ابتلعَ الظلامُ الكونَ بجوفهِ منذ ساعاتٍ فأخلدت الدنيا لسباتٍ يكاد يحسبه الرائي سرمديًا لا فجر بعده... أُطْفِئَتْ المصابيح في شُرَفِ الدُورِ الرابضة بين أزقة المدينة العاهرة التي تنجب في حلكةِ الليالي آلاف القصص اللقيطة تحت نُحُورِ الأسْقُفِ وبين أذرع الشوارع، أرسل القمر نظرة تطفل يتقصى بها أخبارهم ويكتشف خباياهم، بعضهم داهمهم الرُقاد مرتاحي الخواطر والطوايا وآخرون في مهادهم يترمضون بجمر الأفكار يرسلون اللعنات ويقذفون الحياة بعديد الشتائم، وبعضهم يتمرغون في النعيم بين مُشْتَهَيَاتِ ومُتَمَنَياتِ أنفسهم، وغيرهم يفترشون الكرتون على الأرصفة في أسمالهم البالية ورائحة الفقر والعازة تنبعث من بين ثناياهم منتنة تُزْكِمُ أنوفَ المارة... وتُقَلِبُ بطون النسوة ليقذفن ما ملأنَ به بطونهن صباحًا، وهناك... هناك تحت عمود الإنارة المتداعي على جدار أحد العمارات الشاهقة كأنهما في عناق بين عاشقين في أمسية من أماسي أيلول الماطرة، في ذلك الزقاق الضيق المغمور بسحر السكون ونشوة الليل بنصره الساحق لامتثال العالم... كل العالم وخنوعه لسيطرته وجبروته، قضَّت جلبة الذكريات مضجعه الهانئ مضعضعة أحلامه... موقظة في باطنه رمادًا كان خامدًا ومن أعماقه انبجست زفرات وتنهيدات حارة كحمم بركانية متواصلة مؤلفة معزوفة نوتاتها آهات ندم وآنات حنين... أرسل نظرة حزن مطولة في الآفاق الخالية إلا من نقاب الظلام وراح يسترجع غابرَ أيامه في قصاصات صغيرة باهتة كشريط مصور قديم، لم يبقَ له منها سوى اسمه تضرعات ونجوى يبتلعها مع ريقه كلما راودته تلك الذكريات عن نفسه، حاول التمنع بحجاب النسيان غير أنها كانت تغويه ليشرحها ذكرى ذكرى ويسلم نفسه إليها ويتمرغ فيها باكيا كالثكلى... إن الذكريات مومسٌ حقيرة لا تتعرى إلا ليلاً... تمتم قبل أن يلقي عليها نظرة عميقة... وعميقة جدًا.
كان طفل أمه المدلل إذ أنه بداية ونهاية العنقود، لم تخرج من معمعة حياتها البائسة إلا به كقشة نجاة بزغت على حين غرة أمام غريق لم يبقَ بينه وبين الهلاك إلا شعرة... كذا كان عبد الحليم القشة التي أنقذت صرح زواجها المتصدع الآيل للخراب، وهبته حياتها عنفوانها وأريج شبابها... دفعت في سبيله الغالي والنفيس سهرت لمرضه، أصغت للغوه قبيل النوم، قاست طوله يوما بعد يوم لمحته يزداد شِبْرًا فَشِبْرَا وكذا وزنًا، لم تصدق مقلتاها عندما رأته شابا طوله مترٌ وخمسة وستونَ سنتيمترًا شعره أسود مُدْلَهِمْ وزِنْدُ عينيه البنيتين يقدح عزيمةً وجسارة... جاءها ذاك المساء حاملا شهادته الجامعية بيده يمتطي صهوة الحبور وعلى ظهره رفعها جال بها أرجاء البيت رِواقًا رواقْ غرفةً غرفةَ أعادها عشرون سنة للوراء، كان أحد أجمل أيام عمرها على الإطلاق ولو كانت تدري ما القادم ما كانت فرحت كل ذاك الفرح بل كانت بكت... بكت على أيام وليالي الشقاء لتعلف هذا التيس الجبان الذي أتاها في أمسية ربيعية مكتسيا مُلاَءَةَ الخجل... أريد أن أتزوج... أُضِيفَ عمرٌ آخر لعمرها ساعة سمعتها منه لن تهتم بالموت إن جاءها الآن ابنها سيتزوج وسينجب لها أحفادًا كُثُرْ تَقَرُ بهم عيناها قبل أن ينخرها الدود، زارت بيوت أقاربها وأرحامها وأخيرًا عثرت على زهرة أوركيدٍ فاتنة في رُوضِ أحد الديار كانت مطلبها... جمال يخلب الألباب ورزانة لم ترى لها نظير.
أقيم العرس بهيجًا كما في قصص ألف ليلة وليلة خسرت فيه الأم ما خسرت في سبيل سعادة وحيدها ولئلا ينقصه نقص بين أقرانه كتبت له البيت هدية زواجه، وخلال خمسة أشهر أصبحت الأوركيدة حاملا الكون كله ضاق ولم يعد يحوي فرحتها وسرورها، لن يسعنا البيت بعد أن يولد الجنين... كان الفتيل الذي أجج النار بينهما، يجب الخلاص من ذاك الكرسي العتيق في الغرفة المجاورة ليأخذه لدار العجزة حيث يلقى الرعاية والاهتمام... بادئا تردد عبد الحليم صاح وحطم ما استطاعت يداه أن تحطم بيد أن هجر أوركيدته له أربع ليالٍ تِبَاعًا غير رأيه، في الصباح جمع أغراضها دون أن يخطرها بشئ أصعدها السيارة لم تجادل لم تتذمر انصاعت لرغبته، وقفت السيارة بعد مسار طويل أمام بناية بيضاء تحيق بها أحواض للزهور وشجيرات حديثة العهد كهذا الحزن الذي يكتنفها الآن عندما أحاطت بالحاصل عِلْمَا... سيتخلص منها سيرميها بدار العجزة ككرسي مهترئ ما عاد صالحا للاستعمال ما أعظم الحزن الذي اجتاحها وهي تحدق بالبناية التي ستصبح مسكنها منذ الآن، لم يكن يدري إذْ ذاك أن هذا اللقاء آخر لقاء سيرتبه لهما القدر... في مآقيها تشكلت سحب من الدموع وما فتئت أن انسابت على تل خديها كالسيل المنهمر وهو يفتح لها باب السيارة لم تفه بحرف إنما رسمت على شفتيها ابتسامة توحي بعديد الأمور التي عجز لسانها عن البوح بها، أضحت تلك الابتسامة مصدر عذابه وتقهقر أوضاعه... لو أنها شتمته كان أهون لو ضربته لكنها فضلت أن ترميه برصاصة تينك الابتسامة وفحواها أن سيأتيك الدور يا بني... سيأتيك إن كل قول تقوله أو فعل تفعله دين سيوفى إليك ولو بعد حين... ترجلت منها مجذوذة الخافق محنية الظهر وكأنما بنسر جارح ضل سبيله حط فوق عنقها، أرسلت إلى عينيه نظرة عتاب وآهة حسرة ثم دلفت دار العجزة وأُوُصِدَ الباب خلفها كما أوصدت معه كل الأبواب في وجهه.
الأشهر الأولى حلم جميل ما رغب في الاستفاقة منه دلال زوجته له ميلاد طفله الأول كان يُبْحِرُ في زبد العيش الرغيد وأمه وحيدة تكابد مُرَ الأيام دموعها لا تجف أبدًا، قول الطبيب هدَّ قصر بهجته وأحال بياض أيامه لسواد... احتقرته خليلته وابتغت الطلاق حلا تنعتق به من هذا الرجل المساق إلى الأجداث بسقمه... ترجاها تضرع إليها أن لا تتركه في محنته... من تخلى عن والدته لأجل امرأة مستعد لأن يتخلى عن أي شئ لأجل مصلحته فلتذق الأَمَرَّينْ موصدة الباب في وجهه بعد أن قللت من شأنه ومرغت كرامته بالوحل، أبرحها ضربا... ادَّعت عليه سجن لتعنيفه إياها... ثلاث سنوات بأسرها انصرمت تغلب فيها على السرطان وحالما أطلق سراحه هرول ليسترجع أمه ليضعها على رأسه تاجا عليًا... ماتت... ماتت جاء قول الموظفة بنبرة حزينة، ناح وناح ما شفى كسر قلبه ما استدر من دموع ولا خلصه من الندم الذي شبَّه... ماتت أمه ماتت... ماتت قبل أن يمرغ نفسه عند قدميها طالبا عفوها ماتت قبل أن يضمها إلى صدره ويقول سامحيني... رحلت وظلت ابتسامتها خنجرًا يحرمه لذة النوم ليلا... نهاره يقضيه بكاءً عند قبرها ممرغا وجهه في تربته حتى سُلِبَ رشده أخذ يعدو في الشوارع... من يقضي عني الدين، من يخلصني من هذا الدين؟ والصبيان يركضون في أثره هاتفين المجنون أبو خبزة... المجنون أبو خبزة كان بينهم طفله الذي لم يتعرف عليه يوم أطلق سراحه أنكرته زوجته أمام زوجها الجديد وبطنها تكاد تصل حلقها، يا للشقاء الذي هو فيه بدّل أمه بامرأة... امرأة وأي امرأة؟!! رددها مرارا، من يقضي عني الدين من يخلصني من هذا الدين؟ كان يرددها شارعا ذراعيه وسط الجادة مفزعا أفئدة المارة بصياحه القوي وأخذ الناس يبحثون عن هذا الدين ليسدوه مهما كانت قيمته المهم أن يتخلصوا من صياحه هذا كل وقت... فلا المستشفيات اِسْتَبْقَتْهُ لا أقاربه تحملوه ولا هو رغب في ترك هذا المكان الذي يذكره برائحتها وابتسامتها... كل شبر منه داسته قدماها الشريفتان... أمي ودفن وجهه بين ساقيه منتحبا ما شاء الله له أن يفعل، ثم جلجل الدين من يقضي عني الدين؟
أنيرت المصابيح في الشرف، أشرعت النوافذ على مصراعيها وقلوب أصحابها ورق في مهب الريح من شدة الفزع وصوت النواح يملأ الأزقة... كلهم خرجوا وبأيديهم هراوات وبعضهم مكانس وعصي متوعدين... سيبرحون هذا الوغد الذي يَقُّضُ مضاجعهم ويحرمهم متعة النوم ضربا حتى لا ينبس ببنت شفة بعد هذا ثم سيقفلون إلى مساكنهم كأن لم يكن هناك حدث ذا أهمية ليناموا حتى يَأْذَنَ الفجر، وبينما هذه الوعود والنُذُرْ تتقاذف من أفواههم كالسهام من كل جانب... كانت روح عبد الحليم على وشك الانعتاق من سجن الجسد إلى فضاء رحب... تباطأت أنفاسه وعلى خده تدحرجت دمعة كبيرة متلألئة، افترت شفتاه عن ابتسامة كابتسامة وليد وفد للحياة توًا، همد جسمه النحيل وأخذت عيناه تحملقان إلى ما لا نهاية... نائم الوغد كدأبه... همسوا وهم يولون الأدبار شطر مساكنهم يخنقهم النعاس خنقًا.
كان طفل أمه المدلل إذ أنه بداية ونهاية العنقود، لم تخرج من معمعة حياتها البائسة إلا به كقشة نجاة بزغت على حين غرة أمام غريق لم يبقَ بينه وبين الهلاك إلا شعرة... كذا كان عبد الحليم القشة التي أنقذت صرح زواجها المتصدع الآيل للخراب، وهبته حياتها عنفوانها وأريج شبابها... دفعت في سبيله الغالي والنفيس سهرت لمرضه، أصغت للغوه قبيل النوم، قاست طوله يوما بعد يوم لمحته يزداد شِبْرًا فَشِبْرَا وكذا وزنًا، لم تصدق مقلتاها عندما رأته شابا طوله مترٌ وخمسة وستونَ سنتيمترًا شعره أسود مُدْلَهِمْ وزِنْدُ عينيه البنيتين يقدح عزيمةً وجسارة... جاءها ذاك المساء حاملا شهادته الجامعية بيده يمتطي صهوة الحبور وعلى ظهره رفعها جال بها أرجاء البيت رِواقًا رواقْ غرفةً غرفةَ أعادها عشرون سنة للوراء، كان أحد أجمل أيام عمرها على الإطلاق ولو كانت تدري ما القادم ما كانت فرحت كل ذاك الفرح بل كانت بكت... بكت على أيام وليالي الشقاء لتعلف هذا التيس الجبان الذي أتاها في أمسية ربيعية مكتسيا مُلاَءَةَ الخجل... أريد أن أتزوج... أُضِيفَ عمرٌ آخر لعمرها ساعة سمعتها منه لن تهتم بالموت إن جاءها الآن ابنها سيتزوج وسينجب لها أحفادًا كُثُرْ تَقَرُ بهم عيناها قبل أن ينخرها الدود، زارت بيوت أقاربها وأرحامها وأخيرًا عثرت على زهرة أوركيدٍ فاتنة في رُوضِ أحد الديار كانت مطلبها... جمال يخلب الألباب ورزانة لم ترى لها نظير.
أقيم العرس بهيجًا كما في قصص ألف ليلة وليلة خسرت فيه الأم ما خسرت في سبيل سعادة وحيدها ولئلا ينقصه نقص بين أقرانه كتبت له البيت هدية زواجه، وخلال خمسة أشهر أصبحت الأوركيدة حاملا الكون كله ضاق ولم يعد يحوي فرحتها وسرورها، لن يسعنا البيت بعد أن يولد الجنين... كان الفتيل الذي أجج النار بينهما، يجب الخلاص من ذاك الكرسي العتيق في الغرفة المجاورة ليأخذه لدار العجزة حيث يلقى الرعاية والاهتمام... بادئا تردد عبد الحليم صاح وحطم ما استطاعت يداه أن تحطم بيد أن هجر أوركيدته له أربع ليالٍ تِبَاعًا غير رأيه، في الصباح جمع أغراضها دون أن يخطرها بشئ أصعدها السيارة لم تجادل لم تتذمر انصاعت لرغبته، وقفت السيارة بعد مسار طويل أمام بناية بيضاء تحيق بها أحواض للزهور وشجيرات حديثة العهد كهذا الحزن الذي يكتنفها الآن عندما أحاطت بالحاصل عِلْمَا... سيتخلص منها سيرميها بدار العجزة ككرسي مهترئ ما عاد صالحا للاستعمال ما أعظم الحزن الذي اجتاحها وهي تحدق بالبناية التي ستصبح مسكنها منذ الآن، لم يكن يدري إذْ ذاك أن هذا اللقاء آخر لقاء سيرتبه لهما القدر... في مآقيها تشكلت سحب من الدموع وما فتئت أن انسابت على تل خديها كالسيل المنهمر وهو يفتح لها باب السيارة لم تفه بحرف إنما رسمت على شفتيها ابتسامة توحي بعديد الأمور التي عجز لسانها عن البوح بها، أضحت تلك الابتسامة مصدر عذابه وتقهقر أوضاعه... لو أنها شتمته كان أهون لو ضربته لكنها فضلت أن ترميه برصاصة تينك الابتسامة وفحواها أن سيأتيك الدور يا بني... سيأتيك إن كل قول تقوله أو فعل تفعله دين سيوفى إليك ولو بعد حين... ترجلت منها مجذوذة الخافق محنية الظهر وكأنما بنسر جارح ضل سبيله حط فوق عنقها، أرسلت إلى عينيه نظرة عتاب وآهة حسرة ثم دلفت دار العجزة وأُوُصِدَ الباب خلفها كما أوصدت معه كل الأبواب في وجهه.
الأشهر الأولى حلم جميل ما رغب في الاستفاقة منه دلال زوجته له ميلاد طفله الأول كان يُبْحِرُ في زبد العيش الرغيد وأمه وحيدة تكابد مُرَ الأيام دموعها لا تجف أبدًا، قول الطبيب هدَّ قصر بهجته وأحال بياض أيامه لسواد... احتقرته خليلته وابتغت الطلاق حلا تنعتق به من هذا الرجل المساق إلى الأجداث بسقمه... ترجاها تضرع إليها أن لا تتركه في محنته... من تخلى عن والدته لأجل امرأة مستعد لأن يتخلى عن أي شئ لأجل مصلحته فلتذق الأَمَرَّينْ موصدة الباب في وجهه بعد أن قللت من شأنه ومرغت كرامته بالوحل، أبرحها ضربا... ادَّعت عليه سجن لتعنيفه إياها... ثلاث سنوات بأسرها انصرمت تغلب فيها على السرطان وحالما أطلق سراحه هرول ليسترجع أمه ليضعها على رأسه تاجا عليًا... ماتت... ماتت جاء قول الموظفة بنبرة حزينة، ناح وناح ما شفى كسر قلبه ما استدر من دموع ولا خلصه من الندم الذي شبَّه... ماتت أمه ماتت... ماتت قبل أن يمرغ نفسه عند قدميها طالبا عفوها ماتت قبل أن يضمها إلى صدره ويقول سامحيني... رحلت وظلت ابتسامتها خنجرًا يحرمه لذة النوم ليلا... نهاره يقضيه بكاءً عند قبرها ممرغا وجهه في تربته حتى سُلِبَ رشده أخذ يعدو في الشوارع... من يقضي عني الدين، من يخلصني من هذا الدين؟ والصبيان يركضون في أثره هاتفين المجنون أبو خبزة... المجنون أبو خبزة كان بينهم طفله الذي لم يتعرف عليه يوم أطلق سراحه أنكرته زوجته أمام زوجها الجديد وبطنها تكاد تصل حلقها، يا للشقاء الذي هو فيه بدّل أمه بامرأة... امرأة وأي امرأة؟!! رددها مرارا، من يقضي عني الدين من يخلصني من هذا الدين؟ كان يرددها شارعا ذراعيه وسط الجادة مفزعا أفئدة المارة بصياحه القوي وأخذ الناس يبحثون عن هذا الدين ليسدوه مهما كانت قيمته المهم أن يتخلصوا من صياحه هذا كل وقت... فلا المستشفيات اِسْتَبْقَتْهُ لا أقاربه تحملوه ولا هو رغب في ترك هذا المكان الذي يذكره برائحتها وابتسامتها... كل شبر منه داسته قدماها الشريفتان... أمي ودفن وجهه بين ساقيه منتحبا ما شاء الله له أن يفعل، ثم جلجل الدين من يقضي عني الدين؟
أنيرت المصابيح في الشرف، أشرعت النوافذ على مصراعيها وقلوب أصحابها ورق في مهب الريح من شدة الفزع وصوت النواح يملأ الأزقة... كلهم خرجوا وبأيديهم هراوات وبعضهم مكانس وعصي متوعدين... سيبرحون هذا الوغد الذي يَقُّضُ مضاجعهم ويحرمهم متعة النوم ضربا حتى لا ينبس ببنت شفة بعد هذا ثم سيقفلون إلى مساكنهم كأن لم يكن هناك حدث ذا أهمية ليناموا حتى يَأْذَنَ الفجر، وبينما هذه الوعود والنُذُرْ تتقاذف من أفواههم كالسهام من كل جانب... كانت روح عبد الحليم على وشك الانعتاق من سجن الجسد إلى فضاء رحب... تباطأت أنفاسه وعلى خده تدحرجت دمعة كبيرة متلألئة، افترت شفتاه عن ابتسامة كابتسامة وليد وفد للحياة توًا، همد جسمه النحيل وأخذت عيناه تحملقان إلى ما لا نهاية... نائم الوغد كدأبه... همسوا وهم يولون الأدبار شطر مساكنهم يخنقهم النعاس خنقًا.