رسائل الأدباء 28 رسالة بين غانية ملحيس وخالد عطية

1- رسالة غانية مىحيس


الصديق العزيز خالد،

قرأت مقالك “في حضرة الدم والمحو” كما يدخل المرء إلى حقل ألغام محفوف بالدم والسؤال، فوجدت فيه ما يتجاوز العبور السياسي السريع إلى ما يشبه البيان الغاضب، العميق، والصادق، المحرّض على الفعل المؤثر.
مقالك لا يصف ما جرى ويجري، بل يفككه، ويفضح منطقه، ويعيد ترتيبه داخل بنية استعمارية ما تزال فاعلة، حتى في أكثر لحظاتها همجية.

ثمّة ثقل فكري وأخلاقي كبير في:
• ربطك الدقيق بين الإبادة الجارية ومشروع المحو الشامل للوجود الفلسطيني، حيث لا يراد له أن يباد جسدا فقط، بل أن يعاد تشكيله ليغدو طيعا، ممتثلا لشروط المستعمِر، حتى يسمح له بأن “يعيش” – وغالبا خارج وطنه.
• توصيفك العميق لمفهوم “الواقعية السياسية” كما تتبناه السلطة والنخب المدجنة، باعتباره تواطؤا ناعما مع الهزيمة.
• فضحك لآليات الإغاثة العربية والدولية التي تحولت إلى أدوات ضبط وتحكم وإخضاع، لا دعم وتمكين.
• كلماتك المشتبكة مع الواقع، التي تحوّلت إلى نداء وجودي حاد، يستنطق لحظة لم تعد الكلمات قادرة على احتوائها.
ومع ذلك، ومن موقع الحرص لا الخلاف، أجد ضرورة لاستكمال التشخيص الفذ باجتياز لحظة الاختبار الوجودي، والإجابة على التساؤل الذي لا نزال عالقين فيه: “فهل نستجيب؟”.
والأهم: من يملك حق تعريف فلسطين؟
من يقرر أولوياتها؟

فقط من خلال هذه الإجابات، يمكن تحديد من يمثل فلسطين فعلا، ومن هو مؤهل لحمل عبء المشروع الوطني التحرري، وقيادة مؤسساته الشرعية، ومن يحق له أن يحكم غزة أو أي أرض فلسطينية محررة، في إطار مشروع تحرير شامل، لا إدارة أزمة.
لقد أصبت حين قلت إن الذات الفلسطينية ليست كتلة صماء. وأضيف، أنها لا تقتصر على سلطة ونخبة. بل تشمل، إلى جانب الغزيين:
• الشتات الفلسطيني الفاعل، الذي يشعل الحراكات الشعبية حول العالم.
• الآلاف من ذوي الشهداء والجرحى والأسرى وعائلاتهم، الذين يساومون يوميا على حقوقهم.
• الأسرى في سجون العدو، الذين يقاومون بلا ضوء ولا صوت.
• الفاعلين الجدد في القدس، وفي القرى والمخيمات والمدن المهددة يوميا في الضفة، في ظل قوى أمن تعتنق عقيدة دايتون، وتحصر مهمتها في قمع المقاومة لا رد العدوان.
• فلسطينيي الداخل (1948)، الذين وضعوا رسميا خارج “القومية اليهودية” منذ 2018، وصاروا في صلب الاستهداف.
• وفوق كل ذلك: المهمشون، الذين يشكلون الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني: من الفلاحين والعمال والحرفيين والطلبة، إلى موظفي السلطة الذين أقصوا من القرار، فيما تنشغل القيادات والنخب بوراثة الدور الوظيفي المفروض خارجيا.

هؤلاء جميعا، لا يملكون الحق فقط، بل القدرة على الإجابة على سؤالك: هل نستجيب؟
ومهمتنا نحن - كمثقفين، ومفكرين، وساعين للتغيير - أن نصغي جيدا، وأن نبلور ملامح التغيير المستحق ، وشروطه، وروافعه، وأدواته.
مقالك يا خالد ليس مجرد رأي، بل صرخة وعي في زمن بلادة الكلمات، ومساهمة لا يجوز أن تقرأ بوصفها رأيا، بل كجزء من محاولة جادة لاستعادة المعنى والكرامة من بين الركام.
دمت بهذا الوعي المقاوم، وبهذه الكتابة التي لا تصف الواقع، بل تشقه، وتكشف حقيقته.
مودتي واحترامي،



///


2- رد خالد عطية


العزيزة د. غانية،
حين تصل القراءة إلى هذا الحد من التورط الأخلاقي والوعي النقدي، لا تعود مجرد تفاعل مع مقال، بل تتحول إلى نصٍّ موازٍ يفتح أفقًا أبعد مما ظنّ الكاتب أنه قال.
قرأت ردّك كمن يُعاد تعريفه بنصّه، إذ أعدتِ ترتيبه لا بوصفه منتجًا مكتملًا، بل باعتباره لحظة متوترة في سؤال الكينونة الفلسطينية، قيد التشكل، قيد الانفجار. وهذا بالضبط ما أبحث عنه: الكتابة لا بوصفها خاتمةً بل بوصفها اشتقاقًا مستمرًا من جذر الجرح، ومقاومة للسكينة المزوّرة التي تفرضها البلاغة الجاهزة.
توقفت كثيرًا عند إضافتك اللافتة: أن الذات الفلسطينية ليست فقط متشظية، بل مهمّشة داخل ذاتها، ومُختزَلة عبر من ينطق باسمها دون شرعية فعلية، في حين أن قاعدتها الفعلية – أولئك المهمّشون الذين حملوا الكلفة بلا سلطة – ما يزالون خارج المعادلة التمثيلية. وهنا تكمن المفارقة التي تشل المشروع الوطني: أن السلطة تنطق باسم مَن لا تُنصت إليهم، وتقرر مصير من لا تُراهم.
كلامك عن ضرورة “اجتياز لحظة الاختبار الوجودي” لا يُقارب فحسب سؤال الفعل، بل يضعنا أمام تحدٍ فكري: كيف نعيد بناء المفهوم نفسه؟ فلسطين ليست جغرافيا فقط، ولا “شعبًا” مُعرَّفًا بحصر الإرث، بل سؤال تحرر مفتوح لا يُقفل إلا إذا قبلنا بإعادة هندسته وفق شروط الغالب.
نعم، كما قلتِ: لا يكفي أن نسأل “من يحق له أن يحكم؟” بل “من يملك مشروعية المعنى؟”
ولأن المشروع التحرري ليس ملكًا لفئة ولا لسلطة، فإن استعادته تتطلب كسر بنية التمثيل المُعلَّبة، لا عبر مزاودات بل عبر تفكيك صادق للمنظومة التي جعلت من المقاومة حدثًا، لا بنية، ومن الشعب مادة للمناورة لا شريكًا في القرار.
في نصكِ المضيء، لم تكن الإضافة توسيعًا للنص، بل تعرية لما سكت عنه أو مرّ عليه سريعًا. أنت لم تجيبي فقط على “هل نستجيب؟”، بل وضعتِ يدك على الشروط الأولية للاستجابة: إعادة تعريف من هو “نحن”، ومَن يُحق له أن يتكلم باسم “فلسطين”، لا كرمز بل كمشروع.
وهو بالضبط ما يحتاجه النص: أن تُستكمل صرخته بنَفَس جماعي واعٍ، يحوّل الغضب إلى رؤية، والألم إلى مساءلة، والكتابة إلى لحظة فعل حقيقية.
أشكر لك هذا الانخراط العالي، وهذه المساهمة التي لا تقل أهمية عن النص نفسه، بل تمنحه امتداده الأعمق.
دمتِ شريكة الكلمة و المعنى



***

3-- رساىة غانية ملحؤس


عزيزي خالد،
مقالك الثري فكرا ولغة يعيد تعريف الفعل الوطني من خلال الصمود اليومي والبقاء في غزة، وهو تصوير نادر وحقيقي لما يصنعه الشعب الفلسطيني من مقاومة وجودية.
لفتتني الطريقة التي جمعت فيها الواقع المرير مع الأمل والإبداع الشعبي، ما يشعر القارئ بأنه حاضر وسط هذا الفعل الوطني الصامت، وهذا بحد ذاته إضافة نوعية لخطاب المقاومة والفعل السياسي.
كما يفتح المقال نافذة واسعة للحوار حول كيفية تحويل هذا الصمود اليومي إلى قوة منظمة وقابلة للاستدامة، بعيدا عن مجرد النجاة أو التفاعل الفردي. ويحفز على التفكير في سبل ومستلزمات تحويل المبادرات الفردية إلى شبكات محلية، وتعزيز التنسيق الشعبي، وإيجاد أدوات تحول البقاء والمبادرات اليومية إلى مشروع جماعي يربط بين العمل الإنساني والثقافة والتعبير السياسي والبناء المؤسسي.
شكرا لك على هذا المقال الذي لا يكتفي بتوثيق الواقع، بل يؤسس لنقاش أوسع حول تطوير الصمود الشعبي إلى فعل جماعي مستدام. آمل أن تتواصل المناقشات حول هذا الأفق الجديد، وأن يتحول الوصف الملهم إلى مشروع وطني تحرري شامل يمكن البناء عليه.

دام حضورك الواعي والمؤثر
غانية ملحيس

///


4- رد خالد عطية


الدكتورة الغالية غانية،
أشكر لك هذا التعقيب الثري الذي يفتح أفقًا أبعد مما سعى المقال إلى رسمه. قراءتك العميقة تضيف بعدًا نوعيًا للنقاش، إذ تلتقطين جوهر الفعل اليومي لا كتوثيق للمعاناة فقط، بل كبذرة قابلة لأن تُبنى عليها بنية سياسية واجتماعية أكثر صلابة واستدامة.
ما تفضلتِ به من ربط بين المبادرات الفردية والشبكات المحلية، وبين البقاء الإنساني والمشروع الوطني، هو في الحقيقة التحدي الأكبر أمامنا جميعًا: كيف نحمي هذا الصمود من التبديد، وكيف نحوله من فعل ضرورة إلى فعلٍ منظمٍ يفتح أفق التحرر.
وجودك الملهم في ساحة الفكر والنقاش، ومداخلاتك التي تمنح المعنى أفقًا أرحب، تبقى دائمًا إضافة لا غنى عنها، ليس لي فحسب، بل لكل حوار يسعى لأن يكون منتجًا ومؤسسًا لمسار تحرري جامع.
دمتِ شريكة الفكر والمعنى، وحاضرةً بوعي يُثري النقاش ويضيء الطريق .

خالد عطية



***


5- رسالة خالد عطية


الدكتورة الغالية غانية،
ما خطه قلمك في هذا المقال ليس مجرد قراءة أو تعليق، بل هو بناء فكري متماسك يلتقط جوهر اللحظة التاريخية ويضعها في سياقها الكوني الممتد لخمسة قرون من الاستعمار والهيمنة. لقد أعدتِ وصل الأدب بالتاريخ، وربطتِ صورة القربان التي جسّدها درويش بسبارتاكوس العصر، أي غزة التي كسرت الحلقة التقليدية للضحية وحوّلت نفسها إلى رمز عالمي للتمرد والحرية.
قوة نصك تكمن في شجاعته: لم تكتفي بتوصيف المأساة، بل وضعت إصبعك على الجرح العميق، وهو مأساة النخب التي بدّلت الأهداف تحت الضغط، وأضاعت تراكم النضال في تسويات ناقصة واستسلام مقنع. كما منحتِ القارئ البوصلة الأهم: الثبات على الهدف، وتوريثه للأجيال، مع تطوير الاستراتيجيات والوسائل دون المساس بجوهر الحقوق.
لقد نقلتِ النقاش من حدود اللحظة إلى أفق التاريخ، ومن حدود الجغرافيا إلى معركة الإنسانية جمعاء ضد عقل استعماري لا يتراجع إلا تحت وطأة المقاومة. وهنا تكمن عظمة ما كتبتِ: أنك جعلتِ غزة ليست مجرد “قربان”، ولا مجرد “حدث”، بل نقطة تحوّل تعيد صياغة علاقة الشعوب بالحرية، وتضع المثقف أمام مسؤوليته الكبرى: تحويل الكلمة إلى وعي، والوعي إلى مشروع تحرري مستدام.
أحييك على نصّ لا يهادن، يشحذ الهمم، ويصوغ الأمل من قلب العدم. لقد منحتِ القلم دوره الحقيقي: أن يكون مقاومة فكرية تُوازي الفعل على الأرض.

خالد عطية
025


///


6- رد غانية ملحيس


الصديق العزيز خالد
خالص الشكر على هذا التعليق العميق الذي التقط بروح ناقدة جوهر ما حاولت الإشارة إليه في المقال. إن قراءتك الثاقبة ، وربطك بين البعد الأدبي والتاريخي، وبين مأساة النخب وانبعاث غزة كرمز عالمي للحرية، لا تعكس فقط تفاعلك مع الفكرة، بل أيضا قدرتك على إعادة إنتاجها بلغة مكثفة تغني المعنى وتفتح أفقا إضافيا للتفكير.
ما كتبته يؤكد أن المقال حين يجد قارئا مثلك يتحول من مجرد كلمات إلى حوار حي، يضاعف أثره ويثبت أن المقاومة الفكرية لا تقل شأنا عن المقاومة الميدانية. أسعدني أن المقال حمل إليك هذه الرؤية، وأسعدتني أكثر إضافتك التي عمقت المعنى وربطت القلم بمسؤوليته الكبرى: تحويل الوعي إلى مشروع تحرري متجدد.
ممتنة لقراءتك المضيئة، ولروحك التي التقطت المعنى في أبعاده الإنسانية والتاريخية.

غانية ملحيس
1/9/2025


///

7- رسالة منةغانية ملحيس


خالد العزيز … شريك الألم والأمل

قرأت مقالك الذي أحيا الذاكرة الفلسطينية وهي تنزف من جديد. لقد منحت غزة الحبيبة في كلماتك معنى أبعد من الموت والحصار والدمار. لم تعد غزة مجرد ضحية، بل تحولت إلى “ذاكرة تنهض من الرماد”، إلى شهادة متجددة بأن هذا الشعب لا يشيخ في مقاومته ولا يشيخ في حبه لوطنه.

قوة مقالك أنه لم يقع في فخ الرثاء أو النواح، بل أعاد صوغ الألم كدعوة للعمل. حين تقول إن دمنا ليس موتا بل حبرا يكتب ملحمة الحرية، فأنت تضع أمامنا مسؤولية تحويل الشهادة إلى مشروع، والذاكرة إلى برنامج، والصرخة إلى بناء سياسي وفكري وشعبي يليق بتضحيات غزة.

وهنا تكمن الأسئلة الجوهرية التي تستدعي توسيع دائرة الحوار للإجابة:
كيف يمكننا، نحن جميعا، أن نخطو من اللغة إلى الفعل؟
كيف نحول هذه الروح التي أشعلتها كلماتك إلى رؤية مشتركة، إلى برنامج وطني جامع، حتى لا تبقى الذاكرة وقودا يتجدد دون أن يراكم انتصارات؟
فهل نمتلك اليوم الإرادة والأدوات لبناء هذا الطريق؟
أم سنبقى أسرى نراوح بين الذاكرة التي توحدنا والواقع الذي يفتتنا؟

إن ما ينهض من الرماد لا يجوز أن يترك للريح وحدها، بل يحتاج إلى:
- أيد تجمعه،
- وعقول تخطط،
- وقلوب تصر على أن الحرية ليست حلما بل طريقا نسير فيه مهما طال الزمن.

دمت وفيا لذاكرة شعبك، ومخلصا للحبر الذي يكتب بدمه.
غانية ملحيس
2/9/2025


***


8- رسالتان بين غانية ملحيس وخالد عطية


‎شريك الألم والأمل خالد
‎قراءتي لمقالك عن غزة جعلتني أمام تجربة وجودية لا تنسى. فهو ليس مجرد وصف لمأساة المركز الفلسطيني الأهم والأكثر حضورا ماضيا وحاضرا وهو يمحى أمام أعيننا وأعين العالم. بل كما وصفته بدقة مرآة للعالم المكسور، وكأن غزة تحمل في تفاصيلها الصغيرة كل اختلالات العدالة الإنسانية الكبرى. لم تكتف بسرد الألم، بل جعلتنا نراه ونستشعره وندرك تجاوز قدرة البشر على الاحتمال، عبر دماء الأطفال، خوف الأمهات، وإصرار الأحياء على الحياة رغم الخراب.
‎تفردت بين الكتاب في الجمع بين العاطفة والوعي الفكري، بين وجع الفرد ومساءلة الذات والعالم. كل صورة في المقال، من ركام المنازل إلى ضحكات الأطفال بين الأنقاض، كانت تضع أمامنا سؤالًا فلسفيًا عميقًا حول معنى الوجود في هذا الزمن المظلم : هل يستطيع العالم أن يرى، ويعترف، ويتحرك؟ وهل الإنسان قادر على الالتزام بقيم العدالة والكرامة، أم أن الصمت أصبح أكثرها أدوات الإبادة فتكا؟
‎غزة في مقالك معلم أخلاقي وفكري: تحد للسياسات الصامتة الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية، واختبار أخير لإنسانيتنا جميعا، ودعوة لكل من يرى ويريد أن يفهم أن القوة لا تعني الحق، وأن الصمود في مواجهة الظلم ليس مجرد فعل جسدي. قوة المقال في تحويل الألم الفردي إلى سؤال أخلاقي شامل عن العالم، والإنسانية، ومعنى ومبرر الوجود.
‎لقد نقلت لنا المدينة يا خالد ليس كما هي فقط، بل كما يجب أن ترى: مرآة لكل وجع، ولكل أمل، ودعوة مستمرة لكل من يرى، ويتحمل مسؤولية الإنسانية، ويختار أن يكون جزءا من الحل.
‎دمت مبشرًا بتفوق قوة الحق على حق القوة مهما طغى أصحابها.
غانية ملحيس 19/9/2025


///

9


‎الدكتورة العزيزة غانية،

‎أشكركِ من أعماق القلب على هذه القراءة العميقة والمضيئة، التي منحت مقالي بعدًا جديدًا، ربما لم أكن أراه بهذا الوضوح قبل كلماتك. لقد لامستِ بروحكِ النبيلة جوهر ما حاولت التعبير عنه: أن غزة ليست فقط قضية، بل معيار لقياس إنسانيتنا، ومرآة لوجه العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
‎كلماتك لم تكن مجرد تعليق، بل شهادة فكرية وأخلاقية توازي المقال في عمقها وتأثيرها. لقد عبرتِ بصدق عن ذلك التوتر المؤلم بين الإحساس بالعجز والإصرار على الأمل، بين الخراب الخارجي والتمسك الداخلي بالكرامة. وقراءتك للمقال كـ”تجربة وجودية” أضاءت ما كنت أحاول كتابته لا كتحليل سياسي، بل كصرخة في وجه التبلد الإنساني، وفعل مقاومة بالكلمة، وبالرؤية، وبالموقف.
‎نعم، كما قلتِ، الصمت لم يعد مجرد موقف، بل أداة إبادة. والتعبير لم يعد ترفًا، بل مسؤولية، لا سيما في زمن تتكلم فيه القوة وتُصمّ فيه آذان العالم عن صوت الحق. وغزة، كما وصفتِ، لم تعد مجرد مكان، بل معلم أخلاقي، ومنارة تُعرّي ما تبقى من ادعاءات العدالة والضمير.
‎دمتِ شاهدة على الحقيقة، وصوتًا يكتب من ضمير لا يزال حيًا، ويقاوم بحبره ما يحاول القتلة محوه بالنار.
خالد عطية
19/9/2025


***

10- رسالة غانية ملحيس إلى خالد عطية

شكرا جزيلا لك يا خالد على ملاحظاتك العميقة التي أثرت المقال ووسّعت أفق قراءته نحو البنية العالمية التي تُنتج الفساد وتعيد تدويره في سياق الهيمنة الرأسمالية وتقسيم العمل الدولي.
واتفق معك تماما بما أشرت اليه حول الترابط العضوي بين الفساد المحلي ومنظومة التبعية البنيوية لنظام الحداثة الغربي المادي العنصري،
الذي يرتكز على الرأسمالية الاستغلالية،ويتفاقم تاثيره في عصر النيوليبرالية المتوحشة.
ما يجعل محاربة الفساد جزءًا أصيلا من الصراع مع المنظومة الفاسدة التي يرتكز عليها النظام النيوليبرالي المهيمن .
ومع ذلك، وبالنظر إلى أننا بصدد التركيز على الفساد في فلسطين وبلادنا العربية ، فقد تم التأكيد في خاتمة المقال على أن “هزيمة الفساد لا يمكن أن تتم إلا في إطار مشروع نهضوي تحرّري شامل، يبدأ بتحرير اللغة والخطاب أولاً”. ولم يكن ذلك انعزالاً عن هذا السياق، بل إيماناً بأن أي مواجهة للبنية المهيمنة – سواء كانت داخلية أم خارجية – تبدأ من تحرير الوعي. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي الوعاء الذي يتشكل فيه الفكر والخيال والقدرة على الفعل. ومن دون تفكيك القوالب الخطابية التي صاغتها قوى الهيمنة لتطبيع التبعية، سيبقى وعينا أسيرا لقاموسٍ ليس من إنتاجنا.
إن تحرير اللغة هو الخطوة الأولى لتحرير الوعي، ومن ثمّ لإعادة موضعة الذات العربية في مواجهة منظومة السيطرة بكل مستوياتها: الاقتصادية، والسياسية، والمعرفية. لذلك أرى أن ملاحظتك القيمة لا تتعارض مع ما تم طرحه، بل تكمله وتعمقه، إذ أن تفكيك التبعية البنيوية لا يمكن أن ينجح إلا إذا انبثق من وعي تحرر لغته أولا، واستعاد قدرته على تسمية الأشياء بأسمائها من موقع الفاعل وليس المفعول به.

غانية ملحيس


***

11-- رسالتان بين غانية ملحيس وخالد عطية


- رسائة غانية ملحيس الى خالد عطية



خالد العزيز
مقالك العميق «الحرب التي غيّرت العالم ولم تغيّرنا» قراءة فكرية متميزة للحرب على غزة، ليس باعتبارها حدثا سياسيا عابرا، بل كلحظة كاشفة للبنية الأخلاقية والسياسية للعالم، ولواقعنا الفلسطيني والعربي في آن واحد.
أقدّر عاليا قدرتك على المزاوجة بين التحليل السياسي والبعد الرمزي-الفلسفي، وعلى تحويل المأساة إلى سؤال في الوعي لا مجرد واقعة في التاريخ.
لفتني وضوحك في نقد الواقع الفلسطيني والعربي دون انزلاق إلى خطاب التبرير أو الإدانة المجانية.
مقالك يترك القارئ في لحظة تأمل مفتوحة، ويعيد طرح أسئلة جوهرية :
- كيف يمكن بناء وعي فلسطيني وعربي جديد يرقى إلى مستوى تضحيات غزة؟
- ولماذا يتخلّف وعينا ولا يواكب التحوّل العميق في الوعي العالمي؟
لقد دفعتني قراءتك للتأمل في الفارق بين التأثير الكبير لحرب الإبادة والصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية على الوعي العالمي، وبين ضعف تأثيرها علينا نحن - الفلسطينيين والعرب - رغم أننا الضحايا المباشرون. فبينما حرّكت هذه الحرب ضمائر الملايين في العالم، ظلّ فعلنا الشعبي والسياسي باهتا، محصورا في الغضب والتعاطف، دون أن يتحوّل إلى قوة تغيير فاعلة.
- ما الفارق بين شعوبنا وشعوب العالم الحرّة؟
في تقديري، الجواب يكمن في الأعطاب البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتنظيمية والقانونية التي تشلّ قدراتنا، وتجعل وعينا أسيرا لبنى التبعية القديمة والجديدة. فما لم نواجه هذه الأعطاب برؤى نهضوية تحررية حقيقية، سيبقى التغيير متعذرا .
فالوعي لا ينمو إلا بالانعتاق من الاستلاب الفكري والثقافي الذي يعيد إنتاج التبعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. علينا أن نستعيد الترابط الطبيعي بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع والوطن، بعد أن استُبدل هذا الترابط في الحقبة الاستعمارية بعلاقة عكسية تخدم الهيمنة وتؤبّدها حتى بغياب المستعمِر المباشر.
المشكلة أعمق من أن تُختزل في اللوم أو الاتهام بالتقصير أو التواطؤ.
إنها مسألة بنية وهيمنة وآليات عمل تحتاج إلى فكر تحرري يبحث في كيفية تشكّل منظومة التبعية، وآليات تفكيكها، وسبل ووسائل إعادة تركيبها ضمن استراتيجيات بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى.
الوعي بأولوية ذلك هو الخطوة الأولى في طريق النهوض.
لقد آن الأوان لأن نتعمّق في دلالات ما كشفته غزة، في الثمن الهائل الذي دفعته، وفي العوامل التي مكّنتها من الصمود الأسطوري والاستعصاء على الخضوع رغم فداحة الخسائر.
مهمّة المفكرين والباحثين والمثقفين اليوم أن ينكبّوا على البحث في سبل تقليص كلفة النضال وتعظيم عوائده، فصراعنا مع النظام الاستعماري الإحلالي طويل، عابر للأجيال، ومكلف، ولا سبيل إلى حسمه إلا بهزيمته وبتفكيك بناه، عبر نضال تحرري شامل يوجّهه وعي معرفي نقدي وسياسات كلية وقطاعية قادرة على تحقيق التحرر بأقل كلفة وأقصر زمن
غانية ملحيس
9/10/2025

///


12- رد خالد عطية

الدكتورة العزيزة غانية،
أضفتِ إلى المقال عمقًا فكريًا يوسّع أفق النقاش ويكشف جوهر القضية. رؤيتك الثاقبة تُدرك أن أزمتنا لا تكمن في الوعي وحده، بل في البُنى التي تعيد إنتاج التبعية وتحدّ من قدرتنا على تحويل الصمود إلى مشروع تحرر فعلي. فغزة لم تعد مجرد جرحٍ أو رمز، بل أصبحت مختبرًا للوعي، ودعوة لإعادة بناء الذات الفلسطينية والعربية على أسس فكرية ومؤسساتية جديدة.
إن تفكيك منظومة الهيمنة لا يبدأ من السياسة فحسب، بل من الوعي النقدي الذي يحوّل المقاومة من ردّ فعلٍ إلى فعلٍ مؤسس.
أشكرك على هذا الإثراء العميق الذي حوّل المقال من نصٍّ إلى حوارٍ مفتوحٍ يتّسع للفكر والنقاش

خالد عطية 10/10/2025

***


13- رسالة خالد عطية الى غانية ملحيس


« معجزة غزة» عمل استثنائي يجمع بين الفلسفة والواقع والتاريخ في لغةٍ مشحونة بالوعي والجمال. د.غانية ملحيس لا تكتب عن غزة كحدثٍ سياسي، بل كرمزٍ أنثروبولوجي للخلود الإنساني؛ تجعل من الألم مدرسةً في الوجود، ومن الركام نصًا فلسفيًا عن الكرامة. هذا نصّ لا يُقرأ بعين العقل فقط، بل يُتلقى بروحٍ تُدرك أن البقاء فعل مقاومةٍ وجمالٍ في آنٍ واحد.

لقد تخطّت د.غانية بقلمها حدود اللغة، وارتقت بالكلمة إلى مقامٍ يلامس الروح. في “معجزة غزة” لم تكتب مقالًا، بل نسجت ملحمةً إنسانية تُعيد للمعنى نبضه، وللكرامة صوتها، وللتاريخ روحه. جعلت من اللغة جسدًا للوعي، ومن الوجع فلسفةً للبقاء، ومن غزة مرآةً تُرى فيها عظمة الإنسان حين يتشبّث بالحياة رغم كل فناءٍ يحيط به
خالد عطية
10/10/2025


///

14- رسالة غانية ملحيس


شكرا لك يا خالد، شريك الفكر والمعنى، على قراءتك العميقة لـ«معجزة غزة» التي أنصتت للنص بما يتجاوز حروفه.
ما كتبته ليس تعليقا بقدر ما هو قراءة مبدعة، تكشف عن روح تقرأ بالحسّ قبل البصر، وتؤمن بأن للّغة جوهرا يتخطّى حدود المعنى إلى الوجود ذاته.
قراءتك ليست تلقيا، بل مشاركة في صناعة المعنى، فالمقال لا يكتمل إلا بعين ترى فيه ما وراء الألم من معنى، وبروح تُنصت للغزيّين في لحظة الفناء والبعث معا.
شهادتك تشرف وتثري، كما تعيد للكتابة معناها الحقيقي: أن تكون حوارا بين عقول وقلوب وأرواح تجمعها معجزة غزة.
غانية ملحيس 10/10/2025


***


15- رسالة من غانية ملحيس الى خالد عطية



الصديق العزيز خالد عطية

قرأت مقالك “الضمير المقيّد – أوروبا بين العدالة والانتقائية” بتمعّن واهتمام بالغ. لقد لامست بذكاء شديد جوهر المفارقة الأخلاقية في الموقف الأوروبي من حربَي أوكرانيا وغزة، حين أبرزت كيف تتحول القوانين والمؤسسات الحقوقية إلى أدوات لتقويم الوعي العام أكثر مما هي ضمان للعدالة.

لقد جاء مقالك مفعما بروح النقد الأخلاقي، وبلغة تمتاز بالرصانة والتحليل المتوازن بين الوقائع والمبادئ، وهو ما يضع المقال في سياق ضروري من تفكيك “أسطورة الضمير الأوروبي” التي طالما وظفت لتبرير الهيمنة.

غير أن ما أود الإشارة إليه، من موقع التكامل لا الاختلاف، هو أن الإشكال في نظري أعمق من مجرد ازدواجية المعايير.
فما يسمى ازدواجية هو في الحقيقة تعبير عن انسجام داخلي لبنية الحداثة المادية والعنصرية.
فالغرب لا يخون قيمه حين يصمت على إبادة غزة، بل يمارس قيمه كما صاغها منذ نشأته:
قيم تبنى على مركزية الذات الغربية واعتبار “الآخر” موضوعا للتقويم أو الإقصاء، لا ذاتا مساوية في الإنسانية.

في أوكرانيا، تتجلى الحرب كصراع داخلي في جسد نظام الحداثة نفسه، بين أطرافٍ تنتمي إلى فضائه الحضاري،
أما في غزة، فالصراع يتجاوز حدود هذا الجسد، إنه صدام أنطولوجي/ وجودي / بين نظام الهيمنة ومشروع تحرري خارج منظومته.
ولهذا، فالموقف الأوروبي ليس انتقائية سياسية بقدر ما هو تعبير عن حدود الوعي الحداثي ذاته في تعريف الإنسان والعدالة.

من هنا أرى أن القضية لا تتعلق بفقدان الضمير، بل بطبيعة هذا الضمير نفسه:
ضميرٌ صيغ تاريخيا ليحمي صورة الذات الأوروبية، لا ليحاكمها.
وحين يمارس القمع باسم حماية القيم، فذلك ليس نفاقا بل وفاء لمنطق عميق في بنية الحداثة الأداتية التي تجعل من القانون والتقنية والإنسان أدوات في مشروع واحد للهيمنة.

إن مقالك، بما يقدمه من كشف أخلاقي قوي، يشكّل خطوة ضرورية نحو الوعي، لكن هذا الوعي يصبح أكثر اكتمالا حين نرى أن المطلوب ليس استعادة ضمير أوروبا، بل تجاوز الأفق الذي أنتجه، وبناء مشروع تحرري معرفي من خارج منطق الحداثة ذاته- مشروع يُعيد تعريف الإنسان والعدالة انطلاقا من التجربة الفلسطينية التي ما زالت تكشف لنا، في كل لحظة، المعنى الذي قاوم العقل الأداتي وأبقى للضمير الإنساني صوته الأصلي.

مع خالص التقدير لجهدك التنويري في مساءلة الوعي الأوروبي من الداخل،
وإيماني أن مثل هذه الحوارات الفكرية هي ما يعيد للنقد العربي روحه في زمن تختلط فيه الأخلاق بالسياسة والمعنى بالقوة.

مودتي واحترامي
غانية ملحيس 22/10/2025

***

16- رسالة جوابية من خالد عطية لغانية ملحيس


أشكرك على هذا التعليق العميق الذي يُضفي بُعدًا فلسفيًا ومعرفيًا بالغ الأهمية على ما حاولتُ التعبير عنه في مقالي.
أتفق معك تمامًا: ما يُسمّى “ازدواجية المعايير” ليس انحرافًا عن القيم الغربية، بل تعبيرٌ صريح عن بنيتها الأصلية – بنية تمركز الذات واستبعاد “الآخر”، لا كشريك، بل ككائن يُعاد تعريفه وفقًا لمقتضيات الهيمنة.
وأنتِ محقّة تمامًا في وصفك بأن المشكلة ليست في غياب الضمير، بل في طبيعته ومهمّته: ضميرٌ وُلد لحماية الصورة، لا لمحاكمتها.
لكن كما تعرفين جيدًا، كان هدفي من هذا المقال تحديدًا أن أوجّه الخطاب إلى “الداخل الأوروبي”، محاولًا مساءلة هذا الضمير من موقعه، بلغته، وضمن منطقه الظاهري، دون الإغراق في البنية العميقة للحداثة – ليس لأنني أختلف مع هذا التفكيك، بل لأن المقام والمخاطَب اقتضيا هذا النوع من الاختزال.
أقدّر عاليًا ما أضفتهِ من تفكيك ضروري يوسّع أفق النقاش، ويذكّرنا أن المشروع التحرّري لا يكتمل إلا بخروجٍ جذري من منطق الهيمنة، لا باستجداء إصلاحه.
كل الامتنان لمداخلتك الرفيعة، ولإيمانك بأن الحوار الجاد هو أرقى أشكال المقاومة الفكرية في زمنٍ يسطو فيه الضجيج على المعنى.

مودتي وتقديري العميق
خالد عطية
22/10/2025

***

17-رسالة غانية ملحيس الى خالد عطية

خالد العزيز
مقالك يمثل قراءة فكرية معمّقة لبنية السيطرة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، تتجاوز الخطاب الحقوقي التقليدي إلى تحليل بنيوي يدمج أدوات القانون والعنف والإدارة في منظومة واحدة لإعادة إنتاج الهيمنة والسيادة.
إن المقاربة المزدوجة بين باتريك وولف، الذي يرى الاستعمار الاستيطاني كبنية مستمرة لإلغاء الأصلاني، وبين ميشيل فوكو ومفهومه للسلطة الحيوية التي تنظم الحياة والموت داخل شبكة مؤسساتية وقانونية، تفتح أفقا مهما لفهم الاستيطان كـ"بنية حياة" تتحكم في الأرض والمجتمع الفلسطيني، وتحوّل الاحتلال المؤقت إلى مشروع سيادة دائم.
إلا أنّ هذا التزاوج النظري يحتاج إلى تمعّن نقدي، فسلطة فوكو الحيوية ليست سلطة اقتلاعية إحلالية، بل سلطة تنظيمية تعمل داخل مجتمعات مستقرة تسعى إلى إدارة الحياة لا إلى إلغائها.
أمّا في الحالة الاستيطانية، فالسلطة ليست سلطة حياة، بل تقوم على فلسفة اقتلاع تهدف إلى محو الأصلاني وإعادة خلق المكان وفق خيال استعماري. وهنا لا يصبح القانون والعنف والإدارة أدوات لضبط الحياة، بل آليات لإنتاج موت منظَّم يتخفّى في صورة حياة مزيفة.
كما أن تصوير المقاومة الفلسطينية اليومية - في الزراعة والتعليم والتوثيق والفن - بوصفها أدوات لإنتاج "حياة مضادة" ، يظلّ في إطار الفعل الميداني التلقائي، أكثر من كونه بنية معرفية مضادة للهيمنة. فالمسألة لا تتعلق فقط بابتكار استراتيجيات الصمود، بل بتأسيس معرفة مضادة تعيد بناء الوعي والمعنى الفلسطيني، وتفكك منطق السيطرة من جذوره المعرفية.
إنّ التشخيص البنيوي الدقيق لبنية الاستيطان يبقى، رغم غناه، محدودا معرفيا ما لم يُرفَق بتحليل يوضح كيف تنتج الهيمنة نفسها في الوعي الفلسطيني، وفي سرديته عن ذاته والعالم. فبدون هذا البعد المعرفي، يظل الفلسطيني في موقع المفعول به داخل منظومة السيطرة، وليس الفاعل المعرفي القادر على توليد معنى مضاد يعيد تعريف الوجود والمكان والتاريخ.
مقالك يشكّل مساهمة فكرية مهمة في تحليل السياسات الاستيطانية كبنية دولة، وأساسا متينا يمكن البناء عليه بإضافة بعد معرفي وثقافي يوضح كيف تعمل الهيمنة على تشكيل الوعي الفلسطيني، وكيف يمكن للمقاومة أن تتحوّل من فعل صمود ميداني إلى مشروع معرفي نقيض خلاق للحياة. بذلك، يصبح المقال مدخلا لإعادة صياغة فهم الاستيطان، ليس بوصفه احتلالا للأرض فحسب، بل نظاما شاملا للاستبدال، عبر السيطرة على الحياة والوعي والمعنى.
غانية ملحيس
6/11/2025

///

18- رسالة خالد عطية

أشكركِ بصدق على قراءتك العميقة والنقدية لمقالي، وعلى هذا الثراء الفكري الذي أضفته إلى النقاش حول بنية السيطرة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. قراءتك لم تكن تعليقاً على نص، بل امتداداً له في أفقٍ معرفي أوسع، يضعنا أمام سؤالٍ جوهري حول كيف تُنتَج الهيمنة في الوعي، لا في الجغرافيا فقط.
أتفق تماماً مع ملاحظتك الجوهرية حول التمايز بين السلطة الحيوية عند فوكو والسلطة الاقتلاعية في النموذج الاستيطاني. فوكو انشغل في تفكيك آليات تنظيم الحياة ضمن مجتمعات تسعى إلى ضبطها وإدارتها، لا إلغائها؛ أما في الحالة الإسرائيلية، فنحن أمام منظومة تُمارس «تنظيماً للحياة» فقط بقدر ما يخدم مشروع «موتٍ منظَّم» للأصلاني.
وهذا التحوّل من “البيو-سلطة” إلى ما يمكن تسميته مجازاً “النيكرو-سلطة” (سلطة الموت) يعيد تعريف أدوات الحكم نفسها، حيث يصبح القانون والإدارة والعنف أدوات لتطبيع الإلغاء لا لتنظيم الوجود.
إشارتك الدقيقة إلى أن المقاومة اليومية – في الزراعة والتعليم والفن – لا تكتمل ما لم تتحوّل إلى مشروع معرفي مضاد، تمثل بالنسبة لي جوهر النقاش الذي ينبغي أن نعيد فتحه فكرياً.
كنتُ في المقال أبحث عن “حياة مضادة” تواجه الهيمنة في ميدانها المادي؛ لكنكِ أحسنتِ في التنبيه إلى أن هذه الحياة لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تتحول إلى معرفة مضادة للهيمنة، تعيد إنتاج الفلسطيني كفاعل معرفي لا كموضوع للسيطرة.
من هنا، أرى أن البنية الاستيطانية لا تكتمل قراءتها دون تحليل اقتصاد المعنى الذي تنتجه في الوعي الفلسطيني — كيف تعيد صياغة مفاهيم الزمن، والمكان، والانتماء، حتى يصبح الاحتلال بنية رمزية كما هو مادية. هذا ما يفتح الباب أمام مشروع “المعرفة المقاومة”، الذي أشارككِ الرأي في ضرورته كإطارٍ يتجاوز فعل الصمود إلى إعادة بناء الوعي والمعنى الفلسطيني من داخل التجربة ذاتها.
لقد منحتِ المقال بعداً نقدياً لا يقل أهمية عن بنيته التحليلية؛ نقداً يذكّر بأن مواجهة الاستيطان ليست مجرد مسألة سياسية أو جغرافية، بل معركة على الوعي والخيال والمعنى.
وهو بالضبط ما يجعل الحوار الفكري حول فلسطين ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً من شروط الوجود ذاته.

كل الامتنان لقراءتك الرفيعة،
ولروحك النقدية التي تُعيد للنقاش الفلسطيني عمقه الفلسفي والمعرفي.

خالد عطية
6/11/2025

***

19- رساىة من غانية ملحيس الى خالد عطية


مقالك يا خالد نهر من صدق وحنين، يفيض وفاء نادرا يعيد للروح يقينها بأن في هذا العالم ما تزال قلوب تشبه الأوطان.
كتبت عن “أم المجد” كما تكتب الصلاة عن الأم والوطن معا، امرأة تختصر الطيبة في ملامحها، والكرامة في سكونها، والذاكرة في نظرتها التي لا تعرف المنفى.
كلماتك تلامس جوهر الإنسان فينا، وتهمس بأن بعض القلوب أوطان تمشي على الأرض، وأن الذاكرة قد تسكن وجها واحدا، أو قلبا يعرف كيف يضمّ الغريب كأنه أحد أبنائه.
تحية لك يا خالد ولأم المجد التي جعلت المنفى أكثر دفئا، والوطن أقرب مما نظن
غانية ملحيس 13/11/2025

!!!

20-رسالة جوابية من خالد عطية لغانية ملحيس


كلماتكِ يا دكتورة غانية أعمق من أن تُقابَل بردٍّ عابر،
فقد لامستِ بجمال عبارتك الجوهر الذي حاولتُ أن ألمسه أنا بحسّ المنفيّ المهاجر لا بحرف الكاتب.
حين قرأتُ تعليقك، شعرتُ أن النصّ وجد صوته الثاني - ذاك الذي لا يكتبه صاحبه بل يكتبه من يراه من الداخل.
نعم، كما قلتِ، بعض القلوب أوطان تمشي على الأرض،
وأمّ المجد واحدة من تلك القلوب التي تبرهن أن الإنسانية ليست فكرة، بل حضورٌ يدفئ المنفى ويعيد للغربة معناها الأجمل.
كتبتِ عن النص كما يُكتَب الدعاء، بل كما يُقال الحنين في لحظة صدق.
تحيتي العميقة لكِ،
ولقلبكِ الذي يرى في الكلمة وطناً، وفي الطيبة هويةً لا تعرف الغياب .
خالد عطية
13/11/2025

***


23- رسالة غانية ملحيس الى خالد عطية

يا خالد
مقالك"نافذة الروح في الغربة" ليس مجرد كتابة، بل مرآة تُطلّ على شقوق الروح، وتلامس العقل والوجدان معا بحساسية نادرة.

قرأتك فوجدت أن الغربة التي تحدّثتَ عنها تتجاوز المكان، وتتجاوز المسافات الممتدة بين مخيم النيرب وألمانيا، إنها الغربة التي تلازم الفلسطيني أينما حلّ… حتى وهو في قلب وطنه العربي الجريح، ذلك الوطن الذي أخفق، منذ أكثر من قرن، في أن يحفظ القلب من التيه، وفي أن يكون حضنا لا عصفا.

وغربةٌ أخرى أشدّ يا خالد، في الوطن الأسير الذي يضيق بأبنائه، لا لأن العدوّ الذي يتربع فوق أنقاضنا بلا قلب وبلا روح فحسب، بل لأنه يمتلك عقلا أداتيا لا يرحم بشرا ولا شجرا ولا حجرا، فيحوّل الحياة كلها إلى مختبر لامتحان وحشية الإنسان… وحشية تتجاوز كل خيال.

ويفاقم الوجع قادةٌ منّا ضلّوا السبيل، فصاروا كالسيف المسلّط، يعمّقون الشرخ في الروح والعقل والقلب، حتى غدا أهل البلاد غرباء في أرضهم… وأشدّ غربةً خارجها.

عجيبٌ هذا الإنسان الذي استحضرته يا خالد بكل هذا الجمال الممزوج بالوجع وثقل الذاكرة…
الإنسان الذي، رغم ما حمل من خيبات وغدر وإساءات وتخلٍّ وكذب، يبقى قادرا على تطهير ذاكرته من الأثقال،
ويبقى قلبه متسعا لأولئك الذين منحوه نورا ودفئا، وأصغوا لروحه المعذّبة،
وشاركوه الفرح والألم،
فأعانوه - بصدق وجودهم - على احتمال الحياة رغم قسوتها التي لا تُحتمل.

كتابتك يا خالد شهادة على أن الروح، مهما جرّبت الغدر والغربة، تظل قادرة على الحب…
وقادرة على أن ترى الضوء الحقيقي وسط العتمة.

دمتَ قادرا على البوح والحب والتذكّر، ودام حضورك عقلا وفكرا وقلبا وروحا تثري الوعي وتنتزع الأمل من تحت الركام.

غانية ملحيس
4/12/2025


////


24- رسالة خالد عطية


دكتورة غانية العزيزة
تعجز الكلمات أحيانا عن اللحاق بعمق القراءة، وأنتِ قرأتِ النص لا بعين واحدة، بل بعيون الذاكرة والتجربة والوجدان معاً.
ما كتبتِه ليس تعليقاً… بل تأويلاً كاملاً للوجع الفلسطيني، ذاك الوجع الذي يولد مع الطفل، ويكبر معه، ولا يتركه حتى حين يغادر المكان ذاته.
قلتِ الحقيقة التي نحاول كثيراً الالتفاف عليها:
الغربة ليست دائماً هناك… في ألمانيا، أو في آخر الأرض.
الغربة الكبرى هي تلك التي تنشأ في صدورنا ونحن في قلب الوطن- حين يصبح البيت ضيقاً، والأفق مقفلاً، والكرامة مهددة، والروح مثقلة بما لا يقوى الجسد على احتماله.
هي الغربة التي يصنعها العدو بوحشيته العارية، وتصنعها أيضاً أشباهُ القادة الذين أضاعوا البوصلة، فصاروا عبئاً لا وطناً، وسيفاً لا سنداً.
ومع ذلك - وهنا جوهر ما لمسْتِه أنتِ -
يبقى الإنسان الفلسطيني، بكل كدماته، مخلوقاً مدهشاً:
يُطهر ذاكرته ولا يُطفئها،
يحمل الخيبات دون أن يتحول إلى خيبة،
ويظلّ يجد في داخله ركناً صغيراً للذين مرّوا بصدق،
وتركوا نوراً لا تطفئه المسافات ولا الجراح.

شكراً لكِ لأنكِ لم تقرئي النص كنص، بل كمرآة تشبه ملامحنا جميعاً.
وشكراً لأنكِ من القلائل الذين يمنحون الكلمة بعدها الأخلاقي والإنساني، فلا تبقى مجرد كتابة، بل تتحول إلى مساحة للفهم والتشافي وعودة الروح إلى نفسها.
دمتِ شريكة الفكر والقلق…
وشريكة الضوء أيضاً.
حضوركِ ليس ترفاً، بل ضرورة تُذكّرنا أن الوعي ما زال قادراً على أن ينهض- حتى من تحت الركام.

خالد عطية
4/12/2025


***

25- رسالة خالد عطية الى غانية ملحيس

أودّ أولا أن أشكر الدكتورة غانية ملحيس على قراءتها العميقة والممتدة، وعلى الروح النقدية التي تقارب بها القضايا الكبرى، وعلى الجهد الواضح في تنظيم المعطيات والأرقام وتوسيع النقاش نحو أفق أشمل من المقال الذي كتبته. من الطبيعي – بل من الضروري – أن تتعدد زوايا النظر حين يتعلق الأمر بلحظة تاريخية كبرى كالتي نعيشها، ولهذا أقدّر كثيراً هذا التفاعل الذي يفتح مجالاً للحوار لا للإغلاق.
لقد حاولتُ في مقالي تسليط الضوء على بنية الخطاب لا على نتائج الأحداث بذاتها؛ أي نقد طريقة التفكير التي تؤسّس لما أسميته “لغة الحسم” أكثر من نقد استنتاجات سياسية محددة. ومقالكِ، دكتورة، رغم اختلاف الرؤية في بعض النقاط، عزّز أهمية هذا المسار: فحين تتسع الرؤية ويُعاد الاعتبار للشروط البنيوية، نقترب أكثر من نقد يواجه ثقافة الهزيمة بدلاً من إعادة إنتاجها.
ومع اتفاقي معكِ في جوانب كثيرة—خصوصاً ما يتعلّق بضرورة مقاومة خطاب الإدانة الأخلاقية الذي يُفرغ الصراع من سياقه الاستعماري، وبأن التحولات التي أنتجها السابع من أكتوبر لا يمكن اختزالها بمعايير الربح والخسارة—فإنني أودّ التعقيب على بعض النقاط توضيحاً لا اعتراضاً.
إن ما قدّمتِه من معطيات حول التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي وتداعيات الطوفان على مرتكزات الكيان هي معطيات أقدّرها وأرى أهميتها، لكن هدفي في المقال لم يكن الدخول في تقييم نتائج الطوفان، بقدر ما كان متركّزاً على تفكيك المنهج التحليلي الذي بنى عليه أكرم عطا الله روايته. لذلك جاءت قراءتي في مستوى الخطاب لا في مستوى الوقائع. وتوسيعكِ لهذا الجانب يضيف بُعداً لا يناقض ما أردته، بل يؤكّده.
وفي ما يتعلّق بعلاقة المقاومة بالسلطة، أوافقكِ على أن هذا التوتر ليس حالة طارئة، بل تناقضاً بنيوياً مستمراً. وإشارتي لهذا التناقض كانت لتأكيد أن النقد الداخلي للمقاومة ينبغي أن يكون نقداً بنيوياً، لا سردية لوم تُستدرج بسرعة إلى مربّع أخلاقي خالص. وما أضفتِه في هذا الجانب يضع النقاش في سياق تاريخي واجتماعي أوسع.
أما الحديث عن ثقافة الهزيمة، فهو من أهم النقاط التي أثرتِها. وقد حاولتُ في مقالي نقد البنية الخطابية التي تنتج الهزيمة عبر التبسيط والحسم ونزع السياسة عن الاحتلال. وما كتبتِه حول التحولات في الوعي العالمي والعربي والفلسطيني يثري هذا النقاش ويمنحه عمقه الضروري. لكنني أؤكّد في الوقت ذاته أن مقاومة خطاب الهزيمة لا تعني وقف النقد أو تحويل التجربة إلى يقين مكتمل، بل إبقاء النقد في فضائه المنهجي لا الانفعالي، وهذا ما سعيت إليه في مقالي.
وأقدّر بشدة تأكيدكِ على أن الفكر يجب أن يبقى جزءاً من مشروع التحرر. ومع أنني أرى أن وظيفة الفكر لا تقوم فقط بالاندماج في سردية واحدة، بل في الحفاظ على مسافة نقدية تتيح المراجعة، إلا أنني أجد أن الاختلاف هنا هو اختلاف في طبيعة الأدوار لا اختلاف في الهدف. فالمقاومة تصنع الفعل، والفكر يصوغ الأسئلة، وبدون السؤال تفقد التجارب قدرتها على التطور.
أختتم بالتعبير عن تقديري العميق لكِ، دكتورة غانية ملحيس، وللسعة التحليلية التي قدّمتِها، وللإضافة الثرية التي وسّعت النقاش ودفعت به نحو أفق أعمق. وأرى في هذا التفاعل صورة لما نحتاجه جميعاً: اختلاف بلا قطيعة، نقد بلا تخوين، وحوار لا يتحوّل إلى ساحة لتثبيت مواقف، بل إلى مساحة للفهم المشترك. في النهاية، ما يجمعنا هو الحرص على الوعي الفلسطيني وحمايته من سرديات الإحباط، ومن سرديات التبسيط معاً، والإصرار على إبقاء النقاش مفتوحاً بوصفه جزءاً من معركة الوعي لا خارجها.
مع خالص التقدير والاحترام.
خالد عطية
7/12/2025

//////


26- رسالة غانية ملحيس


الصديق العزيز خالد عطية
أشكرك جزيل الشكر على هذا الرد العميق، وعلى الروح الحوارية التي يحرص كلانا على إبقائها مفتوحة، وهي روح نحتاجها جميعا في هذه اللحظة التاريخية الثقيلة.
قرأتُ تعقيبك باهتمام بالغ، وأسعدني أن يتحوّل النقاش الذي فتحه مقالك إلى مساحة لإعادة التفكير، لا إلى مسار للتثبيت أو الإغلاق. وهذا بالضبط جوهر ما أؤمن به: أن تعدّد زوايا النظر ليس ترفا فكريا، بل ضرورة منهجية، خاصة حين ندور حول حدث بحجم زلزال 7 تشرين الأول/ أكتوبر وما تلاه من تحوّلات.
أقدّر توضيحك بأن هدفك كان نقد البنية الخطابية أكثر من تقييم نتائج الطوفان. وهذا بالفعل ما جعل مقالك يستحق التوقف، لأن نقد “لغة الحسم” ضروري في مواجهة خطاب يختزل معقّدا تاريخيا واستعماريا في معادلات أخلاقية أو حسابات فورية. ومن هنا جاء توسيعي لدائرة النقاش، لا اعتراضا على توجّهك، بل بناء عليه ومحاولة لرفده بمعطيات إضافية تُظهر كيف تتفاعل البنية الخطابية مع الواقع البنيوي والتحوّلات الجارية على الأرض.
وفي ما يخصّ العلاقة بين المقاومة والسلطة، كان تركيزي على الإضاءة على السياق البنيوي الممتد، بينما ركّزت أنت على ضرورة وضع النقد في موقعه الصحيح كي لا يتحوّل إلى جلد ذات، أو إلى محاولة تعويض سياسية عبر أخلاقيات مُعلّبة. وهذا في جوهره تقاطع وتلاقٍ، لا اختلاف، رغم تفاوت ترتيب الأولويات والطبقات التحليلية.
أما عن ثقافة الهزيمة، فأنا أوافقك تماما على أهمية نقد خطاب التبسيط والحسم الذي ينتج تلك الثقافة، وأضيف أن مواجهة الهزيمة لا تبدأ بتعليق الأسئلة، بل بتحريرها من الانفعال. وفي هذا المعنى يلتقي هدفانا: أن يظل النقد جزءا من مشروع التحرر، لا خارجا عنه ولا بديلا منه.
كما أثمّن كثيرا إشارتك إلى دور الفكر في الحفاظ على مسافة نقدية. فهذه المسافة، في رأيي، ليست انسحابا بل شكلا آخر من أشكال الانخراط، لأن التجارب التي لا تُراجَع تُعاد إنتاج أخطائها بطرق أشد قسوة، وهو ما نلمسه في واقعنا. وما نحاول فعله في هذا النوع من الحوارات هو حماية التجربة من “الجمود داخل لحظتها” ومن الوقوع في أسر سردية واحدة مهما بدت مطمئنة.
أكرر امتناني لك، يا خالد، لقراءتك الثرية وللحوار المثمر الذي يعيد الاعتبار للاختلاف الخلّاق، ويمنح الشراكة الفكرية معناها الحقيقي: تكامل لا تطابق.
وأتمنى أن يظل هذا النقاش مفتوحا، وأن ينخرط فيه آخرون، بما يخدم هدفا واحدا يجمعنا: تحصين الوعي الفلسطيني من ثقافة الهزيمة ومن ثقافة التبسيط معا، وإبقاء الفكر جزءا من الفعل التحرّري لا منفصلا عنه.
محبّتي وتقديري.

غانية ملحيس 7/12/2025


***


27- رسالة من غانية ملحيس الى خالد عطية


الصديق العزيز خالد
جزيل الشكر على اشتباكك العميق والمفصّل مع مسودة الورقة التي - كما أشرت - كانت نتاجا لاشتباك فكري سبقها وانخرط فيه عديد الكتاب الذين يؤرقهم المأزق الوجودي الفلسطيني. وأثمن عاليا قراءة مقالك الحواري التي تضيء أبعادا أساسية تتعلق بالحامل السياسي، والشرعية الرمزية، والمساءلة التحصينية، والواقع الاجتماعي الفلسطيني.
ملاحظاتك حول ضرورة إدراج البعد الصراعي، ومحدودية التوصيف النظري للحامل السياسي، والقيود الدولية المفروضة على الاعتراف الدولي تضيف بعدا عمليا حيويا للنقاش، وتؤكد أن أي مشروع تحرري لا يمكن أن يبقى نظريا ونخبويا فقط، بل يحتاج إلى صقل مستمر يشارك فيه الجميع في مواجهة الواقع في ظل الابادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي.
نتفق تماما على أن المساءلة التحصينية أحد أهم أدوات حماية السياسة في زمن الإبادة، وأن الحذر من مساءلات تُنزع من سياقها وتُستخدم لتجريم المقاومة أو تحميلها مسؤولية العنف الاستعماري أمر بالغ الأهمية. فكما أشرت، السؤال لا يُقاس بسلامة النوايا بل بالأثر السياسي، خصوصا في ظل حملة شاملة لنزع السياسة عن الفعل التحرري بذريعة المساءلة. والضبط المحكم للشروط، خصوصا شرط الزمن، ضروري حتى لا يُساء فهمه على أنه تعليق مفتوح للمساءلة، بل تنظيما لها في لحظة الإبادة، ولتفادي استخدامها لتصفية المقاومة أو تحويل الفعل المقاوم إلى رمز معصوم لا يمكن نقده.
أما ما يخص اللامركزية وانتقال مركز القرار في السياق الفلسطيني، فالورقة لم تغفل المخاطر، بل وضعت إطارا تنسيقيا جامعا يحمي الوحدة.
الحامل السياسي المؤهل لاستدامة الفعل التحرري في ظل التوزع الجغرافي لا يمكن أن يكون تنظيما مركزيا يحتكر القرار والتنفيذ، بل موحد في الرؤية والهدف التحرري، ولامركزي في البنية والتنظيم، ومرن في تموضع مراكز القرار. اللامركزية هنا ليست ضعفا، بل شرط بقاء يسمح لكل مكوّن من الشعب الفلسطيني أن يؤدي دوره في حمل المشروع التحرري وفق قدرته العملية عندما تتوفر الشروط الموضوعية، دون انتظار تفويض دائم أو وصاية من مركز بعيد أو محاصر. وتجربة الانتفاضة الأولى، ومفاوضات واشنطن التي أعقبت مؤتمر مدريد 1991، والالتفاف عليها من المركز في أوسلو خير مثال.
ولم يكن انتقال مركز القرار جغرافيا سبب ضعف الحركة الوطنية حين امتلكت مشروعا تحرريا جامعا، بل سمح بتنوع مراكز الفعل والقرار وتكامل أدوار الداخل والخارج مع بقاء البوصلة موحدة. وإعادة تعريف الحامل السياسي، في مرحلة ما بعد الإبادة، تعني ربطه بالمشروع التحرري وليس بالأفراد أو التنظيمات، والاعتراف بتكامل أدوار المكونات الفلسطينية، وبناء إطار تنسيقي مركزي يضبط الاتجاه دون أن يحتكر القرار.
بهذا المعنى، الحامل السياسي الشامل هو إطار أعلى ينسّق الأدوار داخل رؤية واحدة، ويحوّل التعدد الجغرافي من عبء إلى رافعة، ومن سبب انقسام إلى مصدر قوة، يحافظ على وحدة المشروع، ويحفظ مرونة التحرك وفق مقتضيات الواقع الصراعي.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس
24/12/2025



*****


28- رسالة من خالد عطية الى غانية ملحيس


الصديقة العزيزة د. غانية،
جزيل الشكر على هذا التفاعل الكريم، وعلى سعة الصدر الفكرية التي تحرصين عبرها على إبقاء النقاش حيًّا ومفتوحًا لا محروسًا ولا مكتفيًا بذاته. لعلّ الفضل الأول لمسودتك أنها أعادت ضبط لغة التفكير في لحظة يُراد لها أن تُختزل إمّا إلى أخلاقيات الرثاء أو إلى إدارة الكارثة، في حين أنّ الأسئلة التي تطرحينها – والتي حاول مقالي السير في أفقها – تتعلق بمصير السياسة نفسها بوصفها قدرة على الفعل لا مجرّد توصيف للحدث.
أتفق معك تمامًا في ربطك بين الحامل السياسي والمشروع التحرري لا بالأشخاص ولا بالتنظيمات بوضعها القائم، وفي تأكيدك أن اللامركزية ليست تعبيرا عن الضعف، بل عن شرط بقاء في جغرافيا ممزقة ومجتمع موزّع قسرًا. إنّ تأكيدك على مرونة تموضع مراكز القرار وتعدد دوائر الفعل من دون سقوط البوصلة في التيه، يعيد الاعتبار لأحد أهم دروس التجربة الفلسطينية: أنّ الوحدة لم تكن يومًا مرادفًا للمركزية التنظيمية الصلبة، كما أنّ التشتت الجغرافي لم يكن قدرًا منتجًا للعجز إذا توفّر المشروع الجامع.
ومع ذلك، يبقى في القلب سؤال أجدّد طرحه معك لا عليك:
كيف نحمي اللامركزية من التحول إلى تعدّد مشاريع لا تعدّد أدوار؟
أي إطار تنسيقي قادر على أن يضبط الاتجاه من دون أن يعيد إنتاج منطق الوصاية، أو يحوّل «المركز التنسيقي» إلى مركز احتكار جديد للشرعية؟
هذا السؤال لا يقلق من اللامركزية بوصفها خيارًا، بل من الشبكات الواقعية القائمة التي قد تعيد ابتلاعها أو توظيفها.
أقدّر عاليًا توضيحك لمسألة المساءلة التحصينية وأهمية ضبط شرط الزمن حتى لا تتحول إلى تعليق مفتوح للسؤال ولا إلى أداة لتجريم الفعل المقاوم. ما كان يقلقني – ولا يزال – هو المسافة الدقيقة بين تحصين الفعل المقاوم من حملات النزع السياسي وبين تحويل المقاومة ذاتها إلى منطقة محرّمة نقديًا. هنا يبدو لي أن تمييزك بين “تنظيم السؤال” و“تعليق السؤال” بالغ الأهمية ويستحق مزيدًا من التأسيس العملي، خاصة في ظل تحوّل بعض البيئات التنظيمية العربية والفلسطينية سابقًا إلى فضاءات مغلقة باسم زمن الصراع.
لقد أحسنتِ حين نقلتِ النقاش من سؤال: من يمثّل؟
إلى سؤال أعمق: ما الذي يمثَّل؟ ومن أجل أي مشروع؟
فالأزمة اليوم ليست فقط أزمة حامل، بل أحيانًا أزمة محمول؛ هل نحن أمام مشروع تحرري واضح المعالم، أم أمام تجاور خطابات مقاومة ومفاوضة وبقاء، تتعايش اضطراريًا من دون أن تنتج وحدة وجهة؟
أما ما يخص القيود الدولية وإعادة إنتاج “الممثل المقبول”، فقد لفتني في ردّك تأكيدك أنّ الاعتراف ليس فضاء قبول بل فضاء صراع. هذا التحديد، برأيي، هو ما يمكن أن ينقذ أي حامل سياسي قادم من خطر الإعادة القسرية إلى وظيفة الوسيط. فالخطر لا يكمن فقط في الخارج الذي يفرض شروطه، بل في الداخل الذي يطابق أحيانًا بين شرعية الاعتراف وشرعية التمثيل من حيث يدري أو لا يدري.
لعلّ ما يجمعنا في هذا الحوار هو إدراكنا المشترك أن ما بعد الإبادة ليس مجرّد امتداد لما قبلها، وأنّ سؤال الحامل السياسي ليس سؤال هندسة مؤسسية فقط، بل سؤال إعادة توزيع للشرعية والمعنى والقدرة داخل المجتمع الفلسطيني. وهذا توزيع لا يتم بلا صراع ولا بلا أثمان، لكنه الصراع الوحيد الذي يمكن أن ينقذ السياسة من التحلل إلى أخلاق مجروحة أو إدارة كارثة.
أشكرك مجددًا على هذا الاشتباك الخلّاق، وعلى شجاعة إعادة طرح الأسئلة التي يخشاها الخطاب اليومي المطمئن. وآمل أن يبقى الحوار مفتوحًا، لا ليُنتج اتفاقًا سريعًا، بل ليحمي إمكان التفكير ذاته في لحظة يراد لها أن تُختزل إلى بديهيات قاتلة.

مع خالص الود والتقدير
خالد عطية
24/12/2025


***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...