رسائل الأدباء 13رسالة بين غانية ملحيس ود. عادل الأسطة

1- رسالة غانبة ملحيس الى عادل الأسطة


الصديق العزيز عادل،

قرأت خربشتك (669 )حول “مصافحة ويتكوف”، وهي خربشة تصف المشهد دون أن تصفعه.
المصافحة، حتى لو كانت تحت ضغط الجوع، ليست تفصيلا عابرا. إنها سقوط رمزي مدو. أن تمد الضحية يدها للجلاد، ولو بدافع الحياة، لا يجعل من المشهد أقل عنفا، ولا أقل خيانة لمعناه.
المرأة ليست مجرمة، نعم، لكن الحدث جريمة رمزية كاملة. والاحتلال يعرف تماما كيف يلتقط اللحظة التي تقتلنا مرتين:
مرة بالرصاص،
ومرة بالصورة.
في خربشتك، لم تقع في فخ الإدانة المباشرة، لكنّك آثرت الوقوف في المنطقة الرمادية، المتعبة والمربكة.
لم تكتب أن ويتكوف مبعوث الإبادة،ولم تقل إن المصافحة كانت مجزرة معنوية،ولم تصرخ في وجه المهزلة كما كان يتوقع .
ربما لأننا تعوّدنا على تقطيع المشهد الفلسطيني،بدل أن نعيد رسم لوحته كاملة:
لوحة نظام رسمي خان، وقيادة تواطأت،وناس دفعوا إلى الحضيض، حتى بدت مصافحة القتيل للقاتل خيارا .
هذه ليست “حالة تعبانة”، يا عادل، بل حالة ملوثة. الصورة فضيحة، لا مجرد “جدل حول الرمزية”. وحين نبدي تفهما مع لحظة كهذه، نكون قد خسرنا المعركة الرمزية قبل أن تبدأ.
في زمن تقنص فيه الطوابير كما تقنص الكرامة، لا يبقى أمام الكلمة إلا أن تكون طلقا مضادا.
دمت تكتب، حتى حيث المعنى يرتجف.

***

2- رسالة غانبة ملحيس الى عادل الأسطة


الأستاذ العزيز عادل

تدون شظايا ذاكرة ما قد يذوب في العتمة، وتمسك باللحظة كما هي: العيون شاخصة، القلوب عند الحناجر، والسؤال يطارد كل من بقي حيا في غزة: أين نذهب حين نذهب؟

لا تسجل فقط واقعا، بل تصرخ فينا جميعا : كيف نترك غزة لقدرها؟

فالبحر الذي كان وعدا بالانفتاح على العالم، لم يعد منفذا، بل صار جدارا مائيا آخر يحاصر الناجين، كما تحاصرهم الطائرات والركام. البحر نفسه يستعد ليكمل مهمة القصف، والمخيمات تغرق كما يغرق الضمير الإنساني.

وحين تستدعي يا عادل كافافي ودرويش، تتجاوز غزة حدود الجغرافيا: مدينة تعجز اللغة عن وصف حالها، وتستحضر ما علق في الذاكرة البشرية عن بطش البرابرة، لتقول للعالم إن ما تشهده غزة يفوق كل استعارة. فالبرابرة هنا لم يأتوا من خارج الأسوار، بل من كل الجهات. وهم ليسوا البرابرة كما عرفهم التاريخ، فأولئك كانوا ـ على وحشيتهم ـ أكثر وداعة وإنسانية من وحوش الصهاينة المنفلتين، الذين يقتلون بدم بارد، ويغطون جريمتهم بلغة حضارة مادية غربية عنصرية تتزيّا بوجه الحداثة. والنزوح لم يعد رحلة، بل سؤالا مستحيلا، حيث المتاهة بلا وجهة.

لم تعد غزة يا عادل استعارة للمأساة، بل صارت المعيار الذي يقاس به سقوط العالم. إنها اللحظة التي يمتحن فيها معنى الكلمة والشعر والثقافة أمام وحوش يتفوقون على كل ما عرفه التاريخ الإنساني المدون ، بينما الأخبار تتداول المذبحة ببرود القرن الحادي والعشرين وعقله الأداتي الممسوخ.

ما كتبته ليس وصفا لحال “تعبانة”، بل شهادة على لحظة أخطر من التعب: لحظة الامتحان الإنساني والأخلاقي الذي سقطنا فيه جميعا. وما تسجّله ليس يوميات عابرة، بل أرشيف للعار الإنساني، وللجرأة القليلة التي بقيت للكلمة.

فلتبق هذه الشهادة عصية على المحو، في زمن يصرّ فيه الأقوياء على طمس كل أثر. ولعلها تكون أحد الخيوط الأخيرة التي تمنع الإنسانية من الغرق الكامل.

دمت شاهدا صادقا، يكتب العطب الذي أصاب القلوب والعقول، قبل أن يبتلع الغياب ما تبقى من أصوات.

ولعل صوتك، وما تكتبه، يبقى واحدًا من هذه الأصوات النادرة التي تواجه المحو بالكتابة، وتقول للتاريخ: هنا كان دم، وهنا كانت لغة وذاكرة لم تستسلم.

***

3- رسالة غانبة ملحيس الى عادل الأسطة


" صباحك خير يا عادل في اليوم 694

الملثم الذي سخر منه البعض أمس يذكّرنا بالفارق بين فريقين:
فريق مهزوم يرى في إسرائيل والغرب قدرا لا فكاك منه، فيسلم به كما يسلّم بقوانين الطبيعة، وكأن الاحتلال قوة أبدية لا تتغير.
هؤلاء ينسون أن “القدر” في السياسة ليس كتابا مغلقا، بل منظومات بشرية قابلة للاهتزاز والانهيار.
في المقابل، ثمة فريق آخر يعي أن الإنسان صانع قدره، وأن التاريخ كتبه الفاعلون لا المستسلمون.
من وعي هذا المعنى قرأ كلام الملثم لا كخرافة، بل كإشارة إلى ما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تلتقي بالزمن المناسب.
الفارق بينهما ليس مجرد موقف نفسي، بل هو ما يصنع التاريخ نفسه:
المهزومون يكررون أن “إسرائيل قدر”، بينما المقاومون يثبتون أن القدر لا يكتب إلا بالفعل البشري.
وأن شعبا صغيرا صاحب حق محاصر ومجوع من عدوه يتواطأ عليه بعض أهله وذويه وكل طغاة العالم يدرك أن تفعيل إرادته لاستحقاق الحياة التي منحها الخالق لعباده بمقدار لا قبل لبشر بتقديم او تأخير موعد إنتهائها لحظة سيبقى عصيا على الفناء .
يبدو يا عادل أن غزة وحدها تعرف جنس المولود الذي تلده قبل بديع الزمان الهمذاني وقبل تقنيات عصر الحداثة المادية العنصرية.

***

4- رسالة عادل الأسطة لغانية ملحيس تعقيبا على مقال: من القربان إلى سبارتاكوس العصر


جميل . أتمنى أن تقرأي القصائد الثلاث لتري أن محمود درويش فيها يتبنى ما تتبنين . في أحمد الزعتر وفي مدبح الظل العالي ويركز على المقاومة .
" يا أيها الولد المسدس في دمي قاوم
إن التشابه للرمال وأنت للأزرق "
" حرية التكوين أنت
وخالق الطرقات أنت
وأنت عكس المرحلة "
" ما أكبر الفكرة
ما أصغر الدولة !"

***

5- رسالة غانية ملحيس لعادل الأسطة

شكرا جزيلا لك أستاذي على إشارتك القيّمة إلى توافق الرؤى حول المقاومة.
لم أنتقص من ذلك حين قلت إن الأدب يصف ويجسد، بل ربما وجب إضافة أنه يحفز أيضا. وفي هذا الإطار لا يغيب عن الذهن ما جسده محمود درويش في قصائده (أحمد الزعتر، مديح الظل العالي…) وكذلك سميح القاسم (تقدّموا، مرفوع القامة أمشي، أعلنها) وتوفيق زياد (بأسناني، هنا باقون) وغسان كنفاني (رجال في الشمس، ما تبقى لكم، عائد إلى حيفا، أم سعد) وصولا إلى أيقونة الكاريكاتير ناجي العلي وآخرين.

عندما ميزت بين وظيفة الأدب ووظيفة الفكر النقدي، فإن التمييز لا يطال الموقف بل الوظيفة:
فالأدب يوثّق ويصور ويحفّز على المقاومة. فيما مهمة المفكر والمثقف العضوي التقاط الدلالات السياسية والتاريخية من النصوص وتحويلها إلى رؤى تحررية وبرامج عمل. وهذا ما سعيت إليه بالإشارة إلى تكامل دور الأدب مع الفكر.
والتأكيد على أن الأدب يقوم بدوره، لكن المفكرين والمثقفين ما يزالون مقصرون .
وهذا ما دفعني للتساؤل عند تناولك لقصائد درويش التي تصف الفلسطيني كـ “قربان”، وفيما لو كان حيا هل سيكتب قصيدة رابعة مماثلة حول غزة اليوم باعتبارها قربانا.

وهو ما حفزني على طرح السؤال: لماذا يظل الفلسطيني، والعربي أيضا، قربانا منذ قرن وأكثر؟
وما هي الأسباب التي أبقته كذلك ؟

وقراءة طوفان الأقصى في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كحدث مفصلي حول غزة من ضحية وقربانا إلى سبارتاكوس العصر الجديد، فباتت رمزا عالميا للتمرد والحرية.
والتذكير، أيضا، بأن الإرادة الوطنية عند تفعيلها الصحيح يمكن أن تقف أمام أقوى القوى مهما كانت الظروف صعبة وقاسية.
خالص الشكر لتفاعلك الذي يثري ويضيف ويجعل النقاش أعمق

***

6- رسالة جوابية من غانية ملحيس

غانية ملحيس 21/9/2025

الأستاذ العزيز عادل الأسطة

قرأت مقالك " غزة 716 :
ما هي مهمة الكاتب الفلسطيني في هذه " المفرمة "؟ بتمعن ، ولفتني أنه في كل مرة يُطرق فيها الخزان، يُحاصر الطارق بدل أن يُوسَّع الثقب، وكأننا ارتضينا الموت صامتين.

استنتاجك حول خيارات الحسيني وكنفاني وحبيبي مهم، لكن ما أراه هو أن تجربتي الحسيني وحبيبي عشناهما بالفعل، فيما سؤال غسان بقي معلَّقًا لغياب قيادة وطنية مؤهلة تعرف كيف تدق على جدران الخزان بالشكل الصحيح. لقد ظللنا نراوح بين الهجرة والصمت، والطرق الخجول على الخزان منذ ثلاثينيات القرن الماضي وصولا إلى أوسلو وما تلاها، فكانت كل محاولة جادة تُجهض وتُحاصر.

حتى حين جرى الطرق الحقيقي على الخزان في “طوفان الأقصى”، كان الصدى مختلفًا؛ لأول مرة سُمع صوت الداخل وكُشف المجرم، فاستيقظ العالم على مظلومية شعب يُذبح منذ قرن. لكن بدل أن نوسع الثقب الذي أحدثه الطرق، انشغلنا بجلد من طرق عليه ومحاولة إسكاته لأنه “أخضر اللون”، وكأننا ارتضينا البقاء في الخزان حد الاختناق والموت البطيء بصمت.

وعليه، لم تعد مهمة الكاتب والمثقف اليوم يا عادل مقتصرة على التوثيق وفضح العدو وحماية الذاكرة وتثبيت الحق بالجلوس على “الخازوق” كما قال حبيبي، بل أصبحت أيضًا فضح الذات والتساؤل عن مدى إسهامنا نحن في ما وصلنا إليه، والدعوة إلى التوقف عن لوم الديك الذي صاح – حتى لو لم يكن لونه على هوانا – لأنه أيقظ العالم على صراخ من في الخزان.
وربما الأجدر أن نرد على سؤال من يلومك على عدم لوم “الديك الأخضر” بسؤال آخر: أين الأصفر والأحمر والأبيض؟ وهل حسموا خياراتهم فعلا، أم ارتضوا البقاء وحشر الشعب في الخزان حد الاختناق والموت بهدوء ، حتى بعد أن صحا العالم وبات ممكنا الخروج منه لو وعوا وأرادوا؟

دمت يقظا مثابرا على الطرق على الخزان

***

7- رسالة من عادل الأسطة الى غانيه ملحيس


تحياتي :
أريد أن أسأل سؤالا شخصيا :
كما عرفت من سيرتك أنك تسلمت منصبا في السلطة الفلسطينية وأنك عدت مع العائدين .
إن كان ما سبق صحيحا فلماذا لم تصمدي معنا تحت الاحتلال ؟
أرجو أن لا أكون مزعجا في سؤالي .
مما أخذ على كثيرين من مناضلي منظمة التحرير أنهم عادوا وسووا أوضاعهم وعادوا إلى المنفى ثانية وظلوا يكتبون بلغة ثورية مقاومة .
أليس البقاء في الوطن هو ضرب من المقاومة ؟
مع تحياتي لك .
عادل الأسطة 22/9/2025


///


8- رسالة رد من غانية ملحيس الى عادل الأسطة


الصديق العزيز عادل

لا تقلق، فسؤالك لم يزعجني إطلاقا. سيرتي الذاتية متاحة على موقعي الإلكتروني، ولغتي “الثورية” لم تتغير منذ وعيت الدنيا، فقدر الفلسطيني منذ أكثر من قرن أن يولد منخرطا في السياسة. وقد ازداد هذا القدر وضوحا بالنسبة لي، إذ وُلدت بعد ثلاث سنوات فقط من النكبة الفلسطينية.
غادرت فلسطين للمرة الأولى بعد إنهائي الثانوية العامة للدراسة، ولم أتمكن من العودة إلا بعد 29 عامًا. وعندما تسنّت لي العودة بعد اتفاق أوسلو، عدت مع العائدين وشاركت في تأسيس وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في السلطة الفلسطينية، وتوليت عام 1995 منصب وكيل مساعد للشؤون الاقتصادية لتسعة أشهر فقط. استقلت سريعا بعدما تبيّن لي انسداد أفق تحوّل الحكم الذاتي المؤقت إلى دولة، ليس فقط بسبب قيود اتفاق أوسلو، بل أساسًا لغياب الفهم لدى أصحاب القرار لطبيعة المرحلة الانتقالية ولمتطلبات إدارتها، خصوصا في المجال الاقتصادي، للتأسيس للاستقلال.

كنت أرى أن الانغماس في تثبيت مظاهر الحكم جاء على حساب توفير مقومات الاستقلال، وفي مقدمتها العمل على فك الارتهان الاقتصادي والمعيشي لإسرائيل، التي نريد الانفصال عنها سياسيا. لذلك قررت الاستقالة، لانعدام قدرتي على التأثير في ظل التيار الجارف الذي فرضته ديناميكيات جديدة ربطت بين الإثراء الفردي والإفقار الوطني. حاولت لاحقا التأثير عبر دعم فني لمساعدة المجلس التشريعي في الرقابة على السلطة التنفيذية، لكن تبين تعذّر ذلك أيضا. ثم انشغلت بإدارة معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني/ماس بين 1998 و2004، حيث عملت مع فريق وطني من الباحثين على إعداد تقارير ودراسات علمية تحذّر من مخاطر السياسات الاقتصادية المنتهجة، التي تعمّق الارتهان والتبعية الاقتصادية والمعيشية لإسرائيل، بما يتناقض مع الهدف السياسي المعلن بالاستقلال. فالسياسة، كما تعلم يا صديقي، ليست سوى “اقتصاد مكثّف”.

أما سبب انتقالي لاحقا إلى الخارج فكان مرتبطا بنقل زوجي إلى عمّان. وأنت بالتأكيد توافقني أن مكان الزوجة إلى جانب أسرتها. لم أغادر فلسطين هروبا أو تخليا وواصلت لغتي الثورية، حيثما عشت. مقالاتي منشورة على موقعي الإلكتروني، وجمعت جانبًا منها في كتاب هموم فلسطينية، فضلًا عن مساهماتي في تقديم دراسات معهد “ماس”، وكلها متاحة للاطلاع العام.

آمل أن أكون قد أجبت بذلك على استفسارك المشروع حول سبب وجودي خارج الوطن، وهو أمر لا علاقة له بجدلية “الصمود” في الداخل. فالسبعة ملايين فلسطيني المقيمين في الشتات وطنيون ملتزمون بالنضال من مواقعهم المختلفة من أجل بلوغ الحرية.

مودتي واحترامي
غانية ملحيس 22/9/2025


***


9- رسالة من غانية ملحيس للدكتور عادل الأسطة


الصديق العزيز عادل

ما تثيره خربشتك اليوم غزة 742 عن أسعار الذهب، والحرب، وحكايات الناس في غزة، لا يقف عند حدود المعاش اليومي أو انهيار القيمة النقدية، بل يكشف عن الشرخ العميق الذي أحدثه عصر الحداثة المادية في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فمنذ أن تسيدت المادة على الروح، وتحوّل الوعي الإنساني إلى وعي حسابي، صار الإنسان يلهث خلف الغرائز والحاجات، ويقيس وجوده بمقدار ما يملك لا بمقدار ما يكون.
إن ما يحدث اليوم في غزة ليس مأساة بشرية فحسب، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومة القيم التي صاغتها الحداثة الغربية، تلك التي اختزلت الإنسان إلى مستهلكٍ قلق، يخاف على ماله أكثر مما يخاف على معنى حياته.
وربما تكون حرب غزة –بما فجّرته من أسئلة الوجود، وبما كشفت عنه من صلابة الروح أمام جفاف المادة- هي الحدث الأخطر على النظام العالمي المادي، لأنها تفتح الوعي الإنساني على سؤال المعنى:
ما قيمة الذهب إن مات الجائع؟
وما جدوى البورصات إن فقد الإنسان إنسانيته؟
إن غزة، وسط ركامها، تعيد تعريف الثروة، وتذكر العالم بأن الروح لا تهزم، حتى حين يُقصف الجسد. ولهذا يستنفر نظام الحداثة المادية كل قواه لإبادة غزة حربا أم سلما .
غانية ملحيس
17/10/2025


***

10- رسالة من غانية ملحيس للدكتور عادل الأسطة

الصديق العزيز عادل

ما تثيره خربشتك اليوم غزة 742 عن أسعار الذهب، والحرب، وحكايات الناس في غزة، لا يقف عند حدود المعاش اليومي أو انهيار القيمة النقدية، بل يكشف عن الشرخ العميق الذي أحدثه عصر الحداثة المادية في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. فمنذ أن تسيدت المادة على الروح، وتحوّل الوعي الإنساني إلى وعي حسابي، صار الإنسان يلهث خلف الغرائز والحاجات، ويقيس وجوده بمقدار ما يملك لا بمقدار ما يكون.
إن ما يحدث اليوم في غزة ليس مأساة بشرية فحسب، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومة القيم التي صاغتها الحداثة الغربية، تلك التي اختزلت الإنسان إلى مستهلكٍ قلق، يخاف على ماله أكثر مما يخاف على معنى حياته.
وربما تكون حرب غزة –بما فجّرته من أسئلة الوجود، وبما كشفت عنه من صلابة الروح أمام جفاف المادة- هي الحدث الأخطر على النظام العالمي المادي، لأنها تفتح الوعي الإنساني على سؤال المعنى:
ما قيمة الذهب إن مات الجائع؟
وما جدوى البورصات إن فقد الإنسان إنسانيته؟
إن غزة، وسط ركامها، تعيد تعريف الثروة، وتذكر العالم بأن الروح لا تهزم، حتى حين يُقصف الجسد. ولهذا يستنفر نظام الحداثة المادية كل قواه لإبادة غزة حربا أم سلما .
غانية ملحيس
17/10/2025


***

11- رسالة من غانية ملحيس الى د. عادل الأسطة

الصديق العزيز عادل ما تثيره خربشتك اليوم غزة 742 عن أسعار الذهب، والحرب، وحكايات الناس في غزة، لا يقف عند حدود المعاش اليومي أو انهيار القيمة النقدية، بل يكشف عن الشرخ العميق الذي أحدثه عصر الحداثة المادية في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم...


12- رسالة من غانية ملحيس إلى عادل الأسطة

الصديق العزيز عادل

تابعتُ انشغالك في الآونة الأخيرة بالذكاء الاصطناعي، وقرأتُ مقالك الأخير بشغف لا يقل عن فضولك الذي دفعك إلى محاورته.
ولعل أجمل ما فيه أنه لا يُعنى بالسؤال التقني حول كفاءة البرنامج، بقدر ما يفتح سؤالا فلسفيا عميقا حول ماهية النقد ذاته:
هل هو معرفة يمكن “محاكاتها”، أم وعي لا يستنسخ؟
أنت في هذا المقال تمارس نقدا مزدوجا دون أن تعلن:
• نقدا للآلة في ادعائها امتلاك الذكاء والفهم،
• ونقدا للناقد البشري في هشاشته أمام سرعة الذكاء الصناعي ودقته الشكلية.
لقد بدا لي مقالك أقرب إلى تجربة فكرية منه إلى مقال عابر، لأنك لا تكتفي بتوصيف “الذكاء الاصطناعي” كأداة تعتمد على ما نزودها به،
بل تفكك علاقته بالذات الكاتبة والناقدة - أي بذاتك أنت، التي تتحول إلى مختبر للوعي النقدي الإنساني في زمن التقنية.
وأظنك تدرك أنك بهذا المقال لا تدافع عن موقعك كناقد، بل تعيد تعريف وظيفة النقد في زمن تتسارع فيه أدوات إنتاج المعنى أكثر من تأمل جوهر المعنى ذاته.
إن قولك: “أنا الصوت وهو صداه” يلخص لحظة الوعي الجديدة التي نعيشها،
فالنقد لم يعد مواجهة بين النص والناقد، بل بين الإنسان وصورته المعرفية المؤتمتة.
ولذلك أجد في مقالك مشروع كتاب بالفعل - ليس بالمعنى التقليدي للتجميع والنشر، بل بالمعنى الأعمق:
كتاب في جدل النقد والوعي والآلة.
فما كتبته ليس “خربشة” كما تواضعتَ في الختام، بل مقدمة فكرية لمرحلة نقدية جديدة، يتجاور فيها الناقد والذكاء الاصطناعي في مساحة تأمل مشترك حول معنى أن نفكر، وأن نكتب، وأن نفهم.
دمت تثير فينا التفكر والتأمل.

غانية ملحيس
24/10/2025


***

13- رسالة من غانية ملحيس إلى عادل الأسطة

‎الصديق العزيز عادل الأسطة

‎قرأت خربشتك الأخيرة "ما يجب على الناقد فعله" بتأمل، وأتفق معك في توصيفك لحساسية العلاقة بين الكاتب والناقد، غير أنني أرى أن وظيفة النقد تتجاوز البعد الشخصي والعاطفي إلى أفق معرفي وتنويري. فالنقد، في جوهره، ليس خصومة ولا مجاملة، بل فعل تفكير يسعى إلى الارتقاء بالوعي وبالفكر الإبداعي معًا.
‎إن الالتزام بأدب النقد لا يعني أن يستأذن الناقد الكاتب أو ذويه فيما يكتب، بل أن يلتزم بالموضوعية واحترام النص قبل صاحبه، مبتعدا عن المديح السهل كما عن التجريح الشخصي.
‎فحين يُشترط رضا الكاتب على النقد، يفقد النقد مصداقيته ودوره في إعمال العقل وتوليد الأسئلة.
‎فالنقد الموضوعي، سواء أكان اتفاقا لترسيخ فكرة أم اختلافا لدحضها وتوضيح منطلقاتها، هو شرط من شروط التقدّم الفكري والثقافي.
‎أما خشية “إفساد الود” فليست مبررا كافيا لاشتراط موافقة ذوي العلاقة، لما في ذلك من تقييد للعقل النقدي؛ لأن الإبداع الحقيقي لا يخشى النقد، بل يتحاور معه ويتغذّى منه.
‎مع خالص التقدير لك، ولجهدك الدائم في تحريك الأسئلة وإثراء النقاش الثقافي.
غانية ملحيس 6/11/2025

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...