مصطفى معروفي ــ مجرد خواطر عابرة

يحكي أحد الصحافيين في جريدة تقدمية (استقال منها فيما بعد) أنه في هيأة التحرير كان أحيانا يجتمع مع زملائه فيها لغربلة وتصحيح وإجازة ما يصله من مساهمات أدبية للشباب لتجد طريقها إلى النشر في الجريدة، وكانت تصله نصوص من أشخاص منتمين إلى الحزب، لا تستحق حتى القراءة بله النشر في جريدة محترمة، وعندما كان هذا الصحافي يبدي ملاحظاته بخصوص تلك النصوص كان البعض من زملائه في هيأة التحرير يرتأون عليه تصحيحها وإقامة عوجها بدل انتقادها حتى تكون صالحة للنشر لأنهم يريدون من الشاب صاحب النص المعطوب إياه أن يصبح كاتبا فيما بعد، لينضم إلى اتحاد الكتاب ويصبح عضوا فيه فيضمنون به صوتا يبوئ الحزب مكانة قادرة على الهيمنة على منظمة الكتاب، وبذلك يتسنى للحزب تمرير بعض مواقفه من خلالها ما دام صار أمرها إليه من خلال أعضائه المنتمين إليها.
أقول أنه من خلال هذا الوضع غير الصحي في المشهد الثقافي المغربي صرنا نرى ممارسات داخل المنظمة الثقافية (اتحاد الكتاب) لا تليق بها بوصفها تمثل الجسم الثقافي المغربي بما يعنيه من أخلاق النزاهة والموضوعية والحكم بالقسطاس المستقيم.
وقد تجلت هذه الممارسات التي لا تشرف صاحبها أو أصحابها في مسألة العضوية، فطالب العضوية في الهيأة إذا لم يكن من الشلة السياسية المرضي عنها قد يجد عنتا كبيرا في قبول عضويته لدرجة أنها ترفض منه،حتى ولو كاتبا (شاعرا أو قاصا الخ...) وحصل على جوائز سنية تشهد له بالكفاءة والنبوغ ،كما حدث ذلك مع شاعر مغربي تم رفض عضويته مع أنه تلقى جائزة في الشعر من ضمن الموقعين له عليها ناقد عربي كبير . وقد أحدثت هذه الواقعة على ما أتذكر ارتباكا في الاتحاد لأنها وضعت مصداقيته على المحك، ووضعت علامات استفهام كبيرة حول العضوية ومصداقيتها وحول مستوى وثقافة من يقومون عليها رفضا وقبولا، ولم ينته الحديث عن هذه الفضيحة وتهدأ عاصفتها إلا بعد مدة ،وعبد ربه هذا كان من الشاهدين عليها.
والحديث يجرنا إلى الحديث عن حادثة وقعت خلال نقاش بين قاص مغربي كان معروفا ب(استفزازت)ه رحمه الله وأحدهم حيث هذا الأخير أخذ يتباهى أمامنا بأنه وهو شاب مبتدئ نشر له رئيس التحرير في جريدة وطنية معروفة نصا شعريا ـ كذا ـ بملحقها الثقافي الأسبوعي، مع أن رئيس التحرير إياه كان قاصا ولم يكن شاعرا ونص الشاب المبتدئ كما يراه هو بنفسه الآن لم يكن شعرا. فقال صاحبنا المرحوم لهذا الأخير:
ــ تصور معي لو كان رئيس التحرير شاعرا؟
يعني أن النص سوف لا ينشر في الجريدة، وأن صاحبه ربما أصيب بانتكاسة قد تودي به أدبيا.
هي مجرد خواطر عابرة أحببت أن أسجلها هنا والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق.
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

اخي الغالي السي مصطفى
سلام تام


ما طرحته من خواطر عابرة من صميم المشهد الأدبي والثقافي المغربي تكاد تشكل نشازا يسيء للساحة الأدبية للان. فرؤساء التحرير في الصحف والمجلات لا ينشرون إلا بالعلاقات والولاءات، والمعاملات والانتماءات الحزبية أن بقيت هناك أحزاب عندنا. وبالتالي يمكننا قياس مستوى هؤلاء الكتاب بمستوى تلك الصحف. ومع ذلك ينشرون لهم ولا ينشرون لغيرهم من خارج القطيع. وينشرون في أغلب الوقت لقاء عبوات من البيرة والخمر الرديءداخل حانات عطني كريهة الرائحة
وقد يتبادر للذهن رؤساء التحرير العظام من جيل عبدالجبار السحيمي والعياشي ابو الشتاء ، وبنعبدالله ابو القاسم، ويوسف رزوقة، الصادق شرف. الحبيب الصايغ كنموذج ممن تعاملت معهم منذ 1969. هذه العينة من المثقفين الاحرار الذين لم يؤمنوا يوما بالحدود والانتماء والسن ، بل ينحازون للكلمة.
هي حالات باطولوجية وتخضع للزواج شخصيةاحيانا، لا يخلو منها اي وسط ثقافي في العالم، قد تسيء إلى الأدب وتشجع الرديء على حساب الجيد من الابداع

محبات
 
تحية طيبة أستاذنا السي المهدي،
الممارسات التي أشرت إليها في نصي أعلاه كانت لا تليق بأن يمارسها كاتب على كاتب،ولذا كنا وقتها نحن الشباب نلوكها في المقاهي وحيثما سنحت لنا فرصة،وكنا نتذمر منها ونشمئز أيما اشمئزاز،ومثل تلك الممارسات التي جاءت في ردك مازالت حاضرة وقائمة،ومنها أن أحدهم كان يدفع ثمن البيرة في الحانة لشخص ليكتب له عن (ديوان)ـه.
وبما أنك ذكرت بعض الأسماء الثقافية فلا بأس أن أذكر أسماء بعض المعنيين الذين أشرت إليهم في نصي،
فالشخص المعني والذي رفضت عضويته هو الشاعر المغربي إدريس عيسى،وكان رئيس الاتحاد آنذاك هو الشاعر محمد الأشعري صاحب ديوان"صهيل الخيل الجريحة" و و و الخ
والقاص المرحوم الذي كان معروفا باستفزازاته وقد كان صديقا لي هو محمد جبران صاحب المجموعة القصصية"عيوب البطل"،وصاحب النص الشعري هو الشاعر أحمد بنميمون صاحب ديوان "تخطيطات حديثة في هندسة الفقر",والشخص الذ نشره له هو أستاذنا جميعا المرحوم عبد الجبار السحيمي.
وأما أبو الشتاء ـ كان اسمه المتداول بيننا نحن شلة الشباب المتأدب هو بوشتى ـ فقد نشر نصا واحدا لي في صفحة (على الطريق ) بجريدة "المحرر" قبل أن تصبح باسم"الاتحاد الاشتراكي".
ولا اخفيك أنني لا أعرف بنعبد الله أبو القاسم ويوسف رزوقة .
محبات مولانا.
 
التعديل الأخير:
نعم اخي السي مصطفى..
مثقفون من طينة المرحوم عبدالجبار السحيمي نادرون في هذا الزمن العجيب، ابو الشتاء تولى إدارة على الطريق بجريدة المحرر. بنهاية السبعينات، وكان يعلق على النص بأسلوبه المميز المليء بالرموز والمصطلحات. وتلاه فيها إدريس الخوري الذي لم يكتب شعرا في حياته، ولا قصصا جميلة. كان النشر في زماننا شريفا، ينحو باتجاه نشر المعرفة، وتعميم الفكر. . الآن أصبح النشر يخضع لمنطق الربح والخسارة. وأصبح الناشرون لصوصا. وأصبحت المكتبات تحتال على الكتاب بنية ميتة، تعرض عليهم وضع عشر نسخ من كتبهم مع تسليم وصل بعدد النسخ قصد بيعها. وهكذا من دون فائدة..
الأسماء التي ذكرت رؤساء نشروا لي مواد وانا بعمر 17 عام، يوسف رزوقة رئيس الملحق الثقافي بجريدة العمل التونسية، حبيب الصايغ رأس مجلة أوراق اللندنية الصادرة من لندن وصاحب ديوان هنا بار بني عبس والدعوة عامة. بنعبدالله ابو القاسم مثقف جزائري كان يشرف على برنامج ثقافي براديو الجزائر في بداية السبعينات وكان لا يبخل على المتادبين بنصائحه وتوجيهاته، وتعرفت فيما بعد على العديد من أسماء الأدباء أصبحوا كتابا كبيرا.
هذه الخواطر العابرة ذات شجون، واشجان كنا نفتقر إليها في مدن الهامش، لكن اللذة الكبرى هي حينما ينشر لك نص بعد انتظار ثلاثة شهور، أو يذاع على أثير حقيبة الأربعاء بالرباط بصوت الشاعر ادريس الجاي وقد تعتعه السكر ، أو بلسان وجيه فهمي صلاح الفصيح...
الف تحية ومحبة
 
تحية طيبة لك أستاذنا السي المهدي:
المرحوم السي عبد الجبار السحيمي طينة نادرة كما جاء في ردك،وقد حكى لي أحد الأصدقاء الشعراء عنه أنه ـ السحيمي ـ كان يشكل الاستثناء سواء على مستوى حزبه أو على مستوى الجريدة،ويكفي أنه في مظاهرة 1981 ،وعندما اعتقل زعماء الكونفدرالية الديموقراطية للشغل وقف في أحد اجتماعات حزبه واستنكر الصمت المضروب منهم على اعتقال الأموي وشطط السلطة في حقه وفي حق المنظمة.
وبالنسبة للنشر فيبدو لي أن من حق صاحب المطبعة أن يتعامل مع الكتاب حينما ينشره بمنطق الربح والخسارة ،لأن المطبعة هي في المقام الأول محل تجاري وعليها التزامات ضريبية وكرائية.
أخي السي المهدي:
نقاشك هذا معي ذكرني بالزمن الجميل للنقاش ،حينما كنا نحن مجموعة من الشباب في مقهي إكسيلسيور أو فوك (الكاف تنطق جيما مصرية) أو كافي دو فرانس وهي مقاه بالدار البيضاء نبدأ النقاش لكل لا ينتهي حول كتاب أو مقال أو نص شعري ،وكانت ثلة من الأباء تؤثث مجلسنا أذكر منهم صديقي العزيز المرحوم أحمد بركات وعبد الكريم برشيد وصديقي العزيز المرحوم المهدي الودغيري وصديقي الشاعر محمد الصابر وصديق كان محاميا و يكتب الشعر بأناقة ولم يستمر وهو محمد حليم وصديقي العزيز القاص والناقد الدكتور عبد الرحيم جيران والصديق الكاتب والصحافي عبد الرحيم التوراني وغيرها من الأسماء التي كانت مضيئة في سماء الدار البيضاء أدبيا.
بالنسبة للإذاعة فقد كنا نستمتع بصوت إدريس الجاي صاحب ديوان:(سوانح)وصوت الشاعر الرائع وجيه فهمي صلاح،ومؤخرا صوت الشاعر الصديق المرحوم الدكتور محمد عمارة على أمواج إذاعة وجدة،والذي مرر لي في برنامجه(حدائق الشعر)مجموعة من نصوصي وما زلت لحد الآن أحتفظ بتسجيلاتها على الكاسيت ،وقد التقيته عدة مرات في المعرض الدولي للكتاب بالبيضاء ،وقد كنت أشر نصوصي معه في الملحق الثقافي لجريدة العلم رفقة علي الرباوي وحسن الأمراني ومنيب البوريمي ومحمد فريد الرياحي ومحمد لقاح وآخرين.
إنه الزمن الجميل للنقاش وللثقافة عموما.
والتحيات الزاكيات مولانا.
 
اخي السي مصطفى
بعد التحيات، هذه الخواطر شكلت موضوعا ذو شجون حول الأشخاص والأشياء اللصيقة بالحياة العامة، واغبطكم على الدفء الذي تستشعرونه وتنعمون به في فضاءاتكم البيضاوية، ونفتقده هنا في بيدائنا الملغاة من خرائط التنمية.. كانت الأجواء ولا تزال قاحلة بلا أصدقاء نستأنس بهم، ولا مكتبات توفر خدمة للكتاب ولا مقاه هادئة نركن إليها، ولا أصدقاء يقاسموننا الهم الثقافي. اتحسر على إيام زاهية كان فيها رفاق طيبين قبل أن تبعدهم مشاغل الوظيفة. وسبل العيش، كل هؤلاء كانوا جذوة من النشاط والحيوية والظرف وسعة المعرفة.. وكانت اليوسفية وقراها النموذجية قلعة للفكر اليساري، توفر لنا سائر الخدمات الاجتماعية ووسائل الترفيه من رياضات متنوعة وسباحة وتخييم بالمجان..
في تلك الحقبة العمرية المبكرة تبادلنا كتب اليسار الماركسي، وتسجيلات مظفر النواب ومحمود درويش، وعبدالله زريقة، واشرطة خليفة وخالد الهبر وقعبور، وابو عرب، والعاشقين، وفرقة الطريق. ومجلة انفاس، ومجلة الطريق، والثقافة الجديدة والهدف، وجريدة الهدهد التي انشأها أحمد السنوسي بزيز. وكل ما يتعلق بالمختلف عن جوقة النظام. قبل أن يتدخل المخزن بغبائه لزرع خلايا من الحركة السلفية التي أصبحت تعترض سبيل الناس ناهية امرة، محولة المدينة الى قندهار، سيبجني ثمارها في فجر الالفية الثالثة.
كن بخير وسلام
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...