الصديق العزيز سمير أيوب،
قرأت كلماتك كما تقرأ أعمار عتيقة، نقشت بحبر التجربة لا بالحبر العابر.
قرأتها لا كما يطالع المرء سيرة ذاتية، بل كما ينصت لرجل يحمل الوطن في قلبه، والحياة في ذاكرته، والناس في وجدانه.
في كل فقرة من “الثالثة والثمانين”، ثمة اعتراف نادر بالحياة كما هي:
أنت لم تتجمل، لم تهرب من الشيخوخة، لم تستدع الأساطير… بل وقفت أمام مرآة العمر وقلت: هكذا عشت، وهذا ما بذرته، وها هي مواقدي ما تزال مشتعلة.
تأملك في فجيعة الغياب، ودفء ذكرك لرواد الفكر والعطاء، لرفاق الدرب، لأساتذتك، لزوجتك، لأصدقائك الذين “لم يكونوا عابرين”، هو تأمل رجل نبيل، ما زال قلبه أخضر رغم ثقل الزمن.
مقالك يفيض بـ”غضب أنيق”، وقهوتك تشع في المكان، لأنك لم تترك للانكسار منفذا كاملا.
جعلت من الحنين وقودا، ومن الذكرى ضوءا، ومن الألم كرامة.
هذا ليس مقالا عن الشيخوخة، بل عن الكرامة حين تشيخ واقفة.
عن رجل لم يخدع، ولم يخدع، ولم يتأخر يوما عن مواقد المعنى.
أذهلني كم من النبل تحتمل الكتابة، وكم من العمر يصبح شامخا حين يروى بحبر الذاكرة لا بصدى التواريخ الرسمية.
لقد خطت كلماتك مرثية حية للحياة، واحتفاء بالغائبين الذين لم يغيبوا، بل ظلوا معك: في طيات القهوة، في دالية الدار، في رائحة الورق، وفي ملامح من عبروا دون أن يرحلوا.
ما كتبته يا سمير لم يكن وقفة تأمل فقط، بل خريطة وجدانية لوطن داخلي يصمد أمام الخراب والخذلان، ويشعل ناره كل صباح من غضب أنيق.
قرأت شهادتك عن مرحلة تشرفت بالعمل معك فيها، في مجلة “صامد الاقتصادي” ببيروت أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، ووجدت في مقالك الثري وصية جيل عربي كامل: عاش الحلم الكبير، ورافق طلائع النهضة، وأسس مؤسسات، ثم شهد ضيق الأوطان وتنكر البعض لذواتهم.
لكنك لم تفرط لا بالذاكرة، ولا بالحب، ولا بالإيمان بأن شيئا مما زرعتموه ذهب هباء.
في “السابع من تموزك” هذا، حضر بلال المؤذن، وحضرت فيروز، وحضر جورج حبش، وحضرت بيروت… وكأنك تقول لنا: حتى في الشيخوخة، هناك منارة، وهناك ما يروى، وهناك زرع نبت على قدر اليد والقلب، وإن خانته العواصم وبعض أهله.
دمت، يا سمير، ضميرا يكتب لا ليستعرض، بل ليعلم ويواصل إشعال النار في زمن البلادة.
دمت قلما عزيزا لا يتقاعد، ومنارة حرة،
وصوتا يجيد أن يقول: “أنا هنا… وسأوجل موتي قليلا”.
***
رد سمير أيوب
Ghania Malhees يا شبيهة الروح، يا ابنة حفظي ملحيس الرجل العصامي العظيم الذي اعتز باني التقيته ذات يوم في الاسكندرية، يا غانية رفيقة الهم والالم، الامل والعزم والعمل، فرحت والله كثيرا وكثيرا باطلالة قلمك وبوح روحك الموجوعة كروحي وأرواح الكثيرين الكثيرين مما مضوا، وممن ما زال لرصاصهم عبق وصوت وبوصلة تتجه باصرار صوب كل حبة تراب في فلسطيننا لا في فلسطين من هم في بالي وبالك وبال الاف الشرفاء الاحرار.
ملء القلب اشكرك. إطمئني يا غانية فالعهد هو العهد والوعد هو الوعد ما بقي فينا جهد. لن نمل ولن نكل ولن نضل، ولن نُضْلِل.
لِمَ نتجمل يا غانية؟!!! فأنت وأمثالك، ورفاقنا وأنا وجل شعبنا اجمل بكثير من واقع كل من خذل قطرة دم لشهيد سقط من اجل تحرير كل حبة تراب في فلسطيننا، اول قلاع الدفاع عن شرف الامة من المَيْ الى المَيْ.
متخمون بالغضب يا غانية ولكننا نصر على تفريغه في صدور عدونا المحتل، وكلابة الضالة. لن نقاتل المغضوب عليهم ولا الضالين منهم، ستدوسهم نعال الجبارين تلقائيا.
كم حلمنا معا يا غانية هناك في غابة البنادق في بيروت، مرورا ببيتك العامر بالقرب من محطة الدّنا والكثير من تضاريس صامد، كم انتشينا بشرر انتصارات تتراكم وتسمعنا شيئا من صدى اجراس العودة، وكم خابت امالنا حد البكاء والخوف والقلق. رغم ان بعضهم يا غانية يشنق البواريد ويجرد الرصاص، اطمئني فهناك من يتسللون من شقوق الارض، ما خانوا عهدا قطعوة، يقاتلون بشرف، ما تاه رميهم، ولا سقطت راياتهم ولا ضلت بوصلتهم.
إطمئني وعهد الله لن نرحل، باقون، ومن كل بيت وحارة وشارع آتون مع طيور الرعد. معا ومع كل الاحرار والشرفاء سنعبر الى فلسطيننا. معا يا غانية ان شاء الله. بمحبة واحترام اكرر شكري-
سمير ايوب
15/7/2024
قرأت كلماتك كما تقرأ أعمار عتيقة، نقشت بحبر التجربة لا بالحبر العابر.
قرأتها لا كما يطالع المرء سيرة ذاتية، بل كما ينصت لرجل يحمل الوطن في قلبه، والحياة في ذاكرته، والناس في وجدانه.
في كل فقرة من “الثالثة والثمانين”، ثمة اعتراف نادر بالحياة كما هي:
أنت لم تتجمل، لم تهرب من الشيخوخة، لم تستدع الأساطير… بل وقفت أمام مرآة العمر وقلت: هكذا عشت، وهذا ما بذرته، وها هي مواقدي ما تزال مشتعلة.
تأملك في فجيعة الغياب، ودفء ذكرك لرواد الفكر والعطاء، لرفاق الدرب، لأساتذتك، لزوجتك، لأصدقائك الذين “لم يكونوا عابرين”، هو تأمل رجل نبيل، ما زال قلبه أخضر رغم ثقل الزمن.
مقالك يفيض بـ”غضب أنيق”، وقهوتك تشع في المكان، لأنك لم تترك للانكسار منفذا كاملا.
جعلت من الحنين وقودا، ومن الذكرى ضوءا، ومن الألم كرامة.
هذا ليس مقالا عن الشيخوخة، بل عن الكرامة حين تشيخ واقفة.
عن رجل لم يخدع، ولم يخدع، ولم يتأخر يوما عن مواقد المعنى.
أذهلني كم من النبل تحتمل الكتابة، وكم من العمر يصبح شامخا حين يروى بحبر الذاكرة لا بصدى التواريخ الرسمية.
لقد خطت كلماتك مرثية حية للحياة، واحتفاء بالغائبين الذين لم يغيبوا، بل ظلوا معك: في طيات القهوة، في دالية الدار، في رائحة الورق، وفي ملامح من عبروا دون أن يرحلوا.
ما كتبته يا سمير لم يكن وقفة تأمل فقط، بل خريطة وجدانية لوطن داخلي يصمد أمام الخراب والخذلان، ويشعل ناره كل صباح من غضب أنيق.
قرأت شهادتك عن مرحلة تشرفت بالعمل معك فيها، في مجلة “صامد الاقتصادي” ببيروت أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، ووجدت في مقالك الثري وصية جيل عربي كامل: عاش الحلم الكبير، ورافق طلائع النهضة، وأسس مؤسسات، ثم شهد ضيق الأوطان وتنكر البعض لذواتهم.
لكنك لم تفرط لا بالذاكرة، ولا بالحب، ولا بالإيمان بأن شيئا مما زرعتموه ذهب هباء.
في “السابع من تموزك” هذا، حضر بلال المؤذن، وحضرت فيروز، وحضر جورج حبش، وحضرت بيروت… وكأنك تقول لنا: حتى في الشيخوخة، هناك منارة، وهناك ما يروى، وهناك زرع نبت على قدر اليد والقلب، وإن خانته العواصم وبعض أهله.
دمت، يا سمير، ضميرا يكتب لا ليستعرض، بل ليعلم ويواصل إشعال النار في زمن البلادة.
دمت قلما عزيزا لا يتقاعد، ومنارة حرة،
وصوتا يجيد أن يقول: “أنا هنا… وسأوجل موتي قليلا”.
***
رد سمير أيوب
Ghania Malhees يا شبيهة الروح، يا ابنة حفظي ملحيس الرجل العصامي العظيم الذي اعتز باني التقيته ذات يوم في الاسكندرية، يا غانية رفيقة الهم والالم، الامل والعزم والعمل، فرحت والله كثيرا وكثيرا باطلالة قلمك وبوح روحك الموجوعة كروحي وأرواح الكثيرين الكثيرين مما مضوا، وممن ما زال لرصاصهم عبق وصوت وبوصلة تتجه باصرار صوب كل حبة تراب في فلسطيننا لا في فلسطين من هم في بالي وبالك وبال الاف الشرفاء الاحرار.
ملء القلب اشكرك. إطمئني يا غانية فالعهد هو العهد والوعد هو الوعد ما بقي فينا جهد. لن نمل ولن نكل ولن نضل، ولن نُضْلِل.
لِمَ نتجمل يا غانية؟!!! فأنت وأمثالك، ورفاقنا وأنا وجل شعبنا اجمل بكثير من واقع كل من خذل قطرة دم لشهيد سقط من اجل تحرير كل حبة تراب في فلسطيننا، اول قلاع الدفاع عن شرف الامة من المَيْ الى المَيْ.
متخمون بالغضب يا غانية ولكننا نصر على تفريغه في صدور عدونا المحتل، وكلابة الضالة. لن نقاتل المغضوب عليهم ولا الضالين منهم، ستدوسهم نعال الجبارين تلقائيا.
كم حلمنا معا يا غانية هناك في غابة البنادق في بيروت، مرورا ببيتك العامر بالقرب من محطة الدّنا والكثير من تضاريس صامد، كم انتشينا بشرر انتصارات تتراكم وتسمعنا شيئا من صدى اجراس العودة، وكم خابت امالنا حد البكاء والخوف والقلق. رغم ان بعضهم يا غانية يشنق البواريد ويجرد الرصاص، اطمئني فهناك من يتسللون من شقوق الارض، ما خانوا عهدا قطعوة، يقاتلون بشرف، ما تاه رميهم، ولا سقطت راياتهم ولا ضلت بوصلتهم.
إطمئني وعهد الله لن نرحل، باقون، ومن كل بيت وحارة وشارع آتون مع طيور الرعد. معا ومع كل الاحرار والشرفاء سنعبر الى فلسطيننا. معا يا غانية ان شاء الله. بمحبة واحترام اكرر شكري-
سمير ايوب
15/7/2024