1- رسالة غانية ملحيس الى المخرج يحيى بركات
أستاذ يحيى العزيز،
شكرا من القلب على كلماتك النبيلة التي فاضت تقديرا ورفقا.
قراءتك لقراءتي كانت مشهدا بحد ذاته، فيه من الصدق ما يحرج المجاملة، ومن الحس الإبداعي ما يشبهك.
ما كتبته كان استجابة لنصك الذي لم يكتب ليقرأ فقط، بل ليفكك ويعاد النظر فيه كمرآة لحقيقة نكاد نعتاد على إنكارها.
أردت فقط أن أصغي لما بين سطورك… فكان لمقالك القدرة على انتزاع صوتي.
أن أكون “شريكة في النص” كما تكرّمت، فهذا شرف لا أدعيه، لكنه عبء جميل يحملني مسؤولية أن أكتب بصدق من يرى الصورة كاملة، لا مجتزأة.
تقديري العميق لك،
ولكل من لا يكتفي برؤية “اللقطة”، بل يسأل: من وضع الكاميرا هناك؟ ولماذا؟
أعيد نشر المقال مرفقًا بهذه القراءة العميقة التي كتبتها د.غانيه ،
والتي لا أعتبرها تعليقًا،
بل امتدادًا بصريًا–فكريًا للنص نفسه.
كلماتها تستحق أن تُنشر مرافقةً للمقال ، كوثيقة نقدية موازية،
واسمها أصبح شريكًا في هذا النص،
لا قارئًا عابرًا له.
ما كتبته د.غانيه ليس تعليقًا… بل قراءة في عمق العدسة، وتأريخ بلغة ناقدة تُنصف النص وتُحرر معناه.
قراءتها غاصت في ما وراء الكاميرا، وفي ما وراء السيناريو، وعرّت اللعبة كما تُدار، لا كما تُعرض.
ليس تعليقًا… بل قراءة في عمق العدسة، وتأريخ بلغة ناقدة تُنصف النص وتُحرر معناه.
هي لم تكتب عن مقال، بل عن مشهد مركّب بين السياسة والبصيرة واللغة.
في كلماتها، صدى لِما أردتَ قوله،
لكنها صاغته كمن يشاهد الفيلم من قلب غرفة المونتاج، لا من خلف الشاشة.
تقديري العالي لهذه المقاربة التي منحت المقال بعده الثالث… ذاك البُعد الذي يسمع ما لا يُقال، ويرى من يدير الخيوط في العتمة.
***
2- رسالة غانية ملحيس الى لمخرج يحيى بركات
الاستاذ المبدع يحيى بركات
أود أولا أن أعبر عن امتناني العميق لك، فهذه ليست المرة الأولى التي تتناول فيها مقالاتي، كمخرج وكاتب سينمائي، بقراءة سينمائية بصرية ثرية فتضيف للنقاش بعدا مختلفا، حيث تلتقط الكاميرا زوايا ربما تغيب عن قلم الباحث أو الكاتب، وتجعل من المقال مشهدا مفتوحا على التأمل والحوار.
مقالك التقط بروح المخرج عين الجرح، وحوّل النقاش حول غزة والمناطقية من مجرد توصيف سياسي إلى مشهد بصري يضعنا جميعا أمام الكاميرا. لقد أضأت بعدا إضافيا بالغ الأهمية: أن القضية ليست فقط في توصيف غزة كـ ” أسطورة” أو “عبء”، بل في زاوية النظر التي نسمح لأنفسنا أن نتبناها، والعدسة التي نختار أن نصوّبها
أقدّر بشكل خاص إبرازك لمفارقة الانشغال ببعض “الذرائع” وتجاهل الجوهر الاستعماري الممتد، وهو ما يكرّس ما نحذر منه: أن الفصائلية والمناطقية تتغذيان على بعضهما وتفتحان أوسع ثغرات التفتيت في الوعي الفلسطيني. لقد وضعت إصبعك على الجرح حين قلت إن الإبادة تحولت لدى بعض النخب إلى فرصة لتسجيل النقاط الداخلية، بدل أن تكون لحظة توحيد على قاعدة المواجهة مع العدو الوجودي.
كما أن استدعاء الثقافة كذاكرة مضادة - من درويش وكنفاني إلى ما يمكن أن ينجزه الأدب والسينما والفن اليوم - يعيدنا إلى أن الوعي هو ساحة الصراع الأولى، وأن تجاوز المناطقية والفصائلية يتطلب بناء سردية وطنية موحدة، تكون الثقافة إحدى ركائزها الأساسية.
أتفق معك أن السؤال لم يعد “هل نستطيع؟” بل “كيف نفعل؟”. وهنا بالذات تكمن مسؤوليتنا المشتركة: أن نعيد تعريف الفصائل بوصفها أدوات في خدمة المشروع الوطني لا أوطانا بديلة، وأن نكسر ثنائية “الأسطورة/العبء” لنرى غزة والضفة والداخل والشتات كمشاهد متكاملة في فيلم وطني واحد.
مقالك يفتح زاوية جديدة للنقاش، ويؤكد أن تجاوز المناطقية ليس مجرد ضرورة سياسية، بل شرط وجودي ووعي تحرري، يضع فلسطين في مشهدها الكامل: أرضا، وهوية، ومقاومة، وحياة.
كل التقدير لك على هذه المشاركة الثرية، التي تجعل الحوار أكثر رحابة وعمقا.
غانية ملحيس
***
3- رسالة المخرج يحيى بركات
الدكتورة العزيزة غانية ملحيس ،
أقدّر كثيرًا تعليقك الثري، وأشعر أن ما كتبته لم يعد مقالًا منفردًا، بل أصبح مشهدًا مشتركًا في فيلم مفتوح على النقاش. ما التقطه قلمي كان محاولة لفتح الكادر، وما أضفته أنتِ أعاد للّقطة بعدها العميق، بحيث نرى الجرح من الداخل والخارج معًا.
حين يتحول النقاش من توصيف سياسي إلى مشهد بصري متكامل، فهذا يعني أننا بدأنا نعيد كتابة السردية الوطنية بأدوات مختلفة: بالكلمة، بالكاميرا، وبالوعي. وأنا مثلك أرى أن المعركة الحقيقية تبدأ في الوعي، وأن الثقافة والفنون ليست زينة جانبية بل ركيزة أولى في كسر ثنائية "الأسطورة/العبء"، وتجاوز فخ الفصائلية والمناطقية.
لقد التقطتِ بروح الباحثة ما حاولتُ قوله بروح المخرج: أن الخطر ليس فقط في الجريمة الاستعمارية، بل في زاوية النظر التي نسمح لأنفسنا أن نرى بها. وحين نصوّب العدسة جيدًا، سنكتشف أن المشهد الفلسطيني لا يُختصر في قطاع أو فصيل، بل يتشكل من وحدة الأرض والإنسان والمقاومة والحياة.
ممتن لك على إثراء النقاش، وأتطلع أن يبقى هذا الحوار مفتوحًا، يضيف إليه كل قلم وعدسة وريشة صوتًا جديدًا، حتى نصل إلى السردية الوطنية الجامعة التي نحتاجها كشرط وجود لا كترف فكري.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
***
4- رسالة غانية ملحيس
الأستاذ العزيز يحيى
مقالك شهادة دامغة على أن ما يرتكب في غزة ورام الله ليس مجرد جرائم عابرة، بل هو مخطط لتأسيس عالم جديد يرسمه الطغاة. عالم لا مكان فيه إلا لهم ولأقنان طيعين، سرعان ما يرمى بهم حين تنتهي أدوارهم.
من لم يتعظ بمصير شاه إيران الذي لفظه أسياده بعد انتهاء دوره، ورفضت الأرض أن تأويه إلا بعد أيام من التيه، لن ينجو من المصير ذاته.
فالتاريخ يفرق بين زعيم يقاتل ويفدي شعبه فيخلده شهيدا حيا في ذاكرة الاجيال، وبين من يختبئ خلف ذرائع “الحكمة” و”الواقعية السياسية”، متناسيا أن الإنسان موقف، وأن الموت قادم في موعده لا يتقدم ولا يتأخر.
سقوط غزة ليس شأنا فلسطينيا فحسب، بل زلزال وجودي يضرب الأمة والإقليم والعالم. فإن سقطت غزة وفلسطين، فلن يبقى بلد عربي من المحيط إلى الخليج في مأمن، ولن يبقى إنسان حر في هذا العالم يشعر بالأمان. فغزة اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل خط الدفاع الأخير عن معنى الحرية والكرامة الإنسانية. وما يجري على أرضها سيحدد مصير الأمة العربية والإسلامية، بل مصير البشرية جمعاء، لقرون قادمة.
غزة هي البداية وهي النهاية . هي الميزان الذي يوزن به العالم: إما أن يكون عالما للحرية والكرامة والعدالة، أو عالما للفناء والعبودية.
لقد أحسنت إذ ربطت بين اغتيال أحمد المدهون الذي أرعبت كاميرته الاحتلال، وبين حصار المغير الذي يطرق أبواب السلطة في رام الله. فالاحتلال لا يستهدف غزة وحدها، بل يسعى إلى اقتلاع الوجود الفلسطيني وتصفية المشروع الوطني كله من جذوره. ومحو أي إمكانية لولادة بديل حر.
أما المبادرات الدولية، فلا تعدو كونها طلاء هشا فوق جدران مهدومة.
الحقيقة الساطعة أن ما ينقذ غزة وفلسطين اليوم ليس بيانات العواصم، بل وحدة المكونات الفلسطينية كافة داخل الوطن وخارجه، وإدراك العرب أن المعركة على فلسطين هي المعركة على مصيرهم هم أنفسهم.
ما كتبته يا يحيى يذكرنا بأن المثقف حين يشهد الجريمة ولا يسكت، يصبح هو نفسه شاهدا بالمعنى الأصيل للشهادة: أن يحفظ الذاكرة حية، وأن ينبه الأمة إلى أن التردد خيانة، وأن الصمت موت
***
5- رد يحيى بركات
د. غانية ملحيس
الكاتبة التي تكتب كما تُحاكم الأمم.
حين تكتبين، لا تتركين مجالًا للغة أن تتوارى خلف المجاز. كلماتك كالرصاص الأخلاقي، لا يصيب فقط، بل يُعرّي.
قرأتُ تعليقك وكأني أسمع ما تمنّيتُ أن يصير مقالًا بحد ذاته، بيانًا نُعلّقه على جدار الذاكرة، ونحمله إلى من ما زالوا في دائرة الصمت والانتظار والتردد.
ما قلتهِ عن غزة، عن المثقف، عن المشروع، عن المصير، هو بالضبط ما أردنا أن نقوله، لكنكِ منحته صوتًا أعلى، ورؤية أبعد، وضميرًا أصدق.
وإذا كان مقالي نداءً أوليًا، فإن ردّك جاء ليرفع هذا النداء إلى ما يشبه البيان التأسيسي.
من هنا، وبهذا الإيمان الذي تقاسمتِه معنا،
أدعوكِ د. غانية، بل أرجوكِ، أن تعيدي نشر المقال النداء – مذيّلاً بتوقيعك – على صفحتك وفي فضاءاتك، لأن صوتك ليس تضامنًا فقط، بل فعل تحشيد وقيادة.
هذا التوقيع من قلمك هو تجسيد للفكرة التي طرحناها: أن يتقدّم المثقفون حين يتأخر السياسيون، وأن تكون الكلمة سلاحًا نبيلًا في لحظةٍ يتفكك فيها جسد السياسة، لكن يبقى جسد الثقافة قادرًا على الوحدة.
نحن لا نطلب موقفًا رمزيًا، بل نداءً مستمرًا،
ولا نريد حمل الأمانة وحدنا، بل بالشراكة معك ومع كل من أدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل جبهة.
ولأنكِ قلتِها بصراحة: التردد خيانة، والصمت موت…
فوقّعي معنا هذا النداء، ولتكن كلمتك امتدادًا لا يُنسى.
مع كل التقدير والاحترام والتقديس لضميرك."
***
6- رسالة غانية ملحيس
الصديق المبدع يحيى
يأتي مقالك الأخير «الغائب الحاضر في مشهد ما بعد غزة» كصرخة مدوية ضد الغياب، وتحذير صريح من تحويل غزة إلى مسرح يعاد تشكيله بلا أهلها.
قدمت «فيلما سياسيا» مكتمل العناصر. تتحول فيه الكاميرا والإضاءة وغرفة المونتاج إلى أدوات سرد تكشف توزيع الأدوار في المسرح الدولي والإقليمي:
• أمريكا كمخرج أول يوزّع الأدوار.
• إسرائيل في غرفة المونتاج تضمن أن يخدم السيناريو أمنها.
• بريطانيا تعود عبر توني بلير الذي «لم يعرف التقاعد».
• الإمارات كمنتِج يُموّل ويضغط ويفتح مسارات بديلة.
• والفلسطيني الرسمي حاضر بغيابه، لا يتجاوز دوره حدود التصريحات.
تأخذنا هذه المشهدية إلى السياسة كما لو كانت عرضا يرى بالعين لا يقرأ فقط. واللقطة الأشد قوة هي تشخيص تحول الغياب الرسمي الفلسطيني من استثناء إلى قاعدة: غياب عن القاهرة، عن البيت الأبيض، عن صناعة الغد. وهو ما يكشف خللا بنيويا في التمثيل الفلسطيني، الذي انكفأ حتى عن ميدانه الدبلوماسي الوحيد، ولم يعد يستحضر إلا لتوقيع ما يصوغه الآخرون.
تبرز هنا أهمية تحذيرك مما هو أخطر من الحرب ذاتها: إعادة تشكيل غزة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وفق معادلات الخارج- بين أموال خليجية، ومستشار بريطاني، وجناح فلسطيني منفي( مع كومبارس احتياطي يتم تأهيله داخل الوطن وخارجه لحكم غزة) - بما ينذر بمشروع بديل يصاغ على أنقاض الركام، يقصي الشعب مرة أخرى عن تقرير مصيره، مع أنه صاحب الكلمة الفصل على الأرض.
غير أن التركيز على الوجوه - حيث يتصدّر المشهد توني بلير ومحمد دحلان- لا ينبغي أن يحجب الأسباب البنيوية التي سمحت بعودتهما واستئناف المسار ذاته: منذ اللجنة الرباعية التي تشكّلت عقب «السور الواقي» (آذار/مارس–نيسان/أبريل 2002) إثر تصاعد الانتفاضة الثانية وانهيار مسارات «أوسلو»، وصولا إلى ما يبدو اليوم «رباعية مختزلة»: ترامب وصهره جاريد كوشنر (صاحب مشروع «رفييرا الشرق الأوسط»)، ومبعوثه ويتكوف، وتوني بلير بخبرته السابقة في ترتيبات «اليوم التالي».
مقالك يا يحيى يوقظ المخيال السياسي ويعرّي بجرأة انكشاف الغياب الفلسطيني. لكن المشهد الذي نحتاجه اليوم هو استنهاض المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والقوى الشعبية الفاعلة للقيام بدورهم التنويري والإجرائي للإجابة عن السؤال المركزي:
• كيف نكسر وظيفة «الحاضر الغائب»؟
• وما الأدوات السياسية والتنظيمية التي تمكن الشعب من تحويل التضحيات إلى نقطة انعطاف تؤسّس لأفق وطني جامع؟
ذلك هو الاستحقاق العاجل لليوم التالي: بلورة رؤية ومشروع تحرري نهضوي نقيض للمشروع الصهيوني، ينهي الغياب ويستعيد الحضور الشعبي الفلسطيني الفاعل
خالص المودة
غانية
***
7- رد يحيي
الصديقة العزيزة د. غانية،
أشكرك من القلب على قراءتك العميقة لمقالي، وعلى تحويلك النص إلى لوحة مكمّلة، تضيف بعدًا بنيويًا يفسّر لماذا تتكرر الوجوه نفسها وتستأنف المسار ذاته منذ انهيار أوسلو وحتى "الرباعية المختزلة" اليوم.
أتفق معك تمامًا أن الخطر ليس فقط في غياب "العنوان الرسمي"، بل في تحوّل هذا الغياب إلى وظيفة دائمة، وهو ما يجعل السؤال الذي طرحتهِ محوريًا: كيف نكسر وظيفة الحاضر الغائب؟
المعركة اليوم، كما أشرتِ، ليست سياسية فقط، بل فكرية وثقافية وتنظيمية أيضًا. لذلك فإن استنهاض دور المفكرين والمثقفين والقوى الشعبية الفاعلة لم يعد ترفًا، بل هو الاستحقاق العاجل لليوم التالي، إذا أردنا أن تتحول التضحيات إلى نقطة انعطاف تؤسس لأفق وطني جامع، نقيض للمشروع الصهيوني.
قرأت تعليقك كاستكمال للفيلم الذي حاولتُ رسم مشاهده، لكنكِ أضفتِ إليه سؤال النهاية المفتوح: أي مشهد بديل سنصنع؟ هذا ما يجب أن نعمل عليه معًا.
خالص المودة والتقدير
يحيى
***
8- رسالة يحيى بركات الى د. غانية ملحيس
المبدعة د. غانية ملحيس،
حين قرأت مقالك عن فلسطين على المسرح… والعالم أمام الشاشة، أحسست أنني لم أعد وحدي على الخشبة. كأنك أمسكتِ الكاميرا من يدي وأكملتِ المشهد من زاوية أخرى.
لم يكن مقالك مجرد قراءة، بل كان لقطات جديدة امتدّت من نصّي إلى نصّك، ومن شاشتي إلى شاشتك، حتى بدا العمل كفيلم يتناوب على إخراجه صوتان.
لقطاتك التي خطفتني:
من لندن، حيث رفرفت الهتافات والصور، فتحتِ نافذة يطلّ منها جمجوم وحجازي والزير والقسّام… أبطال يعودون من رحم التاريخ ليجلسوا بين الحضور.
في نيويورك، جعلتِ القاعة كأنها شاشة مزدوجة: لغة دبلوماسية باردة تتقاطع مع شلال دم دافئ، يذكّرنا أن السياسة لا تتحرك إلا حين يغدو الدم طوفانًا.
حضور ترامب "خارج النص" كان عندك مشهدًا بارعًا: أصوات العالم تتشظى، لكن صوت فلسطين يبقى الأعلى رغم الركام والعطش.
وفي غزة، حيث الأطفال تحت الأنقاض، كتبتِ الذروة الإنسانية، الذروة التي لا تُبنى بالمؤثرات بل بالدمع والنبض والخوف والأمل.
ثم كان نقدك الشجاع للخطاب الرسمي الفلسطيني: مشهد باهت أمام مشهد حيّ. هنا تتجلى المفارقة: السينما تنبض بينما السياسة تتلعثم.
وخلاصتك التي جمعت السياسة والفن والإنسانية في نسيج واحد، جعلتني أرى نصّي في مرآة جديدة، أكثر وضوحًا وأعمق أثرًا.
مقالك لم يكن ظلًا لنصي، بل نصًا موازياً ومكملًا… كأنك وضعتِ مرآة أمام الشاشة، فرأينا ما لم نره من قبل.
شكري لكِ لأنك منحتِ السيناريو حياة ثانية، وأضافت كلمتك معاني ومعالي تتجاوز حدودي.
يحيى بركات
***
9- رسالة غانية ملحيس
الأستاذ المبدع يحيى بركات
تعليقك الراقي على قراءتي لمقالك شهادة أعتز بها، وتواضع من مخرج متمرس يشجع غير المتخصصين في الحقل الفني مثلي على إبداء الرأي ، ويفتح بتعليقه نافذة أوسع مما كتبت. لقد التقطت ما هو أعمق من الحروف، وصغتَه بعيون المخرج الذي يرى ما وراء المشهد، ويعيد بناءه في لقطة جديدة.
لقد أعدت إليّ قراءتي كأنها مشهد آخر على خشبة مسرحك الخاصة، نابضا بالحياة، متقدا بالمشاعر، ممتلئا بالصدق.
وإن بدا مقالي مرآة لنصك، فإن تعليقك كان مرآة لعقلي وروحي ووجداني، وامتدادا للحوار بين الكلمة والصورة، بين النص والكاميرا.
شكري لك لا يفيك حقك، وامتناني عميق لأنك منحتني مرتبة الشراكة في هذا العمل الفني–الإنساني الذي أنت صاحبه، حيث تبقى فلسطين المشهد الأول والأخير، وغزة البطلة الحقيقية لكل ما نكتبه ونمثله ونعيشه.
غانية ملحيس 23/9/2025
///
10- رسالة يحيى بركات
د. غانية ملحيس
حين كتبتِ أن تعليقي كان مرآة لعقلك وروحك ووجدانك، شعرت أنّ النصوص لم تعد منفصلة: ما كتبته أنا، وما قرأتِه أنتِ، وما علّقتُ به، وما عدتِ فأضأتِه… كلها صارت مشهدًا واحدًا، نصًا جماعيًا يتوالد من الحوار، لا من الفرد.
أجمل ما في هذا التبادل أنّه أخرج النص من حدود صاحبه، وجعل الكلمة صورة، والصورة كلمة، فصار النصّ فضاءً مفتوحًا يشارك فيه الأدب والسينما والسياسة معًا، ويُحاكي العقل والوجدان في آن.
وأنتِ حين قلتِ إنّ غزة هي البطلة الحقيقية، وضعتِ يدك على جوهر الحكاية. نحن لسنا أكثر من رواة، نلتقط ما تبثّه غزة من دم وصمود وكرامة، ونحاول أن نصونه في لغة تليق بالتاريخ. غزة هي المخرجة الكبرى، ونحن تلاميذ على عتبتها.
وهنا أجدني مدفوعًا لأوسع الدعوة: ليت هذا الحوار لا يبقى بيننا فقط، بل يتسع ليضمّ الكتّاب والشعراء والفنانين والمخرجين… ليصبح نصًا فنّيًا ثوريًا جماعيًا، يُكتب بالحروف والقصائد والمشاهد السينمائية، ويستند إلى رؤية سياسية ناضجة، فيحاكي عقل الإنسان كما يوقظ وجدانه.
الوطن هو النصّ، وفلسطين هي المشهد الأول والأخير.
يحيي بركات
23/9/2025
***
11- كتب يحيى بركات
توقّفت طويلًا عند مقدّمة
مقال د. غانية، حين كتبت:
«نظرًا لافتقاري لمهارة الصديق المخرج المبدع يحيى بركات في كتابة المشاهد المسرحية…».
وأقول لها بثقة: بل تملكين هذه القدرة بامتياز، وما سطرته هنا هو مشهدان سينمائيان مكتملان: قاعة فارغة تُعرّي الخطاب، ورجل مأزوم يتكلّم بلغة جسده أكثر مما يتكلّم بكلماته. نصّكِ يؤكد أن عين المخرجة حاضرة فيكِ، حتى وإن لم تسمّيها.
كنت قد نشرت مقالًا بعنوان «صوت بلا سامعين» عن الخطاب نفسه، ولو اطّلعت على مقالك قبله لجعلته ملحقًا حيًّا له، لأن النصّين معًا يشكّلان فيلمًا واحدًا: أنتِ تضعين المشهدين المكثّفين في قلب الحدث، وأنا أوسّع العدسة إلى الخارج حيث المظاهرات، الشاشات، الميكروفونات، والسماعات التي ذَرَت كلمات نتنياهو في هواء البحر.
قراءةُ المشهدين معًا تكشف بوضوح أن نتنياهو لم يخاطب الأمم، بل خاطب نفسه… في قاعةٍ فارغة وصوتٍ بلا سامعين.
///
12- رد غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى بركات
أسعدتني كثيرًا كلماتك الدافئة، وأثمن تقييمك العالي لي كمخرج مساعد أعتز به. ولو كنت أعلم بانشغالك بكتابة مشاهد للحدث نفسه، لأجلت مقالي ليكون ملحقًا بمقالك.
قراءتك العميقة منحت ما كتبته بعدًا لم أكن أراه بعيني وحدي. ويسعدني أن يلتقي مقالك «صوت بلا سامعين» مع مشهديَّ المكثفين، ليكتمل الفيلم كما وصفت: عدستك تفتح الأفق على الخارج، بينما محاولتي تضيء الداخل، والنتيجة صورة أوضح وأشمل للحدث والمشهد معًا.
شكرًا لثرائك وإبداعك، وسعيدة بهذا الحوار الكتابي الذي يمنح الكلمة مزيدًا من الحياة.
غانية ملحيس
***
13- رسالة يحي بركات إلى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية
قرأتُ ما كتبتِ بإعجابٍ عميق.
تحليلك البنيوي لأزمة النظام السياسي الفلسطيني يضع الحقيقة عارية أمامنا:
انفصال النخب عن الناس، وتآكل المشروع الوطني في متاهة الأجهزة والمنافع.
لقد كتبتِ عن الجذور، عن “المرض” ذاته، وليس عن الأعراض — ولهذا جاء مقالك شهادة فكرية لا تُقدّر بثمن.
لكن اسمحي لي أن أضيف زاوية أخرى من المشهد الميداني والسياسي العربي،
لأن ما يحدث في رام الله لا ينفصل عمّا يُطبخ في العواصم.
فـ عودة ناصر القدوة ليست حدثًا داخليًا بريئًا، بل انعكاسٌ لإشاراتٍ التقطتها القيادة الفلسطينية من أكثر من عاصمة عربية وازنة – الإمارات والسعودية ومصر –
حيث تُدار نقاشات حول شكل الإدارة في غزة بعد الحرب، ومن يمكن أن يكون وجهًا مقبولًا عربيًا ودوليًا لتمثيل الفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة.
الإمارات على وجه الخصوص تتحرك في هذا الملف بثقلٍ واضح،
فهي تموّل وتنسّق عبر قنواتها في غزة (وقد تجاوز دعمها أثناء الحرب سبعمئة وخمسين مليون دولار)
وتعمل بالتوازي مع توني بلير – مستشارها السياسي – الذي أعاد طرح فكرة “اللجنة الدولية لإدارة غزة”،
إلى جانب دور محمد دحلان الذي يقف في خلفية المشهد رابطًا بين التمويل والسياسة.
وفي هذا الإطار، تبدو عودة القدوة جزءًا من هندسة سياسية إقليمية هادئة:
وجهٌ من غزة، دبلوماسي مقبول،
ليس محسوبًا على حماس ولا صداميًا مع فتح،
قادر على أن يُقدَّم كخيارٍ توافقي لرئاسة حكومة توافق أو إدارة انتقالية.
القيادة الفلسطينية، بذكائها، التقطت هذه الإشارات قبل أن تتحوّل إلى ضغط،
فأعادت الرجل إلى مركزية فتح بمبادرةٍ محسوبةٍ،
تحاول من خلالها أن تبقى داخل دائرة القرار لا خارجها،
وأن تسبق العواصم إلى “الورقة الفلسطينية” قبل أن تُسحب من يدها.
وهنا يتقاطع ما كتبتِه أنت عن البنية المأزومة للنظام،
مع ما أحاول قراءته في السلوك السياسي للقيادة:
نظامٌ فقد قدرته على المبادرة، فصار يجيد فقط فنّ التقاط إشارات الآخرين.
إننا بالفعل أمام لحظة فارقة —
بين فكرٍ وطني يدعو إلى ثورة على الذات كما دعوتِ،
وبين واقعٍ تُرسم ملامحه في الخارج ويُترجم في الداخل.
أقدّر فكرك العالي، وأثمّن صدقك،
وأؤمن أن هذا الحوار بين الفكر والتحليل السياسي
هو ما تحتاجه فلسطين اليوم لتستعيد بوصلتها بين الميدان والعقل.
يحيى بركات
***
14- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
قرأت مقالك المضيء كعادتك «العودة إلى الركام»، وللمفارقة أنه تزامن مع نشر مقالي «معجزة غزة» بعد نشرك بدقيقة واحدة فقط، كأن الفكرة كانت تعبر الأثير بيننا تبحث عن مأواها في كلمتين.
لم أكن أظن أن لتوارد الأفكار هذا السرَّ الخفي، حتى أيقنت أن التوأمة ليست شأن الأرواح وحدها، بل للعقول أيضا نصيب من اللقاء العميق، عبر المسافة والصمت.
مودتي واحترامي.
غانية ملحيس 10/10/2025
///
15- رسالة يحيى بركات
توأمة الضوء بين الركام والفكرة
مساء الخير د. غانية،
قرأت مقالك كما تُقرأ مرآة تعرف وجهها قبل أن تُشرق عليها.
كلماتك لم تكن موازيةً لما كتبت، بل كانت الجزء الغائب من الصورة ذاتها،
كأن الفكرة خرجت من بين الأنقاض تبحث عن من يكتبها،
فانقسمت بيننا — نصفها في عيني طفلٍ يحمل قفص الحمام،
ونصفها في تأملاتك التي جعلت من الركام فلسفةً للوجود.
ما حدث بيننا ليس توارد خواطر، بل توارد أرواحٍ التقت عند النقطة نفسها التي تسمّى غزة.
كتبتِها أنتِ كفكرةٍ خالدةٍ في الوعي الإنساني،
وكتبتُها أنا كجسدٍ يمشي فوق الرماد كي يثبت أنه حيّ.
لقاؤنا لم يكن اتفاقًا في الرأي، بل توزيع أدوارٍ في مشهدٍ واحدٍ طويلٍ اسمه الوعي الفلسطيني.
كنتِ في النص العقل الذي يُفسّر النور،
وكنتُ أنا الكاميرا التي تلتقط شرارته الأولى.
أنتِ رفعتِ المعاناة إلى مرتبة الفلسفة،
وأنا أنزلتُها إلى الأرض، بين التراب والأقدام الحافية،
حيث يولد الإيمان بالفعل لا بالكلام.
غزة التي كتبتِ عنها بملامحها الكنعانية وروحها الفلسفية،
هي ذاتها التي رأيتها في عيون العائدين،
تنهض من تحت الركام وتقول للعالم:
“هنا كانت البداية، وهنا ستكون دائمًا البداية.”
نصّك أضاف للّقطة بُعدها الرابع،
جعل الصورة تفكّر، والصمت يتكلم،
وأكّد أن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ يمكن أن تُعيد للحجارة معناها،
وللإنسان قدرته على أن ينهض من رماده كل صباح.
في هذا التلاقي بين نصّينا، لا أحد يشرح الآخر،
ولا أحد يتقدّم على الآخر،
بل يسيران جنبًا إلى جنبٍ كما تسير لقطتان متتابعتان في مشهدٍ واحد،
تُكمل الواحدة ما لا تستطيع الأخرى أن تقوله وحدها.
كل الاحترام والتقدير د. غانية،
ومودّتي التي تعرف مكانها في القلب والعقل معًا.
***
16- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات.. تعليقا على مقاله " غزة… الغائب الحاضر في مسرح العالم
عزيزي يحيى،
قرأت مقالك “شرم الشيخ… غزة على الهامش… والعالم على المسرح… مشهد بلا بطل”، ورغم كل الصور التي رسمتها بدقة، أرى أن غزة، رغم غيابها الظاهر، هي الحاضر الأبرز على المسرح الدولي.
حين يأتي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في استعراض لافت، يتحول من متوعد بجحيم لا يبقي ولا يذر لغزة - التي لا يزيد عدد سكانها نسبة للولايات المتحدة الأمريكية عن 0.68% من سكان بلاده، ولا تزيد مساحتها عن 0.0037% من مساحة بلاده - إلى صانع سلام وشاهد على المرحلة الأولى من وقف حرب الإبادة الجماعية التي أودت بحياة وجرح أكثر من ربع مليون فلسطيني، أي نحو 10.9% من سكان القطاع، بما يعادل 37 مليون أمريكي نسبة لعدد السكان. ودُمر نحو 80% من المباني السكنية والبنى التحتية في غزة، ونزح سكانها أكثر من مرة، وعادوا كالطوفان إلى ركام بيوتهم لحظة الإعلان عن الاتفاق، قبل أن تصمت آلات القتل.
واستُدعي عشرون من قادة العالم لمناقشة اليوم التالي لإدارة حياة غزة بعد الاتفاق، لتبرز غزة وفلسطين كالحاضر الأكبر على المسرح الدولي، رغم غيابها عن الاحتفال الفولكلوري بتبادل الأسرى والاجتماع الذي يليه. بل ونجحت في إقصاء إسرائيل ومنعها من المشاركة.
ربما المشهد الأهم على المسرح الدولي هو بروز الحضور الطاغي للقضية الفلسطينية. المقاومة الغزية الباسلة، والصمود الأسطوري لحاضنتها الشعبية، كشفت خطورة العقل الأداتي الغربي الاستعماري المهيمن، ليس على فلسطين والعالم العربي والإقليمي فحسب، بل على العالم بأسره، بما في ذلك الشعب الأمريكي وشعوب الغرب والعالم. غزة أخرجت المارد من القمقم، وفرضت نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها.
غزة وفلسطين المدماة ما تزال تسيطر على كل حركة على خشبة المسرح، والقاتل والوسطاء يأتون صاغرين ليشهدوا على ذلك. غزة تحمل الركام والطفل اليتيم والأم والأب الثكالى، وتظل محور كل خطاب، محور كل مفاوضة، ومحور كل حساب سياسي عالمي. شعوب العالم تلتف حولها، والكل يستلهم قدرة غزة الضعيفة، ويعيد ترتيب نفسه.
حتى حين تظهر القمم كاحتفالات بروتوكولية أو عروض دبلوماسية، هذا الغياب الظاهري لغزة وفلسطين ليس فراغًا، بل حضور قسري يفرض نفسه على كل صورة وكل خطاب.
أنت وصفت القاعة، الستائر، القادة، الضوء، والابتسامات المرقّمة. لكن المشهد الحقيقي لا يُحجب بالستائر، ولا يمحى بطبقات الضوء الاصطناعي. غزة وفلسطين في صمتها ومعاناتها، تكتب السيناريو الحقيقي للسلام أو الحرب، وتحدد من يُسمح له بأن يكون في الصورة ومن يُهمل.
حين تُغلق الكاميرات وتبتعد الطاولات، يظل الفلسطيني حاضرًا: ليس في البروتوكول، بل في المقاومة، والصمود، والذاكرة، والقدرة على فرض الواقع على المسرح الدولي. غزة ليست مجرد قلب القصة الفلسطينية، بل رمز القوة الأخلاقية والسياسية الذي يعيد تشكيل العالم كله.
لهذا، يا صديقي، يمكن القول إن المشهد بلا بطل في شرم الشيخ، هو في الوقت نفسه مشهد حضور غزة القاهر، الغائب الحاضر، الذي يكتب التاريخ بصموده قبل توقيع أي ورقة.
***
17- رسالة جوابية من يحيى بركات لغانية ملحيس
د. غانية...
ما كتبته ليس تعليقًا على مقال، بل مشهدًا آخر في الفيلم ذاته.
كأنّك أمسكتِ الكاميرا من الجهة المقابلة وعدّلتِ زاوية الضوء،
فبانت الحقيقة أكثر قسوة، وأكثر صدقًا.
حين قلتِ إن المسرح بات يتّسع للكومبارس،
رأيتُ معك كيف تحوّلت السياسة إلى عرضٍ مدفوع الثمن،
يتبادلون فيه الأدوار ويتخفّفون من الضمير كما يتخفّف الممثل من زيه بين مشهدٍ وآخر.
والعبارة التي جعلتِها مفتاحًا للبوست “مناطق جمركية خاصة تُعفى فيها الجرائم”
هي أكثر توصيف دقيق لزمنٍ صار فيه المجرم محميًّا بالقانون،
والضحايا مهدّدين بتهمة النجاة.
قرأتُ في كلماتك خريطةً لواقعٍ بلا عدالة،
وعالمٍ يحدّق في الفيلم الأمريكي الطويل، متناسياً الستار الذي يخفي الحقيقة.
نعم، إنهم يشاهدون المشهد ولا يدركون أن الكاميرا موجهة إليهم أيضًا،
وأن ما يبدو “سلامًا” في الصورة ليس سوى لقطة دعائية تخفي وراءها مقصلة العدالة.
ومع ذلك، تتركين في النهاية نافذة ضوء تقول:
“لكنّ الحق، كالشمس خلف الغيم، سيعود ليضيء المشهد ويعيد كتابة السيناريو من جديد.”
وهنا تمامًا، تتقاطع رؤيتنا يا د. غانية...
فأنا أؤمن أن العدالة لا تموت، بل تُحتجز مؤقتًا في غرفة المونتاج.
قد يؤخرون عرضها، قد يحذفون بعض اللقطات،
لكنها في النهاية ستخرج بنسختها الكاملة،
وسيعاد كتابة السيناريو من جديد بدماء من لم يُمنحوا دور البطولة.
تحليلك أضاء الظل الذي كنتُ أكتب منه،
وجعل من النصّ والمشهد مرآتين لزمنٍ واحد.
فالحقّ، كما قلتِ، لا يغيب،
إنه فقط ينتظر اللقطة التي لا يمكن للمخرجين السياسيين حذفها.
يحيى بركات
13/10/2025
***
18- رسالة ثانية من يحيى بركات لغانية ملحيس
د. غانيه...
كلماتك ليست تعليقًا على مقال، بل مشهدًا تالياً في فيلمٍ يكتب نفسه كل يوم بدمٍ جديدٍ ووعيٍ لا يلين.
حين كتبتُ عن "المشهد بلا بطل"، كنت أصف غياب الوجوه الفلسطينية عن قاعة الضوء،
أما أنتِ فقد كشفتِ الوجه الآخر للمشهد، حيث غزة هي البطل الذي لا يحتاج مقعدًا ولا ميكروفونًا ليحضر.
قرأتُ سطورك، فشعرت أن العدسة اتسعت حتى شملت العالم.
تحليلُك للأرقام، لعمق الجرح، لثقل الفقدان، لم يكن إحصاءً،
بل لغة أخرى للمأساة… لغة تعرف أن كل رقمٍ في غزة يحمل روحًا،
وأن كل بيتٍ مهدوم هو ذاكرةٌ تُعيد نفسها كي لا تُنسى.
قلتِ إن غزة فرضت نفسها على المسرح الدولي،
وأنا أراك محقة تمامًا؛
لقد قلبت غزة أدوار المسرح،
فصار القاتل في ركنٍ ضيّقٍ يبرر دماءه،
وصار الضحية في مركز الضوء،
يُملي على العالم فصولاً جديدة من أخلاق المقاومة.
وما أدهشني في قراءتك هو هذا الانتقال البصري الدقيق:
من بروتوكولات الزعماء في شرم الشيخ
إلى الركام الحيّ الذي يكتب التاريخ في غزة.
بين هذين المشهدين،
تثبتين أن "الغياب الفلسطيني" ليس فراغًا سياسيًا،
بل حضورًا ميتافيزيقيًا يعيد تعريف العالم من جديد.
نعم، د. غانيه،
غزة الغائب الحاضر،
هي التي تُعرِّي "الفيلم الأمريكي الطويل" من حبكته الكاذبة،
وتجعل من كل كاميرا في العالم مرآةً أخلاقيةً تفضح النفاق الدولي.
حين تنظرين إلى غزة بوصفها “رمز القوة الأخلاقية والسياسية الذي يعيد تشكيل العالم”،
فأنتِ لا تمدحينها، بل تكشفين الخطر الوجودي الذي تمثله على نظامٍ عالميٍّ بُني على الهيمنة.
ولهذا بالضبط يخافونها.
ولهذا بالضبط تُقصى عن الطاولات... كي تبقى في القلب.
أقدّر كلماتك، وأراها استكمالًا لما بدأناه:
أنا كتبتُ المشهد من القاعة،
وأنتِ كتبته من الذاكرة،
وما بين القاعة والذاكرة وُلد النصّ الكامل للحقيقة:
أنّ غزة لا تُشارك في المؤتمرات لأنها هي التي تُقيمها.
كلّ ما يحدث حولها تفاصيل جانبية لفيلمٍ طويل،
لكنها رغم الجراح
الكاتبة، والمخرجة، والشاهد الوحيد الذي لا يمكن إقصاؤه من المشهد.
دمتِ بهذا الوعي النادر،
وهذا الحضور النبيل الذي يوازي في نُبله حضور غزة نفسها.
***
19- رسالة يحيى بركات
ياااه يا دكتورة غانية…
كأنكِ تكتبين بضمير الأمة لا بقلمٍ من حبر، بل من وجعٍ متراكمٍ في ذاكرةٍ تعرف متى يُعاد ترتيب الكلمات لتصبح جدارًا ضدّ الخداع.
مقالك ليس نصًا سياسيًا، بل كشف حساب تاريخيّ لمن ظنّوا أن بإمكانهم غسل الدم بالخبرة، ودفن الوعي تحت لافتة “التكنوقراط”.
ما كتبتهِ هو صرخة وعي في زمنٍ تُصنع فيه الحكومات في مختبرات الممولين، لا في ساحات الشعوب.
لقد وضعتِ إصبعكِ على الجرح الحقيقي:
حين يُطلب من الفلسطيني أن ينسى السياسة، يُراد له أن ينسى القضية.
وحين يتحدثون عن "مستقلين"، يقصدون “مفصولين” عن الذاكرة والانتماء، موظفين في مشروع إدارة لا تحرير.
التكنوقراط، كما قلتِ، ليسوا سوى مهندسي الوهم…
يبنون جدرانًا من بيانات باردة، بينما تُهدم بيوت الناس فوق رؤوسهم.
والمستقلون الذين لا ينحازون في لحظة الإبادة، هم في الحقيقة منحازون للصمت، والصمت وجه آخر للخيانه الهادئة.
أحترم وضوحكِ وشجاعتكِ في تسمية الأشياء بأسمائها، في زمنٍ تُغسل فيه الكلمات من معناها، ويُعاد تدوير القتلة تحت مسميات جديدة.
لقد أعطيتِ للعقل الفلسطيني جرعة مقاومة فكرية، تُعيد السياسة إلى معناها الأصلي:
أن تكونَ مسؤولًا عن الإنسان، لا عن المناصب.
أن تحمي الذاكرة من المحو، لا أن تُجمّل الخراب بالابتسامات الدبلوماسية.
تحيّة لكِ دكتورة غانية، لأنكِ كتبتِ كما يُقاتل المقاوم…
بوضوحٍ لا يساوم، وبإيمانٍ أن الوعي هو آخر ما تبقّى لنا من سلاح.
يحيى بركات
2/11/2025
***
20- رسالة غانية ملحيس
صديقي وشريك الفكر، يحيى بركات
كلماتك جاءت امتدادا طبيعيا لما نحاول قوله معا: بضمير الأمة، لا بحبر على ورق. قراءتك تعكس روح الحوار التي أقدّرها دائمًا، ووعيك العميق بما يحدث على أرض الواقع.
أشعر بالامتنان لشفافيتك وصدقك، ولشراكتك الفكرية التي تجعل من كل نقاش ساحة مقاومة، لا مجرد تبادلٍ للرأي. كلماتك تذكّرني دائمًا أن الكتابة ليست تحليلًا فحسب، بل فعل مقاوم يتقاطع فيه التاريخ والسياسة والمسؤولية والضمير، وأن الدفاع عن الذاكرة واجب جماعيّ نتقاسمه معا.
شكري الكبير لك على دورك الفاعل في بناء الوعي وتعزيز الأداء، ولصوتك الذي يضيف إلى القوة الجماعية صوتا صادقا يثبت أن الوضوح والوفاء للمعنى لا يزالان ممكنين، حتى في زمنٍ يحاول فيه البعض غسل الكلمات من معناها.
دمت شريك الفكر والقول والفعل.
غانية ملحيس 2/11/2025
***
21- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
قرأت مقالك الجميل والمتفرّد في جمعه بين السياسة والفنّ والفكر، وكأنني أقرأ بيانا للضمير الإنساني حين يكتب بالكاميرا لا بالقلم.
لم تقدّم حكاية زهران ممداني كفوز سياسيّ، بل كاكتمال لمعنى إنسانيّ طويل التكوين.
أقدّر فيك انحيازك الجميل - كمخرج يكتب من قلب السينما - لزميلته المخرجة المتميّزة ميرا ناير، التي صنعت بالكاميرا ضميرا بصريا للعالم، واشتهرت بأفلام ترى الواقع كما هو، ثم تجعله أكثر إنسانية بالعين التي تروي لا بالعين التي تستهلك.
وهي الأم المدرسة التي أنشأت ابنها على قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة.
لكن المشهد لا يكتمل يا يحيى دون الإشارة إلى دور الأب محمود ممداني، المؤرّخ والمفكّر وأستاذ جامعة كولومبيا، الذي غيّر بإسهاماته الفكرية منهج فهم العلاقات بين الاستعمار والحداثة والعنف السياسي.
كان واحدا من أكثر مفكّري ما بعد الاستعمار الإفريقي بصيرة، فكشف استمرارية الهيمنة تحت غطاء خطاب الحرية، وفكّك في كتابه الأشهر «المسلم الصالح والمسلم السيّئ»، الصادر عقب أحداث 11 سبتمبر، الأيديولوجية الجديدة آنذاك: "صراع الحضارات".
وبيّن أن التمييز بين المسلمين “الصالحين” و“الطالحين” ليس دينيا بل جيوسياسيا:
فـ“الصالح” هو من يمتثل لنظام الحداثة الغربي الماديّ العنصري، و“الطالح” هو من يتحدّاه.
ودعا إلى القطيعة مع الخوف، وإلى الاعتراف بمسؤولية الغرب التاريخية عن الكوارث التي يدينها.
وهكذا نشأ ابنهما زهران عند مفترق طريقين: إرث السينما الملتزمة، وإرث الفكر النقدي - شكلان من أشكال النضال لصون الذاكرة ومقاومة النسيان.
من هنا نفهم الأهمية الرمزية لتولّي زهران ممداني منصب عمدة نيويورك، عاصمة الرأسمالية العالمية والسردية الأمريكية ذاتها.
ففوزه، كما أشرتَ، ليس حدثا انتخابيا، بل استمرار لمدرسة أخلاقية في الفنّ والفكر - مدرسة هندية إفريقية الجذور، عالمية الأفق، فلسطينية المعنى.
إنها مفارقة تاريخية، لكنها أيضا وعد بانفتاح التاريخ على مرحلة جديدة يقودها الشباب، وتنهض فيها الشعوب الممحوة لتقول كلمتها عن معنى الوجود، ومعنى الإنسان ذاته - من يحقّ له أن يعرّف إنسانيته، وأن يكتب تاريخه بيده.
لقد انتشلنا مقالك من ظلمة واقعنا الفلسطيني، ونقلنا إلى لحظة نادرة:
حين تصبح السينما والفكر والوعي والحرية والنزاهة عناصر في تكوين الزعامة، وحين تتحوّل “المدرسة” التي أنشدها شوقي إلى بيت للعالم الجديد - بيت بلا جدار، ولا عنصرية، ولا ذاكرة ممحوة.
تحيّة لك على هذا المقال المضيء وسط حلكة الظلام،
الذي لم يمنعك من كتابته وجع الفقد الشخصيّ والجمعيّ لشعبنا الخارج كالعنقاء من تحت الركام، لا لتحتفي بحدث انتخابيّ، بل بولادة وعي جديد، يؤسّس للتحرّر، ويجعل من الأمّ مدرسةً للعالم كلّه.
***
22- رسالة جوابية من يحيى بركات إلى غانية ملحيس
Ghania Malhees الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكركِ بعمقٍ على قراءتك التي لا تمرّ على النصوص، بل تنفذ إلى ما بين سطورها،
وتحوّلها إلى مساحاتٍ جديدة من التأمل والمعنى.
ما أضفتِه عن دور المفكّر الكبير محمود ممداني لم يكن مجرد استكمال للمشهد،
بل كان إعادة تركيبٍ للجذر الذي أنبت هذا الوعي،
فجعلتِ المقال لا يكتفي برؤية الكاميرا، بل يسمع أيضًا صوت الفكر.
لقد جمعتِ، كما هي عادتك، بين دقّة التحليل الفلسفي وشفافية الإحساس الإنساني،
فأعدتِ التوازن إلى الصورة:
الأمّ التي رأت بالكاميرا، والأب الذي فكّك بالعقل،
والابن الذي حمل إرثهما إلى المدينة التي تختصر العالم.
تقديري العالي لكِ لأنكِ دائمًا تُعمّقين ما نكتب،
وتجعلين من النصّ مساحةً للحوار لا لعرض الرأي،
ومن الفكرة جسرًا يصل بين الفكر الفلسطيني الحرّ
وبين الأفق الإنساني الرحب الذي ننتمي إليه معًا.
تحيّتي الصادقة لكِ د. غانية،
ولكل من يكتب لا ليُدهش القارئ، بل ليوقظه.
13/11/2025
***
23- رساىة متبادلة يحيى بركات الى غانية ملحيس
دكتورة غانية…
قرأت مقالك بكل عمقه الفكري وبصيرته الحضارية، ووجدت أننا كتبنا في اتجاهين مختلفين يكمل أحدهما الآخر.
حضرتكِ قرأتِ ما وراء القرار: البنية التي أنتجته، وحدود النظام العالمي، وصراع المعنى مع القوة، وكيف أصبحت غزة نقطة انكشاف حضاري تهزّ مركز الحداثة الغربية.
أما مقالي، فذهب باتجاه آخر: قراءة القرار 2803 نفسه، بندًا بندًا، بحثًا عن الثغرات التي يمكن للفلسطيني أن يحوّلها إلى أدوات، حتى لا يتحوّل النص المفروض إلى قدر.
مقالك يجيب عن لماذا ارتعب العالم من غزة،
ومقالي يجيب عن كيف يمكن للفلسطيني أن يلتقط ما فرضه هذا الرعب داخل القرار.
اتجاهان مختلفان…
لكنّهما يلتقيان في نقطة واحدة:
أن غزة ليست موضوعًا للوصاية، بل نقطة بداية لوعي جديد…
وأن الفلسطيني، حين يقرأ النص ويقرأ العالم معًا، يستطيع أن يفتح نافذة حتى لو كان الجدار كله قد سقط.
يحيى بركات
18/11/2025
***
24- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى
شكرا لك على هذا التحليل العميق والمتكامل. بالفعل، ما أشرت إليه يوضح بجلاء كيف يمكن لزوايا القراءة المختلفة للقرار أن تتكامل وتضيء المشهد من جوانبه المتعددة. فبينما يسلّط مقالي الضوء على البعد الحضاري والانكشاف الذي أحدثته غزة في مركز الحداثة الغربية، يقدّم مقالك قراءة دقيقة للحاجة الفلسطينية إلى التقاط أثر هذا الانكشاف كما تجلّى في صياغة القرار، وتحويل التحديات الجديدة التي يفرضها هذا القرار الجائر إلى أدوات فاعلة، لتثبيت وقف الإبادة، وتعزيز الصمود الوطني، ومحاصرة الأخطار الجسيمة التي تتهدد شعبنا، حتى في أصعب الظروف.
وكما أشرت ، النقطة الجوهرية التي تلتقي عندها رؤانا، هي أن غزة ليست موضوعًا للوصاية، بل محطة لبداية وعي جديد. والفلسطيني، حين يقرأ القرار ويقرأ العالم معا، يستطيع أن يفتح نوافذ حتى لو أحاطت به الجدران من كل جانب.
شكرا لمساهماتك المتميزة في تعميق فهمنا وإثراء هذا النقاش الحيوي
غانية ملحيس
19/11/2025
***
25- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق المبدع يحيى بركات
قرأت مقالك"" غزة والقرار 2803 … أربع مرايا وصوت واحد " بتمعن وإعجاب، ولفتتني الطريقة المتميزة التي حوّلت بها تحليل القرار 2803 إلى لوحة متكاملة متعددة الأبعاد، تدمج بين القراءة البنيوية، القانونية، الواقعية، والبحث عن الثغرات الممكنة.
أكثر ما شدني هو قدرتك المتميزة على الارتقاء بالحوار من الإسهام الفردي إلى الفكر التكاملي الجمعي، وجعل القارئ يرى القرار بكل تعقيداته: العقل الدولي، الشرعية، الفاعل الفلسطيني، والمساحات الممكنة للتحرك . هذا الأسلوب ليس مجرد تحليل سياسي، بل درس في الرؤية الاستراتيجية، والفهم العميق للواقع الفلسطيني أمام العالم.
شكرا لك لإثراء الحوار بهذا المنظور الشامل، وللتذكير بأن القرار ليس نهاية التاريخ، بل نافذة يمكن للشعب الفلسطيني أن يفتح من خلالها الطريق نحو الفعل المؤثر والقرار الحر
غانية ملحيس
//////
26- رسالة يحيى بركات
دكتورة غانية العزيزة،
قراءتكِ لمقالي تُشبه ما يفعله الضوء حين يقع على لوحة… لا يغيّرها، بل يكشف عمقها.
أنا فقط جمعت الأصوات الأربعة في إطار واحد، أمّا أنتِ فكنتِ الصوت الذي فتح لنا بوابة المعنى، وذكّرنا بأن قراءة القرار لا تكتمل إلا حين نقرأ العالم معه.
ما يهمّني دائمًا — وما شدّني في تعليقك — هو هذا الحس النادر بأن الفكر مسؤولية مشتركة، وأن النص يصبح أقوى حين يلتقي بنص آخر يكمّله لا يناقضه.
ممتنّ لكِ على هذه القراءة التي منحت المقال بُعده الأخير…
وأجمل ما فيها أنها تُعيد التأكيد بأن القرار ليس قيدًا، بل مساحة لا يزال الشعب الفلسطيني قادرًا على تحويلها إلى فعل ووعي وقرار حر.
كل التقدير لكِ دكتورة، وللمعنى الذي تضيفينه إلى هذا الحوار الصعب.
يحيى بركات
***
***
27- رسالة من غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات،
هذا النص البديع ليس مجرّد قراءة في تحوّلٍ فرديّ، بل هو التقاطٌ عميق لنقطة التحوّل الكبرى التي فجّرَتها غزّة في الوعي العالمي. لقد جعلتَ من قصة كاندِس أوينز مثالًا صارخًا على ما يحدث اليوم في قلب أمريكا: انشقاقاتٌ أخلاقية تتولّد من مواجهة الحقيقة العارية، وانكسارٌ داخل سردياتٍ رسّختها عقودٌ من الهيمنة الإعلامية والسياسية.
غزّة - بثباتها وصلابة مقاومتها واستعصائها على الخضوع - لم تُعِد رسم حدود الصراع فحسب، بل أعادت تعريف الإنسان نفسه في مواجهة عقل أداتي لا يتقن إلا الإبادة والتدمير. ومن هذا الجرح المفتوح انطلقت شرارة الوعي الجديد الذي نراه اليوم تتجسّد في أصوات آخذة في الاتساع: من كاندِس أوينز إلى تاكر كارلسون، ومن زهران ممداني إلى آلاف الطلبة والأساتذة والناشطين في ساحات الجامعات والمدن الكبرى.
هذه الأصوات ليست «مصادفات» عابرة، بل حلقات في مسار عالميّ يتشكّل تحت ضغط الحقيقة الفلسطينية. غزّة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل بوابة أخلاقية كبرى تعبر منها الإنسانية نحو فصل جديد فصل يتراجع فيه الخوف، وتتقلّص فيه فاعلية البروباغندا، ويعلو فيه صوت الضمير على ضجيج القوة.
لقد أحسنت التقاط اللحظة يا يحيى… اللحظة التي ينتقل فيها العالم - من العمى إلى البصيرة - بفضل دم لم يُهدر هباء، وصمود لم ينكسر، وشعب عظيمٍ قابض على الجمر علّم الكوكب أن الحقّ حين يتجسّد يصبح قوةً كونية لا تُهزم.
نعم… ما نعيشه اليوم هو بداية فجر إنسانيّ واعد، يتقدّم بثبات، ويؤكّد تفوّق قوة الحق على حقّ القوة.
دام حضورك المميّز، فمواصلة الحفر في جدران الوعي تُؤتي ثمارها، وتبشّر بانبثاق فجر إنسانيّ جديد ومستقبل مشرق يصنعه الأحرار
***
28- رسالة جوابية من يحيى بركات إلى غانية ملحيس
د. غانية العزيزة،
شهادتكِ ليست كلمات عابرة، بل امتدادٌ لوعيٍ يمشي على قدميه ويعرف طريقه جيدًا. قراءتكِ للنص أضافت إليه ما يتجاوز المعنى، كأنها وضعت ضوءًا على حافة جرحٍ مفتوح؛ الضوء الذي يجعل الحقيقة أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على اختراق الأسوار العالية التي شيّدتها البروباغندا لعقود.
ما كتبتهِ يُعيد التأكيد على جوهر اللحظة:
أن غزّة لم تعد حدثًا سياسيًا، بل أصبحت بوابة أخلاقية يدخل منها العالم إلى نفسه، ليمتحن ضميره من جديد.
وأن الأصوات التي انتفضت في قلب أمريكا ليست ارتدادات فردية، بل حلقات في موجة عالمية يتشكّل وعيها تحت ضغط الدم الفلسطيني، وصمود شعبٍ علّم الكوكب الفرق بين قوة الحق و حقّ القوة.
لقد أصبتِ تمامًا حين وصفتِ هذه التحوّلات بأنها ليست مصادفات، بل مسارًا يتّسع:
من كاندِس أوينز،
إلى تاكر كارلسون،
إلى زهران ممداني،
إلى آلاف الطلبة والأساتذة والناشطين…
مسارٌ يؤكّد أن الحقيقة إذا انطلقت من مكان محاصر تستطيع أن تفتح الأبواب في عواصم كانت تُظنّ مغلقة.
أقدّر كلماتكِ لأنكِ التقطتِ المعنى العميق للنص:
أننا لا نصف ظاهرة إعلامية… بل نصف تحوّلًا إنسانيًا،
وأن دم غزة لم يكن صرخة ألم فقط، بل كان بداية فجر جديد يتراجع فيه الخوف وتنهار فيه الإسطوانات الجاهزة.
شكرًا لحضوركِ الدائم يا د. غانية،
فالكلمة حين تأتي من عقلكِ وضميركِ، تُصبح امتدادًا لهذه المعركة النبيلة على الوعي…
وتُطمئننا أن ما نكتبه ليس صدى، بل جزء من موجة أكبر تتشكّل في هذا العالم.
***
29- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
هذا مقال لا يُقرأ… بل يُصاب به، يترك أثرا فيك، لا تمرّ أنت من خلاله، بل يمرّ هو من خلالك.
ولم يكن ذلك بفعل قوة الكلمات وحدها، تلك التي تستنفر الحواس وتوقظ الضمائر، بل بما عزّزته من صور تخطف الأنفاس وتُلهب الروح والقلب والعقل. صور لمسرح قائم بين الركام والخيام، يملؤه أطفال صغار نجوا من الإبادة وفارقوا أحبتهم، بوجوه تحمل مزيجا لا يخطئه القلب: حزن دفين وتمسك بحبال الحياة، وابتسامات تنتزع من فم الألم بقوة الإرادة.
كتبتَ عن أطفال غزة كما لو أنك تلتقط نبضا مستحيلا تحت الركام، وتعيد صياغته بلغة لا تجيدها سوى الضمائر التي بقيت حيّة وسط عالم يتفكّك أمام مرآته المحطّمة.
لقد جعلتَ من المشهد فعلَ شهادة،
ومن السينما فعلَ مقاومة،
ومن الأطفال معنى لا يستطيع العالم الهرب منه مهما حاول.
في كل نظرة التقطتها الكاميرا وُجِّه اتهامٌ للعالم،
وفي كل بسمة ممزوجة بالحزن كانت هناك مقاومة تُهزم بها الإبادة.
لقد أعطيتَ الضوء شكله الحقيقي:
ضوءٌ يولد من تحت الركام… لا من فوقه.
ومنحتَ مهرجان سينما الطفل في غزة مكانه الحقيقي:
ليس حدثا ثقافيا، بل إعلان حياة.
شكرا لأنك كتبتَ ووثّقتَ بروح تعرف أن الفن ليس تعليقا على المأساة، بل جزء من معركة الوجود نفسها.
غانية ملحيس
///////
30- رسالة يحيى بركات
الصديقة العزيزة د. غانية،
قرأت كلماتك كما تُقرأ الشهادة في زمنٍ يختلط فيه الضوء بالدم،
وشعرت أن تعليقك لم يكن مجاملة،
بل امتدادًا للمشهد ذاته…
ذلك المشهد الذي تفضحين فيه العالم بصوتٍ هادئ،
وتعيدين تعريف معنى الكتابة حين تصبح الكتابة فعل بقاء.
ما كتبته عن المقال هو في الحقيقة وصفٌ لغزة نفسها:
مكانٌ يكتبك قبل أن تكتبه،
ويصيبك قبل أن تحاول وصفه،
ويختبر صدق قلمك كما يختبر النارُ صلابة المعدن.
أطفال غزة لم يكونوا موضوعًا للنص…
بل كانوا منبعَه.
هم الذين صنعوا لغته،
ووجّهوا الإيقاع،
وأعطوا السينما شكلها الحقيقي كما قلتِ:
ضوء يولد من تحت الركام، لا من فوقه.
شكراً لأنك التقطتِ نبض المقال كما التقطتُ أنا نبض الأطفال،
وشكراً لأنك وضعتِ الكلمات في مكانها الذي تستحقه:
ليس تعليقاً على مأساة،
بل جزء من معركة الوجود.
امتنان كبير لروحك،
ولعينك التي ترى ما وراء الصورة،
ولقلبك الذي لم يسقط في برودة هذا العالم.
يحيى بركات
***
31- رسالة يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية…
كالعادة، تلتقطين الزاوية التي لا تمرّ عليها عين المقال،
وتذهبين بالمشهد إلى فضاء أوسع،
فتحوّلينه من حدث إلى بنية،
ومن وجع إلى قراءة فلسفية تكشف ما بين العتمة والضوء.
مقالي كان صورة حيّة،
نبضة طفل على خشبة مسرح،
أما مقالك فكان العدسة التي أعادت ترتيب الصورة داخل إطارها الأكبر:
بنية الحداثة المادية العنصرية،
العقل الأداتي،
وجوهر النظام الذي يخاف من المعنى أكثر مما يخاف من القوة.
ما كتبتهِ لا يشرح فقط ما جرى في مسرح الحكواتي،
بل يضعه في سياقه الوجودي العميق،
كأنك تمدّين يدًا للمشهد ليقف كاملًا على قدميه…
فيغدو فيلمًا متكامل العناصر:
صورة، وفلسفة، وذاكرة، ومعنى.
شكرًا لأنكِ دائمًا تمنحين النصّ امتداده،
وتمنحين الرؤية اتساعها،
وتجعلين الجرح الفلسطيني
مرآةً يرى العالم فيها نفسه…
لا مجرد حدث عابر.
يحيى بركات
25/11/2025
////
32- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى
شكرا لقراءتك التي تفيض دائما بما هو أعمق من التعليق.
أعرف أنك - كعادتك - تلتقط اللحظة قبل أن تتبدّد، وتأخذنا إلى حيث يجب أن نرى، إلى قلب الصورة، إلى نبض الطفل، وإلى المكان الذي يتشكّل فيه المعنى من ضوء صغير فوق خشبة مسرح.
ما أكتبه أنا ليس سوى محاولة متواضعة، لأن أكمّل ما تبدأه أنت،
لأفتح الباب الذي فتحته قليلا أكثر، فتتّسع الرؤية، ويكتمل المشهد داخل إطاره الأوسع. فأنت صاحب الفضل في المبادرة، وصاحب العين التي تضيء الحدث قبل أن ننتبه لعمقه.
إن كانت لغتي تمنح النص امتدادا، فذلك لأنها تمشي في الطريق الذي شققتَه أنت، وتستند إلى الصورة التي رسمتها بحدسك وصدقك وفنك.
شكرا لأنك تجعل الوجع قابلا للقراءة، وتمنح الفرح - حين يوشك أن يختنق - نافذة أخرى للتنفس.
وشكرًا لأنك تشعل دائما الشرارة الأول، وأحاول أنا فقط أن أتابع اشتعالها.
دمت العين التي تلتقط، واليد التي تعيد للضوء مكانه.
غانية ملحيس
25/11/2025
***
33- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
عزيزتي د. غانية،
ما كتبته ليس امتدادًا لمقالي فحسب،
بل امتدادٌ للمعنى نفسه…
ذلك المعنى الذي نخشى أن يتبخر وسط ضجيج العالم، فنكتبه كي لا يموت.
لقد التقطتِ جوهر اللحظة:
أن المأساة لم تعد حدثًا، بل تحوّلت إلى فلسفة للعالم الجديد؛
وأن صرخة المرأة تحت المطر ليست نداء غزة فقط، بل تحذيرًا للبشرية من أن تتحول إلى ظلال تُمحى بلا أثر.
نعم…
نحن نكتب لكي نستعيد القدرة على الغضب،
ونستعيد الضمير قبل أن يُباع في أسواق الحديد والمال والذكاء الاصطناعي،
ونستعيد الإنسان من حافة اللامبالاة.
شكرًا لأنكِ كتبتِ من القلب،
وشكرًا لأنكِ جعلتِ النص يواصل نبضه في جهة أعمق،
في تلك المنطقة التي لا يحرسها إلا الضمير.
مع التقدير والمحبة
يحيى بركات
27/11/2025
/////
34- رسالة غانبة ملحيس
الصديق العزيز يحيى
أشكرك على ما كتبته أولا، فقد كنتَ -كعادتك- من بادر بتسليط الضوء على هذه اللحظة القاسية في غزة، وسعيت لاستكمال قراءتك والتعمق فيما التقطته عينك وعقلك وقلبك من فداحة ما بلغه العقل الأداتي من تغول، وهول ما بلغته الإنسانية من تبلد.
مقالك سلط الضوء على المأساة الإنسانية التي تتجاوز حدود العقل على الفهم والتفسير، وسمح لي بالنظر إلى الواقع الغزي ليس كحدث منفصل، بل كفلسفة للعالم الجديد الذي نعيشه، ومشهد يختبر قيمة الإنسان والضمير في زمن تسيطر عليه الفردانية والتقنية والمال والقوة.
صرخة المرأة تحت المطر وبكاء الطفل الذي يغرق في الحفرة ليسا مجرد نداء استغاثة لغزة، بل نداء للإنسانية جمعاء، وتحذير كي لا تتحول إلى ظلال يمكن محوها بلا أثر.
إن تشاركنا الكتابة يستمر في النبض داخل منطقة لا يحرسها إلا الضمير، ويجعل الكتابة فعلا جماعيا للمقاومة ضد التبلد واللامبالاة. شكرا لأنك بدأت هذا الطريق، وشكرا لأنك جعلت مقالي يلتقي مع روح مقالك الأصلي في عمق المعنى.
محبتي وامتناني،
غانية ملحيس
27/11/2025
***
35- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكر لكِ هذا التعليق الذي لا يشرح فقط تعقيدات اللحظة،
بل يضعها في إطار أوسع:
إطار الشعوب…
والوعي…
والتاريخ الذي يتحرك من تحت أقدام الذين يظنون أنهم يملكون مفاتيحه.
ما تفضلتِ به يفتح نافذة مهمة على حقيقة غالبًا ما تُهمل في دوامة الخرائط الكبرى:
أن الرجل الذي يظهر أمام العالم كصانع قرار مطلق
ترامب
ليس سوى لاعب داخل منظومة تتشقق من الداخل،
وأن الشارع الأمريكي نفسه، الذي خرج بالملايين تحت شعار “لا ملوك”،
يقول للعالم إن قوة الأقوياء ليست مطلقة،
وإن كل نظام مهما بدا متماسكًا
يحمل داخله بذور الارتباك.
وأن نتنياهو،
الذي تحوم طائراته فوق رؤوسنا بلا خوف،
لا يتحرك من موقع قوة خالصة،
بل من هشاشة يتستر عليها بالضجيج،
وهروب من محاكمة لا تؤجل حقيقة أن مشروعه يمشي نحو نهايته،
ولو بدا في الظاهر أنه يُمسك زمام المبادرة.
لقد أصبتِ تمامًا حين قلتي إن كل حركة تُقدَّم كقوة
تكشف هشاشة أعمق.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية
ليست مجرد سباق بين جيوش أو أجهزة استخبارات،
بل سباق بين سرديتين:
سردية القوة التي تتآكل،
وسردية الشعوب التي تستعيد دورها
رغم كل القمع،
ورغم كل الخرائط التي تُرسم فوقها دون استشارتها.
أجمل ما في هذا الزمن - رغم قسوته -
أنه يردّ الاعتبار لمن كان يُفترض أن يبقى على الهامش.
الشعوب التي حاولت المنظومات الكبرى أن تلغي صوتها
تعود اليوم لتقول:
نحن هنا…
وسنكون جزءًا من الصورة،
لا مجرد خلفية لها.
شكراً لكِ على هذا الحوار الذي يرفع الفكرة،
ولا يُغلق النص بل يفتح أفقه،
كما يفعل دائمًا صوت يمتلك الوعي والشجاعة معًا.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
1/12/2025
///
36- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى،
أشكرك على تعليقك العميق الذي يلتقط جوهر اللحظة بوصفها اهتزازا في البنية الرمزية للعالم. فما تسميه تشققا في المنظومات هو في حقيقته انكشافٌ للعقد المضمَر الذي قامت عليه الحداثة المادية: وهم السيطرة الذي تخيّل أنه قادر على حبس التاريخ في قبضة القوة.
إن شخصيات مثل ترامب ونتنياهو ليست فواعل تصنع المآلات، بل أعراضا تكشف ما تراكم في الطبقات السفلى من الوعي العالمي: تعرّي السردية التي جعلت القوة مركزا للمعنى، والإنسان مجرّد تفصيل يمكن شطبه عند الحاجة. وحين تتصدّع هذه السردية، يغدو الضجيج السياسي محاولة يائسة لستر فراغ لم يعد ممكنا إخفاؤه.
لقد أصبتَ حين أشرتَ إلى أن الصراع اليوم هو بين سرديتين: سردية تحتضر لأنها استنزفت قدرتها على إنتاج معنى، وسردية تولد لأنها تعيد الإنسان إلى موقع الأصل في التاريخ، لا إلى موقع مادته الخام.
وما نشهده في الشوارع والاحتجاجات وانكسار هيبة القوة ليس حدثا سياسيا فحسب، بل ارتداد للوعي إلى ذاته، إلى تلك النقطة التي يبدأ فيها العالم بإعادة تعريف نفسه بعيدا عن مركزية السلطة وجبروت القوة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحوار أنه ينزل إلى العمق، إلى تلك المنطقة التي يتحوّل فيها اهتزاز الجغرافيا إلى سؤال فلسفي عن المصير والمعنى والشرعية. وهي منطقة نادرا ما يبلغها النقاش العام.
خالص المودّة والتقدير.
غانية ملحيس
1/12/2025
***
37- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
ما كتبته هنا ليس تعليقا عابرًا، بل هو امتداد طبيعي لمسارٍ نُعيد فيه جميعًا قراءة اللحظة، كأننا نقف أمام شاشة واسعة تتجاوز حدود المقال والردّ، وتمنح الصورة فسحتها الحقيقية كي تتحرك وتتنفّس.
لقد جاء مقالك، بكل طبقاته التحليلية، كعدسة ثانية مكمّلة، لا تعيد سرد ما قيل، بل تفتح زاوية أخرى للرؤية وتستدعي مستويات أعمق لفهم ما جرى بعد السابع من تشرين الأول: كيف انقلب الزمن السياسي، وكيف خرج الفلسطيني من موقع المتلقي إلى موقع المُعرِّف، وكيف انتقلت المعركة من حدود الجغرافيا إلى فضاء الوعي الإنساني.
ما حاولتُ فعله في «المؤثرون الألف» هو التقاط لحظة ارتجاف الظلّ عندما أفلتت الصورة من يد الاحتلال؛
وما فعلتِه أنت في مقالك هو منح هذه اللحظة بعدها البنيوي، ورسم الامتداد الذي يجعل الصورة ليست حدثًا، بل تحولًا في البنية الأخلاقية للعالم.
لقد التقت مقالتك ومقالي على خط واحد:
أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد ردّ، بل أصبحت مصدرًا لإعادة تعريف الحقّ والعدالة ومعنى الإنسان في هذا العصر.
وأسعدني، بل شرّفني، أن يتحول ما نكتبه إلى حوار معرفي واحد، يشبه نهرا تتفرع منه تيارات ثم تعود إليه،
وأن نتمكن معًا-كلٌّ من موقعه وأداته - من وضع جزء من هذا المشهد في سياقه الأوسع، بعيدًا عن الاستهلاك السريع، قريبًا من جوهر الأسئلة التي ستحدد ملامح السنوات القادمة.
كل التقدير والامتنان لكِ،
وللقراءة التي وسّعت الصورة بدل أن تغلقها،
وجعلت من النصين مساحة واحدة تتجاور فيها السياسة، والفكر، والسينما، والرؤية الأخلاقية.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي 6/12/2025
/////
38- رد غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى بركات
ما فعلته في تعليقك ليس احتفاء بمقال، بل هو إعادة وضعه في مكانه الطبيعي داخل السياق الأرحب لمعركة الوعي التي نعيشها جميعا، كلٌّ من موقعه.
ما حاولتُ القيام به في مقالي هو فتح المسار الذي بدأته في «المؤثّرون الألف» على اتساعه الطبيعي، وقراءة مقالك بوصفه جزءا من المشهد الأوسع لمعركة الوعي، وليس مجرّد تحليل ظرفي للحظة إعلامية أو سياسية.
لقد كان مقالي محاولة لالتقاط الخيط الذي وضعته في عملك، وإكمال الصورة التي بدأتَها بعدسة سينمائية شديدة الحساسية للتحوّل. وجاء تعليقك الآن ليعيد المقالين معا إلى مكانهما الصحيح: كحوار معرفي واحد يشتبك مع ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ويضع هذا التحوّل في سياقه الفكري والأخلاقي، بعيدا عن التبسيط أو الاستهلاك السريع.
أقدّر كثيرا قراءتك الواسعة التي رأت في التفاعل بين المقالين مساحة مشتركة لإعادة بناء السردية الفلسطينية من موقع الفاعل لا المفعول به، ولتوسيع الكادر بدل حصره في حدود اللحظة.
ويسعدني أن يكون مقالي امتدادا عضويا لما بدأته، وهو كذلك، وأن يلتقي مقالان كتبا في سياقين مختلفين على الهدف ذاته:
الإضاءة على ما تغيّر في الوعي، وعلى ما يجب أن يتغيّر في أدوات قراءتنا له.
لك كل التقدير والمحبة،
غانية ملحيس
6/12/2025
***
39- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى
تساؤلك "هل أستراليا الحلقة الأخيرة ؟" يحفز التفكير والتمعن ، فكما أشرت بدقة في مقالك أن جريمة أستراليا ليست مجرد حادثة أمنية، بل علامة داخل نمط سياسي متكرر.
لكن هذا النمط لا يمكن فهمه كاملا إلا إذا أُعيد ربطه بما هو أعمق: أزمة نظام الحداثة الغربي ذاته بعد طوفان الأقصى، فما كشفه الطوفان لم يكن “خللا في المشهد”، بل انكشافا لبنية كاملة: بنية ادّعت التفوق الأخلاقي، وتغذت على خطاب حقوق الإنسان، ثم سقطت دفعة واحدة حين اختارت الإبادة علنا، بلا مواربة.
منذ تلك اللحظة، دخل النظام في مرحلة احتواء الفضيحة لا احتواء الصراع. ومن إدارة الصراع إلى إدارة الوعي. فبعد إبادة غزة - التي ما تزال مستمرة وما تغير فقط وتيرتها - لم تعد المشكلة في “فعل المقاومة”، بل في انهيار السردية التي طالما قدمت الكيان الصهيوني بوصفه: ضحية، وقلعة ديمقراطية، وامتدادا أخلاقيا للحداثة الغربية.
هنا بالضبط يعود الإرهاب إلى الواجهة، لا كخطر، بل كـأداة ضبط للوعي. فليس الهدف من إعادة تشغيل الخوف: حماية اليهود، ولا مواجهة التطرف،بل إعادة ترميم المركز الأخلاقي المنهار:
إعادة العالم إلى معادلة: نحن في مواجهة شر مطلق، فلا وقت للأسئلة الأخلاقية”.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الوظيفي للصهيونية داخل نظام الحداثة: فهي ليست مجرد حركة تخليق هجين ديني عابر للقوميات لاستبدال وطن وشعب، بل أداة استعمارية استيطانية غربية صهيونية صُممت لتأدية وظائف: ضبط الشرق، إدارة العنف، وتوفير عدو دائم يبرر عسكرة العالم.
وحين انكشف هذا الدور في غزة، وتحوّل الكيان الصهيونى من “ضحية تاريخية” إلى فاعل إبادة مباشر،
كان لا بد من: تشتيت البوصلة،إعادة تشغيل سردية الخوف، وإنتاج لحظة تُربك الوعي العالمي. وهنا تصبح أستراليا وظيفة لا جريمة فقط.
أما لماذا الآن؟ فجوابه لأن الزمن انكسر ، الزمن الذي وقعت فيه الجريمة ليس تفصيلا. إنه زمن:
بدأت فيه دول غربية تكسر المحرمات: اعترفت بفلسطين، ووصفت ما يجري في غزة بالإبادة، وخرجت فيه الشوارع عن سيطرة الإعلام. فهذا هو التوقيت الذي لا يُترك للصدف. والهدف لم يكن إثبات شيء، بل إيقاف مسار:
مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية.
وعليه، ما بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة ، لم يعد الإرهاب فعلا فقط، بل لغة سياسية جاهزة: تُستدعى لإسكات النقد، لتجريم التضامن،
لإعادة ابتزاز الضمير الأوروبي ولحماية مشروع إبادي فقد شرعيته.
وهنا تصبح الدماء - أي دماء - مادة خام لإعادة بناء الخوف.
ما يغيب عن معظم التحليلات، ويحضره مقالك ضمنيا، هو أن الفلسطيني لم يعد: ضحية صامتة، ولا موضوع شفقة، بل شاهد إدانة على نظام كامل. ولهذا بالضبط، يُعاد تشغيل أدوات الإرهاب:
لأن الحقيقة خرجت من موقع السيطرة، ولأن الفلسطيني كسر احتكار الرواية والسوال الحقيقي ليس: هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟ بل : هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
حين يُفهم النمط، لا تعود الجرائم صادمة، بل تصبح مكشوفة الوظيفة.
وهنا، كما تقول ضمنا:
حين يُفضح المستفيد،
تفشل الخطة.
غانية ملحيس 16/12/2025
/////////////
40- رسالة يحيى بركات
الصديقة العزيزة د. غانية،
تعليقك لا يقرأ المقال… بل يفتح طبقته العميقة.
نعم، ما بعد طوفان الأقصى لم يعد الزمن فيه خطيًا، ولا الأحداث منفصلة. ما انكشف ليس فقط وحشية كيان، بل عُري منظومة ادّعت طويلًا احتكار الأخلاق، ثم انهارت حين اختارت الإبادة بوصفها “خيارًا سياديًا”.
أوافقك أن المسألة لم تعد “إدارة صراع”، بل إدارة وعي.
وحين تنهار السردية، لا يُستدعى المنطق، بل الخوف.
لا تُطرح الأسئلة، بل تُجَرَّم.
ولا يُحمى اليهود، بل يُستَخدم دمهم لإعادة ترميم مركز أخلاقي مكسور.
هنا، يصبح الإرهاب لغةً لا حدثًا،
وأداةَ ضبط لا خطرًا عارضًا.
لغة تُستدعى كلما اقترب العالم من تسمية الأشياء بأسمائها، وكلما خرج الفلسطيني من موقع الضحية إلى موقع الشاهد المُدانِف لمنظومة كاملة.
ما تفضلتِ به عن “الدور الوظيفي للصهيونية” يضع النقاش في مكانه الصحيح:
لسنا أمام كيان طارئ، بل أمام أداة داخل بنية، وظيفتها الدائمة إنتاج العنف، وتبريره، ثم تحويله إلى ضرورة أخلاقية.
وفي هذا السياق، لا تُقرأ أستراليا كجريمة معزولة، بل كـ إشارة داخل محاولة أوسع لإيقاف مسار:
مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية،
ومسار خروج الشارع عن السيطرة،
ومسار كسر المحرمات السياسية.
لهذا، السؤال لم يعد:
هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟
بل، كما تفضلتِ بدقة:
هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
حين يُفهم النمط،
لا تعود الجرائم مفاجئة،
ولا يعود الخوف مُقنعًا،
ولا تعود السرديات القديمة صالحة.
وحين يُفضح المستفيد…
تبدأ نهاية الوظيفة.
مع التقدير العميق لهذا التفكيك الذي لا يُضيف سطرًا،
بل يفتح أفقًا.
يحيى بركات
16/12/2025
***
41- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات تعقيبا على رثائه لوالده في الذكرى الواحدة والخمسين لرحيله.
الصديق العزيز يحيى بركات
ما كتبته ليس بكاء مؤجلا، بل فعل معرفة،
وسيرة رجل لم تُكتب لكي تُحاط بالحنين، بل لكي تُستعاد كمعيار.
وأنت تخاطب أباك، كنتَ تكتب عن أب نعرفه جميعا.
هذا الأب ليس فردا في الذاكرة، بل نموذج آبائنا:
الذين لم يملكوا رفاهية الشعارات، فاختاروا الأخلاق، ولم تُتح لهم رفاهية الوطن، فحملوه سلوكا لا نشيدا.
هو الأب الذي لم يشتر أرضا لأنه لم يبع الفكرة، ولم يستثمر في وهم الاستقرار، بل في أبنائه، عارفا أن الاستعمار قد يسرق الأرض ويغتال الحجر، لكنه لا يستطيع مصادرة العقل والوعي.
وأنا، كامرأة فقدت أباها، أقرأ مقالك بوصفه رثاء لجيل فلسطيني شهد الإبادة والاقتلاع والنكبة، وفقد الوطن والبيت والأمن والعمل، وبات عليه أن يكون تعويضا عن كل ما فقد.
أقرا مقالك كرثاء للأب، لكنني أراه أيضا تقريعا هادئا لنا جميعا:
هل ما نزال نعرف الفرق بين النجاة والنجاح؟ بين العيش، والعيش دون خيانة أو تفريط؟
بين الإنسان عندما يختبر في كل مستلزمات الحياة وبين من يقايض مكتسبات المواقع بالحقوق، ويبرر ذلك بالواقعية السياسية.
بين من يعي قدسية حقوق أسر من يفتدي وطنه وشعبه من الشهداء والجرحى والأسرى، وبين من يرى فيها عبئا ثقيلا، وفي التنكر لها إنقاذا يقتضيه الامتثال،
أبوك يا يحيى غلبه القهر في 1974، عندما استشعر بداية الطريق لاستبدال الوطن بدولة على 22% منه، ونذيرا بمقايضة يافا بحكم ذاتي يتقلص لمعازل وسجون، فلم يحتمل قلبه.
وأبي مات كمدا وهو يرى بوادر الانزلاق التفاوضي لمقايضة الدولة العتيدة بسلطة حكم ذاتي تتفاوض على أراض متنازع عليها مع العدو النقيض، الذي يمضي قدما في استبدال فلسطين بإسرائيل، واستبدال أهلها بمستوطنين يهود ضاقت بهم البلاد التي سلبوها، فقبل قادتهم إعادة تعريف حقوقهم تحت سطوة القوة، ووجدوا أن تكرار ذلك ممكن بمزيد من القوة.
آباء لم يفرّطوا لا يموتون في التاريخ، بل يختبر حضورهم فينا: ولا يُختزلون في طقوس الذكرى.
هم معيارٌ صارم لا يسمح بالاختباء خلف اللغة، ولا خلف ضرورات اللحظة.
حضورهم سؤال أخلاقي مفتوح: هل نواصل الطريق كما هو، وطنا واحدا لا يجزأ، وحقا لا يُعاد تعريفه تحت الإكراه،
أم نختار ـ بوعي كامل - تحويل الهزيمة إلى «واقعية»، والتنازل إلى «حكمة»، والامتثال إلى سياسة؟
رحم الله الآباء الذين لم يساوموا، وجعل من استعادة سيرهم خطا أخلاقيا فاصلا بين من يقف مع الحق، ومن يتعايش مع تصفيته.
غانية ملحيس 25/12/2025
===========
42- رسالة د. غانية ملحيس
إلى الصديق العزيز يحيى بركات، بعد قلبك… الذي علمنا معنى الحياة
قراءة مقالك الأخير يا يحيى كانت تجربة مختلفة هذه المرة، تجربة تحمل مزيجا من القلق والاطمئنان، ومن الألم والفكر العميق.
بداية، دعني أهنئك بالسلامة بعد هذه الرحلة الصعبة بين التشخيص والقسطرة والجراحة. ليست مجرد تهنئة عابرة، بل اعتراف بما اختبره قلبك، وما تعلمناه نحن من خلال كلماتك: أن القلب ليس مجرد عضلة، بل ذاكرة حيّة، ومساحة تجمع الحرب والسلام، الوطن والمنفى، الألم والضحك، الحياة والموت.
لقد افتقد متابعوك - وأنا منهم - مقالاتك الفكرية والسياسية والإبداعية خلال الفترة الماضية، وقلنا لأنفسنا ربما كان رمضان وانشغالاته سببا في تأخير كتاباتك كما عودتنا دوما على التفاعل العميق. إلا أن مقالك الأخير جاء ليذكرنا أن لا شيء يمكن أن يمنعك من تحويل تجربة شخصية إلى درس. قلبك، رغم كل التعب، ما زال يكتب ويبتكر ويغذي عقولنا كما يروي التاريخ والواقع.
في مقالك، هناك لحظات صامتة لكنها صاخبة في معناها: من الألم المفاجئ في صالة الرياضة، إلى وجود الأبناء حولك، ورؤية نجوان ومناف وعمر، وصولا إلى اللحظة التي يُفتَح فيها قلبك في غرفة العمليات… كلها مشاهد لم تقتصر على الجانب الطبي، بل كشفت فلسفة الحياة نفسها: أن الموت ليس عدوا، بل حقيقة، وأن الحياة ليست وعدا طويلا، بل سلسلة من اللحظات التي تحتاج من الإنسان أن يختار فيها الاستمرار.
نحن يا يحيى أبناء جيل صادق الموت وألفه، وعاش حياة مضافة كما كان يقول لي زوجي كلما أبديت خوفي من الفقدان، لكثرة اختبارات الموت التي عايشناها على مدى نصف قرن، حيث يحمل الفلسطيني الذي سكنه الوطن روحه على راحته.
ما لفتني في مقالك هو قدرتك على نسج تجربة شخصية مع سياق سياسي وفلسفي: اعتقالك المبكر، المنفى، الحرب، التشرد، أوسلو، والمواجهة اليومية مع الواقع الفلسطيني، كلها تجارب أثرت في قلبك وعقلك، وجعلت منك كاتبا مبدعا يرى الحياة بعين من يمتلك معرفة حقيقية بالوجود.
وعندما قلت: “الإنسان لا ينجو لأنه أقوى من الموت… بل لأنه في كل مرة يجد سببا صغيرا آخر ليؤجل استسلامه”، لم تكن هذه مجرد جملة مؤثرة، بل فلسفة كاملة عن الصمود الإنساني، وعن القدرة على تحويل المعاناة إلى معرفة، والتحدي إلى حياة. لقد جعلت يا يحيى من لحظة ضعف جسدي - الجلطة، القسطرة، الجراحة - فرصة لطرح سؤال أكبر: ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟ وما هي القيمة الحقيقية للحياة، للزمن، للوطن؟
أكثر ما شدني في مقالك البعد الإنساني: العلاقة بين الأبناء والوالد، الحضور الزوجي، ووفرة الحب والدعم. كل ذلك يُظهر أن الإنسان لا يبني حياته على القوة الفردية فقط، بل على الروابط التي تربطه بالآخرين. قلبك، كما قلت، ليس عضلة فقط، بل وطن صغير، ومساحة سلام داخلها الحرب والحنان، الألم والفرح، الحياة والموت.
أخيرا، يا يحيى، أود أن أؤكد لك أن متابعيك كانوا في شوق دائم لمقالاتك، وما كتبته الآن لم يكن مجرد عودة، بل درس مهم لكل قارئ: أن القوة الحقيقية تكمن في مواجهة الواقع، وأن الفن والفكر يمكنهما أن ينقلا تجربة شخصية إلى معرفة مشتركة.
شكراً لك على هذا البُعد الإنساني والفكري، وشكرا لتذكيرنا بأن كل قلب يحكي قصة، وأن قصتك تظل مصدر إلهام لنا جميعا.
سلامتك، واستمر في الكتابة، فقلوبنا بحاجة إلى كلماتك، وعقولنا إلى فلسفتك، ووطننا إلى رؤيتك.
غانية ملحيس
***
43- رسالة يحى بركات
الصديقة العزيزة الدكتورة غانية ملحيس
قرأت رسالتك كما يقرأ المخرج فيلمًا صُوِّر من زاوية لم يكن يتوقعها.
كنت أظن أنني كتبت نصًا بسيطًا عن القلب:
جلطة، قسطرة، وغرفة عمليات.
لكن قراءتك أعادت ترتيب المشهد كله.
لم تتوقفي عند الجراحة،
بل ذهبتِ إلى ما قبلها:
إلى الحرب، والمنفى، وذاكرة جيلٍ تعلّم مبكرًا أن يحمل حياته كما لو أنها حياة مضافة.
ما كتبتهِ لم يكن تعليقًا على مقال،
بل جراحة هادئة للنص نفسه.
أنتِ لم تقرئي الكلمات فقط،
بل فتحتِ الشرايين التي تختبئ بينها.
لهذا احتجت في البداية أن أقرأ رسالتك أكثر من مرة.
ليس لأن الكلمات غامضة،
بل لأنك تفعلين ما يفعله علماء النفس أحيانًا:
تفككين الجملة لتري ما تخبئه من طبقات.
الكلمة عندك لا تمر كما هي.
الكلمة قد تصبح خمس كلمات،
وحين تدخل الجملة
تصبح عشرات المعاني.
لكن دعيني أقول لك شيئًا لم أكتبه في المقال.
حين أجرى لي طبيب القسطرة الفحص
جعلني أنظر إلى شاشة تظهر شبكة الشرايين.
رأيت بعضها مغلقًا،
وبعضها بالكاد يسمح بمرور الدم.
سألته بدهشة:
كيف بقيت حيًا كل هذا الوقت؟
ابتسم وقال:
انظر إلى هذه الشرايين الصغيرة.
قال إن القلب، حين تضيق الطرق الرئيسية،
يبدأ بالاعتماد على شعيرات صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
سنوات طويلة
كان القلب يستخدم تلك الطرق الخفية
كي يبقى الدم جاريًا.
ثم قال جملة توقفت عندها طويلًا:
لقد عاش قلبك سنوات طويلة
على هذه الطرق الالتفافية.
ثم أضاف، وهو يعرف أنني فلسطيني:
أنتم تعرفون هذه الفكرة جيدًا…
حين تُغلق الطرق الرئيسية
تفتحون طرقًا التفافية
كي تستمر الحياة.
لكن القلب، كما قال،
وصل إلى لحظة
لم تعد فيها تلك الشعيرات تكفي.
كان لا بد من طرق جديدة.
حينها فهمت شيئًا آخر.
القلب لا يتعب فجأة.
القلب، مثل الإنسان،
يستخدم كل ما لديه من حيل.
كل طريق جانبي،
كل شعيرة صغيرة،
كل احتمال للحياة.
لكن هناك لحظة
يصل فيها القلب إلى حدوده.
ليس لأنه ضعيف.
بل لأنه
استخدم كل ما لديه.
حينها
لا يستقيل القلب لأنه عاجز.
بل لأنه
يحترم نفسه.
وربما لهذا
لم يكن غريبًا أن تفتح الأنطولوجيا هذا الباب الجميل:
«رسائل الأدباء».
لأن النص أحيانًا لا ينتهي عند كاتبه،
بل يبدأ حين يقرأه كاتب آخر
بقلب مختلف.
وربما لهذا أيضًا
حين كنت في المستشفى هنا في دبي
اكتشفت أن الحرب يمكن أن تلحق بالإنسان أينما ذهب.
تركت الحرب في فلسطين… لكنها لحقتني إلى هنا.
ربما لهذا
حين قرأت رسالتك
شعرت أن النص لم يعد نصي وحدي.
لقد أصبح مساحة أوسع
يتقاطع فيها القلب مع التجربة،
والجسد مع التاريخ،
والألم مع معنى الحياة.
أنا كتبت المشهد كما يكتبه المخرج:
أضع الكاميرا
وأترك للمتفرج أن يرى ما يستطيع أن يراه.
أما أنتِ
فدخلتِ إلى داخل الكادر نفسه.
أخرجتِ من جراحة القلب
سيرة جيلٍ كامل.
جيلٍ تعلّم أن يمشي في الحياة
كما يمشي الفلسطيني في الطرق الالتفافية…
كي تستمر الحياة.
أما القلب
الذي كتب تلك الكلمات
فما زال يتعلم شيئًا بسيطًا:
أن القلوب
مثل الأوطان…
كلما ضاقت طرقها
بحثت عن طريق آخر للحياة.
ولهذا
فإن للقلب…
كما للحياة…
بقية.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
==========
=========
========
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي – فلسطين
أستاذ يحيى العزيز،
شكرا من القلب على كلماتك النبيلة التي فاضت تقديرا ورفقا.
قراءتك لقراءتي كانت مشهدا بحد ذاته، فيه من الصدق ما يحرج المجاملة، ومن الحس الإبداعي ما يشبهك.
ما كتبته كان استجابة لنصك الذي لم يكتب ليقرأ فقط، بل ليفكك ويعاد النظر فيه كمرآة لحقيقة نكاد نعتاد على إنكارها.
أردت فقط أن أصغي لما بين سطورك… فكان لمقالك القدرة على انتزاع صوتي.
أن أكون “شريكة في النص” كما تكرّمت، فهذا شرف لا أدعيه، لكنه عبء جميل يحملني مسؤولية أن أكتب بصدق من يرى الصورة كاملة، لا مجتزأة.
تقديري العميق لك،
ولكل من لا يكتفي برؤية “اللقطة”، بل يسأل: من وضع الكاميرا هناك؟ ولماذا؟
أعيد نشر المقال مرفقًا بهذه القراءة العميقة التي كتبتها د.غانيه ،
والتي لا أعتبرها تعليقًا،
بل امتدادًا بصريًا–فكريًا للنص نفسه.
كلماتها تستحق أن تُنشر مرافقةً للمقال ، كوثيقة نقدية موازية،
واسمها أصبح شريكًا في هذا النص،
لا قارئًا عابرًا له.
ما كتبته د.غانيه ليس تعليقًا… بل قراءة في عمق العدسة، وتأريخ بلغة ناقدة تُنصف النص وتُحرر معناه.
قراءتها غاصت في ما وراء الكاميرا، وفي ما وراء السيناريو، وعرّت اللعبة كما تُدار، لا كما تُعرض.
ليس تعليقًا… بل قراءة في عمق العدسة، وتأريخ بلغة ناقدة تُنصف النص وتُحرر معناه.
هي لم تكتب عن مقال، بل عن مشهد مركّب بين السياسة والبصيرة واللغة.
في كلماتها، صدى لِما أردتَ قوله،
لكنها صاغته كمن يشاهد الفيلم من قلب غرفة المونتاج، لا من خلف الشاشة.
تقديري العالي لهذه المقاربة التي منحت المقال بعده الثالث… ذاك البُعد الذي يسمع ما لا يُقال، ويرى من يدير الخيوط في العتمة.
***
2- رسالة غانية ملحيس الى لمخرج يحيى بركات
الاستاذ المبدع يحيى بركات
أود أولا أن أعبر عن امتناني العميق لك، فهذه ليست المرة الأولى التي تتناول فيها مقالاتي، كمخرج وكاتب سينمائي، بقراءة سينمائية بصرية ثرية فتضيف للنقاش بعدا مختلفا، حيث تلتقط الكاميرا زوايا ربما تغيب عن قلم الباحث أو الكاتب، وتجعل من المقال مشهدا مفتوحا على التأمل والحوار.
مقالك التقط بروح المخرج عين الجرح، وحوّل النقاش حول غزة والمناطقية من مجرد توصيف سياسي إلى مشهد بصري يضعنا جميعا أمام الكاميرا. لقد أضأت بعدا إضافيا بالغ الأهمية: أن القضية ليست فقط في توصيف غزة كـ ” أسطورة” أو “عبء”، بل في زاوية النظر التي نسمح لأنفسنا أن نتبناها، والعدسة التي نختار أن نصوّبها
أقدّر بشكل خاص إبرازك لمفارقة الانشغال ببعض “الذرائع” وتجاهل الجوهر الاستعماري الممتد، وهو ما يكرّس ما نحذر منه: أن الفصائلية والمناطقية تتغذيان على بعضهما وتفتحان أوسع ثغرات التفتيت في الوعي الفلسطيني. لقد وضعت إصبعك على الجرح حين قلت إن الإبادة تحولت لدى بعض النخب إلى فرصة لتسجيل النقاط الداخلية، بدل أن تكون لحظة توحيد على قاعدة المواجهة مع العدو الوجودي.
كما أن استدعاء الثقافة كذاكرة مضادة - من درويش وكنفاني إلى ما يمكن أن ينجزه الأدب والسينما والفن اليوم - يعيدنا إلى أن الوعي هو ساحة الصراع الأولى، وأن تجاوز المناطقية والفصائلية يتطلب بناء سردية وطنية موحدة، تكون الثقافة إحدى ركائزها الأساسية.
أتفق معك أن السؤال لم يعد “هل نستطيع؟” بل “كيف نفعل؟”. وهنا بالذات تكمن مسؤوليتنا المشتركة: أن نعيد تعريف الفصائل بوصفها أدوات في خدمة المشروع الوطني لا أوطانا بديلة، وأن نكسر ثنائية “الأسطورة/العبء” لنرى غزة والضفة والداخل والشتات كمشاهد متكاملة في فيلم وطني واحد.
مقالك يفتح زاوية جديدة للنقاش، ويؤكد أن تجاوز المناطقية ليس مجرد ضرورة سياسية، بل شرط وجودي ووعي تحرري، يضع فلسطين في مشهدها الكامل: أرضا، وهوية، ومقاومة، وحياة.
كل التقدير لك على هذه المشاركة الثرية، التي تجعل الحوار أكثر رحابة وعمقا.
غانية ملحيس
***
3- رسالة المخرج يحيى بركات
الدكتورة العزيزة غانية ملحيس ،
أقدّر كثيرًا تعليقك الثري، وأشعر أن ما كتبته لم يعد مقالًا منفردًا، بل أصبح مشهدًا مشتركًا في فيلم مفتوح على النقاش. ما التقطه قلمي كان محاولة لفتح الكادر، وما أضفته أنتِ أعاد للّقطة بعدها العميق، بحيث نرى الجرح من الداخل والخارج معًا.
حين يتحول النقاش من توصيف سياسي إلى مشهد بصري متكامل، فهذا يعني أننا بدأنا نعيد كتابة السردية الوطنية بأدوات مختلفة: بالكلمة، بالكاميرا، وبالوعي. وأنا مثلك أرى أن المعركة الحقيقية تبدأ في الوعي، وأن الثقافة والفنون ليست زينة جانبية بل ركيزة أولى في كسر ثنائية "الأسطورة/العبء"، وتجاوز فخ الفصائلية والمناطقية.
لقد التقطتِ بروح الباحثة ما حاولتُ قوله بروح المخرج: أن الخطر ليس فقط في الجريمة الاستعمارية، بل في زاوية النظر التي نسمح لأنفسنا أن نرى بها. وحين نصوّب العدسة جيدًا، سنكتشف أن المشهد الفلسطيني لا يُختصر في قطاع أو فصيل، بل يتشكل من وحدة الأرض والإنسان والمقاومة والحياة.
ممتن لك على إثراء النقاش، وأتطلع أن يبقى هذا الحوار مفتوحًا، يضيف إليه كل قلم وعدسة وريشة صوتًا جديدًا، حتى نصل إلى السردية الوطنية الجامعة التي نحتاجها كشرط وجود لا كترف فكري.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
***
4- رسالة غانية ملحيس
الأستاذ العزيز يحيى
مقالك شهادة دامغة على أن ما يرتكب في غزة ورام الله ليس مجرد جرائم عابرة، بل هو مخطط لتأسيس عالم جديد يرسمه الطغاة. عالم لا مكان فيه إلا لهم ولأقنان طيعين، سرعان ما يرمى بهم حين تنتهي أدوارهم.
من لم يتعظ بمصير شاه إيران الذي لفظه أسياده بعد انتهاء دوره، ورفضت الأرض أن تأويه إلا بعد أيام من التيه، لن ينجو من المصير ذاته.
فالتاريخ يفرق بين زعيم يقاتل ويفدي شعبه فيخلده شهيدا حيا في ذاكرة الاجيال، وبين من يختبئ خلف ذرائع “الحكمة” و”الواقعية السياسية”، متناسيا أن الإنسان موقف، وأن الموت قادم في موعده لا يتقدم ولا يتأخر.
سقوط غزة ليس شأنا فلسطينيا فحسب، بل زلزال وجودي يضرب الأمة والإقليم والعالم. فإن سقطت غزة وفلسطين، فلن يبقى بلد عربي من المحيط إلى الخليج في مأمن، ولن يبقى إنسان حر في هذا العالم يشعر بالأمان. فغزة اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل خط الدفاع الأخير عن معنى الحرية والكرامة الإنسانية. وما يجري على أرضها سيحدد مصير الأمة العربية والإسلامية، بل مصير البشرية جمعاء، لقرون قادمة.
غزة هي البداية وهي النهاية . هي الميزان الذي يوزن به العالم: إما أن يكون عالما للحرية والكرامة والعدالة، أو عالما للفناء والعبودية.
لقد أحسنت إذ ربطت بين اغتيال أحمد المدهون الذي أرعبت كاميرته الاحتلال، وبين حصار المغير الذي يطرق أبواب السلطة في رام الله. فالاحتلال لا يستهدف غزة وحدها، بل يسعى إلى اقتلاع الوجود الفلسطيني وتصفية المشروع الوطني كله من جذوره. ومحو أي إمكانية لولادة بديل حر.
أما المبادرات الدولية، فلا تعدو كونها طلاء هشا فوق جدران مهدومة.
الحقيقة الساطعة أن ما ينقذ غزة وفلسطين اليوم ليس بيانات العواصم، بل وحدة المكونات الفلسطينية كافة داخل الوطن وخارجه، وإدراك العرب أن المعركة على فلسطين هي المعركة على مصيرهم هم أنفسهم.
ما كتبته يا يحيى يذكرنا بأن المثقف حين يشهد الجريمة ولا يسكت، يصبح هو نفسه شاهدا بالمعنى الأصيل للشهادة: أن يحفظ الذاكرة حية، وأن ينبه الأمة إلى أن التردد خيانة، وأن الصمت موت
***
5- رد يحيى بركات
د. غانية ملحيس
الكاتبة التي تكتب كما تُحاكم الأمم.
حين تكتبين، لا تتركين مجالًا للغة أن تتوارى خلف المجاز. كلماتك كالرصاص الأخلاقي، لا يصيب فقط، بل يُعرّي.
قرأتُ تعليقك وكأني أسمع ما تمنّيتُ أن يصير مقالًا بحد ذاته، بيانًا نُعلّقه على جدار الذاكرة، ونحمله إلى من ما زالوا في دائرة الصمت والانتظار والتردد.
ما قلتهِ عن غزة، عن المثقف، عن المشروع، عن المصير، هو بالضبط ما أردنا أن نقوله، لكنكِ منحته صوتًا أعلى، ورؤية أبعد، وضميرًا أصدق.
وإذا كان مقالي نداءً أوليًا، فإن ردّك جاء ليرفع هذا النداء إلى ما يشبه البيان التأسيسي.
من هنا، وبهذا الإيمان الذي تقاسمتِه معنا،
أدعوكِ د. غانية، بل أرجوكِ، أن تعيدي نشر المقال النداء – مذيّلاً بتوقيعك – على صفحتك وفي فضاءاتك، لأن صوتك ليس تضامنًا فقط، بل فعل تحشيد وقيادة.
هذا التوقيع من قلمك هو تجسيد للفكرة التي طرحناها: أن يتقدّم المثقفون حين يتأخر السياسيون، وأن تكون الكلمة سلاحًا نبيلًا في لحظةٍ يتفكك فيها جسد السياسة، لكن يبقى جسد الثقافة قادرًا على الوحدة.
نحن لا نطلب موقفًا رمزيًا، بل نداءً مستمرًا،
ولا نريد حمل الأمانة وحدنا، بل بالشراكة معك ومع كل من أدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل جبهة.
ولأنكِ قلتِها بصراحة: التردد خيانة، والصمت موت…
فوقّعي معنا هذا النداء، ولتكن كلمتك امتدادًا لا يُنسى.
مع كل التقدير والاحترام والتقديس لضميرك."
***
6- رسالة غانية ملحيس
الصديق المبدع يحيى
يأتي مقالك الأخير «الغائب الحاضر في مشهد ما بعد غزة» كصرخة مدوية ضد الغياب، وتحذير صريح من تحويل غزة إلى مسرح يعاد تشكيله بلا أهلها.
قدمت «فيلما سياسيا» مكتمل العناصر. تتحول فيه الكاميرا والإضاءة وغرفة المونتاج إلى أدوات سرد تكشف توزيع الأدوار في المسرح الدولي والإقليمي:
• أمريكا كمخرج أول يوزّع الأدوار.
• إسرائيل في غرفة المونتاج تضمن أن يخدم السيناريو أمنها.
• بريطانيا تعود عبر توني بلير الذي «لم يعرف التقاعد».
• الإمارات كمنتِج يُموّل ويضغط ويفتح مسارات بديلة.
• والفلسطيني الرسمي حاضر بغيابه، لا يتجاوز دوره حدود التصريحات.
تأخذنا هذه المشهدية إلى السياسة كما لو كانت عرضا يرى بالعين لا يقرأ فقط. واللقطة الأشد قوة هي تشخيص تحول الغياب الرسمي الفلسطيني من استثناء إلى قاعدة: غياب عن القاهرة، عن البيت الأبيض، عن صناعة الغد. وهو ما يكشف خللا بنيويا في التمثيل الفلسطيني، الذي انكفأ حتى عن ميدانه الدبلوماسي الوحيد، ولم يعد يستحضر إلا لتوقيع ما يصوغه الآخرون.
تبرز هنا أهمية تحذيرك مما هو أخطر من الحرب ذاتها: إعادة تشكيل غزة سياسيا واقتصاديا وأمنيا وفق معادلات الخارج- بين أموال خليجية، ومستشار بريطاني، وجناح فلسطيني منفي( مع كومبارس احتياطي يتم تأهيله داخل الوطن وخارجه لحكم غزة) - بما ينذر بمشروع بديل يصاغ على أنقاض الركام، يقصي الشعب مرة أخرى عن تقرير مصيره، مع أنه صاحب الكلمة الفصل على الأرض.
غير أن التركيز على الوجوه - حيث يتصدّر المشهد توني بلير ومحمد دحلان- لا ينبغي أن يحجب الأسباب البنيوية التي سمحت بعودتهما واستئناف المسار ذاته: منذ اللجنة الرباعية التي تشكّلت عقب «السور الواقي» (آذار/مارس–نيسان/أبريل 2002) إثر تصاعد الانتفاضة الثانية وانهيار مسارات «أوسلو»، وصولا إلى ما يبدو اليوم «رباعية مختزلة»: ترامب وصهره جاريد كوشنر (صاحب مشروع «رفييرا الشرق الأوسط»)، ومبعوثه ويتكوف، وتوني بلير بخبرته السابقة في ترتيبات «اليوم التالي».
مقالك يا يحيى يوقظ المخيال السياسي ويعرّي بجرأة انكشاف الغياب الفلسطيني. لكن المشهد الذي نحتاجه اليوم هو استنهاض المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والقوى الشعبية الفاعلة للقيام بدورهم التنويري والإجرائي للإجابة عن السؤال المركزي:
• كيف نكسر وظيفة «الحاضر الغائب»؟
• وما الأدوات السياسية والتنظيمية التي تمكن الشعب من تحويل التضحيات إلى نقطة انعطاف تؤسّس لأفق وطني جامع؟
ذلك هو الاستحقاق العاجل لليوم التالي: بلورة رؤية ومشروع تحرري نهضوي نقيض للمشروع الصهيوني، ينهي الغياب ويستعيد الحضور الشعبي الفلسطيني الفاعل
خالص المودة
غانية
***
7- رد يحيي
الصديقة العزيزة د. غانية،
أشكرك من القلب على قراءتك العميقة لمقالي، وعلى تحويلك النص إلى لوحة مكمّلة، تضيف بعدًا بنيويًا يفسّر لماذا تتكرر الوجوه نفسها وتستأنف المسار ذاته منذ انهيار أوسلو وحتى "الرباعية المختزلة" اليوم.
أتفق معك تمامًا أن الخطر ليس فقط في غياب "العنوان الرسمي"، بل في تحوّل هذا الغياب إلى وظيفة دائمة، وهو ما يجعل السؤال الذي طرحتهِ محوريًا: كيف نكسر وظيفة الحاضر الغائب؟
المعركة اليوم، كما أشرتِ، ليست سياسية فقط، بل فكرية وثقافية وتنظيمية أيضًا. لذلك فإن استنهاض دور المفكرين والمثقفين والقوى الشعبية الفاعلة لم يعد ترفًا، بل هو الاستحقاق العاجل لليوم التالي، إذا أردنا أن تتحول التضحيات إلى نقطة انعطاف تؤسس لأفق وطني جامع، نقيض للمشروع الصهيوني.
قرأت تعليقك كاستكمال للفيلم الذي حاولتُ رسم مشاهده، لكنكِ أضفتِ إليه سؤال النهاية المفتوح: أي مشهد بديل سنصنع؟ هذا ما يجب أن نعمل عليه معًا.
خالص المودة والتقدير
يحيى
***
8- رسالة يحيى بركات الى د. غانية ملحيس
المبدعة د. غانية ملحيس،
حين قرأت مقالك عن فلسطين على المسرح… والعالم أمام الشاشة، أحسست أنني لم أعد وحدي على الخشبة. كأنك أمسكتِ الكاميرا من يدي وأكملتِ المشهد من زاوية أخرى.
لم يكن مقالك مجرد قراءة، بل كان لقطات جديدة امتدّت من نصّي إلى نصّك، ومن شاشتي إلى شاشتك، حتى بدا العمل كفيلم يتناوب على إخراجه صوتان.
لقطاتك التي خطفتني:
من لندن، حيث رفرفت الهتافات والصور، فتحتِ نافذة يطلّ منها جمجوم وحجازي والزير والقسّام… أبطال يعودون من رحم التاريخ ليجلسوا بين الحضور.
في نيويورك، جعلتِ القاعة كأنها شاشة مزدوجة: لغة دبلوماسية باردة تتقاطع مع شلال دم دافئ، يذكّرنا أن السياسة لا تتحرك إلا حين يغدو الدم طوفانًا.
حضور ترامب "خارج النص" كان عندك مشهدًا بارعًا: أصوات العالم تتشظى، لكن صوت فلسطين يبقى الأعلى رغم الركام والعطش.
وفي غزة، حيث الأطفال تحت الأنقاض، كتبتِ الذروة الإنسانية، الذروة التي لا تُبنى بالمؤثرات بل بالدمع والنبض والخوف والأمل.
ثم كان نقدك الشجاع للخطاب الرسمي الفلسطيني: مشهد باهت أمام مشهد حيّ. هنا تتجلى المفارقة: السينما تنبض بينما السياسة تتلعثم.
وخلاصتك التي جمعت السياسة والفن والإنسانية في نسيج واحد، جعلتني أرى نصّي في مرآة جديدة، أكثر وضوحًا وأعمق أثرًا.
مقالك لم يكن ظلًا لنصي، بل نصًا موازياً ومكملًا… كأنك وضعتِ مرآة أمام الشاشة، فرأينا ما لم نره من قبل.
شكري لكِ لأنك منحتِ السيناريو حياة ثانية، وأضافت كلمتك معاني ومعالي تتجاوز حدودي.
يحيى بركات
***
9- رسالة غانية ملحيس
الأستاذ المبدع يحيى بركات
تعليقك الراقي على قراءتي لمقالك شهادة أعتز بها، وتواضع من مخرج متمرس يشجع غير المتخصصين في الحقل الفني مثلي على إبداء الرأي ، ويفتح بتعليقه نافذة أوسع مما كتبت. لقد التقطت ما هو أعمق من الحروف، وصغتَه بعيون المخرج الذي يرى ما وراء المشهد، ويعيد بناءه في لقطة جديدة.
لقد أعدت إليّ قراءتي كأنها مشهد آخر على خشبة مسرحك الخاصة، نابضا بالحياة، متقدا بالمشاعر، ممتلئا بالصدق.
وإن بدا مقالي مرآة لنصك، فإن تعليقك كان مرآة لعقلي وروحي ووجداني، وامتدادا للحوار بين الكلمة والصورة، بين النص والكاميرا.
شكري لك لا يفيك حقك، وامتناني عميق لأنك منحتني مرتبة الشراكة في هذا العمل الفني–الإنساني الذي أنت صاحبه، حيث تبقى فلسطين المشهد الأول والأخير، وغزة البطلة الحقيقية لكل ما نكتبه ونمثله ونعيشه.
غانية ملحيس 23/9/2025
///
10- رسالة يحيى بركات
د. غانية ملحيس
حين كتبتِ أن تعليقي كان مرآة لعقلك وروحك ووجدانك، شعرت أنّ النصوص لم تعد منفصلة: ما كتبته أنا، وما قرأتِه أنتِ، وما علّقتُ به، وما عدتِ فأضأتِه… كلها صارت مشهدًا واحدًا، نصًا جماعيًا يتوالد من الحوار، لا من الفرد.
أجمل ما في هذا التبادل أنّه أخرج النص من حدود صاحبه، وجعل الكلمة صورة، والصورة كلمة، فصار النصّ فضاءً مفتوحًا يشارك فيه الأدب والسينما والسياسة معًا، ويُحاكي العقل والوجدان في آن.
وأنتِ حين قلتِ إنّ غزة هي البطلة الحقيقية، وضعتِ يدك على جوهر الحكاية. نحن لسنا أكثر من رواة، نلتقط ما تبثّه غزة من دم وصمود وكرامة، ونحاول أن نصونه في لغة تليق بالتاريخ. غزة هي المخرجة الكبرى، ونحن تلاميذ على عتبتها.
وهنا أجدني مدفوعًا لأوسع الدعوة: ليت هذا الحوار لا يبقى بيننا فقط، بل يتسع ليضمّ الكتّاب والشعراء والفنانين والمخرجين… ليصبح نصًا فنّيًا ثوريًا جماعيًا، يُكتب بالحروف والقصائد والمشاهد السينمائية، ويستند إلى رؤية سياسية ناضجة، فيحاكي عقل الإنسان كما يوقظ وجدانه.
الوطن هو النصّ، وفلسطين هي المشهد الأول والأخير.
يحيي بركات
23/9/2025
***
11- كتب يحيى بركات
توقّفت طويلًا عند مقدّمة
مقال د. غانية، حين كتبت:
«نظرًا لافتقاري لمهارة الصديق المخرج المبدع يحيى بركات في كتابة المشاهد المسرحية…».
وأقول لها بثقة: بل تملكين هذه القدرة بامتياز، وما سطرته هنا هو مشهدان سينمائيان مكتملان: قاعة فارغة تُعرّي الخطاب، ورجل مأزوم يتكلّم بلغة جسده أكثر مما يتكلّم بكلماته. نصّكِ يؤكد أن عين المخرجة حاضرة فيكِ، حتى وإن لم تسمّيها.
كنت قد نشرت مقالًا بعنوان «صوت بلا سامعين» عن الخطاب نفسه، ولو اطّلعت على مقالك قبله لجعلته ملحقًا حيًّا له، لأن النصّين معًا يشكّلان فيلمًا واحدًا: أنتِ تضعين المشهدين المكثّفين في قلب الحدث، وأنا أوسّع العدسة إلى الخارج حيث المظاهرات، الشاشات، الميكروفونات، والسماعات التي ذَرَت كلمات نتنياهو في هواء البحر.
قراءةُ المشهدين معًا تكشف بوضوح أن نتنياهو لم يخاطب الأمم، بل خاطب نفسه… في قاعةٍ فارغة وصوتٍ بلا سامعين.
///
12- رد غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى بركات
أسعدتني كثيرًا كلماتك الدافئة، وأثمن تقييمك العالي لي كمخرج مساعد أعتز به. ولو كنت أعلم بانشغالك بكتابة مشاهد للحدث نفسه، لأجلت مقالي ليكون ملحقًا بمقالك.
قراءتك العميقة منحت ما كتبته بعدًا لم أكن أراه بعيني وحدي. ويسعدني أن يلتقي مقالك «صوت بلا سامعين» مع مشهديَّ المكثفين، ليكتمل الفيلم كما وصفت: عدستك تفتح الأفق على الخارج، بينما محاولتي تضيء الداخل، والنتيجة صورة أوضح وأشمل للحدث والمشهد معًا.
شكرًا لثرائك وإبداعك، وسعيدة بهذا الحوار الكتابي الذي يمنح الكلمة مزيدًا من الحياة.
غانية ملحيس
***
13- رسالة يحي بركات إلى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية
قرأتُ ما كتبتِ بإعجابٍ عميق.
تحليلك البنيوي لأزمة النظام السياسي الفلسطيني يضع الحقيقة عارية أمامنا:
انفصال النخب عن الناس، وتآكل المشروع الوطني في متاهة الأجهزة والمنافع.
لقد كتبتِ عن الجذور، عن “المرض” ذاته، وليس عن الأعراض — ولهذا جاء مقالك شهادة فكرية لا تُقدّر بثمن.
لكن اسمحي لي أن أضيف زاوية أخرى من المشهد الميداني والسياسي العربي،
لأن ما يحدث في رام الله لا ينفصل عمّا يُطبخ في العواصم.
فـ عودة ناصر القدوة ليست حدثًا داخليًا بريئًا، بل انعكاسٌ لإشاراتٍ التقطتها القيادة الفلسطينية من أكثر من عاصمة عربية وازنة – الإمارات والسعودية ومصر –
حيث تُدار نقاشات حول شكل الإدارة في غزة بعد الحرب، ومن يمكن أن يكون وجهًا مقبولًا عربيًا ودوليًا لتمثيل الفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة.
الإمارات على وجه الخصوص تتحرك في هذا الملف بثقلٍ واضح،
فهي تموّل وتنسّق عبر قنواتها في غزة (وقد تجاوز دعمها أثناء الحرب سبعمئة وخمسين مليون دولار)
وتعمل بالتوازي مع توني بلير – مستشارها السياسي – الذي أعاد طرح فكرة “اللجنة الدولية لإدارة غزة”،
إلى جانب دور محمد دحلان الذي يقف في خلفية المشهد رابطًا بين التمويل والسياسة.
وفي هذا الإطار، تبدو عودة القدوة جزءًا من هندسة سياسية إقليمية هادئة:
وجهٌ من غزة، دبلوماسي مقبول،
ليس محسوبًا على حماس ولا صداميًا مع فتح،
قادر على أن يُقدَّم كخيارٍ توافقي لرئاسة حكومة توافق أو إدارة انتقالية.
القيادة الفلسطينية، بذكائها، التقطت هذه الإشارات قبل أن تتحوّل إلى ضغط،
فأعادت الرجل إلى مركزية فتح بمبادرةٍ محسوبةٍ،
تحاول من خلالها أن تبقى داخل دائرة القرار لا خارجها،
وأن تسبق العواصم إلى “الورقة الفلسطينية” قبل أن تُسحب من يدها.
وهنا يتقاطع ما كتبتِه أنت عن البنية المأزومة للنظام،
مع ما أحاول قراءته في السلوك السياسي للقيادة:
نظامٌ فقد قدرته على المبادرة، فصار يجيد فقط فنّ التقاط إشارات الآخرين.
إننا بالفعل أمام لحظة فارقة —
بين فكرٍ وطني يدعو إلى ثورة على الذات كما دعوتِ،
وبين واقعٍ تُرسم ملامحه في الخارج ويُترجم في الداخل.
أقدّر فكرك العالي، وأثمّن صدقك،
وأؤمن أن هذا الحوار بين الفكر والتحليل السياسي
هو ما تحتاجه فلسطين اليوم لتستعيد بوصلتها بين الميدان والعقل.
يحيى بركات
***
14- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
قرأت مقالك المضيء كعادتك «العودة إلى الركام»، وللمفارقة أنه تزامن مع نشر مقالي «معجزة غزة» بعد نشرك بدقيقة واحدة فقط، كأن الفكرة كانت تعبر الأثير بيننا تبحث عن مأواها في كلمتين.
لم أكن أظن أن لتوارد الأفكار هذا السرَّ الخفي، حتى أيقنت أن التوأمة ليست شأن الأرواح وحدها، بل للعقول أيضا نصيب من اللقاء العميق، عبر المسافة والصمت.
مودتي واحترامي.
غانية ملحيس 10/10/2025
///
15- رسالة يحيى بركات
توأمة الضوء بين الركام والفكرة
مساء الخير د. غانية،
قرأت مقالك كما تُقرأ مرآة تعرف وجهها قبل أن تُشرق عليها.
كلماتك لم تكن موازيةً لما كتبت، بل كانت الجزء الغائب من الصورة ذاتها،
كأن الفكرة خرجت من بين الأنقاض تبحث عن من يكتبها،
فانقسمت بيننا — نصفها في عيني طفلٍ يحمل قفص الحمام،
ونصفها في تأملاتك التي جعلت من الركام فلسفةً للوجود.
ما حدث بيننا ليس توارد خواطر، بل توارد أرواحٍ التقت عند النقطة نفسها التي تسمّى غزة.
كتبتِها أنتِ كفكرةٍ خالدةٍ في الوعي الإنساني،
وكتبتُها أنا كجسدٍ يمشي فوق الرماد كي يثبت أنه حيّ.
لقاؤنا لم يكن اتفاقًا في الرأي، بل توزيع أدوارٍ في مشهدٍ واحدٍ طويلٍ اسمه الوعي الفلسطيني.
كنتِ في النص العقل الذي يُفسّر النور،
وكنتُ أنا الكاميرا التي تلتقط شرارته الأولى.
أنتِ رفعتِ المعاناة إلى مرتبة الفلسفة،
وأنا أنزلتُها إلى الأرض، بين التراب والأقدام الحافية،
حيث يولد الإيمان بالفعل لا بالكلام.
غزة التي كتبتِ عنها بملامحها الكنعانية وروحها الفلسفية،
هي ذاتها التي رأيتها في عيون العائدين،
تنهض من تحت الركام وتقول للعالم:
“هنا كانت البداية، وهنا ستكون دائمًا البداية.”
نصّك أضاف للّقطة بُعدها الرابع،
جعل الصورة تفكّر، والصمت يتكلم،
وأكّد أن الكلمة حين تُكتب بصدقٍ يمكن أن تُعيد للحجارة معناها،
وللإنسان قدرته على أن ينهض من رماده كل صباح.
في هذا التلاقي بين نصّينا، لا أحد يشرح الآخر،
ولا أحد يتقدّم على الآخر،
بل يسيران جنبًا إلى جنبٍ كما تسير لقطتان متتابعتان في مشهدٍ واحد،
تُكمل الواحدة ما لا تستطيع الأخرى أن تقوله وحدها.
كل الاحترام والتقدير د. غانية،
ومودّتي التي تعرف مكانها في القلب والعقل معًا.
***
16- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات.. تعليقا على مقاله " غزة… الغائب الحاضر في مسرح العالم
عزيزي يحيى،
قرأت مقالك “شرم الشيخ… غزة على الهامش… والعالم على المسرح… مشهد بلا بطل”، ورغم كل الصور التي رسمتها بدقة، أرى أن غزة، رغم غيابها الظاهر، هي الحاضر الأبرز على المسرح الدولي.
حين يأتي الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في استعراض لافت، يتحول من متوعد بجحيم لا يبقي ولا يذر لغزة - التي لا يزيد عدد سكانها نسبة للولايات المتحدة الأمريكية عن 0.68% من سكان بلاده، ولا تزيد مساحتها عن 0.0037% من مساحة بلاده - إلى صانع سلام وشاهد على المرحلة الأولى من وقف حرب الإبادة الجماعية التي أودت بحياة وجرح أكثر من ربع مليون فلسطيني، أي نحو 10.9% من سكان القطاع، بما يعادل 37 مليون أمريكي نسبة لعدد السكان. ودُمر نحو 80% من المباني السكنية والبنى التحتية في غزة، ونزح سكانها أكثر من مرة، وعادوا كالطوفان إلى ركام بيوتهم لحظة الإعلان عن الاتفاق، قبل أن تصمت آلات القتل.
واستُدعي عشرون من قادة العالم لمناقشة اليوم التالي لإدارة حياة غزة بعد الاتفاق، لتبرز غزة وفلسطين كالحاضر الأكبر على المسرح الدولي، رغم غيابها عن الاحتفال الفولكلوري بتبادل الأسرى والاجتماع الذي يليه. بل ونجحت في إقصاء إسرائيل ومنعها من المشاركة.
ربما المشهد الأهم على المسرح الدولي هو بروز الحضور الطاغي للقضية الفلسطينية. المقاومة الغزية الباسلة، والصمود الأسطوري لحاضنتها الشعبية، كشفت خطورة العقل الأداتي الغربي الاستعماري المهيمن، ليس على فلسطين والعالم العربي والإقليمي فحسب، بل على العالم بأسره، بما في ذلك الشعب الأمريكي وشعوب الغرب والعالم. غزة أخرجت المارد من القمقم، وفرضت نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها.
غزة وفلسطين المدماة ما تزال تسيطر على كل حركة على خشبة المسرح، والقاتل والوسطاء يأتون صاغرين ليشهدوا على ذلك. غزة تحمل الركام والطفل اليتيم والأم والأب الثكالى، وتظل محور كل خطاب، محور كل مفاوضة، ومحور كل حساب سياسي عالمي. شعوب العالم تلتف حولها، والكل يستلهم قدرة غزة الضعيفة، ويعيد ترتيب نفسه.
حتى حين تظهر القمم كاحتفالات بروتوكولية أو عروض دبلوماسية، هذا الغياب الظاهري لغزة وفلسطين ليس فراغًا، بل حضور قسري يفرض نفسه على كل صورة وكل خطاب.
أنت وصفت القاعة، الستائر، القادة، الضوء، والابتسامات المرقّمة. لكن المشهد الحقيقي لا يُحجب بالستائر، ولا يمحى بطبقات الضوء الاصطناعي. غزة وفلسطين في صمتها ومعاناتها، تكتب السيناريو الحقيقي للسلام أو الحرب، وتحدد من يُسمح له بأن يكون في الصورة ومن يُهمل.
حين تُغلق الكاميرات وتبتعد الطاولات، يظل الفلسطيني حاضرًا: ليس في البروتوكول، بل في المقاومة، والصمود، والذاكرة، والقدرة على فرض الواقع على المسرح الدولي. غزة ليست مجرد قلب القصة الفلسطينية، بل رمز القوة الأخلاقية والسياسية الذي يعيد تشكيل العالم كله.
لهذا، يا صديقي، يمكن القول إن المشهد بلا بطل في شرم الشيخ، هو في الوقت نفسه مشهد حضور غزة القاهر، الغائب الحاضر، الذي يكتب التاريخ بصموده قبل توقيع أي ورقة.
***
17- رسالة جوابية من يحيى بركات لغانية ملحيس
د. غانية...
ما كتبته ليس تعليقًا على مقال، بل مشهدًا آخر في الفيلم ذاته.
كأنّك أمسكتِ الكاميرا من الجهة المقابلة وعدّلتِ زاوية الضوء،
فبانت الحقيقة أكثر قسوة، وأكثر صدقًا.
حين قلتِ إن المسرح بات يتّسع للكومبارس،
رأيتُ معك كيف تحوّلت السياسة إلى عرضٍ مدفوع الثمن،
يتبادلون فيه الأدوار ويتخفّفون من الضمير كما يتخفّف الممثل من زيه بين مشهدٍ وآخر.
والعبارة التي جعلتِها مفتاحًا للبوست “مناطق جمركية خاصة تُعفى فيها الجرائم”
هي أكثر توصيف دقيق لزمنٍ صار فيه المجرم محميًّا بالقانون،
والضحايا مهدّدين بتهمة النجاة.
قرأتُ في كلماتك خريطةً لواقعٍ بلا عدالة،
وعالمٍ يحدّق في الفيلم الأمريكي الطويل، متناسياً الستار الذي يخفي الحقيقة.
نعم، إنهم يشاهدون المشهد ولا يدركون أن الكاميرا موجهة إليهم أيضًا،
وأن ما يبدو “سلامًا” في الصورة ليس سوى لقطة دعائية تخفي وراءها مقصلة العدالة.
ومع ذلك، تتركين في النهاية نافذة ضوء تقول:
“لكنّ الحق، كالشمس خلف الغيم، سيعود ليضيء المشهد ويعيد كتابة السيناريو من جديد.”
وهنا تمامًا، تتقاطع رؤيتنا يا د. غانية...
فأنا أؤمن أن العدالة لا تموت، بل تُحتجز مؤقتًا في غرفة المونتاج.
قد يؤخرون عرضها، قد يحذفون بعض اللقطات،
لكنها في النهاية ستخرج بنسختها الكاملة،
وسيعاد كتابة السيناريو من جديد بدماء من لم يُمنحوا دور البطولة.
تحليلك أضاء الظل الذي كنتُ أكتب منه،
وجعل من النصّ والمشهد مرآتين لزمنٍ واحد.
فالحقّ، كما قلتِ، لا يغيب،
إنه فقط ينتظر اللقطة التي لا يمكن للمخرجين السياسيين حذفها.
يحيى بركات
13/10/2025
***
18- رسالة ثانية من يحيى بركات لغانية ملحيس
د. غانيه...
كلماتك ليست تعليقًا على مقال، بل مشهدًا تالياً في فيلمٍ يكتب نفسه كل يوم بدمٍ جديدٍ ووعيٍ لا يلين.
حين كتبتُ عن "المشهد بلا بطل"، كنت أصف غياب الوجوه الفلسطينية عن قاعة الضوء،
أما أنتِ فقد كشفتِ الوجه الآخر للمشهد، حيث غزة هي البطل الذي لا يحتاج مقعدًا ولا ميكروفونًا ليحضر.
قرأتُ سطورك، فشعرت أن العدسة اتسعت حتى شملت العالم.
تحليلُك للأرقام، لعمق الجرح، لثقل الفقدان، لم يكن إحصاءً،
بل لغة أخرى للمأساة… لغة تعرف أن كل رقمٍ في غزة يحمل روحًا،
وأن كل بيتٍ مهدوم هو ذاكرةٌ تُعيد نفسها كي لا تُنسى.
قلتِ إن غزة فرضت نفسها على المسرح الدولي،
وأنا أراك محقة تمامًا؛
لقد قلبت غزة أدوار المسرح،
فصار القاتل في ركنٍ ضيّقٍ يبرر دماءه،
وصار الضحية في مركز الضوء،
يُملي على العالم فصولاً جديدة من أخلاق المقاومة.
وما أدهشني في قراءتك هو هذا الانتقال البصري الدقيق:
من بروتوكولات الزعماء في شرم الشيخ
إلى الركام الحيّ الذي يكتب التاريخ في غزة.
بين هذين المشهدين،
تثبتين أن "الغياب الفلسطيني" ليس فراغًا سياسيًا،
بل حضورًا ميتافيزيقيًا يعيد تعريف العالم من جديد.
نعم، د. غانيه،
غزة الغائب الحاضر،
هي التي تُعرِّي "الفيلم الأمريكي الطويل" من حبكته الكاذبة،
وتجعل من كل كاميرا في العالم مرآةً أخلاقيةً تفضح النفاق الدولي.
حين تنظرين إلى غزة بوصفها “رمز القوة الأخلاقية والسياسية الذي يعيد تشكيل العالم”،
فأنتِ لا تمدحينها، بل تكشفين الخطر الوجودي الذي تمثله على نظامٍ عالميٍّ بُني على الهيمنة.
ولهذا بالضبط يخافونها.
ولهذا بالضبط تُقصى عن الطاولات... كي تبقى في القلب.
أقدّر كلماتك، وأراها استكمالًا لما بدأناه:
أنا كتبتُ المشهد من القاعة،
وأنتِ كتبته من الذاكرة،
وما بين القاعة والذاكرة وُلد النصّ الكامل للحقيقة:
أنّ غزة لا تُشارك في المؤتمرات لأنها هي التي تُقيمها.
كلّ ما يحدث حولها تفاصيل جانبية لفيلمٍ طويل،
لكنها رغم الجراح
الكاتبة، والمخرجة، والشاهد الوحيد الذي لا يمكن إقصاؤه من المشهد.
دمتِ بهذا الوعي النادر،
وهذا الحضور النبيل الذي يوازي في نُبله حضور غزة نفسها.
***
19- رسالة يحيى بركات
ياااه يا دكتورة غانية…
كأنكِ تكتبين بضمير الأمة لا بقلمٍ من حبر، بل من وجعٍ متراكمٍ في ذاكرةٍ تعرف متى يُعاد ترتيب الكلمات لتصبح جدارًا ضدّ الخداع.
مقالك ليس نصًا سياسيًا، بل كشف حساب تاريخيّ لمن ظنّوا أن بإمكانهم غسل الدم بالخبرة، ودفن الوعي تحت لافتة “التكنوقراط”.
ما كتبتهِ هو صرخة وعي في زمنٍ تُصنع فيه الحكومات في مختبرات الممولين، لا في ساحات الشعوب.
لقد وضعتِ إصبعكِ على الجرح الحقيقي:
حين يُطلب من الفلسطيني أن ينسى السياسة، يُراد له أن ينسى القضية.
وحين يتحدثون عن "مستقلين"، يقصدون “مفصولين” عن الذاكرة والانتماء، موظفين في مشروع إدارة لا تحرير.
التكنوقراط، كما قلتِ، ليسوا سوى مهندسي الوهم…
يبنون جدرانًا من بيانات باردة، بينما تُهدم بيوت الناس فوق رؤوسهم.
والمستقلون الذين لا ينحازون في لحظة الإبادة، هم في الحقيقة منحازون للصمت، والصمت وجه آخر للخيانه الهادئة.
أحترم وضوحكِ وشجاعتكِ في تسمية الأشياء بأسمائها، في زمنٍ تُغسل فيه الكلمات من معناها، ويُعاد تدوير القتلة تحت مسميات جديدة.
لقد أعطيتِ للعقل الفلسطيني جرعة مقاومة فكرية، تُعيد السياسة إلى معناها الأصلي:
أن تكونَ مسؤولًا عن الإنسان، لا عن المناصب.
أن تحمي الذاكرة من المحو، لا أن تُجمّل الخراب بالابتسامات الدبلوماسية.
تحيّة لكِ دكتورة غانية، لأنكِ كتبتِ كما يُقاتل المقاوم…
بوضوحٍ لا يساوم، وبإيمانٍ أن الوعي هو آخر ما تبقّى لنا من سلاح.
يحيى بركات
2/11/2025
***
20- رسالة غانية ملحيس
صديقي وشريك الفكر، يحيى بركات
كلماتك جاءت امتدادا طبيعيا لما نحاول قوله معا: بضمير الأمة، لا بحبر على ورق. قراءتك تعكس روح الحوار التي أقدّرها دائمًا، ووعيك العميق بما يحدث على أرض الواقع.
أشعر بالامتنان لشفافيتك وصدقك، ولشراكتك الفكرية التي تجعل من كل نقاش ساحة مقاومة، لا مجرد تبادلٍ للرأي. كلماتك تذكّرني دائمًا أن الكتابة ليست تحليلًا فحسب، بل فعل مقاوم يتقاطع فيه التاريخ والسياسة والمسؤولية والضمير، وأن الدفاع عن الذاكرة واجب جماعيّ نتقاسمه معا.
شكري الكبير لك على دورك الفاعل في بناء الوعي وتعزيز الأداء، ولصوتك الذي يضيف إلى القوة الجماعية صوتا صادقا يثبت أن الوضوح والوفاء للمعنى لا يزالان ممكنين، حتى في زمنٍ يحاول فيه البعض غسل الكلمات من معناها.
دمت شريك الفكر والقول والفعل.
غانية ملحيس 2/11/2025
***
21- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
قرأت مقالك الجميل والمتفرّد في جمعه بين السياسة والفنّ والفكر، وكأنني أقرأ بيانا للضمير الإنساني حين يكتب بالكاميرا لا بالقلم.
لم تقدّم حكاية زهران ممداني كفوز سياسيّ، بل كاكتمال لمعنى إنسانيّ طويل التكوين.
أقدّر فيك انحيازك الجميل - كمخرج يكتب من قلب السينما - لزميلته المخرجة المتميّزة ميرا ناير، التي صنعت بالكاميرا ضميرا بصريا للعالم، واشتهرت بأفلام ترى الواقع كما هو، ثم تجعله أكثر إنسانية بالعين التي تروي لا بالعين التي تستهلك.
وهي الأم المدرسة التي أنشأت ابنها على قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة.
لكن المشهد لا يكتمل يا يحيى دون الإشارة إلى دور الأب محمود ممداني، المؤرّخ والمفكّر وأستاذ جامعة كولومبيا، الذي غيّر بإسهاماته الفكرية منهج فهم العلاقات بين الاستعمار والحداثة والعنف السياسي.
كان واحدا من أكثر مفكّري ما بعد الاستعمار الإفريقي بصيرة، فكشف استمرارية الهيمنة تحت غطاء خطاب الحرية، وفكّك في كتابه الأشهر «المسلم الصالح والمسلم السيّئ»، الصادر عقب أحداث 11 سبتمبر، الأيديولوجية الجديدة آنذاك: "صراع الحضارات".
وبيّن أن التمييز بين المسلمين “الصالحين” و“الطالحين” ليس دينيا بل جيوسياسيا:
فـ“الصالح” هو من يمتثل لنظام الحداثة الغربي الماديّ العنصري، و“الطالح” هو من يتحدّاه.
ودعا إلى القطيعة مع الخوف، وإلى الاعتراف بمسؤولية الغرب التاريخية عن الكوارث التي يدينها.
وهكذا نشأ ابنهما زهران عند مفترق طريقين: إرث السينما الملتزمة، وإرث الفكر النقدي - شكلان من أشكال النضال لصون الذاكرة ومقاومة النسيان.
من هنا نفهم الأهمية الرمزية لتولّي زهران ممداني منصب عمدة نيويورك، عاصمة الرأسمالية العالمية والسردية الأمريكية ذاتها.
ففوزه، كما أشرتَ، ليس حدثا انتخابيا، بل استمرار لمدرسة أخلاقية في الفنّ والفكر - مدرسة هندية إفريقية الجذور، عالمية الأفق، فلسطينية المعنى.
إنها مفارقة تاريخية، لكنها أيضا وعد بانفتاح التاريخ على مرحلة جديدة يقودها الشباب، وتنهض فيها الشعوب الممحوة لتقول كلمتها عن معنى الوجود، ومعنى الإنسان ذاته - من يحقّ له أن يعرّف إنسانيته، وأن يكتب تاريخه بيده.
لقد انتشلنا مقالك من ظلمة واقعنا الفلسطيني، ونقلنا إلى لحظة نادرة:
حين تصبح السينما والفكر والوعي والحرية والنزاهة عناصر في تكوين الزعامة، وحين تتحوّل “المدرسة” التي أنشدها شوقي إلى بيت للعالم الجديد - بيت بلا جدار، ولا عنصرية، ولا ذاكرة ممحوة.
تحيّة لك على هذا المقال المضيء وسط حلكة الظلام،
الذي لم يمنعك من كتابته وجع الفقد الشخصيّ والجمعيّ لشعبنا الخارج كالعنقاء من تحت الركام، لا لتحتفي بحدث انتخابيّ، بل بولادة وعي جديد، يؤسّس للتحرّر، ويجعل من الأمّ مدرسةً للعالم كلّه.
***
22- رسالة جوابية من يحيى بركات إلى غانية ملحيس
Ghania Malhees الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكركِ بعمقٍ على قراءتك التي لا تمرّ على النصوص، بل تنفذ إلى ما بين سطورها،
وتحوّلها إلى مساحاتٍ جديدة من التأمل والمعنى.
ما أضفتِه عن دور المفكّر الكبير محمود ممداني لم يكن مجرد استكمال للمشهد،
بل كان إعادة تركيبٍ للجذر الذي أنبت هذا الوعي،
فجعلتِ المقال لا يكتفي برؤية الكاميرا، بل يسمع أيضًا صوت الفكر.
لقد جمعتِ، كما هي عادتك، بين دقّة التحليل الفلسفي وشفافية الإحساس الإنساني،
فأعدتِ التوازن إلى الصورة:
الأمّ التي رأت بالكاميرا، والأب الذي فكّك بالعقل،
والابن الذي حمل إرثهما إلى المدينة التي تختصر العالم.
تقديري العالي لكِ لأنكِ دائمًا تُعمّقين ما نكتب،
وتجعلين من النصّ مساحةً للحوار لا لعرض الرأي،
ومن الفكرة جسرًا يصل بين الفكر الفلسطيني الحرّ
وبين الأفق الإنساني الرحب الذي ننتمي إليه معًا.
تحيّتي الصادقة لكِ د. غانية،
ولكل من يكتب لا ليُدهش القارئ، بل ليوقظه.
13/11/2025
***
23- رساىة متبادلة يحيى بركات الى غانية ملحيس
دكتورة غانية…
قرأت مقالك بكل عمقه الفكري وبصيرته الحضارية، ووجدت أننا كتبنا في اتجاهين مختلفين يكمل أحدهما الآخر.
حضرتكِ قرأتِ ما وراء القرار: البنية التي أنتجته، وحدود النظام العالمي، وصراع المعنى مع القوة، وكيف أصبحت غزة نقطة انكشاف حضاري تهزّ مركز الحداثة الغربية.
أما مقالي، فذهب باتجاه آخر: قراءة القرار 2803 نفسه، بندًا بندًا، بحثًا عن الثغرات التي يمكن للفلسطيني أن يحوّلها إلى أدوات، حتى لا يتحوّل النص المفروض إلى قدر.
مقالك يجيب عن لماذا ارتعب العالم من غزة،
ومقالي يجيب عن كيف يمكن للفلسطيني أن يلتقط ما فرضه هذا الرعب داخل القرار.
اتجاهان مختلفان…
لكنّهما يلتقيان في نقطة واحدة:
أن غزة ليست موضوعًا للوصاية، بل نقطة بداية لوعي جديد…
وأن الفلسطيني، حين يقرأ النص ويقرأ العالم معًا، يستطيع أن يفتح نافذة حتى لو كان الجدار كله قد سقط.
يحيى بركات
18/11/2025
***
24- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى
شكرا لك على هذا التحليل العميق والمتكامل. بالفعل، ما أشرت إليه يوضح بجلاء كيف يمكن لزوايا القراءة المختلفة للقرار أن تتكامل وتضيء المشهد من جوانبه المتعددة. فبينما يسلّط مقالي الضوء على البعد الحضاري والانكشاف الذي أحدثته غزة في مركز الحداثة الغربية، يقدّم مقالك قراءة دقيقة للحاجة الفلسطينية إلى التقاط أثر هذا الانكشاف كما تجلّى في صياغة القرار، وتحويل التحديات الجديدة التي يفرضها هذا القرار الجائر إلى أدوات فاعلة، لتثبيت وقف الإبادة، وتعزيز الصمود الوطني، ومحاصرة الأخطار الجسيمة التي تتهدد شعبنا، حتى في أصعب الظروف.
وكما أشرت ، النقطة الجوهرية التي تلتقي عندها رؤانا، هي أن غزة ليست موضوعًا للوصاية، بل محطة لبداية وعي جديد. والفلسطيني، حين يقرأ القرار ويقرأ العالم معا، يستطيع أن يفتح نوافذ حتى لو أحاطت به الجدران من كل جانب.
شكرا لمساهماتك المتميزة في تعميق فهمنا وإثراء هذا النقاش الحيوي
غانية ملحيس
19/11/2025
***
25- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق المبدع يحيى بركات
قرأت مقالك"" غزة والقرار 2803 … أربع مرايا وصوت واحد " بتمعن وإعجاب، ولفتتني الطريقة المتميزة التي حوّلت بها تحليل القرار 2803 إلى لوحة متكاملة متعددة الأبعاد، تدمج بين القراءة البنيوية، القانونية، الواقعية، والبحث عن الثغرات الممكنة.
أكثر ما شدني هو قدرتك المتميزة على الارتقاء بالحوار من الإسهام الفردي إلى الفكر التكاملي الجمعي، وجعل القارئ يرى القرار بكل تعقيداته: العقل الدولي، الشرعية، الفاعل الفلسطيني، والمساحات الممكنة للتحرك . هذا الأسلوب ليس مجرد تحليل سياسي، بل درس في الرؤية الاستراتيجية، والفهم العميق للواقع الفلسطيني أمام العالم.
شكرا لك لإثراء الحوار بهذا المنظور الشامل، وللتذكير بأن القرار ليس نهاية التاريخ، بل نافذة يمكن للشعب الفلسطيني أن يفتح من خلالها الطريق نحو الفعل المؤثر والقرار الحر
غانية ملحيس
//////
26- رسالة يحيى بركات
دكتورة غانية العزيزة،
قراءتكِ لمقالي تُشبه ما يفعله الضوء حين يقع على لوحة… لا يغيّرها، بل يكشف عمقها.
أنا فقط جمعت الأصوات الأربعة في إطار واحد، أمّا أنتِ فكنتِ الصوت الذي فتح لنا بوابة المعنى، وذكّرنا بأن قراءة القرار لا تكتمل إلا حين نقرأ العالم معه.
ما يهمّني دائمًا — وما شدّني في تعليقك — هو هذا الحس النادر بأن الفكر مسؤولية مشتركة، وأن النص يصبح أقوى حين يلتقي بنص آخر يكمّله لا يناقضه.
ممتنّ لكِ على هذه القراءة التي منحت المقال بُعده الأخير…
وأجمل ما فيها أنها تُعيد التأكيد بأن القرار ليس قيدًا، بل مساحة لا يزال الشعب الفلسطيني قادرًا على تحويلها إلى فعل ووعي وقرار حر.
كل التقدير لكِ دكتورة، وللمعنى الذي تضيفينه إلى هذا الحوار الصعب.
يحيى بركات
***
***
27- رسالة من غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات،
هذا النص البديع ليس مجرّد قراءة في تحوّلٍ فرديّ، بل هو التقاطٌ عميق لنقطة التحوّل الكبرى التي فجّرَتها غزّة في الوعي العالمي. لقد جعلتَ من قصة كاندِس أوينز مثالًا صارخًا على ما يحدث اليوم في قلب أمريكا: انشقاقاتٌ أخلاقية تتولّد من مواجهة الحقيقة العارية، وانكسارٌ داخل سردياتٍ رسّختها عقودٌ من الهيمنة الإعلامية والسياسية.
غزّة - بثباتها وصلابة مقاومتها واستعصائها على الخضوع - لم تُعِد رسم حدود الصراع فحسب، بل أعادت تعريف الإنسان نفسه في مواجهة عقل أداتي لا يتقن إلا الإبادة والتدمير. ومن هذا الجرح المفتوح انطلقت شرارة الوعي الجديد الذي نراه اليوم تتجسّد في أصوات آخذة في الاتساع: من كاندِس أوينز إلى تاكر كارلسون، ومن زهران ممداني إلى آلاف الطلبة والأساتذة والناشطين في ساحات الجامعات والمدن الكبرى.
هذه الأصوات ليست «مصادفات» عابرة، بل حلقات في مسار عالميّ يتشكّل تحت ضغط الحقيقة الفلسطينية. غزّة اليوم ليست جغرافيا محاصرة، بل بوابة أخلاقية كبرى تعبر منها الإنسانية نحو فصل جديد فصل يتراجع فيه الخوف، وتتقلّص فيه فاعلية البروباغندا، ويعلو فيه صوت الضمير على ضجيج القوة.
لقد أحسنت التقاط اللحظة يا يحيى… اللحظة التي ينتقل فيها العالم - من العمى إلى البصيرة - بفضل دم لم يُهدر هباء، وصمود لم ينكسر، وشعب عظيمٍ قابض على الجمر علّم الكوكب أن الحقّ حين يتجسّد يصبح قوةً كونية لا تُهزم.
نعم… ما نعيشه اليوم هو بداية فجر إنسانيّ واعد، يتقدّم بثبات، ويؤكّد تفوّق قوة الحق على حقّ القوة.
دام حضورك المميّز، فمواصلة الحفر في جدران الوعي تُؤتي ثمارها، وتبشّر بانبثاق فجر إنسانيّ جديد ومستقبل مشرق يصنعه الأحرار
***
28- رسالة جوابية من يحيى بركات إلى غانية ملحيس
د. غانية العزيزة،
شهادتكِ ليست كلمات عابرة، بل امتدادٌ لوعيٍ يمشي على قدميه ويعرف طريقه جيدًا. قراءتكِ للنص أضافت إليه ما يتجاوز المعنى، كأنها وضعت ضوءًا على حافة جرحٍ مفتوح؛ الضوء الذي يجعل الحقيقة أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على اختراق الأسوار العالية التي شيّدتها البروباغندا لعقود.
ما كتبتهِ يُعيد التأكيد على جوهر اللحظة:
أن غزّة لم تعد حدثًا سياسيًا، بل أصبحت بوابة أخلاقية يدخل منها العالم إلى نفسه، ليمتحن ضميره من جديد.
وأن الأصوات التي انتفضت في قلب أمريكا ليست ارتدادات فردية، بل حلقات في موجة عالمية يتشكّل وعيها تحت ضغط الدم الفلسطيني، وصمود شعبٍ علّم الكوكب الفرق بين قوة الحق و حقّ القوة.
لقد أصبتِ تمامًا حين وصفتِ هذه التحوّلات بأنها ليست مصادفات، بل مسارًا يتّسع:
من كاندِس أوينز،
إلى تاكر كارلسون،
إلى زهران ممداني،
إلى آلاف الطلبة والأساتذة والناشطين…
مسارٌ يؤكّد أن الحقيقة إذا انطلقت من مكان محاصر تستطيع أن تفتح الأبواب في عواصم كانت تُظنّ مغلقة.
أقدّر كلماتكِ لأنكِ التقطتِ المعنى العميق للنص:
أننا لا نصف ظاهرة إعلامية… بل نصف تحوّلًا إنسانيًا،
وأن دم غزة لم يكن صرخة ألم فقط، بل كان بداية فجر جديد يتراجع فيه الخوف وتنهار فيه الإسطوانات الجاهزة.
شكرًا لحضوركِ الدائم يا د. غانية،
فالكلمة حين تأتي من عقلكِ وضميركِ، تُصبح امتدادًا لهذه المعركة النبيلة على الوعي…
وتُطمئننا أن ما نكتبه ليس صدى، بل جزء من موجة أكبر تتشكّل في هذا العالم.
***
29- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى بركات
هذا مقال لا يُقرأ… بل يُصاب به، يترك أثرا فيك، لا تمرّ أنت من خلاله، بل يمرّ هو من خلالك.
ولم يكن ذلك بفعل قوة الكلمات وحدها، تلك التي تستنفر الحواس وتوقظ الضمائر، بل بما عزّزته من صور تخطف الأنفاس وتُلهب الروح والقلب والعقل. صور لمسرح قائم بين الركام والخيام، يملؤه أطفال صغار نجوا من الإبادة وفارقوا أحبتهم، بوجوه تحمل مزيجا لا يخطئه القلب: حزن دفين وتمسك بحبال الحياة، وابتسامات تنتزع من فم الألم بقوة الإرادة.
كتبتَ عن أطفال غزة كما لو أنك تلتقط نبضا مستحيلا تحت الركام، وتعيد صياغته بلغة لا تجيدها سوى الضمائر التي بقيت حيّة وسط عالم يتفكّك أمام مرآته المحطّمة.
لقد جعلتَ من المشهد فعلَ شهادة،
ومن السينما فعلَ مقاومة،
ومن الأطفال معنى لا يستطيع العالم الهرب منه مهما حاول.
في كل نظرة التقطتها الكاميرا وُجِّه اتهامٌ للعالم،
وفي كل بسمة ممزوجة بالحزن كانت هناك مقاومة تُهزم بها الإبادة.
لقد أعطيتَ الضوء شكله الحقيقي:
ضوءٌ يولد من تحت الركام… لا من فوقه.
ومنحتَ مهرجان سينما الطفل في غزة مكانه الحقيقي:
ليس حدثا ثقافيا، بل إعلان حياة.
شكرا لأنك كتبتَ ووثّقتَ بروح تعرف أن الفن ليس تعليقا على المأساة، بل جزء من معركة الوجود نفسها.
غانية ملحيس
///////
30- رسالة يحيى بركات
الصديقة العزيزة د. غانية،
قرأت كلماتك كما تُقرأ الشهادة في زمنٍ يختلط فيه الضوء بالدم،
وشعرت أن تعليقك لم يكن مجاملة،
بل امتدادًا للمشهد ذاته…
ذلك المشهد الذي تفضحين فيه العالم بصوتٍ هادئ،
وتعيدين تعريف معنى الكتابة حين تصبح الكتابة فعل بقاء.
ما كتبته عن المقال هو في الحقيقة وصفٌ لغزة نفسها:
مكانٌ يكتبك قبل أن تكتبه،
ويصيبك قبل أن تحاول وصفه،
ويختبر صدق قلمك كما يختبر النارُ صلابة المعدن.
أطفال غزة لم يكونوا موضوعًا للنص…
بل كانوا منبعَه.
هم الذين صنعوا لغته،
ووجّهوا الإيقاع،
وأعطوا السينما شكلها الحقيقي كما قلتِ:
ضوء يولد من تحت الركام، لا من فوقه.
شكراً لأنك التقطتِ نبض المقال كما التقطتُ أنا نبض الأطفال،
وشكراً لأنك وضعتِ الكلمات في مكانها الذي تستحقه:
ليس تعليقاً على مأساة،
بل جزء من معركة الوجود.
امتنان كبير لروحك،
ولعينك التي ترى ما وراء الصورة،
ولقلبك الذي لم يسقط في برودة هذا العالم.
يحيى بركات
***
31- رسالة يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية…
كالعادة، تلتقطين الزاوية التي لا تمرّ عليها عين المقال،
وتذهبين بالمشهد إلى فضاء أوسع،
فتحوّلينه من حدث إلى بنية،
ومن وجع إلى قراءة فلسفية تكشف ما بين العتمة والضوء.
مقالي كان صورة حيّة،
نبضة طفل على خشبة مسرح،
أما مقالك فكان العدسة التي أعادت ترتيب الصورة داخل إطارها الأكبر:
بنية الحداثة المادية العنصرية،
العقل الأداتي،
وجوهر النظام الذي يخاف من المعنى أكثر مما يخاف من القوة.
ما كتبتهِ لا يشرح فقط ما جرى في مسرح الحكواتي،
بل يضعه في سياقه الوجودي العميق،
كأنك تمدّين يدًا للمشهد ليقف كاملًا على قدميه…
فيغدو فيلمًا متكامل العناصر:
صورة، وفلسفة، وذاكرة، ومعنى.
شكرًا لأنكِ دائمًا تمنحين النصّ امتداده،
وتمنحين الرؤية اتساعها،
وتجعلين الجرح الفلسطيني
مرآةً يرى العالم فيها نفسه…
لا مجرد حدث عابر.
يحيى بركات
25/11/2025
////
32- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى
شكرا لقراءتك التي تفيض دائما بما هو أعمق من التعليق.
أعرف أنك - كعادتك - تلتقط اللحظة قبل أن تتبدّد، وتأخذنا إلى حيث يجب أن نرى، إلى قلب الصورة، إلى نبض الطفل، وإلى المكان الذي يتشكّل فيه المعنى من ضوء صغير فوق خشبة مسرح.
ما أكتبه أنا ليس سوى محاولة متواضعة، لأن أكمّل ما تبدأه أنت،
لأفتح الباب الذي فتحته قليلا أكثر، فتتّسع الرؤية، ويكتمل المشهد داخل إطاره الأوسع. فأنت صاحب الفضل في المبادرة، وصاحب العين التي تضيء الحدث قبل أن ننتبه لعمقه.
إن كانت لغتي تمنح النص امتدادا، فذلك لأنها تمشي في الطريق الذي شققتَه أنت، وتستند إلى الصورة التي رسمتها بحدسك وصدقك وفنك.
شكرا لأنك تجعل الوجع قابلا للقراءة، وتمنح الفرح - حين يوشك أن يختنق - نافذة أخرى للتنفس.
وشكرًا لأنك تشعل دائما الشرارة الأول، وأحاول أنا فقط أن أتابع اشتعالها.
دمت العين التي تلتقط، واليد التي تعيد للضوء مكانه.
غانية ملحيس
25/11/2025
***
33- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
عزيزتي د. غانية،
ما كتبته ليس امتدادًا لمقالي فحسب،
بل امتدادٌ للمعنى نفسه…
ذلك المعنى الذي نخشى أن يتبخر وسط ضجيج العالم، فنكتبه كي لا يموت.
لقد التقطتِ جوهر اللحظة:
أن المأساة لم تعد حدثًا، بل تحوّلت إلى فلسفة للعالم الجديد؛
وأن صرخة المرأة تحت المطر ليست نداء غزة فقط، بل تحذيرًا للبشرية من أن تتحول إلى ظلال تُمحى بلا أثر.
نعم…
نحن نكتب لكي نستعيد القدرة على الغضب،
ونستعيد الضمير قبل أن يُباع في أسواق الحديد والمال والذكاء الاصطناعي،
ونستعيد الإنسان من حافة اللامبالاة.
شكرًا لأنكِ كتبتِ من القلب،
وشكرًا لأنكِ جعلتِ النص يواصل نبضه في جهة أعمق،
في تلك المنطقة التي لا يحرسها إلا الضمير.
مع التقدير والمحبة
يحيى بركات
27/11/2025
/////
34- رسالة غانبة ملحيس
الصديق العزيز يحيى
أشكرك على ما كتبته أولا، فقد كنتَ -كعادتك- من بادر بتسليط الضوء على هذه اللحظة القاسية في غزة، وسعيت لاستكمال قراءتك والتعمق فيما التقطته عينك وعقلك وقلبك من فداحة ما بلغه العقل الأداتي من تغول، وهول ما بلغته الإنسانية من تبلد.
مقالك سلط الضوء على المأساة الإنسانية التي تتجاوز حدود العقل على الفهم والتفسير، وسمح لي بالنظر إلى الواقع الغزي ليس كحدث منفصل، بل كفلسفة للعالم الجديد الذي نعيشه، ومشهد يختبر قيمة الإنسان والضمير في زمن تسيطر عليه الفردانية والتقنية والمال والقوة.
صرخة المرأة تحت المطر وبكاء الطفل الذي يغرق في الحفرة ليسا مجرد نداء استغاثة لغزة، بل نداء للإنسانية جمعاء، وتحذير كي لا تتحول إلى ظلال يمكن محوها بلا أثر.
إن تشاركنا الكتابة يستمر في النبض داخل منطقة لا يحرسها إلا الضمير، ويجعل الكتابة فعلا جماعيا للمقاومة ضد التبلد واللامبالاة. شكرا لأنك بدأت هذا الطريق، وشكرا لأنك جعلت مقالي يلتقي مع روح مقالك الأصلي في عمق المعنى.
محبتي وامتناني،
غانية ملحيس
27/11/2025
***
35- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
أشكر لكِ هذا التعليق الذي لا يشرح فقط تعقيدات اللحظة،
بل يضعها في إطار أوسع:
إطار الشعوب…
والوعي…
والتاريخ الذي يتحرك من تحت أقدام الذين يظنون أنهم يملكون مفاتيحه.
ما تفضلتِ به يفتح نافذة مهمة على حقيقة غالبًا ما تُهمل في دوامة الخرائط الكبرى:
أن الرجل الذي يظهر أمام العالم كصانع قرار مطلق
ترامب
ليس سوى لاعب داخل منظومة تتشقق من الداخل،
وأن الشارع الأمريكي نفسه، الذي خرج بالملايين تحت شعار “لا ملوك”،
يقول للعالم إن قوة الأقوياء ليست مطلقة،
وإن كل نظام مهما بدا متماسكًا
يحمل داخله بذور الارتباك.
وأن نتنياهو،
الذي تحوم طائراته فوق رؤوسنا بلا خوف،
لا يتحرك من موقع قوة خالصة،
بل من هشاشة يتستر عليها بالضجيج،
وهروب من محاكمة لا تؤجل حقيقة أن مشروعه يمشي نحو نهايته،
ولو بدا في الظاهر أنه يُمسك زمام المبادرة.
لقد أصبتِ تمامًا حين قلتي إن كل حركة تُقدَّم كقوة
تكشف هشاشة أعمق.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية
ليست مجرد سباق بين جيوش أو أجهزة استخبارات،
بل سباق بين سرديتين:
سردية القوة التي تتآكل،
وسردية الشعوب التي تستعيد دورها
رغم كل القمع،
ورغم كل الخرائط التي تُرسم فوقها دون استشارتها.
أجمل ما في هذا الزمن - رغم قسوته -
أنه يردّ الاعتبار لمن كان يُفترض أن يبقى على الهامش.
الشعوب التي حاولت المنظومات الكبرى أن تلغي صوتها
تعود اليوم لتقول:
نحن هنا…
وسنكون جزءًا من الصورة،
لا مجرد خلفية لها.
شكراً لكِ على هذا الحوار الذي يرفع الفكرة،
ولا يُغلق النص بل يفتح أفقه،
كما يفعل دائمًا صوت يمتلك الوعي والشجاعة معًا.
مع خالص التقدير
يحيى بركات
1/12/2025
///
36- رسالة غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى،
أشكرك على تعليقك العميق الذي يلتقط جوهر اللحظة بوصفها اهتزازا في البنية الرمزية للعالم. فما تسميه تشققا في المنظومات هو في حقيقته انكشافٌ للعقد المضمَر الذي قامت عليه الحداثة المادية: وهم السيطرة الذي تخيّل أنه قادر على حبس التاريخ في قبضة القوة.
إن شخصيات مثل ترامب ونتنياهو ليست فواعل تصنع المآلات، بل أعراضا تكشف ما تراكم في الطبقات السفلى من الوعي العالمي: تعرّي السردية التي جعلت القوة مركزا للمعنى، والإنسان مجرّد تفصيل يمكن شطبه عند الحاجة. وحين تتصدّع هذه السردية، يغدو الضجيج السياسي محاولة يائسة لستر فراغ لم يعد ممكنا إخفاؤه.
لقد أصبتَ حين أشرتَ إلى أن الصراع اليوم هو بين سرديتين: سردية تحتضر لأنها استنزفت قدرتها على إنتاج معنى، وسردية تولد لأنها تعيد الإنسان إلى موقع الأصل في التاريخ، لا إلى موقع مادته الخام.
وما نشهده في الشوارع والاحتجاجات وانكسار هيبة القوة ليس حدثا سياسيا فحسب، بل ارتداد للوعي إلى ذاته، إلى تلك النقطة التي يبدأ فيها العالم بإعادة تعريف نفسه بعيدا عن مركزية السلطة وجبروت القوة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحوار أنه ينزل إلى العمق، إلى تلك المنطقة التي يتحوّل فيها اهتزاز الجغرافيا إلى سؤال فلسفي عن المصير والمعنى والشرعية. وهي منطقة نادرا ما يبلغها النقاش العام.
خالص المودّة والتقدير.
غانية ملحيس
1/12/2025
***
37- رسالة من يحيى بركات الى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس،
ما كتبته هنا ليس تعليقا عابرًا، بل هو امتداد طبيعي لمسارٍ نُعيد فيه جميعًا قراءة اللحظة، كأننا نقف أمام شاشة واسعة تتجاوز حدود المقال والردّ، وتمنح الصورة فسحتها الحقيقية كي تتحرك وتتنفّس.
لقد جاء مقالك، بكل طبقاته التحليلية، كعدسة ثانية مكمّلة، لا تعيد سرد ما قيل، بل تفتح زاوية أخرى للرؤية وتستدعي مستويات أعمق لفهم ما جرى بعد السابع من تشرين الأول: كيف انقلب الزمن السياسي، وكيف خرج الفلسطيني من موقع المتلقي إلى موقع المُعرِّف، وكيف انتقلت المعركة من حدود الجغرافيا إلى فضاء الوعي الإنساني.
ما حاولتُ فعله في «المؤثرون الألف» هو التقاط لحظة ارتجاف الظلّ عندما أفلتت الصورة من يد الاحتلال؛
وما فعلتِه أنت في مقالك هو منح هذه اللحظة بعدها البنيوي، ورسم الامتداد الذي يجعل الصورة ليست حدثًا، بل تحولًا في البنية الأخلاقية للعالم.
لقد التقت مقالتك ومقالي على خط واحد:
أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد ردّ، بل أصبحت مصدرًا لإعادة تعريف الحقّ والعدالة ومعنى الإنسان في هذا العصر.
وأسعدني، بل شرّفني، أن يتحول ما نكتبه إلى حوار معرفي واحد، يشبه نهرا تتفرع منه تيارات ثم تعود إليه،
وأن نتمكن معًا-كلٌّ من موقعه وأداته - من وضع جزء من هذا المشهد في سياقه الأوسع، بعيدًا عن الاستهلاك السريع، قريبًا من جوهر الأسئلة التي ستحدد ملامح السنوات القادمة.
كل التقدير والامتنان لكِ،
وللقراءة التي وسّعت الصورة بدل أن تغلقها،
وجعلت من النصين مساحة واحدة تتجاور فيها السياسة، والفكر، والسينما، والرؤية الأخلاقية.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي 6/12/2025
/////
38- رد غانية ملحيس
الصديق العزيز يحيى بركات
ما فعلته في تعليقك ليس احتفاء بمقال، بل هو إعادة وضعه في مكانه الطبيعي داخل السياق الأرحب لمعركة الوعي التي نعيشها جميعا، كلٌّ من موقعه.
ما حاولتُ القيام به في مقالي هو فتح المسار الذي بدأته في «المؤثّرون الألف» على اتساعه الطبيعي، وقراءة مقالك بوصفه جزءا من المشهد الأوسع لمعركة الوعي، وليس مجرّد تحليل ظرفي للحظة إعلامية أو سياسية.
لقد كان مقالي محاولة لالتقاط الخيط الذي وضعته في عملك، وإكمال الصورة التي بدأتَها بعدسة سينمائية شديدة الحساسية للتحوّل. وجاء تعليقك الآن ليعيد المقالين معا إلى مكانهما الصحيح: كحوار معرفي واحد يشتبك مع ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ويضع هذا التحوّل في سياقه الفكري والأخلاقي، بعيدا عن التبسيط أو الاستهلاك السريع.
أقدّر كثيرا قراءتك الواسعة التي رأت في التفاعل بين المقالين مساحة مشتركة لإعادة بناء السردية الفلسطينية من موقع الفاعل لا المفعول به، ولتوسيع الكادر بدل حصره في حدود اللحظة.
ويسعدني أن يكون مقالي امتدادا عضويا لما بدأته، وهو كذلك، وأن يلتقي مقالان كتبا في سياقين مختلفين على الهدف ذاته:
الإضاءة على ما تغيّر في الوعي، وعلى ما يجب أن يتغيّر في أدوات قراءتنا له.
لك كل التقدير والمحبة،
غانية ملحيس
6/12/2025
***
39- رسالة غانية ملحيس الى يحيى بركات
الصديق العزيز يحيى
تساؤلك "هل أستراليا الحلقة الأخيرة ؟" يحفز التفكير والتمعن ، فكما أشرت بدقة في مقالك أن جريمة أستراليا ليست مجرد حادثة أمنية، بل علامة داخل نمط سياسي متكرر.
لكن هذا النمط لا يمكن فهمه كاملا إلا إذا أُعيد ربطه بما هو أعمق: أزمة نظام الحداثة الغربي ذاته بعد طوفان الأقصى، فما كشفه الطوفان لم يكن “خللا في المشهد”، بل انكشافا لبنية كاملة: بنية ادّعت التفوق الأخلاقي، وتغذت على خطاب حقوق الإنسان، ثم سقطت دفعة واحدة حين اختارت الإبادة علنا، بلا مواربة.
منذ تلك اللحظة، دخل النظام في مرحلة احتواء الفضيحة لا احتواء الصراع. ومن إدارة الصراع إلى إدارة الوعي. فبعد إبادة غزة - التي ما تزال مستمرة وما تغير فقط وتيرتها - لم تعد المشكلة في “فعل المقاومة”، بل في انهيار السردية التي طالما قدمت الكيان الصهيوني بوصفه: ضحية، وقلعة ديمقراطية، وامتدادا أخلاقيا للحداثة الغربية.
هنا بالضبط يعود الإرهاب إلى الواجهة، لا كخطر، بل كـأداة ضبط للوعي. فليس الهدف من إعادة تشغيل الخوف: حماية اليهود، ولا مواجهة التطرف،بل إعادة ترميم المركز الأخلاقي المنهار:
إعادة العالم إلى معادلة: نحن في مواجهة شر مطلق، فلا وقت للأسئلة الأخلاقية”.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن الدور الوظيفي للصهيونية داخل نظام الحداثة: فهي ليست مجرد حركة تخليق هجين ديني عابر للقوميات لاستبدال وطن وشعب، بل أداة استعمارية استيطانية غربية صهيونية صُممت لتأدية وظائف: ضبط الشرق، إدارة العنف، وتوفير عدو دائم يبرر عسكرة العالم.
وحين انكشف هذا الدور في غزة، وتحوّل الكيان الصهيونى من “ضحية تاريخية” إلى فاعل إبادة مباشر،
كان لا بد من: تشتيت البوصلة،إعادة تشغيل سردية الخوف، وإنتاج لحظة تُربك الوعي العالمي. وهنا تصبح أستراليا وظيفة لا جريمة فقط.
أما لماذا الآن؟ فجوابه لأن الزمن انكسر ، الزمن الذي وقعت فيه الجريمة ليس تفصيلا. إنه زمن:
بدأت فيه دول غربية تكسر المحرمات: اعترفت بفلسطين، ووصفت ما يجري في غزة بالإبادة، وخرجت فيه الشوارع عن سيطرة الإعلام. فهذا هو التوقيت الذي لا يُترك للصدف. والهدف لم يكن إثبات شيء، بل إيقاف مسار:
مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية.
وعليه، ما بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة ، لم يعد الإرهاب فعلا فقط، بل لغة سياسية جاهزة: تُستدعى لإسكات النقد، لتجريم التضامن،
لإعادة ابتزاز الضمير الأوروبي ولحماية مشروع إبادي فقد شرعيته.
وهنا تصبح الدماء - أي دماء - مادة خام لإعادة بناء الخوف.
ما يغيب عن معظم التحليلات، ويحضره مقالك ضمنيا، هو أن الفلسطيني لم يعد: ضحية صامتة، ولا موضوع شفقة، بل شاهد إدانة على نظام كامل. ولهذا بالضبط، يُعاد تشغيل أدوات الإرهاب:
لأن الحقيقة خرجت من موقع السيطرة، ولأن الفلسطيني كسر احتكار الرواية والسوال الحقيقي ليس: هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟ بل : هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
حين يُفهم النمط، لا تعود الجرائم صادمة، بل تصبح مكشوفة الوظيفة.
وهنا، كما تقول ضمنا:
حين يُفضح المستفيد،
تفشل الخطة.
غانية ملحيس 16/12/2025
/////////////
40- رسالة يحيى بركات
الصديقة العزيزة د. غانية،
تعليقك لا يقرأ المقال… بل يفتح طبقته العميقة.
نعم، ما بعد طوفان الأقصى لم يعد الزمن فيه خطيًا، ولا الأحداث منفصلة. ما انكشف ليس فقط وحشية كيان، بل عُري منظومة ادّعت طويلًا احتكار الأخلاق، ثم انهارت حين اختارت الإبادة بوصفها “خيارًا سياديًا”.
أوافقك أن المسألة لم تعد “إدارة صراع”، بل إدارة وعي.
وحين تنهار السردية، لا يُستدعى المنطق، بل الخوف.
لا تُطرح الأسئلة، بل تُجَرَّم.
ولا يُحمى اليهود، بل يُستَخدم دمهم لإعادة ترميم مركز أخلاقي مكسور.
هنا، يصبح الإرهاب لغةً لا حدثًا،
وأداةَ ضبط لا خطرًا عارضًا.
لغة تُستدعى كلما اقترب العالم من تسمية الأشياء بأسمائها، وكلما خرج الفلسطيني من موقع الضحية إلى موقع الشاهد المُدانِف لمنظومة كاملة.
ما تفضلتِ به عن “الدور الوظيفي للصهيونية” يضع النقاش في مكانه الصحيح:
لسنا أمام كيان طارئ، بل أمام أداة داخل بنية، وظيفتها الدائمة إنتاج العنف، وتبريره، ثم تحويله إلى ضرورة أخلاقية.
وفي هذا السياق، لا تُقرأ أستراليا كجريمة معزولة، بل كـ إشارة داخل محاولة أوسع لإيقاف مسار:
مسار تفكك الهيمنة الأخلاقية الغربية،
ومسار خروج الشارع عن السيطرة،
ومسار كسر المحرمات السياسية.
لهذا، السؤال لم يعد:
هل أستراليا الحلقة الأخيرة؟
بل، كما تفضلتِ بدقة:
هل سيسمح العالم باستمرار استخدام الإرهاب كأداة لحماية الإبادة؟
حين يُفهم النمط،
لا تعود الجرائم مفاجئة،
ولا يعود الخوف مُقنعًا،
ولا تعود السرديات القديمة صالحة.
وحين يُفضح المستفيد…
تبدأ نهاية الوظيفة.
مع التقدير العميق لهذا التفكيك الذي لا يُضيف سطرًا،
بل يفتح أفقًا.
يحيى بركات
16/12/2025
***
41- رسالة من غانية ملحيس إلى يحيى بركات تعقيبا على رثائه لوالده في الذكرى الواحدة والخمسين لرحيله.
الصديق العزيز يحيى بركات
ما كتبته ليس بكاء مؤجلا، بل فعل معرفة،
وسيرة رجل لم تُكتب لكي تُحاط بالحنين، بل لكي تُستعاد كمعيار.
وأنت تخاطب أباك، كنتَ تكتب عن أب نعرفه جميعا.
هذا الأب ليس فردا في الذاكرة، بل نموذج آبائنا:
الذين لم يملكوا رفاهية الشعارات، فاختاروا الأخلاق، ولم تُتح لهم رفاهية الوطن، فحملوه سلوكا لا نشيدا.
هو الأب الذي لم يشتر أرضا لأنه لم يبع الفكرة، ولم يستثمر في وهم الاستقرار، بل في أبنائه، عارفا أن الاستعمار قد يسرق الأرض ويغتال الحجر، لكنه لا يستطيع مصادرة العقل والوعي.
وأنا، كامرأة فقدت أباها، أقرأ مقالك بوصفه رثاء لجيل فلسطيني شهد الإبادة والاقتلاع والنكبة، وفقد الوطن والبيت والأمن والعمل، وبات عليه أن يكون تعويضا عن كل ما فقد.
أقرا مقالك كرثاء للأب، لكنني أراه أيضا تقريعا هادئا لنا جميعا:
هل ما نزال نعرف الفرق بين النجاة والنجاح؟ بين العيش، والعيش دون خيانة أو تفريط؟
بين الإنسان عندما يختبر في كل مستلزمات الحياة وبين من يقايض مكتسبات المواقع بالحقوق، ويبرر ذلك بالواقعية السياسية.
بين من يعي قدسية حقوق أسر من يفتدي وطنه وشعبه من الشهداء والجرحى والأسرى، وبين من يرى فيها عبئا ثقيلا، وفي التنكر لها إنقاذا يقتضيه الامتثال،
أبوك يا يحيى غلبه القهر في 1974، عندما استشعر بداية الطريق لاستبدال الوطن بدولة على 22% منه، ونذيرا بمقايضة يافا بحكم ذاتي يتقلص لمعازل وسجون، فلم يحتمل قلبه.
وأبي مات كمدا وهو يرى بوادر الانزلاق التفاوضي لمقايضة الدولة العتيدة بسلطة حكم ذاتي تتفاوض على أراض متنازع عليها مع العدو النقيض، الذي يمضي قدما في استبدال فلسطين بإسرائيل، واستبدال أهلها بمستوطنين يهود ضاقت بهم البلاد التي سلبوها، فقبل قادتهم إعادة تعريف حقوقهم تحت سطوة القوة، ووجدوا أن تكرار ذلك ممكن بمزيد من القوة.
آباء لم يفرّطوا لا يموتون في التاريخ، بل يختبر حضورهم فينا: ولا يُختزلون في طقوس الذكرى.
هم معيارٌ صارم لا يسمح بالاختباء خلف اللغة، ولا خلف ضرورات اللحظة.
حضورهم سؤال أخلاقي مفتوح: هل نواصل الطريق كما هو، وطنا واحدا لا يجزأ، وحقا لا يُعاد تعريفه تحت الإكراه،
أم نختار ـ بوعي كامل - تحويل الهزيمة إلى «واقعية»، والتنازل إلى «حكمة»، والامتثال إلى سياسة؟
رحم الله الآباء الذين لم يساوموا، وجعل من استعادة سيرهم خطا أخلاقيا فاصلا بين من يقف مع الحق، ومن يتعايش مع تصفيته.
غانية ملحيس 25/12/2025
===========
42- رسالة د. غانية ملحيس
إلى الصديق العزيز يحيى بركات، بعد قلبك… الذي علمنا معنى الحياة
قراءة مقالك الأخير يا يحيى كانت تجربة مختلفة هذه المرة، تجربة تحمل مزيجا من القلق والاطمئنان، ومن الألم والفكر العميق.
بداية، دعني أهنئك بالسلامة بعد هذه الرحلة الصعبة بين التشخيص والقسطرة والجراحة. ليست مجرد تهنئة عابرة، بل اعتراف بما اختبره قلبك، وما تعلمناه نحن من خلال كلماتك: أن القلب ليس مجرد عضلة، بل ذاكرة حيّة، ومساحة تجمع الحرب والسلام، الوطن والمنفى، الألم والضحك، الحياة والموت.
لقد افتقد متابعوك - وأنا منهم - مقالاتك الفكرية والسياسية والإبداعية خلال الفترة الماضية، وقلنا لأنفسنا ربما كان رمضان وانشغالاته سببا في تأخير كتاباتك كما عودتنا دوما على التفاعل العميق. إلا أن مقالك الأخير جاء ليذكرنا أن لا شيء يمكن أن يمنعك من تحويل تجربة شخصية إلى درس. قلبك، رغم كل التعب، ما زال يكتب ويبتكر ويغذي عقولنا كما يروي التاريخ والواقع.
في مقالك، هناك لحظات صامتة لكنها صاخبة في معناها: من الألم المفاجئ في صالة الرياضة، إلى وجود الأبناء حولك، ورؤية نجوان ومناف وعمر، وصولا إلى اللحظة التي يُفتَح فيها قلبك في غرفة العمليات… كلها مشاهد لم تقتصر على الجانب الطبي، بل كشفت فلسفة الحياة نفسها: أن الموت ليس عدوا، بل حقيقة، وأن الحياة ليست وعدا طويلا، بل سلسلة من اللحظات التي تحتاج من الإنسان أن يختار فيها الاستمرار.
نحن يا يحيى أبناء جيل صادق الموت وألفه، وعاش حياة مضافة كما كان يقول لي زوجي كلما أبديت خوفي من الفقدان، لكثرة اختبارات الموت التي عايشناها على مدى نصف قرن، حيث يحمل الفلسطيني الذي سكنه الوطن روحه على راحته.
ما لفتني في مقالك هو قدرتك على نسج تجربة شخصية مع سياق سياسي وفلسفي: اعتقالك المبكر، المنفى، الحرب، التشرد، أوسلو، والمواجهة اليومية مع الواقع الفلسطيني، كلها تجارب أثرت في قلبك وعقلك، وجعلت منك كاتبا مبدعا يرى الحياة بعين من يمتلك معرفة حقيقية بالوجود.
وعندما قلت: “الإنسان لا ينجو لأنه أقوى من الموت… بل لأنه في كل مرة يجد سببا صغيرا آخر ليؤجل استسلامه”، لم تكن هذه مجرد جملة مؤثرة، بل فلسفة كاملة عن الصمود الإنساني، وعن القدرة على تحويل المعاناة إلى معرفة، والتحدي إلى حياة. لقد جعلت يا يحيى من لحظة ضعف جسدي - الجلطة، القسطرة، الجراحة - فرصة لطرح سؤال أكبر: ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟ وما هي القيمة الحقيقية للحياة، للزمن، للوطن؟
أكثر ما شدني في مقالك البعد الإنساني: العلاقة بين الأبناء والوالد، الحضور الزوجي، ووفرة الحب والدعم. كل ذلك يُظهر أن الإنسان لا يبني حياته على القوة الفردية فقط، بل على الروابط التي تربطه بالآخرين. قلبك، كما قلت، ليس عضلة فقط، بل وطن صغير، ومساحة سلام داخلها الحرب والحنان، الألم والفرح، الحياة والموت.
أخيرا، يا يحيى، أود أن أؤكد لك أن متابعيك كانوا في شوق دائم لمقالاتك، وما كتبته الآن لم يكن مجرد عودة، بل درس مهم لكل قارئ: أن القوة الحقيقية تكمن في مواجهة الواقع، وأن الفن والفكر يمكنهما أن ينقلا تجربة شخصية إلى معرفة مشتركة.
شكراً لك على هذا البُعد الإنساني والفكري، وشكرا لتذكيرنا بأن كل قلب يحكي قصة، وأن قصتك تظل مصدر إلهام لنا جميعا.
سلامتك، واستمر في الكتابة، فقلوبنا بحاجة إلى كلماتك، وعقولنا إلى فلسفتك، ووطننا إلى رؤيتك.
غانية ملحيس
***
43- رسالة يحى بركات
الصديقة العزيزة الدكتورة غانية ملحيس
قرأت رسالتك كما يقرأ المخرج فيلمًا صُوِّر من زاوية لم يكن يتوقعها.
كنت أظن أنني كتبت نصًا بسيطًا عن القلب:
جلطة، قسطرة، وغرفة عمليات.
لكن قراءتك أعادت ترتيب المشهد كله.
لم تتوقفي عند الجراحة،
بل ذهبتِ إلى ما قبلها:
إلى الحرب، والمنفى، وذاكرة جيلٍ تعلّم مبكرًا أن يحمل حياته كما لو أنها حياة مضافة.
ما كتبتهِ لم يكن تعليقًا على مقال،
بل جراحة هادئة للنص نفسه.
أنتِ لم تقرئي الكلمات فقط،
بل فتحتِ الشرايين التي تختبئ بينها.
لهذا احتجت في البداية أن أقرأ رسالتك أكثر من مرة.
ليس لأن الكلمات غامضة،
بل لأنك تفعلين ما يفعله علماء النفس أحيانًا:
تفككين الجملة لتري ما تخبئه من طبقات.
الكلمة عندك لا تمر كما هي.
الكلمة قد تصبح خمس كلمات،
وحين تدخل الجملة
تصبح عشرات المعاني.
لكن دعيني أقول لك شيئًا لم أكتبه في المقال.
حين أجرى لي طبيب القسطرة الفحص
جعلني أنظر إلى شاشة تظهر شبكة الشرايين.
رأيت بعضها مغلقًا،
وبعضها بالكاد يسمح بمرور الدم.
سألته بدهشة:
كيف بقيت حيًا كل هذا الوقت؟
ابتسم وقال:
انظر إلى هذه الشرايين الصغيرة.
قال إن القلب، حين تضيق الطرق الرئيسية،
يبدأ بالاعتماد على شعيرات صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
سنوات طويلة
كان القلب يستخدم تلك الطرق الخفية
كي يبقى الدم جاريًا.
ثم قال جملة توقفت عندها طويلًا:
لقد عاش قلبك سنوات طويلة
على هذه الطرق الالتفافية.
ثم أضاف، وهو يعرف أنني فلسطيني:
أنتم تعرفون هذه الفكرة جيدًا…
حين تُغلق الطرق الرئيسية
تفتحون طرقًا التفافية
كي تستمر الحياة.
لكن القلب، كما قال،
وصل إلى لحظة
لم تعد فيها تلك الشعيرات تكفي.
كان لا بد من طرق جديدة.
حينها فهمت شيئًا آخر.
القلب لا يتعب فجأة.
القلب، مثل الإنسان،
يستخدم كل ما لديه من حيل.
كل طريق جانبي،
كل شعيرة صغيرة،
كل احتمال للحياة.
لكن هناك لحظة
يصل فيها القلب إلى حدوده.
ليس لأنه ضعيف.
بل لأنه
استخدم كل ما لديه.
حينها
لا يستقيل القلب لأنه عاجز.
بل لأنه
يحترم نفسه.
وربما لهذا
لم يكن غريبًا أن تفتح الأنطولوجيا هذا الباب الجميل:
«رسائل الأدباء».
لأن النص أحيانًا لا ينتهي عند كاتبه،
بل يبدأ حين يقرأه كاتب آخر
بقلب مختلف.
وربما لهذا أيضًا
حين كنت في المستشفى هنا في دبي
اكتشفت أن الحرب يمكن أن تلحق بالإنسان أينما ذهب.
تركت الحرب في فلسطين… لكنها لحقتني إلى هنا.
ربما لهذا
حين قرأت رسالتك
شعرت أن النص لم يعد نصي وحدي.
لقد أصبح مساحة أوسع
يتقاطع فيها القلب مع التجربة،
والجسد مع التاريخ،
والألم مع معنى الحياة.
أنا كتبت المشهد كما يكتبه المخرج:
أضع الكاميرا
وأترك للمتفرج أن يرى ما يستطيع أن يراه.
أما أنتِ
فدخلتِ إلى داخل الكادر نفسه.
أخرجتِ من جراحة القلب
سيرة جيلٍ كامل.
جيلٍ تعلّم أن يمشي في الحياة
كما يمشي الفلسطيني في الطرق الالتفافية…
كي تستمر الحياة.
أما القلب
الذي كتب تلك الكلمات
فما زال يتعلم شيئًا بسيطًا:
أن القلوب
مثل الأوطان…
كلما ضاقت طرقها
بحثت عن طريق آخر للحياة.
ولهذا
فإن للقلب…
كما للحياة…
بقية.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
==========
=========
========
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي – فلسطين