الوطني مطلع التسعينات تم تسجيلها في استديو جعفر حسن وعزف لنا عارف جمن و المرحوم ضياء على الاورج و جمال عقيل على الإيقاع ونشطان على الدف !! تلك الاغاني لمسرحيات دنيا فالتو و ويابلاشاه وهبللو من الديش قام بتسجيلها جعفر حسن رحمة الله عليه !! والحقيقة أن الست الهام هي من تربعت على عرش الحب الأكثر في قلوبنا لها عندما كانت مدرستنا بالمعهد لمادة الغناء والتذوق الموسيقي وارتبطنا بها كمربية أولا وكفنانه نعشقها و اخت كبيرة لنا ، حيث كانت تمتاز في اسلوبها التربوي وتتعامل معنا بصفتنا فنانيين وليسوا مجرد طلاب وكانت تشجعنا خصوصا انها كانت هي أيضا تجيد التمثيل وتتمتع بمواهب متعدده ولها أعمال درامية موثقة في تلفزيون عدن على ما اتذكر!!
من تلك الحفلة التي رأيتها فيها وانا طالب اعدادي مرورا بدخولي معهد الفنون وانتهاء بالعمل مدرسا فيه ، كانت علاقتي مميزة مع الأستاذ جعفر حسن والست الهام حسن ! المفاجأة عند عودتي من الدراسة الجامعية من الاتحاد السوفيتي عرفت ان الهام حسن رحمة الله عليها غادرت البلاد وعادت إلى بلدها العراق بعد أن أصدر الرئيس العراقي صدام حسين العفو العام على المعارضين السياسيين ! وبعد حوالي عام سافرنا إلى العراق للمشاركة في المهرجان الثالث للمسرح العربي في بغداد ، حيث كنت ضمن الوفد (العشوائي)
كانت رحلتي لبغداد شتاء ١٩٩٢م رحلة عادية ولم يكن في الحسبان أن تكون هناك المفاجأة !! عندما جاني اتصال من استعلامات فندق المنصور الذي نزلنا فيه و يطلب مني النزول من أجل ضيوف يريدون مقابلتي! وهنا كانت الفرحة وانا أشاهد الهام حسن وهي تجري نحوي وتأخذني بالأحضان وكان معها عدة نساء ورجال و تقدمني لهم بفخر واعتزاز وتقول لهم هذا ابني عبدالسلام عامر !! وكانوا جميعا أهلها واقاربها !! وقالت ؛ (عرفت ان وفد مسرح من عدن حضر إلى المهرجان فقررت الحضور لالتقي باهلي في عدن وعندما التقيت بالوفد و علمت منهم بوجودك فرحتي اكتملت !!) وكانت صادقة بمشاعرها ! ما أعظم الهام حسن ومااروع ان تقابل في حياتك اناس يحفظون الود لك ❤
الهام حسن كانت امراءة عصامية وبسيطة جدا تحب الناس وتعشق الحياة واصيلة من بيت اصيل في كردستان العراق ! وقبل نهاية المهرجان حضرت مرة أخرى لتوديعنا وحينها قالت لي الكلام الذي جعلني فخور بعدن عندما اخبرتني بسرية تامة حتى لايسمع اهلها المرافقين لها حيث قالت ؛ قريبا ستراني في عدن لاني لم ارتاح للعيش في بغداد !! كلام قد لا يصدق انما من الهام ومن عرفها جيدا تصدقها فورا وابلغتني رسالة شفوية لأخينا جعفر حسن حينها كنا معا مدرسين بالمعهد! وبالفعل عادت الهام وكأنها كانت على ميعاد مع القدر ، القدر الذي جمعني بها صدفة وهي مارة امام مبنى المعوقين بالمنصورة في شهر رمضان وانا اقدم مسرحيتي الداهوفة عام ١٩٩٨م وتوقفت امام بوابة المكان عندما شاهدتني وذهبت إليها فورا ، وفضلنا نتحدث عن الدنيا والامور التي تدهورت في حياتنا وخصوصا بعد ١٩٩٤م وابلغتها اني ساغادر العام القادم لمواصلة دراستي العليا ، ففرحت جدا ،حينها فوجئت وهي تخبرني بمرضها ولكن بطريقة حزينة شعرت انها لا تريد أن تبوح لي بنوع المرض وكانت ترتدي عباية سوداء و خمار ابيض اكسبها جمالا غريبا وكان وجهها مشرق ولا أدري وهي تغادرني وتذهب رويدا رويدا ، بقيت انظر إليها طويلا وهي تمشي حتى اختفت عن انظاري ولم اكن اعلم اني أودعها الوداع الأخير !! ورحلت عن الدنيا وانا خارج البلد ولا أعلم حتى يومنا هذا سبب وفاتها ونوع مرضها لكني أعلم جيدا ان الهام حسن مازالت تتمشى في نفس الشارع بالمنصورة حيث ودعتها ومازالت تمشي بالطريق كما رأيتها آخر مرة !
رحم الله الهام حسن الفنانة والانسانة التي ابت العيش في بغداد وعادت إلى عدن لتموت فيها
د عبدالسلام عامر
نوفمبر ٢٠٢٤م
***
(١٩)
( موقد امي وراديو بيتنا وبسكويت الميزان ومسدس خالي في وفاة جمال عبدالناصر )
كانت امي كعادتها كل صباح تفتح راديو عدن مع القرآن الكريم وتبدأ بمهامها الصباحية اليومية بتجهيز الخبز لافواه الارانب الذي هم نحن !! طبعا كان الوالد كعادته أيضا لا يقطع علينا بسكويت الميزان (ابو أربع) في كل شهر مع بقية المواد الغذائية الأساسية ولذلك لابد أولا أن ننهض ويلتهم كل فرد من العائلة البسكويت المخصص له كل صباح مع الشاي قبل الفطور الذي تقوم بإعداده لنا الوالدة واختي فطوم قبل أن تتزوج على الفنان حسن كريدي رحمة الله عليه ، كل ذلك كان اقرب الى الروتين إلا أن الفطور أحيانا يتغير اما خبز ملوح على الطاوة او خبز ملوح بالموفا او الميفا كما يطلق عليها صهري رحمة الله عليه عبدالله اللبرش على طريقة كلام اهله في موديه! وأحيانا ونادرا جدا ما كان يكون فطورنا خبز الفرن أي ( الروتي) المهم رغم كل الصعاب في السبعينيات والوضع الاقتصادي وتخفيض الراتب واجب إلا أن والدي رحمة الله عليه لم يقطع علينا بسكويت الميزان ابدا!
لقد عشنا حياة كأي أسرة في ضروف صعبة إلا أن الغذاء والكسوة و التعليم كانت من أولويات وآلدي رحمة الله عليه ولا يقبل ان يساوم عليها فنحن كنا غايته وهدفه الذي كان ينشده لنا !! المهم وفي ذلك الصباح الذي كان من المفترض يتوافق مع ذهاب اخي منصور عامر في أول يوم دراسي له بحياته للالتحاق بالمدرسة استمر القرآن الكريم في الإذاعة دون أن يتوقف والمفروض ان هناك برنامج صباحي يذاع بعد القرآن كالعاده حينها كنت انا اجلس على الأرض بجانب موقد النار الذي تطبخ عليه امي الخبز واساعدها في إدخال الحطب تحت الموقد! نعم نعم لم يكن لدينا آنذاك شوله بالغاز او شوله مع الفرم بل كنا مثل معظم اهل عدن نمتلك شوله ابو ذباله وتستخدم بالجاز فقط بالاضافة الى موقد عربي قديم يتم بنائه من الحجاره وتراب الأرض الزراعية ( الطين) وبجواره تبنى الموفا من الطين أيضا لطهي خبز الملوح و السكوع والخمير اللحجي . المهم فجاة امي تحدث نفسها بصوت مسموع قائلة الله مااجعله خير القرآن طال اليوم في الراديو مخاطبه اختي بينما خالي صالح ابو نبيل صالح مدافع نادي الشرارة في نهاية الثمانينات رحمة الله عليهما الاثنان كان ضيفا علينا وقد جاء بالليلة الماضية وكان نائم على السرير ابو حبال بالجهة المقابلة للموقد في حوش المنزل !
بينما القران مستمر بالراديو نرى هبوط طائرة مصرية في مطار عدن من خلال شبك الحوش وعندما شاهدتها امي استغربت لموعد وصول طائرة عكس البرنامج لوصول الطائرات !! طبعا بحكم وجود منزلنا في منطقة الجولف كلوب وهو تقريبا جزء من حرم المطار وأصبحنا جميعنا خبراء بموعد وصول الطائرات فكنا نعرف متى تهبط الطائرة الجزائرية ومتى تهبط الهندية ومتى تأتي الإثيوبية ومتى طيران الشرق الأوسط اللبنانية نعم نعم كل هذه شركات الطيران كانت تأتي إلى عدن ناهيك عن الايروفلوت والصينية!! المهم امي تداركت الأمر وقالت اليوم ليس موعد وصول الطائرة المصرية !! وبعد حوالي نصف ساعة يتوقف القرآن الكريم بالإذاعة و تبث موسيقى حزينه ثم يبدأ المذيع في قراءة خبر وليس أخبار ويعلن عن وفاة الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر !!! وحقيقة لم أرى في حياتي امي هذه الإنسانة البسيطة والغير متعلمه على وجهها حزن وقهر وانا طفل بجوارها بعمر ست سنوات إلا اني تفاعلت مع ردة فعلها حين قالت انا لله وإنا إليه راجعون الله يرحمك يا جمال وفي تلك اللحظة خالي الذي كان مغطى بالبطانية يبدو أنه سمع الخبر من الإذاعة ولم يكن نائم نهض بقوة وصرخ قائلا ؛ اكيد قتلوه بمسدس ابو عجل!! طبعا خالي كان يحكي لنا محاكي او محازي ويمتاز بها وورثها من امه جدتي فاطمة رحمة الله عليها وانا لاحقا تميزت بذلك مع اقراني من الأطفال وكنت احاكيهم المحازي او المحزاية! ولذلك كل محازي خالي كانت اكشن كلها فيها قتل و مسدسات
كانت لحظات فارقة في حياتي كطفل وأدركت الوعي السياسي مبكرا بفضل والدي الذي كان من أولوياته الأخرى الإذاعة نهارا لسماع عدن وليلا لسماع إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن ! لقد شربنا مفاهيم السياسة وعرفنا العالم وأسماء الزعماء فيه وأسماء العواصم من خلال الراديو ! اليوم عندما استعيد تلك الطفولة التي عشتها اتسائل دائمآ هل يا ترى يوجد أطفال في سني ذاك في هذا الزمن يمتلكون المعرفة كم كنت انا ؟!! مع أن كل الإمكانيات حاليا متوفرة لهم وفي ايديهم! انما لا اعتقد ذلك لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض بها ، ثم الشكل الآخر الذي أثر على فهمي وادراكي المبكر كان اخوتي جميعا ونقاشاتهم وتسائلاتهم للوالد في الأحداث التي تبثها الراديو ! كان تأثير وفاة جمال عبدالناصر في حياتي حاضرا فكانت أول أسطر لقصيدة حفظتها من خلال اخي الكبير المرحوم محمد عامر وهو يلقيها ويحتفظ بالابيات التي كتبها الشاعر نزار قباني في رثاء جمال عبدالناصر التي يقول في مطلعها ؛
قتلناك يا آخر الأنبياء
قتلناك ليس جديدا علينا
اغتيال الصحابة والأولياء
فكم من رسول قتلناه
وكم من امام ذبحناه
وهو يصلي صلاة العشاء
فتاريخنا كله محناه وايامنا كلها كربلاء .. الخ
هذه القصيدة كاملة كانت من أسباب تجاوزي امتحان القبول في الإلقاء لدخولي قسم المسرح بمعهد الفنون الجميلة وهي نفسها قدمتها في مدينة كييف لامتحان قبولي بالدراسة الأكاديمية بالاتحاد السوفيتي وهي ايضا بعد أن ترجمتها كاملة للروسية و قدمتها في امتحان مادة الإلقاء المسرحي في عام التخرج وامام الجمهور في أكاديمية الفنون البيلاروسية !!
رحم الله جمال عبد الناصر ورحم الله اخي محمد عامر ورحم الله أبي وأمي ورحم الله الشاعر نزار قباني
د عبدالسلام عامر
ديسمبر ٢٠٢٤
***
( ٢١ )
(صديقي سامر الزرقا حين قال لي في دمشق ساخرا : عندما عملت حصان في موسكو وخلعت معطفك ودرجة حرارة عشرين تحت الصفر لتدفئ تينا الالمانية ماحسيت بالبرد مش هيك ؟!
كان شتاء دمشق قارص جدا مع اني قدمت من الاتحاد السوفيتي الذي كان فيه الشتاء أشد بروده في شتاء ١٩٨٨م ، حيث بقينا في مطار شيرميتفا الروسي ثلاث ايام انا وصديقي سامر الزرقا ابن مدينة التل في ريف دمشق والذي استضافني ضيفا عزيزا بمنزلهم ! كانت رحلته قبلي بحوالي ١٢ ساعه بينما رحلتي انا بعده ، و مع ذلك غادرنا مينسك مباشرة بعد الانتهاء من الامتحانات الشتوية في اتجاه موسكو وقررنا أن نعيش ثلاث ايام بلياليها في مطار شيرميتفا بموسكو كتجربة جديدة باختيارنا! فمن لا يعرف ماذا يعني مطار شيرميتفا فهو المطار الرئيسي والاضخم في أوروبا ويستقبل طيران العالم وتقريبا لا تتوقف فيه الحركة ، كل خمس دقائق تهبط طائرة على مدار الساعه ويعتبر همزة وصل لمختلف بلاد العالم بمشرقها ومغربها ! كان ذهابنا قبل موعد سفرنا له فوائد وتجارب خضناها اثناء وجودنا بالمطار عشنا اجمل ثلاث ايام بلياليها بذكريات إنسانية ورومانسية !!! شاهدنا طائفة من الألمان السوفييت تغادر الاتحاد السوفيتي عائدة إلى موطنها الام خصوصا بعد البروسترويكا التي أراد ميخائيل غورباتشوف ان يقوم بإعادة بناء الاتحاد السوفيتي آنذاك ، وإعلان الانفتاح والمراجعة ومن أهمها السماح بالمغادرة لأبناء واحفاد الألمان الذين وقعوا في الأسر أثناء الحرب العالمية الثانية وتم الحكم عليهم في العمل بالبناء لإعادة بناء مادمروه والاستفادة من الطاقة البشرية مع منحهم الجنسية السوفيتية والعيش كمواطنين سوفييت ! فمنهم كثيرون أصبحوا فعلا مواطنون سوفييت واحبو الحياة فيها بينما قلة منهم من ارادو العودة في تلك المرحلة ، فشاهدنا أسر تبكي وهي تفارق احبتها و ابن يترك أبويه عائدا إلى بلد لا يعرفها سوى أنها بلد اجداده والعكس صحيح و غيرها من المواقف الإنسانية!! كما تعرفنا هناك بشباب من فلسطين وسوريا وتونس والجزائر قادمون من مدن سوفيتية اخرى مغادرون إلى بلدانهم ولكن اجمل لحظة كانت عندما التقينا انا وصديقي سامر بفتاتين المانيتين كاترينا وتينا ووصلتا مثلنا قبل موعد سفرهن و قضينا واياهن اجمل ليلتين في صالة المطار ناكل ونشرب معا وفي صقيع موسكو فجرا ودرجة الحرارة ٢٠ تحت الصفر عندما كنا نقرر أن ندخن السجارة انا وتينا نضطر للخروج من المبنى على قارعة مدخل المطار ونتجول بجواره!! المهم اننا فزنا بعناوينهن وطلبوا ان ندعوهم لزيارة مدينة مينسك بعد العودة من الاجازة الشتوية وهذه حكاية أخرى ! المهم أثناء وصولي إلى دمشق استقبلني سامر ووالدته رحمة الله عليها خاله إسعاف وركبت في السيارة التاريخية التي كان يملكها صديقي سامر وهي سيارة عتيقة سوداء مثل التي نراها في افلام الاسود والأبيض سياره اثريه لا اتذكر الماركه انما نسخة من سيارة جمال عبد الناصر عندما كان ضابط في الجيش المصري ! حينها اطلقت عليها سيارة محمد عبدالوهاب
انما كان آخر يوم لي بعد أسبوعين مسك الختام في دمشق من اجمل واروع وأحلى الليالي عندما ذهبنا بصحبة ابو ربيع واولاد اخت سامر لحضور مسرحية شقائق النعمان للنجم الكبير دريد لحام وللأسف لم نجد تذاكر بيع بالمسرح واخبرونا ان التذاكر انتهت ولا توجد مقاعد والمسرحية ستعرض بعد ربع ساعة حينها بذكاء من سامر قال لهم معي ضيف فنان مسرحي من اليمن ومسافر غدا ويرغب بمشاهدة المسرحية حينها ابلغونا ان ننتظر لحظة وسيتم الحديث مع دريد لحام لان لدية غرفة البلكونه مخصوصة للضيوف والزوار الكبار فإذا لم يكن أحد قادم ممكن نحكي معه !! وبالفعل بعد دقائق ابدا دريد لحام موافقته وطلب دخولنا فورا ! و كانت لحظة عظيمة عندما ظهر دريد لحام بداية المسرحية فوقف يحيي الجمهور ثم التفت نحونا في البلكونه ويحينا أيضا تحية خاصة ! هذه سوريه العربية كما عرفناها التي كانت مفتوحة لكل العرب يدخلوها امنيين و يستقبلون احسن استقبال وهكذا شعب سوريه العظيم المؤمن بوحدة المصير الذي لا يعرف معنى العنصرية ! غادرت اليوم التالي عائدا إلى الاتحاد السوفيتي بينما سامر عاد بعد اسبوع ! انتهت رحلتي الأولى إلى دمشق (الشام) كما يحلو للسوريين تسميتها وعشقتها وحبيت شعبها واكلت اطعم الوجبات فيها وشاهدت عبق التاريخ منها و كررت زياراتي لها وفي كل زيارة حكاية !
تحيا سورية ويحيا شعبها وستبقى سوريه عربيه ان شاء الله
د عبدالسلام عامر
يناير ٢٠٢٥
***